الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

قرابة 9 ملايين عملية شراء إلكتروني.. هل تدخل الجزائر عصر المعاملات الرقمية؟

Author
صبرينة عيلان 05 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

سجّل الجزائريون أكثر من 8,8 ملايين عملية شراء عبر الإنترنت، إلى جانب ما يفوق مليون عملية دفع بواسطة أجهزة الدفع الإلكتروني (TPE)، وهي أرقام تعكس تحولا متسارعا في سلوك المعاملات المالية والتجارية داخل البلاد، وتكشف عن انتقال تدريجي من نموذج قائم على التداول المكثف للسيولة النقدية، إلى نموذج رقمي يعتمد بصورة متزايدة على وسائل الدفع الحديثة.

وإذا كانت هذه الأرقام تبدو للوهلة الأولى مجرد مؤشرات تقنية مرتبطة بتطور الخدمات المالية، فإنها في الواقع تعكس تغيرا أعمق في طبيعة الممارسات اليومية للمواطنين والمتعاملين الاقتصاديين، وتبرز حجم التحول الذي تشهده المنظومة الوطنية للدفع الإلكتروني، مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية.

ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه السلطات إلى تسريع وتيرة الرقمنة المالية وتوسيع نطاق استخدام وسائل الدفع غير النقدي، من خلال إدراج خدمات جديدة على غرار خدمة “Cashless” والبطاقة النقدية المخصصة حصريا للتجار، بما يسمح بإجراء المعاملات المالية والتحويلات والمدفوعات الإلكترونية دون الحاجة إلى التداول المستمر للأموال النقدية. ويُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءا من رؤية أوسع تستهدف تقليص الضغط على السيولة المتداولة، وتحسين كفاءة المبادلات التجارية، وتسهيل النشاط الاقتصادي بمختلف فروعه.

الدفع الإلكتروني يرسخ حضوره في الممارسات التجارية

وفي السياق، أكد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيد علي زروقي، أن قطاعه يتابع عن كثب مسألة التحول نحو تعميم استعمال وسائل الدفع الإلكتروني على مختلف الفاعلين الاقتصاديين، لاسيما التجار، مع الحرص على تحقيق التوازن بين تشجيع استعمال وسائل الدفع الحديثة وضمان توفير الآليات التي تمكن المتعاملين الاقتصاديين من تسيير معاملاتهم في أفضل الظروف.

وأوضح الوزير أن القطاع وضع خدمة “Cashless” إلى جانب بطاقة نقدية خاصة بالتجار، مخصصة حصريا للمعاملات غير المادية، على غرار المدفوعات الإلكترونية والتحويلات المالية بين التجار، وذلك في إطار تشجيع استعمال وسائل الدفع الإلكتروني والتقليل من تداول السيولة النقدية.

وأشار الوزير إلى أن التطور المسجل في مؤشرات استعمال وسائل الدفع الإلكتروني يعكس وتيرة التحول التي تشهدها المنظومة الوطنية للدفع، حيث تم خلال شهر أفريل 2026 تسجيل أكثر من 8,8 ملايين عملية شراء عبر الإنترنت، إضافة إلى أكثر من مليون عملية دفع بواسطة أجهزة الدفع الإلكتروني (TPE)، وهو ما يؤكد، حسبه، تنامي إقبال المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين على استخدام وسائل الدفع الحديثة وترسخها التدريجي في الممارسات التجارية اليومية مقارنة بالسنوات الماضية.

وفيما يتعلق بالإجراءات المتخذة لضمان قدرة التجار على الوفاء بالتزاماتهم التشغيلية، أوضح الوزير أن قطاعه يتيح لهم إنجاز مختلف معاملاتهم بصفة رقمية عن طريق البطاقة النقدية الخاصة بخدمة “Cashless”، وعند الحاجة إلى السيولة النقدية يمكنهم اللجوء إلى وسائل الدفع الكتابية المتاحة، والمتمثلة في الصكوك المصادق عليها، والتحويلات من حساب إلى حساب، إضافة إلى تحصيل الصكوك البريدية عبر نظام المقاصة الإلكترونية مع المنظومة المصرفية.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر بالنظر إلى التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي عالميا، حيث أصبحت وسائل الدفع الإلكترونية إحدى الركائز الأساسية للنشاط التجاري والخدماتي، بعد أن انتقلت من كونها أدوات مكملة إلى عنصر محوري في دورة الاقتصاد الحديث. كما أن ارتفاع عدد عمليات الشراء الإلكتروني إلى أكثر من 8,8 ملايين عملية، خلال شهر واحد، مقابل أكثر من مليون عملية عبر أجهزة الدفع الإلكتروني، يعكس تزايد الثقة في الأدوات الرقمية، وارتفاع درجة اندماج المواطنين والتجار داخل المنظومة الجديدة.

