قراءة في الرؤية الفرنسية.. كُلُّ أبناء إفريقيا هُم “بوسعدية”

أضأنا في مقال سابق بعض الزوايا حول الشخصية التراثية المُسمّاة “بوسعدية”، ونُحاول أن نضيء، في هذا المقال، علاقة “بوسعدية” بالاستعمار الفرنسي الذي عمل على رسم صورة في مُخيّلة الأوروبيين عموما والفرنسيين على الخصوص، بأن الإنسان الإفريقي لا سيما الجزائري، هو كائنٌ مُتوحّشٌ ومُتعطّشٌ للدماء، عارضَ الوجودَ “الحضاري” الفرنسي في إفريقيا، وقد كان “بوسعدية” بهيئته البدائية وأزيائه الغريبة، هو الأنموذج الأمثل لرسم تلك الصورة البدائية لكائن بشري خرج من الأدغال، ولم يستطع أن يُحقّق إنسانيته ليدخل إلى الحضارة من البوابة الفرنسية.

لسنا ندري إن كان الناس في الجزائر، وبلدان المغرب العربي، هم الذين أطلقوا تسمية “بوسعدية” على تلك الشخصية الشعبية التي لجأت إلى تقديم العروض “الفنيّة” في الشوارع لممارسة التسوّل، في الحقبة الزمنية التي سبقت الاستعمار الفرنسي أو خلاله. ولكن الأكيد أن تمسية “بوسعدية” وُجدت في الكتابات الفرنسية، كما أوضحنا في المقال السابق. ونعتقد بأن الكاتب الفرنسي “أشيل روبرت” هو أوّل من سجّل كتابة توثيقية توصيفية لـ “بوسعدية”، وذلك في كتابه “العربي كما هو: دراسات جزائرية وتونسية” الصادر سنة 1900، والذي رصد فيها فيه بعض الفنون والحرف والمشاهدات لجوانب من الحياة اليومية التي كانت شائعة، آنذاك، في الجزائر وتونس خلال الحقبة الاستعمارية.

حملة دعائية لشخصية بدائية

لاحظنا بأن الفترة ما بين (1900 إلى 1925) شهدت تركيزا على “الترويج” لشخصية بوسعدية في الإعلام والدوريات الفرنسية، من خلال إعادة نشر ما كتبه “أشيل روبرت” حول “بوسعدية” مع بعض التعديل والإضافة أحيانا، فهذا ما قامت به مثلا: المجلة الأدبية الفرنسية “أجراس” في عددها لشهر جانفي / يناير 1904، ودورية “بريد تلمسان” سنة 1904، والمجلة الإفريقية سنة 1921، ومجلة “حوليات إفريقية” سنة 1925. في حين أن الكتابات العربية حول “بوسعدية” تعود إلى نهايات القرن العشرين، فقد نشر الكاتب “علي الصادق حسنين” موضوعا عنوانه “حكاية بوسعدية” في مجلة “تراث الشعب” الصادرة سنة 1997 في ليبيا.

بوسعدية في الصُّوَر الفتوغرافية

إلى جانب الكتابات، فقد “حظي” بوسعدية بمكانة في ألبومات الصور الفتوغرافية، لا سيما خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، ولم يُشَر إليه باسم “بوسعدية”، بل بأسماء أخرى منها: الزنجي الراقص، الموسيقي الزنجي، مغنّي الطريق، زنوج في عرس، الساحر الزنجي.. ونعتقد أن أوثّقَ صور هي تلك التي تضمّنها الألبوم الثاني من مجموعة الأمير “رولان نابليون بونابرت” (19 ماي 1858 – 14 أفريل 1924)، وتعود إلى سنة 1884، ومصدرها المكتبة الوطنية الفرنسية، في قسم الجمعية الجغرافية، وهي متعلّقة بالمواقع الجغرافية والأنواع العرقية في الجزائر، وهي ثلاث صور تحمل هذه العناوين: “الموسيقي المُقنّع في بسكرة”، “زنجي مُتسوّل من السودان (الغربي)”، “موسيقي زنجي”، مع الإشارة أن هذه الصور قد أُعيد نشرها، في ألبومات أو كتب، تحت عناوين أخرى، ويظهر فيها اسم “بوسعدية”، مثل كتاب “الجزائر (العاصمة) كما هي سنة 1887” الذي صدر في فرنسا سنة 1887 لمؤلّفه “أومبرواز تارديو”. ومن الصّور المهمّة الأخرى حول بوسعدية، صورتان تضمّنهما ألبوم بعنوان “الجزائر في 1890-1892” لعالم الطبيعة والجغرافيا والفوتوغرافي الفرنسي “بول فويو” (24 نوفمبر 1868 – 28 جويلية 1916).

بوسعدية في المدرسة “الفرنكو-عربية”

عملت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على ترسيخ صورة “بوسعدية” في مخيّلة الإنسان الأوروبي عموما بأنه أنموذج الإنسان الإفريقي، وذلك من خلال الكتابات والصور، بل ذهبت أبعد من ذلك، حيث حاولت أن ترسّخ هذه الصورة في أذهان التلاميذ الذين كانوا يرتادون المدارس “الفرنكو-عربية”، لتكوّن “نخبة” تستعلي على انتمائها الطبيعي، وترى في كل الذين لا يرتادون تلك المدارس بأنهم “بوسعدية”.

من أمثلة هذا الأمر، كُتيّبٌ باللغة الفرنسية عنوانه “مغامرات بوسعدية” صدر في تونس 1950 ضمن سلسلة “طفوليات”، جاء في صفحة عنوانه هذه العبارة “سلسلة كتيّبات يقومُ التلاميذُ بإعداد محتواها ورسوماتها”، بمعنى أن القصة هي من تأليف تلاميذ المدرسة، ولسنا ندري من أين استقوا “معلوماتهم” في كتابتها، فهي قصةٌ لا وجود لها في الموروث الشعبي، ولا في الكتابات الفرنسية التي “روّجت” لشخصية “بوسعدية”.

 

بوسعدية في “سيرك عمّار”

تحكي القصة عن “بوسعدية” الذي يحلم بأن يتزوّج بنت عمّه “مبروكة”، ولكن ما يُقدّمه من عروض راقصة في الشوارع، لا يُدرُّ عليه المال الكافي. ثم يسمع بأن “سيرك عمّار” في المدينة، فيقصده ويطلب من صاحبه أن يضمّه إلى العمل معه، لأنه قادمٌ من أدغال إفريقيا وهناك علاقة “حميمية” تجمعه مع الحيوانات المفترسة. ويقبل صاحب السير، ويدخل “بوسعدية” إلى قفص الأسود، ثم يقوم بالرقص وقرع الطبل لها، فتهاجمه تلك الأسود، ومن حسن حظّه أنه استطاع فتح باب القفص وفرّ هاربا، غير أن الأسود خرجت هي أيضا وانتشرت في المدينة فسبّبت الهلع والرعب بين الناس..

واضحٌ أن القصة تريد القول بأن المدينة لا تليق بـ “بوسعدية”، بل هي تليق فقط بالمتعلّمين في المدارس “الفرنكو-عربية”. وهي تُرسّخ في ذهنية التلميذ أن كل أبناء الشعب، ممّن لم يتعلّموا في تلك المدارس، هم “بوسعدية”. ويُذكر في هذا الاتجاه أن فرنسا قامت عام 1890 بعرض مجموعة من أبناء إفريقيا داخل أقفاص في “حديقة الحيوان للتأقلم”، لتؤكّد للفرنسيين والأوروبيين بأن سكّان إفريقيا والمغرب العربي هم مُجرّد وحوش لا يختلفون عن الحيوانات المفترسة، وهم غير قابلين للترويض، وربما أن الأمر يندرج في سياق تبرير جرائمها في إبادة قبائل بأكملها آنذاك.

المُخيّلة الاستعمارية تتجلّى في المُهاجر

إن رؤية فرنسا إلى الإنسان الإفريقي بأنه مجرد “بوسعدية” لم تتغيّر، على الأقل إلى نهايات القرن الماضي، وذلك ما أكّدته المجلة الفرنسية “الإنسان والهجرة” التي أصدرت عددا خاصا سنة 1997 عنوانه “المخيّلة الاستعمارية تتجلّى في المُهاجر”، حيث جاء فيه موضوعٌ بعنوان “من البشري المتوحّش إلى الإنسان الصالح، وقت الغزو” استعرض تاريخ الصورة البشعة التي رسمتها فرنسا، من خلال إعلامها، للإنسان في البلدان التي استعمرتها. وممّا جاء في الموضوع، نقرأ: “المواطن الأصلي (الإفريقي في بلده) هو قبل كل شيء كائنٌ متوحّشٌ متعطّشٌ للدماء، يعارض الوجود الفرنسي في إفريقيا، هكذا صوّرته الصحافة منذ بداية تمدّد الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، وإلى غاية 1925.. ويجب أن يكون المواطن الأصلي متوحشًا، حتى تستطيع فرنسا تبرير مهمتها الحضارية في مستعمراتها الإفريقية، كما شرّعتها العلوم الإنسانية التي أقرّت بعدم وجود المساواة بين الشعوب”.

وقد جاء في إحدى موضوعات ذلك العدد من المجلة “من البشري المتوحّش إلى الإنسان الصالح، وقت الغزو” تشريحٌ للصورة الفرنسية التي رسمتها الصحافة حول الإنسان في الدول التي طالها الاستعمار الفرنسي في إفريقيا “المواطن الأصلي (الإفريقي في بلده) هو قبل كل شيء كائنٌ متوحّشٌ متعطّشٌ للدماء، يعارض الوجود الفرنسي في إفريقيا، هكذا صوّرته الصحافة منذ بداية تمدّد الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، وإلى غاية 1925.. ويجب أن يكون المواطن الأصلي متوحشًا، حتى تستطيع فرنسا تبرير مهمتها الحضارية في مستعمراتها الإفريقية، كما شرعها العلوم الإنسانية التي أقرّت بعدم وجود المساواة بين الشعوب”.

مُجرّد تساؤل

هل تطهّرت فرنسا من روحها الاستعمارية وغيّرت نظرتها إلى الإنسان الإفريقي، أم أنه ما زال ذلك البوسعدية المُتوحّش والرافض للتحضّر؟ وهل هذه النظرة قاصرةٌ على فرنسا وحدها أم هي أيضا النظرة الأوروبية عموما؟ نترك مهمة الإجابة عن هذا السؤال للقارئ، ونكتفي بضرب موعد مع “بوسعدية” آخر لم يكن يقرع الطبل، ولم يرقص على ضجيجه في الشوارع، ولم يكن يجرُّ خلفَه حمارا هزيلا بائسا، بل كان فنّانا يعزف على آلة وَترية، ويتنقّل بين المقاهي في مدينتي الجزائر العاصمة ووهران.