الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

قراءة في أسرار فرنسا “الموازية”.. ديغول وسلالة القتلة “النبلاء” (الجزء الثالث)

Author
محمد ياسين رحمة 01 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

قبل أن تكون “باريس” عاصمة النور والعطور التي يحلم السيّاح بزيارتها، كانت عاصمة للسّموم والقذارة والروائح الكريهة النفّاذة التي تُشمّ على بعد أميال. وقبل أن تحمل شوارعُها أسماء: الشانزليزيه، دي ريفولي، بوليفارد هوسمان، مونمارتر، رين.. كانت تحمل أسماء لها علاقة بالمَسالخ والدّم والذبائح مثل: قدم البقر (Rue du Pied de Boeuf)، الكَرْشَة (Rue de la Triperie).. “شوارع باريس كانت أشبه بحساءٍ له رائحة كبريتيّة، حيث تلقي فيها العائلات بقاذوراتها وفضلات أفرادها من النوافذ.. وفي يومي الخميس والجمعة، لم يكن أمام الباريسيين خيارٌ سوى السَّير وسط بوصاتٍ من الدماء المُتكاثفة التي تُلقيها المسالخ في الشوارع.. كانت قذارة باريس لا مفرّ منها، تلتصق بلا رحمة بالملابس، وجوانب المباني، وداخل فتحات الأنف.. ومن الحركة الدائمة للمارّين، يتحوّل التراب إلى زيت أسود كثيف ودهني، بحيث لا يمكن لأيّ فنٍّ أن يغسله”. هذه هي العاصمة “باريس” كما وصفتها الكاتبة “هولي تاكر” في كتابها “مدينة النور، مدينة السموم: القتل والسحر وأول رئيس شرطة في باريس”.

أما المؤرخ الفرنسي “دريبار” فيقول: “نحن الأوروبيون مدينون للعرب بالحصول على أسباب الرّفاه في حياتنا العامة، فالمسلمون علّمونا كيف نحافظ على نظافة أجسادنا. إنهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيّرون ثيابهم إلا بعد أن تتّسخ وتفوح منها روائح كريهة…” (من كتاب “الحضارة” للمفكر والمؤرخ المصري “حسن مؤنس”).

تطهّرت “باريس” من قذارتها الظاهرة، وصارت أشهر مدينة للعطور في العالم، غير أنها لا تزال تحتفظ بأقذر ما فيها من شرٍّ ونزعة استعمارية للهيمنة على الشعوب الآمنة ونهب ثرواتها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ولعل وجود فرنسا ضمن الدول الكبرى مرهونٌ بحفاظها على قذارتها.. ولا يزال ورثة الفكر الاستعماري الفرنسي يحلمون بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، ويعملون من خلال أجهزة أمنية هجينة تتخفّى وراء وكالات إعلامية وسياحية وشركات تجارية ومنظمات وجمعيات مدنية ومراكز بحوث ودراسات.. يعملون على تخريب اقتصاديات الأوطان، وزعزعة استقرار الدول، ونشر الإرهاب والعنف، وبثّ الأفكار الهدّامة في المجتمعات، وغيرها من الأعمال الشيطانية التي تؤكّد بأن كل عطور باريس لا تكفي لتزيل عنها رائحة القذارة التاريخيّة والرّاهنة!

وتلك الأجهزة الأمنية الهجينة تتغذّى وتُؤمّن تمويلها وميزانياتها الضخمة من التجارة في المخدّرات وأعمال الدّعارة والقمار وبيع الأسلحة وكل الأعمال السوداء التي تدرّ أرباحا طائلة. وهي لا تخدم بالضرورة البلدان التي تنتمي إليها، فقد تخدم أيضًا أفرادا أو مجموعات في ميادين السياسة أو الاقتصاد أو قوى الضغط وكل التنظيمات الخفيّة التي تريد بسط هيمنتها ونفوذها عبر مختلف أنحاء العالم. وهذا ما يفسّر وجودها المتخفّي تحت شركات اقتصادية وتجارية في بلد مثل الإمارات والمغرب..

هي باختصار أجهزة في خدمة عَبَدة الشيطان وأعداء الحياة والإنسان، تتبنّى فكرة “الإنسان الأعلى” (السوبرمان) للفيلسوف الألماني “نيتشه” الذي يرى بأنه يتوجّب على النُّخبة القوية أن تسحق الشعوب الضعيفة التي هي مجرّد حشرات مهما سُحِقت فإنها لا تفنى.. وهي فكرة تتقارب إلى حدٍّ كبير مع الرؤية التلمودية الصهيونية التي ترى في الأغيار (غير اليهود) بأنهم حيوانات خلقها الله في صورة بشر لخدمة اليهود!