الدفع الإلكتروني في الجزائر من خيار تقني إلى رهان اقتصادي

أكد صهيب بولعراق، خبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المؤشرات الأخيرة المتعلقة بارتفاع عدد عمليات الشراء عبر الإنترنت وتزايد استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في الجزائر تعكس بداية انتقال حقيقي في بنية التعاملات الاقتصادية والمالية داخل البلاد، مشيرا إلى أن تسجيل أكثر من 8,8 ملايين عملية شراء إلكتروني خلال شهر واحد فقط، إلى جانب أكثر من مليون عملية دفع عبر أجهزة الدفع الإلكتروني، لا يمكن قراءته على أنه ارتفاع عادي في مؤشرات الاستهلاك أو المعاملات التجارية، وإنما باعتباره دلالة على تغير تدريجي في الثقافة الاقتصادية والرقمية للمجتمع.

وأوضح أن الاقتصادات الحديثة أصبحت تقاس اليوم ليس فقط بحجم إنتاجها أو قدراتها الصناعية، وإنما أيضا بمدى تطور بنيتها الرقمية وقدرتها على إنتاج منظومات مالية ذكية وآمنة وقادرة على تسهيل حياة المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين. وأضاف أن الجزائر دخلت فعليا مرحلة جديدة من هذا التحول، خاصة مع تزايد الاعتماد على الحلول الرقمية في مختلف القطاعات، بما فيها التجارة والخدمات المالية والإدارة والاتصالات.
ويرى بولعراق أن قراءة الأرقام المتعلقة بعمليات الدفع الإلكتروني يجب ألا تقتصر على بعدها الكمي فقط، لأن الأهم من ذلك هو ما تعكسه من تغيرات في السلوك اليومي للمواطنين.
وأوضح أن بلوغ أكثر من 8,8 ملايين عملية شراء إلكتروني خلال ثلاثين يوما فقط يعني أن هناك عددا متزايدا من المواطنين أصبحوا يتعاملون بصورة اعتيادية مع المنصات الرقمية والتطبيقات والخدمات الإلكترونية. وهذا التطور، حسبه، لا يحدث بصورة تلقائية، بل يرتبط بعوامل متعددة، من بينها توسع استخدام الهواتف الذكية، وتحسن خدمات الإنترنت، وارتفاع مستوى الوعي الرقمي، إضافة إلى توسع الخدمات الإلكترونية المقدمة من المؤسسات.
وأضاف أن المواطن كان في مراحل سابقة ينظر إلى الدفع الإلكتروني باعتباره خيارا إضافيا أو خدمة ثانوية، بينما أصبح اليوم يتعامل معه بصورة أكثر اعتيادية، خاصة في المعاملات المتعلقة بالتسوق الإلكتروني ودفع الفواتير والخدمات المختلفة.
وأشار إلى أن ما يحدث حاليا يمثل بداية تحول في طريقة إدارة الأموال اليومية لدى الأفراد والمؤسسات، وهو تحول ستكون له انعكاسات مباشرة على النشاط الاقتصادي خلال السنوات القادمة.

الاقتصاد الرقمي لا يقوم فقط على التطبيقات بل على الثقة

وأكد بولعراق أن الحديث عن تعميم وسائل الدفع الإلكتروني لا يتعلق بالجانب التقني وحده، لأن نجاح أي منظومة مالية رقمية يبقى مرتبطا بدرجة الثقة التي يشعر بها المستخدم.
وأوضح أن المواطن عندما يختار الدفع إلكترونيا فإنه لا يبحث فقط عن السرعة، بل يريد أيضا الشعور بالأمان وضمان حماية بياناته وأمواله ومعاملاته.

