الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

قراءة في رسالة ماستر.. دور لهجة الأهل الاجتماعيّة في تشكيل شخصية المراهق

Author
نورهان غدّار 03 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

هذه قراءة في رسالة ماستر بعنوان “تشكّل ذات المراهق في لهجة أهل الغازيّة – دراسة اجتماعيّة نفسيّة”، للباحثة “نورهان غدار”، نوقشت في الجامعة اللبنانيّة سنة 2024.

تعدّ علاقة المراهق بأهله مدماكًا رئيسًا ترتكز إليه شخصيّته في أطوار تشكّلها. وإنّها لمن القضايا المفصليّة التي أهملها الباحثون ردحًا من الزمن، ظنًا منهم أنّها ليست جديرة بالدراسة العلميّة، غير أنّ تكنولوجيا العصر فرضت تحوّلًا هائلًا على منظومة الأدوار التقليديّة، فباتت علاقة الأهل بالمراهق بكلّ ما تشتمل عليه من أنماط لغويّة وسلوكيّة بحاجة إلى تفكيك وإعادة تموضع. ولمّا كان مراهق اليوم (جيل Z) بكلّ تعقيداته، موضوع جدل في كيفيّة التعامل والتواصل معه جاءت دراسة (تشكّل ذات المراهق في لهجة أهل الغازيّة – دراسة اجتماعيّة نفسيّة)، لتضع هذه العلاقة على مشرحة النقد اللساني النفسي الاجتماعي الأكاديمي، وتكشف الخلل البنيوي الذي يشوب المنظومة التربويّة المتوارثة موضّحةً دورها في تدهور هذه العلاقة، مقدّمةً أنموذجًا لرأب القطيعة بين جيلين متصارعين. فما هو دور لهجة الأهل الاجتماعيّة في تشكيل شخصيّة المراهق؟

قد يطرح القارئ سؤلًا مشروعًا: أي علاقة تربط تشكّل شخصيّة المراهق باللسانيّات؟ ذلك لأنّ أغلب الباحثين ربطوا دراسة المراهق بعلميّ النفس والاجتماع بمعزل عن علم اللغة. وهنا يحلو لي أن أكرّر العبارة التي أردّدها دائمًا: “إنّ اللسانيّات هي الأداة الأصدق لدراسة أي قضيّة نفسيّة أو اجتماعيّة، فرديّة كانت أم جماعيّة”. وتعرّف اللسانيّات بأنّها الدراسة العلميّة للكلام العاميّ المحكيّ في الحياة اليوميّة، على مستوى الصوت، والدلالة، والتركيب، والمعجم، وإنّ هذا الكلام لمادةٌ بليغةٌ تخوّل الباحث كشف البنى العميقة الثاوية تحته. فالكلام عمليّة تتضافر فيها القدرات اللغويّة، والبنى النفسيّة اللاواعية، والقيود الاجتماعيّة، والبنى الإيديولوجيّة، والثقافيّة لإنتاج الدلالة. فهو يشتمل على رموزٍ، ومعانٍ مضمرة، ويحتاج التفسير والتأويل، إذ نرى أنّه يوازي الأدب في أهميّته إن لم يكن أهم، ذلك لأنّ تفكيك الأعمال الأدبيّة يكشف المعضلات النفسيّة، والاجتماعيّة، والوجوديّة للفرد المبدع. أمّا تفكيك لهجة جماعة لسانيّة معيّنة، فيخوّلنا دراسة المشكلات النفسيّة والاجتماعيّة الجماعيّة.

اِصطلح رائد منهج علم اللغة الاجتماعي “لايام لابوف” على اللغة المحكيّة باللهجة الاجتماعيّة انطلاقًا من فكرة أنّ اللهجة لا تنتج عن اختلاف الجغرافيا فقط، بل عن عوامل اجتماعيّة أخرى مثل: العمر، الجنس، الطبقة الاجتماعيّة، والعرق… من هنا انطلقت الدراسة المذكورة لتحليل لهجة المراهق ولهجة الأهل (أي العبارات التي يستخدمونها في التواصل اليوميّ) من خلال ما يُعرف بالمقابلة السوسيولسانيّة، لدراسة علاقتهما انطلاقًا من اللغة.

(السوسيولسانيّة: هي من أدوات منهج علم اللغة الاجتماعيّ. يعدّها الباحث بهدف جمع المدوّنة مادة البحث). (ولايام لابوف: يُعدّ هذا اللغوي الأمريكي رائد علم اللغة الاجتماعي في دراسة جزيرة مارثا عام 1960، ودراسة نيويورك عام 1963).

أدّى تحليل مدوّنة الأهل اللغويّة إلى الكشف عن صورة المراهق النمطيّة في لاوعي الأهل والمجتمع المدروس، حيث سيطرت الألفاظ التي تشكّل حقلًا دلاليًا سلبيًا لصفات المراهق على هذه المدوّنة، وتكرّر هذا الحقل بنسبة 88%، ما يشير إلى قناعة الأغلبية بغلبة هذه الصفات على مراهق اليوم ومنها (جيل تافه ويحبّ المظاهر – جيل وقح – جيل قليل أدب – جيل فاشل…). كما غلبت السلوكيّات السلبيّة عند وصف المراهق ومنها (قلة المسؤوليّة، الجرأة – الأنانيّة – قلّة القناعة – الخروج عن طاعة الأهل – قلّة احترام الكبار – احتقار الموروث من عادات وتقاليد – التهوّر – العناد …). وقد تمّت تأدية هذه الألفاظ والصفات بنبرة ونغم مرتفعين، وبأداء “واثق، حازم، جازم”، ما يؤكّد دعم وتكريس الأهل للصورة النمطيّة السلبيّة للمراهق. ولكن لماذا كلّ هذه السوداويّة في وصف جيل اليوم؟

تتجاوز هذه الدراسة كونها تحليلًا لغويًّا، فهي تستنطق اللاوعي الجمعي لتفسير غضب الأهل الهائل من مراهق اليوم. وقد برزت كلمة (خوف) بوصفها الكلمة الموضوع التي تُحرّك مقارنة الجيلين (مراهق الأمس/ مراهق اليوم)، وهي المفتاح الذي يكشف شيفرة التّنميط الخفيّة في وعي المجتمع. فالجيل السابق حمل خوفًا جماعيًّا من الأهل والكبار، وجعل منه شعارًا تربويًا يقوم على الطاعة العمياء. وقد ورث الأهل الحاليّون هذا النمط التربوي، فانتقل الخوف إلى علاقتهم بالمراهق اليوم. ورغم أنّ المجتمع يميل إلى تصوير تربية الماضي بوصفها مثاليّة، يبيّن التحليل أنّ اللغة السلبيّة كانت جزءًا أصيلًا من تلك التربية. ما يؤكّد أنّ السلطويّة اللغويّة جزء موروث من البنية التربويّة في المجتمع. ورغم أنّ كلمة (خوف) ليست الأكثر تكرارًا في المدوّنة، إلّا أنّ جميع الحقول الدلاليّة تدور حولها: فالصور الإيجابيّة لمراهق الأمس (الأدب، الحياء، الطاعة) كانت دائمًا مشروطة بالخوف من المرجعيّات العليا. وفي مقابل ذلك يرى المجتمع مراهق اليوم وقحًا لأنّه أصبح يعبّر عن رأيه بصراحة. ومع انتشار التكنولوجيا والإنترنت، تراجع الخوف تدريجيًّا في شخصية المراهق؛ فقد زادت معرفته، واتّسعت رؤيته للعالم، واكتسب ثقة أدّت إلى جرأة أكبر في النقاش والرفض. وهذا ما أثار استياء الأهل، الذين يظنّون أنّ التكنولوجيا أفسدت المراهق، بينما هي في الحقيقة كشفت هشاشة الأسلوب التربوي التقليديّ القائم على القمع. ولكن ماذا تخبرنا مدوّنة المراهق من آثار هذه اللغة السلبيّة في تشكيل الذات والشخصيّة؟

