يولد الطفل في أغلب بقاع الأرض نقيًا كالغيوم، خفيفًا كالنّور، محمّلًا بروح مغامرٍ عاشق ينطلق ليكتشف معاني الحياة، متشرّبًا السلام في وعيه ولاوعيه. أمّا في بلادنا فيولد الطفل "خفاشًا عجوز"، على حدّ تعبير شاعرنا الراحل، الحالم بالنهضة والانبعاث، "خليل حاوي". فما إن يفتح عينيه على العبثيّة التي يسمّونها حياةً، حتى يثقل التاريخ براءته بموروثات الخوف، والقلق، والبغض، واللاحياة. نعم اللاحياة! فلا شيء يشبه "الحياة"، في هذه التراجيديا التي حُكم علينا أن نكون أبطالها! مأساتنا كوميديا إلهيّة يحلو للمستعمر إقناعنا أنّها جحيمٌ متبوعٌ بفردوس، ولكن عجبًا كيف لم يدرك الشعب هلاميّة هذه المقولات، ألا يفهمون عمق الدور الذي يؤدّونه على المسرح؟! وماذا على خشبة المسرح؟ صفحاتٌ تتطاير، وسيناريو مثقلٌ بالدم، والجثث، والدمار، والخراب، ووجوهٌ ملوّثةٌ بالدخان والرماد، وأخرى تحت الركام، وأخرى مفقودة، وأخرى غيّبتها وحشيّة الحروب. ألا تبدو هذه المشاهد دافعًا لعبور الجسر من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد؟ ألا تكون وجعًا جماعيًّا كافيًّا لمراجعة التاريخ ومعرفة أين بدأ الصدع؟
تسبر رواية "حيث يبدأ الصدع" للأديبة اللبنانيّة الدكتورة "فاتن المرّ"، أغوار اللاوعي الجمعيّ اللبناني وذاكرته التاريخيّة بكلّ حمولاتها النفسيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، لتجيب عن السؤال الوجودي الذي يؤرّق جوانيّات المثقّف اللبناني، التائه بصمت في حزن الحقيقة ورهبة العدم: أين بدأ الصدع في هوّيتنا بالتحديد؟ وما سبب هذا الصدع؟ وهل هناك حلّ للمعضلة اللبنانيّة؟ رابطةً نشأة الكينونة اللبنانيّة بلحظة الاستعمار الأولى: "سايكس بيكو"، التي أدّت لاحقًا إلى استعمار داخلي تحرّكه أصابع خارجيّة دوليّة، مسلطةً الضوء على الأزمة النفسيّة - الاجتماعيّة، وأزمة الهويّة الناتجة عن هذا الاستعمار، مشدّدةً على ضرورة إعادة كتابة التاريخ والسرديّات بقلم الشعب المقهور، لا بقلم الحكّام الفاسدين. انطلاقًا من الفكرة السابقة، تعتمد هذه المقاربة النقديّة نقد ما بعد الاستعمار، للإجابة عن الإشكاليّة: كيف تجلّى الأنا الجماعي المستعمَر في رواية "حيث يبدأ الصدع"؟
اشتملت الرواية على الحمولة (النّفسيّة - التاريخيّة) قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، عارضةً الخطّ الزمني للأحداث التي ساهمت في تشكيل الخوف والقلق اللبنانيّ، قبل قيام لبنان سياسيًّا: من الحرب العالمية الأولى والمجاعة، إلى الحرب العالميّة الثانية، فالحرب الأهلية والحروب الإسرائيليّة، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت، والانهيار (الاقتصادي - الاجتماعي) الراهن. فهذه التجارب القاسية التي عاشها الشعب ترسّبت في لاوعيه الجمعي، مشكّلة الخوف والقلق الجماعي، وبعبارة أخرى شكّلت شعبًا يعاني من التغرّب والتشظي في الوطن. ولا تشوّه هذه الموروثات ملامح جيل واحد فقط، بل تنتقل بحركة لاوعية إلى الجيل الجديد من خلال ربط بعض الأحداث السابقة بتحليلات سياسيّة إيديولوجيّة، هي التي صنعت الصدع وعمّقته، ولكن يبقى التساؤل الأهم ما هو الصدع؟ وما علاقته بالأنا الجماعيّة المستعمرة؟
تحيلنا كلمة "صدع" الواردة في العنوان على الواقع اللبناني المأزوم، فالصدع لغويًا من الفعل (صَدَعَ) ويقال: "صدعَ الحائط إذا شقّه وكسره من دون انفصال أجزائه"، وهذا يختزل الواقع النفسي التاريخي اللبناني، أي الحرب المستعرة، والمستمرة، بل والمتجدّدة بين الطوائف المكوّنة للبلاد، لكن من دون انفصالها عن بعضها البعض.