وأضاف أن بناء الثقة الرقمية يمثل أحد أكبر التحديات أمام مختلف الدول، لأن تطوير التطبيقات والخدمات أسهل بكثير من بناء علاقة طويلة المدى بين المستخدم والمنظومة الرقمية.
وأشار إلى أن الأمن السيبراني أصبح اليوم جزءا أساسيا من الأمن الاقتصادي، وأن أي توسع في الخدمات الرقمية يجب أن يرافقه توسع مماثل في أنظمة الحماية والرصد والتأمين.
ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد أجهزة الدفع الإلكتروني أو عدد البطاقات المستعملة، بل في قدرة المنظومة على حماية المستخدمين من المخاطر التقنية والاختراقات والاحتيال الإلكتروني، وفي تقييمه لخدمة “Cashless”، أوضح بولعراق أن هذه الخطوة لا يمكن اختزالها في بعدها المتعلق بالدفع فقط، لأنها تدخل ضمن رؤية أوسع لإعادة تنظيم حركة الأموال داخل الاقتصاد.

وأضاف أن تقليص التداول النقدي المباشر يساهم في رفع مستوى الشفافية وتحسين تتبع العمليات المالية وتسهيل إدارة التدفقات النقدية.
وأشار إلى أن الدول التي نجحت في بناء منظومات مالية رقمية متطورة لم تصل إلى ذلك عبر قرارات منفصلة، بل من خلال سياسات تدريجية تعتمد على ربط مختلف الخدمات المالية داخل شبكة رقمية متكاملة، وأوضح أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة لبناء نموذج رقمي يتناسب مع خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع وجود توسع متزايد في استخدام الخدمات الإلكترونية.

وأكد بولعراق أن نجاح الدفع الإلكتروني لا يتوقف على المواطن فقط، بل يرتبط بصورة كبيرة بمدى جاهزية المتعاملين الاقتصاديين والتجار، وأوضح أن التاجر يمثل نقطة الاتصال المباشرة بين المواطن والمنظومة الرقمية، وبالتالي فإن مدى اقتناعه واستعداده لاستعمال هذه الوسائل يحدد نسبة كبيرة من نجاح المشروع.

وأضاف أن توفير أجهزة الدفع الإلكتروني وحده لا يكفي، بل ينبغي توفير منظومة متكاملة تشمل التكوين والمرافقة التقنية وخدمات الدعم، وأشار إلى أن بعض التجار قد يبدون تحفظات مرتبطة بسرعة الإجراءات أو الجوانب التقنية أو التسيير المالي، وهو أمر طبيعي في المراحل الأولى لأي تحول اقتصادي.
ويرى أن المرافقة والتوعية تمثلان عنصرا أساسيا في تجاوز هذه المرحلة وتسريع وتيرة الانتقال نحو المعاملات الرقمية.
وأكد بولعراق أن مستقبل الدفع الإلكتروني لن يتوقف عند حدود استخدام البطاقات أو التطبيقات الحالية، لأن المرحلة القادمة ستكون مرتبطة بصورة أكبر بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على تحليل أنماط الاستخدام واكتشاف العمليات المشبوهة والتنبؤ بالمخاطر وتحسين جودة الخدمات بصورة فورية، وأضاف أن الأنظمة الذكية ستسمح مستقبلا بتقديم خدمات مالية أكثر دقة ومرونة، من خلال تحليل احتياجات المستخدمين واقتراح حلول تتناسب مع سلوكهم الاستهلاكي، وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دورا كبيرا في مكافحة الاحتيال المالي، عبر رصد المعاملات غير المعتادة في الوقت الحقيقي وتنبيه المؤسسات المعنية قبل وقوع الأضرار.

وأكد أن العالم يتجه حاليا نحو دمج الذكاء الاصطناعي داخل مختلف الأنظمة المالية، وأن الجزائر مطالبة بالاستعداد لهذه التحولات مبكرا، وأكد صهيب بولعراق أن بناء مجتمع رقمي لا يتحقق عبر الأجهزة والتطبيقات وحدها، وإنما عبر ترسيخ ثقافة جديدة في التعامل مع الخدمات الحديثة.
وأوضح أن الانتقال من الاقتصاد النقدي التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي يمثل تحولا سلوكيا واجتماعيا واقتصاديا في الوقت نفسه، وأضاف أن نجاح هذا المسار يتطلب استمرارية الجهود المتعلقة بالتوعية والتكوين وتحسين الخدمات وتوسيع البنية التحتية الرقمية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية