السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

قراءة في “سياج الغزالة” للكاتب الفلسطيني “ناصر رباح” ميراث الخطايا.. واستجداء الخلاص!

Author
جبر جميل شعث 05 يناير 2025
X Facebook TikTok Instagram

عن منشورات “المتوسط” بميلانو الإيطالية، صدرت عام 2024 رواية “سياج الغزالة” للكاتب الفلسطيني “ناصر رباح”، وهو كاتب شاعر فلسطيني مرموق يعيش في مخيم المغازي وسط قطاع غزة. صدرت قبل بضع سنين في غزة، تجربته الروائية الأولى بعنوان “منذ ساعة تقريبا”. وله أعمال شعرية من أبرزها: الركض خلف غزال ميت، عطش لماء عَطِش، مرثية لطائر الحنّاء، عابرون بثياب خفيفة.

يؤسس “ناصر رباح” القادم من أرض الشعر في روايته “سياج الغزالة” للنكبة الفلسطينية المستمرة حتى اليوم بمفتتح الرواية المعنون بـ “حجر النصف” والذي صدَّره بمشهد خيول المحتسب العثماني حين كانت فلسطين ولاية عثمانية تعرَّضت كسائر ولايات العثمانيين العربية الأخرى للظلم والتجهيل والنهب والعنصرية المقيتة. وكأن الكاتب أراد أن يقول لنا: إن أساس نكبة فلسطين بدأ بلبنة عثمانية. ولكنه أيضا يؤسس بخطيئة أخرى وهي جريمة القتل البشعة التي نفذها الأخوان العنينان الجشعان بحق ابن أخيهم المقعد “عياد”، فقد قتلا الطفل الوليد بأن ألقيا عليه حجرا فهرساه به بعد مكيدة دبّراها لأمه؛ خشية أن يرث معهم الأرض بعد موت أخيهم “عياد” العاجز. تلك الجريمة الخطيئة التي سيأتي عقابها سريعا وذاتيا حين قتل الأخوان الطامعان بعضهما في اللحظة ذاتها بالسم وبالمنجل.

تلك الأرض التي تنازعها الأخوان ستكون فيما بعد   ضمن مستوطنة إسرائيلية اسمها (نتيفوت) وتلك الخطيئة ستتناسل خطايا أخرى، وذلك الحجر سيكون شخصية محورية استثنائية غرائبية دلالية سيدور حوله وبه الزمن والمكان/ الفضاء، والحدث والشخصية في رواية سياج الغزالة.

لم يترك الشِّعر “ناصر رباح” وهو يكتب روايته، وإن حاول إبعاده أو تجنبه؛ ليتفرغ لتجربته الروائية الثانية، فكان الشِّعر يتسلل بخفة فراشة، ويتسرب كماءٍ رقراق، إلى الجُمل، وبين الأسطر، وكان لفعل الشعر هذا أثر بدا جليًّا حين كان الكاتب يعمل في منطقة الوصف المشهدي، والوصف كما نعرف هو روح السرد.

من خلال استخدام تقنية الرّاوي العليم أو الخارجي سار بنا الكاتب أو جعلنا نسير خلفه وهو يوثّق من خلال فن السرد وبلغة بقدر ما هي بسيطة، بقدر ما هي ممعنة في الدلالات، لفترة زمنية امتدت لعشرين سنة وفي أماكن وفضاءات تزدحم بالأحداث في بغداد وبرلين ومستوطنة “نتيفوت” كأنموذج (للأرض الفلسطينية التي احتُلّت عام 1948) ومخيم المغازي كأنموذج (لقطاع غزة المتمتع بحكم ذاتي محدود حسب اتفاق أوسلو 1993).

إن أيّ منجز سردي يجب أن يكون له فعل تواصلي ولا يتم ذلك إلا باكتمال مكونات البنية السردية، والمتمثلة في الرّاوي والمروي والمَروي له، الراوي هو من يروي الحكاية بشخصياتها وأحداثها وفضاءاتها المتخيلة وقد يكون متعدد الأصوات كما في رواية “سياج الغزالة” (سمرا، وإيالا اليهودية المستوطنة، وجعفر القط وحسين القط، والشيخ فتحي، ونصرة العانس، والحجر الباكي النادم الذي شخصنه الكاتب وأنسنه). أما المادة المروية فهي تلك الأحداث التي انبنَت عليها الرواية، والتي امتدت من مزرعة إيالا وسمرا والعمال الفلسطينيين وحتى مقتل إيالا على السياج الحدودي. والمروي له وهو المتلقي المتعدد والمختلف في مرجعياته الثقافية.

كل تلك الشخصيات تحرّكَت ضمن فضاء مكاني اتسع وضاق حسب الحدث، من المدينة ومزرعة البندورة في المستوطنة والمخيم وبيت القط وكهف جعفر القط وحمام إيالا وحمام جعفر القط والمقبرة… وقد أحسن الكاتب بإمساك خيوط تلك الشخصيات وتوجيهها في أحيان كثيرة باتجاه رؤيته وتوجهه الاجتماعي والسياسي والفصائلي، كما تجلّى لنا ذلك في تلك العلاقة التي كانت بين الفتاة فرحة جعفر القط (بنت الحرام) التي ولدت نتيجة علاقة غير شرعية بين حسين القط أخو جعفر وبين سمرا زوجة جعفر، وبين الشيخ فتحي الذي انقلب من مثقف متنوّر إلى شيخ ملتحٍ يعمل في تنظيم إسلاموي متطرف.

ولكنا نرى أنّ الكاتب قيّد بعض شخصياته ولم يعطها حريتها في التمدد السردي والتوسع في الحكاية مما حرم بعض الشخصيات من أخذ مساحتها المناسبة والعمل فيها براحة وحرية.