حول قذارة “باريس” التي لم تغسلها القرون ولا تستطيع أكثر مواد التنظيف تطوّرا أن تغسلها، يعرض علينا الكاتب والمؤرخ والديبلوماسي الجزائري “محمد الميلي” (1929 – 2016) قراءة في كتاب صدر عام 1975 بعنوان “ملف ب … كعملاء سريين: فرنسا موازية، تلك التي تتعلق بالأعمال القذرة للسلطة في فرنسا” (Dossier B … comme barbouzes: Une France parallèle celle des basses-oeuvres du pouvoir en France).

ينطلق الكتاب في تتبّع جهاز استخباراتي فرنسي موازي للجهاز الرسمي، ظهر بصفة رسمية عام 1958 تحت تسمية “ساك” أو “مصلحة نشاط الأخلاق المدنية” في شكل جمعية مُسيَّرة حسب قانون الجمعيات الصادر عام 1901. وكان من بين أعضائه شخصيات سياسية واقتصادية وعسكرية ومُدراء بنوك وشركات بترولية.. وامتدّ نشاطه من داخل فرنسا، حيث كان يؤثّر في صناعة الرؤساء: من رئيس الدولة إلى رئيس البلدية.. امتدّ إلى خارج فرنسا والقارة الأوروبية، ووصل نشاطه إلى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث أنجز مهمات كثيرة في اغتيال الرؤساء والشخصيات السياسية الفاعلة، وخطّط ونفذ للانقلابات، وأثار الفوضى والفتن في دول كثيرة، ودعم الحركات الانفصالية، وزوّر عُملات عددٍ من البلدان الإفريقية وأغرق الأسواق بها.. وقد تركّز نشاطه بشكل أساسي في إفريقيا الغربية أو ما يُعرف بـ “الساحل الإفريقي”.

كان هذا التنظيم السرّي (أو الموازي) يضمّ في شبكته عناصرا من عالم الإجرام والنازية والعداء لفرنسا ذاتها.. “ويُسجّل المؤلِّف أن التنظيم السرّي المذكور لم يكن يتشدّد في انتقاء العناصر، طالما تتوفّر فيها الشروط المطلوبة، أي أنه لم يكن الماضي يُؤخذ بعين الاعتبار. وبذلك وقع الاعتماد على عناصر كانت قد اشتغلت مع (نظام فيشي) أو مع سلطات الاحتلال الألماني، لكن فيما إذا كان العنصر المطلوب معروفا جدا في منطقته بأنه كان يتعاون مع الاحتلال النّازي، فتُزوَّر له شهادة نضال ومشاركة في المقاومة، ثم يُوجه إلى مدينة أخرى لا يكون فيها معروفا. أمّا شهادات النضال نفسها فقد كانت تُطبع بالجُملة في بلجيكا”.

كما يُحدّثنا الكِتاب عن مهندس هذا التنظيم، “جاك فوكار” الذي “كان من مكتبه – في رئاسة الجمهورية الفرنسية – يصنع حكومات إفريقية، ويوجه خيوطها”. وأسّس ما يُعتبر “إمبراطورية” لصناعة الإرهاب وتجارة السلاح والمخدّرات واغتيال الشخصيات وإحداث الانقلابات وتزوير العُملات.. في بلدان إفريقيا الغربية خاصة. وأفرد الكتاب فصلا للحديث عن تفاصيل عملية اختطاف المعارض المغربي “المهدي بن بركة”.

ما يمنح هذا الكتاب قيمة تاريخية أنه اعتمد على شهادات عناصر انتمت إلى هذا التنظيم الفرنسي الهدّام، من ذلك هذه الشهادة حول محاولات زعزعة ثورة التحرير الوطني، يقول الشاهد: “كان علينا أن نفتعل عمليات تصفية حسابات بين الجزائريين، كما كان علينا أن نقتل بعض الناس. وكان ذلك عملا سهلا، كنا نصل في سيارة أو اثنتين، إلى الحي العربي (باب إیكس) في مرسيليا، أو حي (باربيس) في باريس، ونقف أمام مقهى يُعيّن مسبقًا، ثم نطلق قنبلة أو اثنتين ونصحبها بطلقات رشاشة..

