السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

قراءةٌ في قصيدة “القُدْس في عَيْن شاعرةٍ”


“قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ” (سورة الإسراء، الآية: 48).

“القُدْس في عيْن شاعرةٍ” قصيدةٌ للشاعرة الجزائريَّة “وردة أيوب عزيزي”. هي وردةٌ، هي شاعرةٌ.. يتشكّلُ الوَرْدُ من الماء أكثر من أيّ شيء آخر. والوردُ النَّصِيبُ من الماء. إذًا، فليس المُراد هنا عرْض كفاءةِ شاعرةٍ تسْتنْطِق حُروفُها البَياضَ، بل نريد البحثَ عن نقطة التقاءٍ بين التِّلال والوديان. هذه المنطقة “المُتضامِنة” مع وجه الأرض ضدَّ شراسة الطبيعة، فكانت الوردة.

فها هنا تَضامُنُ “وردة أيوب عزيزي” مع زهرة (المَدائن: القدس) ضِدَّ شراسة الحرب التي يشنُّها اليهود الصهاينة. وردة بصفتها الشاعرة وبأكثر تعيين “القدس في عين شاعرة”. هذه هي الصُّورة النِّهائية لـ “وردة”. فلا هي مندهشة بلونها الأحمر ولا بتوهّج خُضابِها. فاللَّون في مَوضعٍ مثل المَوضع الذي فيه الشاعرة هو مَشهَد حزينٌ من لَهبٍ ودماءٍ.

فَمَا مَشاعِرُ الوَرْد نحو أطفالٍ طاروا أشلاء حمراء؟

يُسِيل الورد دموعًا. فها هي الموهبة العظيمة تستدعي في حزنها عيْنَها، والعيْنُ حبيبةٌ وقريبةٌ إلى الروح. الشاعرة وردة أمام شكلها، “تعمل على شاكلتها”، بصفتها الحقيقية دون خِداع. تقول الشاعرة وردة:

هذي حُروفِي نَزِيفٌ في قَوافِيها — فالقدسُ ثكلى وعيْن الشِّعر تَبْكِيها

هذا لونُ الوردة نزيفٌ، وهذا (ماؤها: وَرْدُها)، بكاءٌ. أحِبُّ أنْ أضيف اسمًا آخر للوردة، نَعْتًا بالأحْرى، فأقول: البُحْتُرِيَّة، الصِّفَة المُؤنَّثة للبُحْتري، وقد أجْمع الشعراء بقوْلهم: إنَّما الشاعر البحتري، حَصْرٌ للشِّعر فيه. ونقول: قد وَاردَ شاعرٌ شاعرًا، إذا توافق قوله معه في معنى واحدٍ من غير نقْل أو سَماع. وقد وَارَدتْ الشاعرة “وردة أيوب عزيزي” الشاعرَ البُحتريَّ في تَناصِّها مع قصيدته المشهورة “البِرْكة الحسناء” في مدْح المُتَوكِّل. والتي مطلعها:

مِيلوا إِلى الدَّارِ مِن لَيلى نُحَيِّيها — نَعَم وَنَسأَلُها عَن بَعضِ أَهليها

وتسألُ الشاعرةُ عن القدس، لأنَّ المُدُن تَنْعَم بالسُّؤال عنها، وينعم أهلُها. هذا التَّناصُّ النَّفسي، اللاَّشعوري، هو من سِيرَة الوَرْد أو كما يُطلق عليه في التحليل النفسي المُقترح: “حقبة الورد” أو ” عهد الورد”، والذي يعني المَعالِم الهائلة عن حقائق الوضع السياسي ومِحَن الإنسانية الكبرى عبر التاريخ. ومن تمثُّلاته: “المائِيَات”، استدلالاً بـ “الطوفان” الذي كان في رسْم حياتنا على الأرض في مَدِّها وجزْرها، في الدموع بشكلٍ خاصٍّ.

علاقةُ البِرْكة بالعيْن، بِرْكةُ “المُتوكِّل” التي وصَفها “البُحتري”، وعينُ الشاعرة “وردة أيوب عزيزي” التي تبكي القدسَ هي علاقةِ تشابهٍ، القرينة: الماء، الرّقة. وعلاقةٌ مَجازِيَّةٌ مُتعلِّقةٌ بالغرَض البلاغي وهو الرّثاء.

إنَّ الشاعرة تستحضرُ قصيدةَ البِرْكة لأنَّها بمقام التَّمهيد وتصديرٍ معنوي لسِينِيَّةِ الشاعر “البُحتري” التي كتَبها وهو في حالة حزنه الشديد على مقتل “المُتَوكِّل”. فالتَّناصُّ هنا إذًا لإبداء مشاعر الغضب والاستياء لما تؤول له أحوال الناس في تقلّبِ الحُكْم والحُكّام. تقول الشاعرة:

هذي جراحي وهذا الشَّوقُ يَعزِفُني — بمسرحِ الحُزن غَصَّات أعانِيها

التَّناص حتى على المستوى العروضي في اختيار تفعيلات البحر البسيط. وهو بحرٌ يليق لمشاعر الرِّقَّة ويستجيب إلى تصوير الانفعالات عبر موجته الإيقاعية، ويصلح للرِّثاء.

