الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

قراءة في أسرار فرنسا “الموازية”..  جاك فوكار.. سفّاح الجمهورية الديغولية المجهول (الجزء الثاني)

X Facebook TikTok Instagram

قبل أن تكون “باريس” عاصمة النور والعطور التي يحلم السيّاح بزيارتها، كانت عاصمة للسّموم والقذارة والروائح الكريهة النفّاذة التي تُشمّ على بعد أميال. وقبل أن تحمل شوارعُها أسماء: الشانزليزيه، دي ريفولي، بوليفارد هوسمان، مونمارتر، رين.. كانت تحمل أسماء لها علاقة بالمَسالخ والدّم والذبائح مثل: قدم البقر (Rue du Pied de Boeuf)، الكَرْشَة (Rue de la Triperie).. “شوارع باريس كانت أشبه بحساءٍ له رائحة كبريتيّة، حيث تلقي فيها العائلات بقاذوراتها وفضلات أفرادها من النوافذ.. وفي يومي الخميس والجمعة، لم يكن أمام الباريسيين خيارٌ سوى السَّير وسط بوصاتٍ من الدماء المُتكاثفة التي تُلقيها المسالخ في الشوارع.. كانت قذارة باريس لا مفرّ منها، تلتصق بلا رحمة بالملابس، وجوانب المباني، وداخل فتحات الأنف.. ومن الحركة الدائمة للمارّين، يتحوّل التراب إلى زيت أسود كثيف ودهني، بحيث لا يمكن لأيّ فنٍّ أن يغسله”. هذه هي العاصمة “باريس” كما وصفتها الكاتبة “هولي تاكر” في كتابها “مدينة النور، مدينة السموم: القتل والسحر وأول رئيس شرطة في باريس”.

أما المؤرخ الفرنسي “دريبار” فيقول: “نحن الأوروبيون مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرّفاه في حياتنا العامة، فالمسلمون علّمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا. إنهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيّرون ثيابهم إلا بعد أن تتّسخ وتفوح منها روائح كريهة…” (من كتاب “الحضارة” للمفكر والمؤرخ المصري “حسن مؤنس”).

تطهّرت “باريس” من قذارتها الظاهرة، وصارت أشهر مدينة للعطور في العالم، غير أنها لا تزال تحتفظ بأقذر ما فيها من شرٍّ ونزعة استعمارية للهيمنة على الشعوب الآمنة ونهب ثرواتها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ولعل وجود فرنسا ضمن الدول الكبرى مرهونٌ بحفاظها على قذارتها.. ولا يزال ورثة الفكر الاستعماري الفرنسي يحلمون بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، ويعملون من خلال أجهزة أمنية هجينة تتخفّى وراء وكالات إعلامية وسياحية وشركات تجارية ومنظمات وجمعيات مدنية ومراكز بحوث ودراسات.. يعملون على تخريب اقتصاديات الأوطان، وزعزعة استقرار الدول، ونشر الإرهاب والعنف، وبثّ الأفكار الهدّامة في المجتمعات، وغيرها من الأعمال الشيطانية التي تؤكّد بأن كل عطور باريس لا تكفي لتزيل عنها رائحة القذارة التاريخيّة والرّاهنة!

وتلك الأجهزة الأمنية الهجينة تتغذّى وتُؤمّن تمويلها وميزانياتها الضخمة من التجارة في المخدّرات وأعمال الدّعارة والقمار وبيع الأسلحة وكل الأعمال السوداء التي تدرّ أرباحا طائلة. وهي لا تخدم بالضرورة البلدان التي تنتمي إليها، فقد تخدم أيضًا أفرادا أو مجموعات في ميادين السياسة أو الاقتصاد أو قوى الضغط وكل التنظيمات الخفيّة التي تريد بسط هيمنتها ونفوذها عبر مختلف أنحاء العالم. وهذا ما يفسّر وجودها المتخفّي تحت شركات اقتصادية وتجارية في بلد مثل الإمارات والمغرب..