وكان علينا أيضا أن نضطلع بعمليات أصعب، مثل استنطاق بعض من يُلقى عليهم القبض، ومثل إخفاء جثث الذين يُقتلون في محافظة البوليس لكي نلقي بها في نهر السين. وعندما نضع أيدينا على عنصر من الجبهة (جبهة التحرير الوطني) مُكلّف بجمع الأموال، نقتسم الغنيمة أخماسًا، فحتى الشرطي الرسمي لم يكن يتعفّف عن أخذ نصيبه. وباختصار لقد كان مسؤولونا عند كلمتهم ما عدا شيئا واحدا لم ينفّذوه وهو تطهير سجِلّ السوابق”.

من المُجدي الإشارة إلى أنّ هذا التنظيم الموازي عُرف بتسميات عديدة منها “شبكة الاستخبارات الديغولية” لأنه كان يهدف – أو هكذا نفهم – إلى إعادة “ديغول” إلى حكم فرنسا، غير أنّه صار ذراعًا لرؤساء فرنسيين، وصار له ورثةٌ ابقوا على نشاطاته في مختلف أنحاء العالم، وليس هناك ما يُفيد بأنه انتهى وطُويَت صفته، بل إنّ الأحداث تؤكّد بأنه تغوّل وأمسى أكثر شراسة وخطورة.. عمّا تحدّث عنه الكِتاب. ولن نطيل على القارئ أكثر، ونتركه يُبحر في المقال الذي نشره “محمد الميلي” بمجلة “الأصالة” الجزائرية في شهر ماي 1976، تحت عنوان: “في فرنسا: شبكات التخريب والتهريب تنبع من السلطة”.

حرب “بيافرا” الانفصالية في نيجيريا

نشطت أجهزة “فوكار” خلال حرب “بيافرا” الانفصالية (1967 – 1970) فساعدت الانفصاليين بالأسلحة. وعندما فشل الانفصاليون في “بيافرا”، حاولت أجهزة “فوكار” الاستيلاء على بعض الوثائق التي تُبرز مدى تورّط فرنسا الرسمية مع زعماء “بيافرا”. وقد توصّل أحد أعوان “فوكار” إلى استخراج هذه الوثائق التي كانت مُودعة في خزانة رجل صناعة ألماني في أبيدجان عاصمة ساحل العاج. لكن تبيّن فيما بعد أنّ نسخًا مماثلة كانت مُودعة في مكان أمين في بنك من بنوك لندن. وقد أصبح “الغابون” أحد القواعد الأساسية لتنظيم “فوكار”، حيث ينتقل أعوانه في صورة مستشارين تجاريّين ورجال أعمال يعملون في شركات خفيّة الاسم. وقد قامت ببناء مصنع تبريد في “ساحل العاج” عام 1961.. ويسجّل المؤلف أن إحدى هذه الشركات وهي شركة “مارتمير” معتمدة بصفة رسمية لدى وزارة الدفاع الفرنسي لتقوم بصفقات أسلحة ومفجّرات تبيعها للخارج.

للإشارة: يقصد المؤلف بحرب بيافرا الانفصالية في نيجيريا، أخطر حركة انفصالية في القارة الإفريقية (1967 – 1970) تسبّبت باندلاع حرب أهلية ذهب ضحيتها أكثر من مليون ونصف مليون قتيل.

تجارة المخدرات وتزوير العُملات في العالم الثالث

ومن بين الأعمال التي تخصّصَت فيها أجهزة “فوكار” هي تزوير العُملات الأجنبية، وخاصة عملات العالم الثالث، وإغراق أسواق العالم الثالث بالعملات المزيّفة. ويتحدّث المؤلِّف في هذا الفصل عن شخصيات متورّطة في عمليات التزوير هذه، مدراء بنوك وموظفون سامون في إدارة المالية، ومراقب عام بوليس إلخ.. ولا تتورّع أجهزة “فوکار”، لتضمن تمويل برامجها، عن ممارسة تجارة المخدرات، فقد ألقِيَ القبض على أحدهم في “نيويورك” عندما كان ينقل معه أربعا وأربعين كيلو غرام من الهيروين.

