السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار وتقارير

قرد في الضوء وأطفال في الظل.. حين يبكي العالم على كتف دمية

Author
الأيام نيوز 28 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عصر تتساقط فيه الدموع عبر “اللايكات” والمشاهدات، يحتضن القرد الصغير “بانش” دمية محشوّة ليصبح بطلا عالميا، بينما ملايين الأطفال في غزة والسودان والصحراء الغربية والصومال، يعيشون مأساة صامتة. هنا، تتحوّل المشاعر الإنسانية إلى سلعة، والتعاطف العابِر إلى استهلاك سريع، في حين يبيع الاقتصاد الرقمي الحزن الخفيف ويغفل الألم الحقيقي. وفي هذه المفارقة القاسية، التي استقرأتْها «الأيام نيوز»، من خلال تصريحات محللين ومثقفين، يتكشّف ضمير عالمي مرتبك: يتأثر بالصورة أكثر مما ينصت إلى الحقيقة، يبكي للدمية، ويغضّ الطرف عن ملايين الأطفال وهم يموتون في الظل.

المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا

إنه عصر الدموع السريعة.. قرد في الضوء وأطفال في الظل

بقلم: ربيعة خطاب

أثارت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، جدلا واسعا بعد تعليقها على الضجة العالمية التي رافقت قصة القرد الصغير “بانش”، في حديقة حيوان يابانية، معتبرة أن التفاعل الإنساني الكبير مع معاناة الحيوان يكشف مفارقة أخلاقية عميقة في عالم اليوم. وأشارت إلى أن الرأي العام الدولي يوحّد مشاعره بسرعة تجاه قصة حيوان يحظى بالرعاية والحماية، في حين يغيب التعاطف نفسه مع مآس إنسانية حقيقية يعيشها آلاف الأطفال الذين يدفعون ثمن الحروب والصراعات.

وقد لفتت زاخاروفا الانتباه إلى الانتقائية الواضحة في التعاطف العالمي، معتبرة أن بعض القضايا تتحول إلى موجات تضامن واسعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما تمرّ مآس إنسانية كبرى بصمت أو اهتمام محدود، رغم حجم الألم والخسائر البشرية التي تخلفها. وجاء تصريحها على خلفية الانتشار الكبير لمقاطع فيديو القرد الصغير الذي تعرض للنبذ بعد ولادته، وتكفّل حراس الحديقة برعايته، ما جعله محط تعاطف عالمي واسع.

في هذا السياق، يُشير المحلل السياسي الروسي، ديمتري بريجع، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن حديث زاخاروفا لا يقتصر على اتهام مزدوج للضمير الإنساني فحسب، بل يمثل تشخيصا لخلل أعمق في بنية النظام الإعلامي العالمي. ويعتبر بريجع أن العالم الرقمي يعيد ترتيب أولويات التعاطف وفق منطق الصورة السريعة والقصة القابلة للانتشار، لا وفق معيار حجم المأساة أو خطورتها. فالقرد الصغير في حديقة حيوان يابانية يمثل قصة مكثفة وعاطفية وسهلة التداول، بينما مآسي الأطفال في مناطق النزاع ترتبط بسياقات سياسية معقدة وصراعات ممتدة تفقد عنصر “اللحظة الفيروسية”.

ويضيف بريجع، أن هذا لا ينفي وجود قدر من الانتقائية الأخلاقية، ولكنه يربطها بآليات صناعة الرأي العام أكثر من ربطها ببرود الضمير الإنساني ذاته. فالمتلقي العالمي يتفاعل غالبا مع ما يُعرض عليه بكثافة وبقالب إنساني مبسط، في حين تُقدَّم القضايا الجيوسياسية ضمن سرديات متشابكة ومتناقضة تقلل من اندفاع التعاطف الجماهيري. وينتهي بريجع إلى أن المشكلة ليست في تعاطف الناس مع حيوان، بل في عجز المنظومة الإعلامية الدولية عن خلق الزخم نفسه تجاه ضحايا الحروب، ما يطرح سؤالا جوهريا حول من يحدد أولويات المشهد الإنساني العالمي اليوم.