تُظهر نتائج التحليل أنّ اللغة السلبيّة التي يستخدمها الأهل بما تتضمّنه من إهانة، وسخرية، واحتقار، وتنمّر، وتوبيخ… تُشكّل عاملًا حاسمًا في تشكّل شخصية المراهق، وفي انحراف سلوكه ونظرته إلى ذاته. فهذه اللغة تُحدث في البنية النفسية للمراهق تضخّمًا في القلق والكبت وضعفًا في تقدير الذات، ما يقوده إلى سلسلة من الاضطرابات السلوكية مثل: العزلة، الغضب، العنف، التمرّد، التدخين، السلوكيات المنحرفة، أو حتى الانتحار. وتبيّن المقابلات أنّ المراهق الذي يتعرّض للعنف اللفظيّ يعمد إلى إعادة إنتاج اللغة الجارحة عبر ما سمّاه البحث اللغة المضادّة، فيكرّر الشتائم أو يعبّر عن ذاته بالأذى والاعتداء على الآخرين أو على نفسه. وتؤكد النتائج أن اللغة السلبيّة تخلق في اللاوعي الجمعيّ للمراهق تمثّلات عدائيّة تجاه الأهل، فتُفعّل غرائزه العدوانيّة وتدفعه إلى تصرفات سلبية (تحرّش، ضرب، علاقات غير شرعية…) بوصفها استجابات دفاعيّة لمحاولة تعويض الأذى الذي يشعر به. ويثبت البحث أيضًا أنّ هذه اللغة تُدخل المراهق في صراع داخلي حادّ، وتحوّل الأسرة من مصدر أمان إلى مصدر قلق، فيصبح ممزقًا بين حاجته إليها وعدم قدرته على احتمال الخطاب الجارح. وفي المحصّلة، تبيّن أنّ اللغة السلبيّة ليست مجرّد كلمات عابرة، بل هي نظام تربويّ عنيف يدمّر ثقة المراهق بنفسه، ويعيد تشكيل سلوكه ولغته ووعيه بطريقة مرضيّة، ما يجعل الأهل الفاعِلَ الأول في نجاح شخصية المراهق أو انحرافها.

صفوة القول، إنّ هذه المقاربة (السوسيو- لسانيّة) نقلت إشكاليّة المراهقة من حيّز التوصيف السلوكيّ السطحيّ إلى عمق التحليل البنيوي للخطاب؛ مُثبتةً أن اللهجة الاجتماعيّة الموظّفة هي المُشكِّل الأول للهوية النفسية. لقد كشفت الدراسة أن الصراع بين الأهل وجيل (Z) ليس صراعًا تقنيًا تفرضه التكنولوجيا فحسب، بل هو صدامٌ بين سلطويّة الموروث اللغويّ القائم على ثقافة الخوف، وبين مراهقٍ جديد يرفض الخضوع لهذا العنف الرمزيّ. وهكذا يصبح تمرّد المراهق آلية دفاعيّة مشروعة لرد الاعتبار للذات أمام “اللغة السلبيّة” التي يتلقاها. وعليه، تنتهي الدراسة إلى حقيقة جوهريّة مفادها: أن استقامة سلوك المراهق مرهونةٌ بتفكيك بنية الخطاب الأبويّ؛ فلا يمكن ترميم المنظومة التربوية إلا باستبدال قاموس “القمع والطاعة” بمعجم “الاحترام والتقبّل”، فالكلمة هي التي تبني الذات أو تهدمها.

Author نورهان غدّار
باحثة، ناقدة. طالبة في المعهد العالي للدكتوراه، الجامعة اللبنانية – قسم اللغة العربيّة وآدابها