“فوكار” يعبث في أميركا اللاتينية

على أن نشاط “فوكار” لا يقف عند حدود إفريقيا السوداء أو منطقة الخليج، بل هو يتجاوز ذلك إلى أميركا اللاتينية، ففيما بين (1965 – 1968) عُيِّن اثنان من أعوان “فوكار” سفيرَين في بوليفيا والأرغواي. ويوجّه “فوكار” إلى أميركا اللاتينية رجاله الذين “احترقوا” في أوروبا وإفريقيا، وقد ربط بعض هؤلاء علاقات متينة، في البرازيل، مع الكوميسار المشهور “سيرجيو فلوري”، رئيس “فرقة الموت” المعروفة، ومن بين هؤلاء نجد “باتريك بيرتين” المقيم في “ساو بولو”، وقد انعقدت في منزل هذا الأخير (نهج غويرا، 202 باسك دي سود) عدّة اجتماعات حضرها الكوميسار الآنف الذكر وعدد من ضباط البوليس البرازيلي. ويساهم رجال “فوكار” هناك في محاربة الحركات اليسارية. ونجد، “بيير بيران”، في فنزويلا (حيث يقيم في شارع هندوراس، بكاراكاس). ونجد “ماكس أورباني” و”هارولد روبینس” في غواتيمالا (شارع 61 – 4…). وتوجد فروع لـ “فوكار” حتى في الولايات المتحدة الأميركية، ومكتبه الرئيسي هناك يوجد في “نيويورك” ويشرف عليه “راي كلارك” الذي يقول المؤلف أن اسمه الحقيقي هو “روجي آسيون”، وأن البوليس الفرنسي يبحث عنه، وأنه يتنقّل بجواز سفر يثبت أنه أميركي من مواليد إفريقيا، وعندما توفي “بومبيدو” في 1974، سعى “فوكار” إلى نقل كل وثائقه إلى مكان أمين. (جورج بومبيدو هو رئيس فرنسا في الفترة ما بين 1969 إلى 1974).

إيديولوجية المخابرات الديغولية

يُخصِّص الكاتب فصلا للحديث عن إيديولوجية المخابرات الديغولية، فيذكر أنها في مرحلة أولى، بعد عودة “ديغول” إلى الحكم، كانت تتمثل أساسا في محاربة جبهة التحرير الوطني. ويسوق المؤلف، للتدليل على الروح التي كانت سائدة في 1958، فقرة من نداء وجّهه المتطرّف الاستعماري المعروف “أليكسندر سانغيناتي” جاء فيها على الأخص: “لقد نهضت فرنسا، أكثر من ثمانية ملايين مسلم، وأكثر من مليون فرنسي ذوي الثقافة المسيحية، يدافعون عن قبورهم ومهدهم. يجب أن تساعدوهم.. انخرطوا في مصلحة الخدمة المدنية”.

ولهذا الغرض أقيمت مدارس لتكوين إطارات هذا التنظيم الغريب، استمرَّت تعمل بانتظام من 1959 إلى 1963. ويتلخّص التدريب في هذه المدارس على التدرّب على استعمال السلاح، واستعمال الراديو واللاسلكي، والشفرة والتخريب، واستعمال المفجرات وإضرام النار، كما يشتمل على تعلّم الجيدو والكراتي، والاستنطاق النفسي، والاستنطاق بواسطة التعذيب، والقتل. وهناك قسم نظري في هذا التدريب يتلخّص في التكوين السياسي، مع التركيز على مناهضة الشيوعية، وعلى أساليب التسرّب ونشر الأخبار الكاذبة.. ويسوق المؤلف أنموذجا للمناشير التي تعتمد في هذا التكوين السياسي فيقول إن بعض هذه المناشير ينصّ على ما يلي:

“نريد أن نعتبر بأن الحزب الشيوعي الفرنسي يمثل خطرا على الوطن ويجب القضاء عليه. نريد تحطيم جهازه، ووسائله، ونريد القضاء إن لزم الحال على قادته”. ويقول أحد رجال هذا التنظيم في مجال تأكيد دور “النخبة” على حساب الجماهير، مما يُبرز الطابع الفاشي للتنظيم: “يجب أن نلاحظ بأن أقلية محدودة هي وحدها القادرة على تطوير الحضارة، وهذه الأقلية تتميّز بأنها فردية وليست جماعية… ودور الدولة كما نتصوّره هو إتاحة الفرصة للنخبة أن تنفصل عن الجمهور”.