يتضح من هذا التشخيص سبب التفاوت في الاهتمام بين القصص الفردية والمأساة الجماعية، وهو ما يعزز فهما أعمق للظاهرة التي أشار إليها بريجع. إذ يربط المحلل نفسه بين اتساع التضامن العالمي مع قصص محددة ووجود ما وصفه بـ”اقتصاد العاطفة السريعة”، حيث تفرض المنصات الرقمية سرديات مبسطة يسهل استهلاكها ومشاركتها. وتخلق قصة إنسانية واحدة، واضحة المعالم وخالية من التعقيد السياسي، موجة تعاطف عابرة للحدود خلال ساعات، لأنها لا تُحمِّل المتلقي عبء الفهم التاريخي أو الاصطفاف الأخلاقي.

في المقابل، ترتبط معاناة أطفال فلسطين والصحراء الغربية والسودان والصومال بنزاعات ممتدة ومعقدة سياسيا، ما يجعلها رهينة الاستقطاب الدولي وتوازنات المصالح. وعندما تتحول المأساة إلى ملف سياسي، ينقسم الرأي العام بدل أن يتوحد، ويتراجع التعاطف أمام الجدل. ويشير بريجع إلى أن الإعلام الدولي يلعب دورا محوريا في هذا التفاوت، إذ يمنح أولوية لما هو قابل للتسويق السريع، بينما تُستنزف القضايا المزمنة في تغطيات متكررة تفقد عنصر الصدمة. وهكذا، تتضح ديناميكية الانتقائية: ليست مسألة غياب الضمير الإنساني، بل هيمنة منطق الانتقاء الإعلامي الذي يسلّط الضوء على قصة ويترك أخرى في الظل، مهما كان حجم الألم فيها.

ومع انتقال التركيز إلى دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، يبرز الباحث في العلاقات الدولية فراس عباس، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، كيف أن هذه الوسائل لم تعد مجرد أدوات لنقل الخبر، بل تحولت إلى فاعل مركزي يعيد تشكيل سلّم القيم الإنسانية وتحديد أولويات التعاطف العالمي. ويشير عباس إلى أن الخوارزميات الرقمية تقوم على مبدأ التفاعل والانتشار، لا على معيار العدالة أو خطورة الحدث، ما يجعل القضايا الأكثر إثارة بصريا أو عاطفيا تحظى بزخم يفوق أحيانا حجمها الفعلي.

ويضيف عباس أن المنصات الرقمية تعزز ما يُعرف بـ”التعاطف اللحظي”، حيث تتدفق المشاعر بسرعة مع صورة أو مقطع مؤثر، ثم تتراجع بالسرعة نفسها مع ظهور محتوى جديد. هذا النمط يخلق وعيا متقطعا ويجعل الرأي العام أسيرا لدورات الاهتمام القصيرة، بدل التفاعل المستدام مع القضايا المعقدة كالنزاعات والحروب. كما يوضح أن وسائل التواصل تساهم في “تخصيص” القضايا عبر شخصنتها، فالقصة الفردية ذات الوجه والاسم تصبح أقرب إلى الجمهور من مأساة جماعية مجردة، ما يجعل أولويات الرأي العام متأثرة بمبدأ المشاهدة والمشاركة، لا بمعايير القانون الدولي أو المبادئ الإنسانية.

ويتسق هذا التفسير مع ملاحظات عباس حول الانتقائية في التعاطف العالمي، التي لم تعد تعتمد على حجم المأساة، بل على قوة الصورة الرقمية وانتشارها. فالقرد الصغير “بانش” أصبح رمزا عالميا لأنه مؤثر بصريا، بينما آلاف الأطفال في غزة والسودان والصومال لا يظهرون على منصات التواصل باللقطات العاطفية التي تجذب انتباه الجمهور.