إنَّ الشاعرة تسْنُد نصّها إلى موسيقى قصيدة بركة المتوكّل، لتمتلِك الدَّليلَ بأنّ القدسَ هي وردةٌ، “وردة الله” التي تكتبُ باسمها، فترتفِع من مستوى زهرةٍ إلى مستوى مدينةٍ مُقدَّسةٍ كأنّها في لواء جيش تمضي لتنقذها، وكأنَّ أمامها فرصة أخيرة وطريقة معيّنة هي “طوفان الأقصى” من غزة، مع عين منفردة للشاعرة، ترجع إلى التاريخ، إلى “صلاح الدين الأيوبي” الذي لها منه اسم “وردة أيّوب”، تسْتصرِخه. وحتى آخر قصيدتها وهي تنادي سلالات الأسُود حتى بقِيَتْ “وردة” هي الأسدُ الأخير. فلا غرابة، فمن أسماء الأسد “ِورْد”.. المنزلة قصيرة الأمد، منزلة الشهادة فِداءً لزهرة المدائن، مَسْرى الرسول صلّى الله عليه وسلم.

أنْ يعمل كلٌّ منا على شاكِلَته، قد يؤدي ذلك إلى إشْباعٍ أو هَوَسٍ. فتحتاج الشاعرةُ إلى قصيدة أطْول، لكنّ اقتصادَها في عدَدٍ من الأبيات مَرَدّه إلى أملِ أنْ تنتهي هذه المعاناة التي يعيشها إخواننا في غزة، أنْ تنتهي في أيّام قليلة. وينتهي الانتظار الطويل للنصر.

لقد ابتكرت الشاعرة “وردة أيّوب عزيزي”، ومعها حق، طريقةً جديدةً لتُفْسِح للشعر ما يمكثنه قوْله ضمن التَّناصَّات النَّفسية، حينما يتعلّق موضوعُ الشِّعر بقضيةٍ قديمة مُستمرَّةٍ مثل القضية الفلسطينية التي نمَتْ في التاريخ مثلما نَمتْ في عواطفِنا العربية. نشأنا عليها في البيوت وفي المدارس وفي الوسط الاجتماعي والثقافي والسياسي في بلدنا، حتى صارتْ زهرة رسميَّةً تستحِقُّ الآن أكثر من أيّ وقت مضى أنْ نرعاها ونسقِيها بالدموع وبالدماء.

في قصيدة ” القدس في عين شاعرة” للشاعرة الجزائرية “وردة أيوب عزيزي” تَمْثيلات أخرى عديدة لأجل دراستها دراسةً شاملة، لكني رافقتُ “الوردة” لإبراز الدّم، الدم نفسه يشهد على صدْق الشاعرة من اسمها وعنوان قصيدتها.. العَتَبة النصية التي تتبّعتها إلى “القدس الشريف” ابتداء من خلفيتها التاريخيَّة إلى طوفان الأقصى.

القُدْس في عَيْن شاعرةٍ

هَـذي حُـروفِي نَزيـفٌ في قَوافِيها

فالقُـدْسُ ثَكلى وعينُ الشِّعْرِ تَبْكيها

هذي جِراحي وهذا الشَوْقُ يَعْزِفُني

بمَسْرحِ الْحُزْنِ غَصّـــاتٍ أُعانِــيها

يظلُّ دَمْـعي يَبـيتُ اللـيْـلَ مُنهَـمِراً

وذي سُطوري وأنّاتِي قَوافـيها

بِحُرقةٍ كأتـونِ النَّـــــارِ تُشعِلُـني

يا ربُّ يا مُرتَجى كنْ أنتَ مُطْفِيها

القـدسُ نـورُ السَّمَا والكونِ أجْمَعِهِ

مـنــــارةُ العـُرْبِ للأوطــان تُعْلِيـــها

القُدسُ والحُبُّ والأحْجَارُ أسْلِحَتي

بالـجُودِ والـنُبـلِ والإيـثارِ أحْويها

نَـحْـنُ الحـُمَـاةُ عَسى الرحمانُ يَنْصُرُنا

فللشـــــهـادةِ آلاءٌ سَـــتُســـــديهـــا

عـزُّ الـبلادِ وفـَخْرُ العـُرْبِ قاطبةً

دوماً ستـَحْيا وليتَ الفـخـرَ يَكْفـِيها

فالـقـدسُ أمُّ لنا والـدينُ منْهجـُنا

والحـُسْـنُ جَـمَّـلَها والصـّبْرُ آسـِيـها

قدْ حَصْحصَ الحقُ منْ طوفانِ مِحْنَتِها

منْ غزة المجدِ أسلافًا تُحَيِّـيها

يرتّلُ المجدُ منْ أذكارِ سُنَّتِها

فالقدسُ صُبحٌ وشَجْوُ النايِ يُرثيها

والقدسُ في دمنا نورٌ نُضيء به

ما كـان من ظُـلَمٍ أدْمـتْ ليــاليــها

يا أمةَ الخيرِ والقرآنِ مَنْهجها

القدسُ تبكي فهلْ بالروحِ نفديها؟

عاثَ اليهودُ فسَادًا في مَرابعها

وعَرْبَدَ الحُزنُ في أقصى ضَواحِيها

القدسُ تستصرخُ الفرسانَ نخوتَهُم

فأينَ: أينَ صلاح الدين يَحميها

مَسرى الرسول ينادي أمَّةً غفلتْ

عَنْ حَقها وتناستْ (كُلَّ) ماضِيها

أمجادُ أجداِدنا مَنْ ذا سَيُرجُعها

إلاَّ الأسودُ التي لمْ تنسَ بارِيـها

نحـنُ الأسودُ ودَربُ الغَدْرِ نَمْقـُتُهُ

نـَفديكَ يا قدّسُ والرّاياتِ نُـعـْليـها