وجاء في إحدى منشورات التنظيم: “نخضع كلنا لسلطة منظمة. إن رئيسنا هو الجنرال ديغول. وقد فوّض سلطاته للأمين العام، فالأوامر التي تتلقّونها من الآن فصاعدا من مسؤوليكم تُعتبر صادرة عن الجنرال ديغول رئيسنا جميعا”.

وقد خصّص المؤلف عدّة صفحات لوصف كيفية اختيار العناصر التي تنخرط في التنظيم وخاصة تلك التي تُعتمد في محاربة جبهة التحرير الوطني. وهنا يسوق شهادة أحد هذه العناصر، احتفظ باسمه سرًّا. وقد أدلى بهذه الشهادة للمؤلف في عام 1973، وقد جاء فيها على الأخص ما يلي:

“في صيف عام 1958 كنت بالسجن في مرسيليا، كان محكوما عليّ بخمس سنوات. وكانت العدالة تستعدّ لمحاكمتي على مسألة أخرى بتهمة الاعتداء بالسلاح، اتصل بي محامي من مرسيليا، سألني فيما إذا كنت أقبل بالانخراط في صفوف حركة سريّة لمحاربة جبهة التحرير الوطني مقابل أن يتم الإفراج عني. كان عرضا مُغريا، فهو أولا يسمح بإنقاذي من وضعية صعبة، ثم إنه يُمكّنني من محاربة العرب الذي لم أحبّهم في يوم من الأيام. قبلتُ، فنُقلت إلى (آيكس أون بروفانس)، ثم إلى سجن في باريس، هناك اتصل بي محام باريسي وقال لي: إن التنظيم السرّى الذي سأنخرط فيه هو في الواقع بوليس سرّي موازي للبوليس الرسمي.

كان العمل المطلوب منا عملا مزدوجا: يتمثل أولا في التسرّب إلى شبكات جبهة التحرير عن طريق التظاهر بأننا يساريون متطرّفون متعاطفون مع الجزائريين، وبعد ذلك نقوم بكل العمليات التي تُحدَّد لنا والتي لا يستطيع البوليس الرسمي القيام بها وخاصة التصفية البدنية لبعض العناصر، وفي مقابل ذلك يُطلق سراحي فورا ويُمنح لي مرتّب ضخم زيادة على المنح. وعند الانتهاء من مهمتي، يصبح دفتر السوابق نظيفا وتتوقّف المتابعات القضائية القائمة ضدي. بعد ثماني وأربعين ساعة أصبحت حرا. كان شخصان بانتظاري في حانة تُدعى (على نَخبِ الصحة)، تقع في مواجهة سجن (لاسنتي) الذي كنت به. لم يكن عليّ إلا أن اقطع الطريق، ذلك أن العمل يبدأ في الحال. أعطِيَ لي جواز سفر مزيّف، ورخصة سياقة مزيّفة، وبطاقة بوليس قديمة، ورخصة حمل السلاح مع السلاح الذخيرة. ورقمي هاتف أحدهما يُستعمل نهارا والآخر ليلا. وكنت أعمل مع أربعة أشخاص آخرين من بينهم ضابط مباحث عامة، مُنحت له إجازة مرضية بالمناسبة، وكانت عمليات التسرّب إلى صفوف جبهة التحرير من اختصاص فرق أخرى. أما نحن فقد كان علينا أن نفتعل عمليات تصفية حسابات بين الجزائريين، كما علينا أن نقتل بعض الناس. وكان ذلك عملا سهلا، كنا نصل في سيارة أو اثنتين، إلى الحي العربي (باب إیكس) في مرسيليا، أو حي (باربيس) في باريس، ونقف أمام مقهى يُعيّن مسبقا، ثم نطلق قنبلة أو اثنتين ونصحبها بطلقات رشاشة..

وكان علينا أيضا أن نضطلع بعمليات أصعب، مثل استنطاق بعض من يُلقى عليهم القبض، ومثل إخفاء جثث الذين يُقتلون في محافظة البوليس لكي نلقي بها في نهر السين. وعندما نضع أيدينا على عنصر من الجبهة مُكلّف بجمع الأموال، نقتسم الغنيمة أخماسا، فحتى الشرطي الرسمي لم يكن يتعفّف عن أخذ نصيبه. وباختصار لقد كان مسؤولونا عند كلمتهم ما عدا شيئا واحدا لم ينفّذوه وهو تطهير سجِلّ السّوابق”.