ولعل هذا يدخل في باب الإيجاز الذي صعد متسللا إلى الكاتب دون أن يشعر من بئره الشعرية الأولى.

من يقرأ “سياج الغزالة” يدرك أن كاتبها كان يعمل في منطقة الوعي الكاملة، وتجلى هذا من خلال التصميم الهندسي الدقيق للرواية الذي اتبعه وطبّقه الكاتب الروائي من حيث التسلسل والتقسيم الحسن المتناسق لعنوانات الرواية.

لم يكن الكاتب يلهث وهو يكتب، بل كان متروّيًا متّئدا، وهذا لا يعني أنه لم يكن قلِقًا بالمعنى الجمالي البحت للقلق (قلق المبدع).

يحلو للبعض أن يطلق لفظ الفانتازيا أو الواقعية السحرية على كل ما هو غير منطقي وغير مألوف وغير قابل للتحقق الواقعي، أما نحن فنحبّ أن نطلق على ذلك لفظ (الغرائبية). وقد شدّنا الكاتب شدًّا ونحن مندهشون ومذهولون إلى عوالم الرواية الغرائبية من اللحظة التي جعل فيها الحجر قاتلا باستطاعة غيره وفيما بعد باكيا من ندم على ذنب لم يرتكبه، وما كان من الحجر وقد تشكل تمثالا بيدي إيالا الفنانة “الإسرائيلية” المشاركة به، في متحف “برلين” حيث كان يبكي فيبلّل المكان وسط دهشة وصدمة القائمين على معرض التحف، ثم ما كان منه حين قصّ حكايته على التماثيل والدُّمى في قبو المتحف الألماني. وكذلك حين أخرج الكاتب حسين المقتول (بيد أخيه جعفر) من القبر وقسَمه نصفين: حسين الجسد المُكفّن وشبحه أو روحه، ورحلتهما الوسواسية في عقول شخصيات الرواية: إيالا وجعفر والشيخ فتحي وسمرا المجنونة.

إن تلك اللمسة والمسحة الإنسانية التي أضفاها الكاتب على شخصية (إيالا) المستوطنة اليهودية التي منحتها “الدولة” مزرعة ليست من حقها وشغلت فيها عمالا فلسطينيين وهم أصحاب الأرض الأصليين، تذكرنا بشخصية (سيلفا) في رواية “مدينة الله” لـ “لحسن حميد” التي كانت تعمل في سجون الاحتلال وكان من بين مهامها انتزاع الاعترافات من الأسيرات الفلسطينيات عبر اتباع أساليب نفسية يختلط فيها الترهيب بالترغيب، ونحن نرى أن الإنسانية لا يمكن أن يتحلّى بها من سكن في أرض مسروقة بقوة القمع والبطش والتهجير والقتل الممنهج، ولا سبيل إلى التعايش مع سارق الأرض والتراث ومزور التاريخ.

إن (إيالا) التي سمّتها أو وصفتها أمها بـ “الغزالة”، هي رمز أيضًا للنبات الغريب الذي إن أينع لمدة محدودة فإنه لن يستمر وحتما سيذبل ويموت، فالتربة ليست تربته وكذلك الضوء والهواء.

وكأن موتها بتلك الطريقة كان تكفيرا لها عن قبولها لأخذ أرض غيرها، والتمتع بثمارها وقد حرم منها مستحقوها الطبيعيون. وكونها يهودية عربية عراقية تعلمت الفن التشكيلي في معهد بغدادي، متتلمذة على أساتذة عرب عراقيين مرموقين (مفترضين)، لم يُعترف بشهادتها في ألمانيا، لا يعطيها الحق بأن تأتي وتستوطن سارقة بيت وأرض غيرها.

أما “سمرا” ومآلها المأساوي ونتاجها الحرام (ابنتها فرحة) إذا ما فكّكنا سيرتيهما في الرواية وأعدنا بناءهما فهما نتاج تلك الأحداث التي مرت على الشعب الفلسطيني منذ الانتفاضة الأولى مرورا باتفاقية “أوسلو” وانتهاء بانقلاب حركة “حماس” الخطيئة السوداء؛ بداية حق ومقاومة شعبية مشروعة، ثم استغلال السياسيين لمنجز الحق هذا لإقامة كيان هزيل مسخ، وبعد كل ذلك إلغاء وإقصاء الغير بطرق شتى أقلها السجن وآخرها القتل العمد، مع ما رافق ذلك من كذب ووهم وتزوير وخطاب شعبوي بائس يرتكز على ما لا علاقة للدين به.

إن ما مر به الشعب الفلسطيني وما يمر به الآن من حرب إبادة، أسس له صاحب “سياج الغزالة” بخطيئة القتل، وأنهاه بخطيئة (الزنا)، وكأنّه يقول: إن ما نحن فيه هو نتاج طبيعي لتلك الخطايا التي لم تكن جميعها من صنع أعدائنا.

لقد انجز الشاعر “ناصر رباح” رواية، رصد فيها المجتمع الفلسطيني وحركيّته ومآلاته عبر مدة زمنية طويلة نسبيا، وفي أماكن وفضاءات حقيقية في معظمها، بلغة روائية ساجية مقنعة أضفى عليها بعض الحوار باللهجة الفلسطينية حميمية محببة، وببناء روائي متماسك، وبقدرة على استنطاق الشخصيات بما يجول أو بما يؤمن به ويسعى ويتوق إليه.

وبعد… لقد استطاع الروائي “ناصر رباح” القادم من أرض الشعر، أن يجعل للواقع القاسي المؤلم/ الواقع التراجيدي بأحداثه وبنهاياته، وجودا فنّيا، نزعم أنه قد اكتملت فيه مكونات الفن الروائي كافة.