هي باختصار أجهزة في خدمة عَبَدة الشيطان وأعداء الحياة والإنسان، تتبنّى فكرة “الإنسان الأعلى” (السوبرمان) للفيلسوف الألماني “نيتشه” الذي يرى بأنه يتوجّب على النُّخبة القوية أن تسحق الشعوب الضعيفة التي هي مجرّد حشرات مهما سُحِقت فإنها لا تفنى.. وهي فكرة تتقارب إلى حدٍّ كبير مع الرؤية التلمودية الصهيونية التي ترى في الأغيار (غير اليهود) بأنهم حيوانات خلقها الله في صورة بشر لخدمة اليهود!

حول قذارة “باريس” التي لم تغسلها القرون ولا تستطيع أكثر مواد التنظيف تطوّرا أن تغسلها، يعرض علينا الكاتب والمؤرخ والديبلوماسي الجزائري “محمد الميلي” (1929 – 2016) قراءة في كتاب صدر عام 1975 بعنوان “ملف ب … كعملاء سريين: فرنسا موازية، تلك التي تتعلق بالأعمال القذرة للسلطة في فرنسا” (Dossier B … comme barbouzes: Une France parallèle celle des basses-oeuvres du pouvoir en France).

ينطلق الكتاب في تتبّع جهاز استخباراتي فرنسي موازي للجهاز الرسمي، ظهر بصفة رسمية عام 1958 تحت تسمية “ساك” أو “مصلحة نشاط الأخلاق المدنية” في شكل جمعية مُسيَّرة حسب قانون الجمعيات الصادر عام 1901. وكان من بين أعضائه شخصيات سياسية واقتصادية وعسكرية ومُدراء بنوك وشركات بترولية.. وامتدّ نشاطه من داخل فرنسا، حيث كان يؤثّر في صناعة الرؤساء: من رئيس الدولة إلى رئيس البلدية.. امتدّ إلى خارج فرنسا والقارة الأوروبية، ووصل نشاطه إلى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث أنجز مهمات كثيرة في اغتيال الرؤساء والشخصيات السياسية الفاعلة، وخطّط ونفذ للانقلابات، وأثار الفوضى والفتن في دول كثيرة، ودعم الحركات الانفصالية، وزوّر عُملات عددٍ من البلدان الإفريقية وأغرق الأسواق بها.. وقد تركّز نشاطه بشكل أساسي في إفريقيا الغربية أو ما يُعرف بـ “الساحل الإفريقي”.

كان هذا التنظيم السرّي (أو الموازي) يضمّ في شبكته عناصرا من عالم الإجرام والنازية والعداء لفرنسا ذاتها.. “ويُسجّل المؤلِّف أن التنظيم السرّي المذكور لم يكن يتشدّد في انتقاء العناصر، طالما تتوفّر فيها الشروط المطلوبة، أي أنه لم يكن الماضي يُؤخذ بعين الاعتبار. وبذلك وقع الاعتماد على عناصر كانت قد اشتغلت مع (نظام فيشي) أو مع سلطات الاحتلال الألماني، لكن فيما إذا كان العنصر المطلوب معروفا جدا في منطقته بأنه كان يتعاون مع الاحتلال النّازي، فتُزوَّر له شهادة نضال ومشاركة في المقاومة، ثم يُوجه إلى مدينة أخرى لا يكون فيها معروفا. أمّا شهادات النضال نفسها فقد كانت تُطبع بالجُملة في بلجيكا”.

كما يُحدّثنا الكِتاب عن مهندس هذا التنظيم، “جاك فوكار” الذي “كان من مكتبه – في رئاسة الجمهورية الفرنسية – يصنع حكومات إفريقية، ويوجه خيوطها”. وأسّس ما يُعتبر “إمبراطورية” لصناعة الإرهاب وتجارة السلاح والمخدّرات واغتيال الشخصيات وإحداث الانقلابات وتزوير العُملات.. في بلدان إفريقيا الغربية خاصة. وأفرد الكتاب فصلا للحديث عن تفاصيل عملية اختطاف المعارض المغربي “المهدي بن بركة”.

ما يمنح هذا الكتاب قيمة تاريخية أنه اعتمد على شهادات عناصر انتمت إلى هذا التنظيم الفرنسي الهدّام، من ذلك هذه الشهادة حول محاولات زعزعة ثورة التحرير الوطني، يقول الشاهد: “كان علينا أن نفتعل عمليات تصفية حسابات بين الجزائريين، كما كان علينا أن نقتل بعض الناس. وكان ذلك عملا سهلا، كنا نصل في سيارة أو اثنتين، إلى الحي العربي (باب إیكس) في مرسيليا، أو حي (باربيس) في باريس، ونقف أمام مقهى يُعيّن مسبقًا، ثم نطلق قنبلة أو اثنتين ونصحبها بطلقات رشاشة..

وكان علينا أيضا أن نضطلع بعمليات أصعب، مثل استنطاق بعض من يُلقى عليهم القبض، ومثل إخفاء جثث الذين يُقتلون في محافظة البوليس لكي نلقي بها في نهر السين. وعندما نضع أيدينا على عنصر من الجبهة (جبهة التحرير الوطني) مُكلّف بجمع الأموال، نقتسم الغنيمة أخماسًا، فحتى الشرطي الرسمي لم يكن يتعفّف عن أخذ نصيبه. وباختصار لقد كان مسؤولونا عند كلمتهم ما عدا شيئا واحدا لم ينفّذوه وهو تطهير سجِلّ السوابق”.

من المُجدي الإشارة إلى أنّ هذا التنظيم الموازي عُرف بتسميات عديدة منها “شبكة الاستخبارات الديغولية” لأنه كان يهدف – أو هكذا نفهم – إلى إعادة “ديغول” إلى حكم فرنسا، غير أنّه صار ذراعًا لرؤساء فرنسيين، وصار له ورثةٌ ابقوا على نشاطاته في مختلف أنحاء العالم، وليس هناك ما يُفيد بأنه انتهى وطُويَت صفته، بل إنّ الأحداث تؤكّد بأنه تغوّل وأمسى أكثر شراسة وخطورة.. عمّا تحدّث عنه الكِتاب. ولن نطيل على القارئ أكثر، ونتركه يُبحر في المقال الذي نشره “محمد الميلي” بمجلة “الأصالة” الجزائرية في شهر ماي 1976، تحت عنوان: “في فرنسا: شبكات التخريب والتهريب تنبع من السلطة”.

إمبراطورية “جاك فوكار”

بعد تعريفٍ موجز بهذا التنظيم وأصوله – وهو موضوع الفصل الأول – يُخصّص المؤلِّف الفصلَ الثاني من الكتاب للتعريف بمهندس هذا التنظيم الذي وضع أساسه الأول وطوّره، وهو “جاك فوكار”. وقد اشتهر اسم “فوكار” بصفة خاصة في إفريقيا السوداء، عندما كان من مكتبه – في رئاسة الجمهورية الفرنسية – يصنع حكومات إفريقية، ويوجه خيوطها. فمن هو “جاك فولكار”؟

بدأ حياته في عام 1938 – وعمره آنذاك خمس وعشرون سنة – بإنشاء شركة صغيرة للتوريد والتصدير. جُنِّد في الجيش مع قيام الحرب في عام 1938، وتم تسريحه من الجيش في شهر جويلية 1940، فعاد إلى الحياة المدنية بإنشاء شركة للفحم. ولا يلبث بعد ذلك أن انضمّ إلى المقاومة في عام 1942، ليصبح في عام 1943 على رأس شبكة واسعة للمقاومة.

وبعد أن يقدِّم المؤلِّف شهادات تؤكد غموض شخصية “فوكار”، إذ يفهم منها أنه كان في الوقت نفسه، الذي يشتغل فيه مع المقاومة الديغولية، يتعاون تجاريا مع الألمان ممّا مكّنه من تحقيق أرباح كبيرة. يسلّط المؤلِّف الضوءَ على فترة التدريب التي قضاها في جهاز الاستخبارات البريطانية في أكتوبر 1944، ويسوق في هذا الصدد شهادة أحد أساتذته الإنكليز في هذا التدريب، إذ يقول: “كان يبدو كما لو أنه خُلق ليتخصّص في الاستخبارات. كان الأول في الترتيب. وكانت له مقدرة كبرى على تجميع عناصر المعلومات واستنطاقها، ممّا يمكنه من التعرّف بسرعة على نقطة الضعف في جهاز العدو، ويسمح له بأن يضبط بسرعة حلّ مشكلٍ معقد”.

طلب إليه الجنرال “ديغول”، في أكتوبر 1945، أن يترشّح للانتخابات التشريعية، فقبِل، ثم تخلّى لفائدة “جاك سوستيل” الذي كان مسؤوله في التنظيم الديغولي السّري.

وفي عام 1946، عاد إلى نشاطه التجاري الأسبق، فأنشأ “الشركة الفرنسية للتصدير والتوريد”، وهي أولى شركات عديدةٍ ستسمح بتمويل جهاز الاستخبارات الديغولي، وقد تخصَّصت في العلاقات مع أقطار ما وراء البحار. وقد أصبح في 1949 مكلّفا، داخل حركة “تجمع الشعب الفرنسي”، بأقطار ومحافظات “ما وراء البحار”، ليصبح عام 1952 هو الأمين العام للحركة الديغولية المذكورة.

وبعدما تخلّى “ديغول” عن الحكم، بعد فشله في فرض مشروعه الدستوري، ظل “جاك فوكار” إلى جنبه، معتمدا في تمويل جهازه السرّي على الشركات التجارية التي يُنشئها هنا وهناك.

وقد أصبح دوره الأساسي يتلخّص في التهيئة لعودة الجنرال “ديغول” إلى الحكم، ومن ثم لعب دورا كبيرا في حركة 13 ماي 1958. وبعد أن أصبح الجنرال “ديغول” رئيسا للجمهورية، استقر “فوكار” إلى جنبه كمستشارٍ خاص مُكلّف بشؤون “المجموعة الفرنسية”. وفي عام 1960 تم تعيينه أمينا عاما للمجموعة.

وقد أنشأ في 1959 شركة أخرى للتصدير والتوريد، وأعقبها بإنشاء تسع شركات أخرى خلال السنوات التالية. وقد تخصّصَت بعض هذه الشركات في بيع الأسلحة والمعدات الحربية. ولكي يتم تأمين تمويل جهاز الاستخبارات الديغولي السرّي، أنشِئت شركات أخرى وهميّة، حتى يتمّ نقل مبالغ العملة الصعبة عبر شبكات مُعقدّة حتى لا تظهر العلاقة بين جهاز الاستخبارات والشركات التجارية الفوكاردية.

ولإعطاء صورة عن كيفية تنظيم هذه الشركات وأهدافها وكيف تنسج خيوطها، يضرب المؤلِّف المثل بنشاطها في منطقة الخليج العربي فيقول: كانت الإمارات العربية في ساحل القراصنة بالخليج وشط العرب تتهيأ، خلال سنوات (1968 – 1971) للحصول على الاستقلال التام في عام 1972، وبعض هذه الإمارات مثل “أبو ظبي”.. لها موارد بترولية، أي مالية معتبرة. وبعضها لها موارد محدودة وعليها أن تكتشف وسائل أخرى. وتلك هي وضعية إمارة “الشارقة” التي أنشأت في عام 1971 شركة طيران وبحرية بهدف مضاعفة القنوات التجارية، وقد أنشئت هذه المصلحة الرسمية لـ “الشارقة” بمبادرة من “جان كلود سيغال”، وهو أحد الرجال الذين يعتمد عليهم “كريستيان كالفي” الذي كان مسؤولا عن القطاع المالي في أجهزة “فوكار”.

وقد كان “كريستيان كالفي” هذا ينتقل في تلك الفترة بين أوروبا واليونان.. والخليج، وكان أحيانا يستعمل جواز سفر بريطاني باسم “ستيفان شاندلیر”، وأحيانا أخرى يستعمل جواز سفر سويسري باسم “غاستون برنسي”. ويواصل الكاتب وصف هذه الشركات الغربية التي أنشِئت بمجرد دفع ثلاثة آلاف دولار فقط، إذ أنّ مُؤسِّسيها لا يُطلب منهم إقامة الدليل لإثبات رأس المال الذي يدّعون أنهم يُخصِّصونه للشركة.

ثم يقول: “أنشأت هذه الشركة فروعا لها في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، باستعمال شبكة من الوكالات التجارية تمتد من أثينا إلى ميامي، ومن لندن إلى روما، مرورا بجنيف وزوريخ وباريس وبروكسل. وبما أن المقرّ الرسمي لهذه الشركة يوجد في بلد عربي، فإن ذلك يسمح لها بأن تُستقبل استقبالا حسنا من طرف بلدان العالم الثالث”.

وهكذا بدأ تنظيم الميدان الخاص بـ “فوكار”.. فقد اقترن اسمه بجميع الأحداث السياسية الهامة التي وقعت في إفريقيا السوداء وفي بلدان أخرى من العالم الثالث. وقد قام السيد “بيير ماري دي لام”، وهو من أوائل مساعديه، بعدّة مهامٍّ لحسابه في إفريقيا السوداء فيما بين (1959 – 1969). وقد غادر السيد “بییر ماري دي لام” تنظيم “فوكار”، وتعرّض بعد ذلك إلى محاولة اغتيال مرّتين، المرة الأولى في “دوسيلدورف” عام 1969، والمرة الثانية في مدينة “بال” عام 1971. وقد قبل أن يُدلي بشهادته.

ثم يسوق المؤلف شهادة هذا العون من أعوان “فوكار”، الذي تخلّى عنه، ويصف فيها كيف وضع “فوكار” رجاله في كل المناصب الحسّاسة في المحافظات سواء في فرنسا أو في أقطار ما وراء البحار. وفي هذا الإطار يصف المؤلف الظروف التي تمّ فيها اغتيال الزعيم الكاميروني، “فليكس مومبي”، في سويسرا بأمر من “فوكار”، وبمساعدة صحافي فرنسي كان يلعب على حبلَين. كما يشير إلى أن “فوكار” هو الذي نظّم محاولة اغتيال وهمية ضد الجنرال “ديغول” حتى يتمّ تبرير أعمال العنف ضد منظمة الجيش السري (هي منظمة إرهابية فرنسية (OAS) نفّذت سلسلة من الجرائم الوحشية والاغتيالات والتفجيرات في الجزائر، واستهدفت كل ما له صلة بالشعب الجزائري).

كما يتحدّث المؤلّف بإسهاب عن تدخّلات جهاز “فوكار” في شؤون إفريقيا السوداء، فيقدّم شهادة لأحد أعوان “فوكار” السابقين يتحدّث فيها عن تفاصيل العمليات التي ضُبطت من أجل قلب نظام الرئيس “سيكوتوري” – رئيس غينيا آنذاك – لأنه رفض التصويت بـ “نعم”، في استفتاء 1958.

وبعد استقلال الجزائر، أصبحت إفريقيا من اختصاص “فوكار”، أي خارجة عن نطاق وزارة الخارجية الفرنسية. ويسلّط المؤلِّف بعض الأضواء على نشاط تنظيم “فوكار” في إفريقيا، فيقول: “كان أحد أعوان فوكار في الكونغو البلجيكي سابقا، هو أندري لاباي، الذي ظهر تورّطه – بعد ذلك بسنوات – في قضية مخدّرات، قد أصبح مسؤول الاستخبارات لدى سيريل أدولا، رئيس وزراء الكونغو. وقد تولّى آنئذ، لحساب فوكار، مراقبة عدة شبكات لتهريب الأحجار الكريمة (الديامنت).. ولم يكن (الكونغو – برازافيل) بمنجاة من شبكات فوكار، وطالما كان فولبير يولو هو الذي يمسك بزمام الحكم هناك، أي إلى غاية 13 أوت 1963، فلم يكن هناك أي مشكل أمام شبكات فوكار. بل لقد أصبح (الكونغو – برازافيل) آنذاك قاعدة أساسية من قواعدها. فقد كان صحافيان هما اللّذان يتولّيان استقبال بريد الشبكة وتوزيعه من خلال وكالة صحافية وهمية هي: هادلین بریس أجانسي (صندوق بريد 2110 برازافيل). وكان كل من دانیال بوجي وجان ماري لوران يقومان بعدّة مهام بين: برازافيل، أبيدجان، باريس، بون”.

ثم ينقل المؤلف شهادة صحافي كان يشتغل في وكالة الأنباء الفرنسية، وكان يعمل في شبكات “فوكار” تحت اسم مستعار هو “جيلبير شارقيل”. وقد جاء في هذه الشهادة ما يلي: “كنا نتردّد على مواعيد تُضبط في بون، بألمانيا الغربية، مع بيير جولي وهو متطرّف بلجيكي يزودنا بالمرتزقة وبالخبراء في حرب العصابات. وكان أحد الأمكنة المفضلة للقاءاتنا حانة إيفال بار، الذي كان صاحبه أحد أعوان فوكار المقيمين في ألمانيا الغربية”.