ومما لا شكّ فيه، أنّ هذه الحروب تقوم على تعبئة إيديولوجيّة معمّقة، ظهرت بوضوح في الرواية عندما قالت جانيت التي عملت سجّانة أثناء الحرب الأهليّة "هل علينا أن نقتل الجميع لنبقى؟ ما الذنب الذي اقترفه المغني؟ هل كان فعلًا يسعى لإبادتنا؟ هل ينتظره ابنه وزوجته في الجهة الأخرى من المدينة التي قسّمها زلزال الحرب إلى قسمين معاديين؟ ... طالما ردّد المسؤولون على مسامعنا أنّ هناك الكثير من الأمور التي يعرفونها ونجهلها، أنّ علينا أن ننفّذ الأوامر التي لا نفهمها، من أجل أمننا! " (المرّ،2023، ص123). يوضّح المقطع السابق السيطرة الإيديولوجيّة العمياء على الفكر الجمعي، فالزعماء يعاملون الشعب معاملة القطيع التابع الذي لا يفكّر ولا يحلّل، بل ينفّذ الأوامر من دون تفكير أو نقاش، فالتفكير، والنقد، والمواجهة، أمور لم تعهدها السلطة في الشعب اللبناني، حتى أنّ الكثير من المخضرمين يسخرون من ثورة الشعب المقهور في 17 تشرين 2019، ذلك لأنّهم لا يصدّقون قدرة هذا الشعب المفرّق المشتت على التغيير! غير أنّ التاريخ يقدّم لنا أنموذجًا عظيمًا لقدرته على صنع القرار، يوم كان شعبًا واحدًا مجتمعًا على كلمة واحدة، لا صدع يفرّق أعماقه. فكانت الثورة الشعبيّة عام 1943 عندما اعتقلت سلطات الانتداب الرئيسين "بشارة الخوري"، و"رياض الصلح"، وعددًا من الوزراء والنوّاب. هذا الشعب نفسه الذي أنتزع استقلاله بالقوّة لا يحرّك ساكنًا اليوم حيال الظلم الذي يتعرّض له اليوم، ذلك لأنّه أصبح أقرب إلى مجموعات مسلّحة تكره بعضها البعض، وتتربّص بالآخرين مستعدة للهجوم في أي لحظة بسبب السيطرة الشبه كليّة على الوعي واللاوعي الفرديّ والجمعيّ. وهذا الواقع يحيلنا على الاستعمار (الفكري – الإيديولوجي) الداخلي، ولكن ما علاقته بالاستعمار الخارجيّ؟
عادت الرواية بالزمن اللبناني إلى نهاية حقبة الحكم العثمانيّ قُبيل إعلان اتفاقيّة "سايكس بيكو"، من خلال شخصيّة المؤرّخ "رشاد" الذي كان رمز التشظي اللبنانيّ بين الحاضر والماضي، فرشاد يعيش حسب الرواية في الماضي، غير أنّه يتكلّم كأنّه عاصر التاريخ اللبنانيّ حتى 2023. فقد ورد عن رشاد: "سأنصب خيمتي عند ناصية التاريخ وأكتب حتى تمرّ بي الأجيال وتنهل من معرفتي، لتلك الأجيال أكتب، للجرح الذي ستحمله من دون أن تدري، لعلاقتها الملتبسة بهويّتها وتاريخها، لصدع يصعب أن تلتحم ضفتاه. كيف ستحمل الذاكرة الجمعيّة للأجيال المقبلة وزر المصائب التي حلّت بنا؟ ... هل تستعيد الجماعات التي سمحت بأن تكون غنائم حرب كينونتها؟ ولأنني أخشى أن يطمسوا هذه الأحداث أو يحيلوها كتبًا دراسيّة عقيمة، سأسعى إلى حفظها في كتاب يؤرّخ لها من دون ادّعاء الشموليّة" (المرّ،2023، ص83-84). يوضّح الاقتباس السابق أنّ "رشاد" أضحى رمزًا يختزل اللبناني المثقف الذي اكتشف الاستعمار الفكريّ التاريخيّ الممنهج، والمكرّس بآليات الطمس، والتلاعب، والتزوير، فما كان منه إلّا أن انشق عن القطيع، وراح يبذل جهودًا فكريّة في الكتابة والنقد، والتأريخ، لإيصال الحقيقة كما هي فعلًا للأجيال القادمة: أنتم أبناء وطن واحد والحرب بينكم مظهر من مظاهر الاستعمار، وطالما أنتم على هذه الحال، لن تقوم لكم قائمة! هنا يبرز نقد ما بعد الاستعمار لتقويض السرديّات المطروحة حيال الطوائف، فقد ذهب "رشاد" إلى أنّ أسياد الجغرافيا الجديدة (الدول الكبرى)، أمعنوا التدخّل في بلادنا وكلٌّ منهم يدّعي حماية هذه الطائفة من الآخرين، بُغية تنفيذ المشاريع الاستعماريّة التي لا يمكن تنفيذها بوجود شعبٍ متماسك، فانتدبوا بعد أن انسحبوا من المشهد المباشر، زعماء الطوائف ليقوموا بوظائف التحريض، والتشتيت، والتفريق، على أن يكون مقابل خيانة الوطن الكسب الماديّ! أمّا جانيت، فهي رمز اللبنانيّ الذي حمل معه عقدة الذنب بعد فوات الأوان، إذ نراها تساعد عائلات المفقودين، والعائلات الفقيرة، وتحمل همّ الوطن والشعب في قلبها.
بقي أن نشير إلى مظهر مهم من مظاهر استعمار الأنا الجماعي، من خلال شخصيّة "ناجي" الذي نجا جسديًا ولم ينجُ نفسيًا. "ناجي" رمز الشباب اللبنانيّ اليائس المحطّم في بلاده، فُقد والده في الحرب الأهليّة، وعاصر الأحداث حتى انفجار 4 آب/ أوت. تبدأ الرواية بحوار "ناجي" مع الطبيب النفسي، الذي يحيلنا على الآثار النفسيّة المباشرة للتاريخ اللبنانيّ العامر بالصدمات، من فقدان الرغبة في الحياة، إلى العزلة، التشتت، والهذيان... على أنّ المأزق النفسيّ لا يقف هنا، بل يتجلّى أكثر في شخصيّة غيداء، حيث نرى القلق والخوف من الجوع، والحرب، والتهجير، والحرمان، والموت... في حواراتها مع أمّها كلّ يوم. وهذه الحوارات ما هي إلّا دليل على أنّ اللاوعي الجمعيّ اللبنانيّ لا يزال أسير القلق حتّى في زمن السلم إن حلّ! فهل هناك استعمار أفظع من هذا الاستعمار الذي يتجدّد كلّ يوم؟!
في الختام، تُعد رواية "حيث يبدأ الصدع" شهادة أدبيّة عميقة تجيب عن سؤال الإشكالية ببراعة: لقد تجلّت الأنا الجماعيّة المستعمَرة في لبنان عبر سلسلة من الآليات النفسيّة والاجتماعيّة التي رسخها الاستعمار الخارجي ثم أدواته الداخليّة. تمثلت هذه الأنا في صورة "الخفاش العجوز" الحامل لموروثات الخوف والقلق، الذي يتقبّل الخضوع الإيديولوجيّ الأعمى (جانيت) ويقع فريسة التشظي واليأس (ناجي وغيداء).
لقد أثبتت الرواية أن الصدع ليس مجرد انقسام طائفي، بل حالة نفسيّة تاريخيّة مكرّسة لتحويل الشعب إلى مجموعات متصارعة تخدم مصالح الوكلاء. إن محاولات شخصيّة "رشاد" لإعادة كتابة السرديات وتعرية الاستعمار الفكري، هي دعوة إلى الشعب المقهور كي يستعيد وعيه و"كينونته" المسلوبة. فالحلّ، كما تلمّح الرواية، يكمن في تجاوز هذه الأنا المستعمرة والتخلص من قيد "اللاحياة" الذي يُجدد كل يوم.