المأساة المريحة أسهل على الضمير

وفي هذا السياق، يمكن ربط الأزمة الرقمية بما يحدث على الأرض فعليا: في الصومال، حذر خبراء تابعون للأمم المتحدة من أن عدد من يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي تضاعف تقريبا العام الماضي، ليصل إلى 6,5 ملايين نسمة، بما في ذلك أكثر من مليوني شخص مصنفين ضمن المرحلة الرابعة وهي فئة “الطوارئ”، أي على بعد خطوة واحدة من مستوى “الكارثة” الذي يعادل المجاعة. وأشار التقرير إلى أن التدهور يعود إلى تفاقم الجفاف، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانعدام الأمن، وتراجع المساعدات الإنسانية.

وبالمثل، يواجه أطفال غزة مأساة لا تقل حدة؛ فقد أكدت حركة فتح أن هناك 50 ألف يتيم في القطاع، معظمهم بلا إمكانية الحصول على الرعاية الأساسية، سواء التعليمية أو الصحية أو التربوية. في تصريح إذاعي لـ”الأيام نيوز”، أوضح الناطق باسم الحركة منذر الحايك أن ترك هؤلاء الأطفال بلا حاضنة وطنية سيؤدي إلى كارثة اجتماعية، وأن الأزمة تتطلب تدخلا دوليا مباشرا ودعما من الدول الصديقة، حيث لا يمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية وحدها التعامل مع حجم المعاناة.

وتشير الفقرات الاستدراكية إلى أن الوضع في السودان لا يقل مأساوية، إذ يحذر خبراء الأمم المتحدة من أزمة غذائية حادة تواجه الأطفال، في ظل استمرار النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أودى بحياة عشرات الآلاف وأجبر أكثر من 11 مليون شخص على النزوح منذ أبريل 2023. ويقول ريكاردو بيريز، المتحدث باسم اليونيسيف، خلال مؤتمر صحفي في جنيف: “الوضع يتدهور يوما بعد يوم، والوقت ينفد أمام الأطفال”. كما تشهد البلاد تفشيا لأوبئة متعددة، في ظل استهداف مرافق الرعاية الصحية، ما يزيد من هشاشة الوضع الإنساني.

ويمكن توسيع فهم الظاهرة من خلال النظر إلى الصحراء الغربية، حيث سلطت ندوة دولية في جنيف الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها سلطات الاحتلال المغربي بحق المدنيين الصحراويين. وشدد المتدخلون على أن استمرار تجاهل القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة يزيد من معاناة الشعب الصحراوي، ويضع الرأي العام أمام مأساة إنسانية أخرى غائبة عن التداول الإعلامي الواسع، رغم وضوحها وعلنية الانتهاكات.

تجمع هذه الأمثلة بين الواقع الرقمي والتفاعل الإنساني المباشر، لتوضح هشاشة التعاطف العالمي في عصر يتم فيه قياس منسوب التأثر بالمشاهدات والإعجابات، حيث تُسَلّع المشاعر وتصبح أداة للتداول الرقمي أكثر منها تعبيرا عن ضمير حي. فالقرد يحتضن دمية ويصبح بطلا عالميا، بينما ملايين الأطفال في مناطق النزاع يعيشون أوضاعا مأساوية بصمت. المأساة المريحة أرخص وأسهل على الضمير، والمأساة الحقيقية أكثر تكلفة وأقل قابلية للبيع. وهنا تتضح مسؤولية المؤسسات الدولية والإعلام العالمي في إعادة التوازن للاهتمام بمعاناة الأطفال في مناطق النزاع، بحيث لا يظل التعاطف العالمي أسير الصورة السريعة والقصة السهلة، بل يشمل الواقع الإنساني بأبعاده المعقدة.

في النهاية، يقدم هذا الجدل حول القرد “بانش” نموذجا حيا للتناقض بين التعاطف الرمزي والتعاطف الواقعي، ويضع تساؤلات جدية حول أولويات المجتمع الرقمي والإعلامي. ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بلحظة حيوان صغير يحتضن دمية، يظل ملايين الأطفال ضحايا الصراعات والحروب خارج دائرة الاهتمام، في إشارة صريحة إلى أن الاقتصاد العاطفي الرقمي قد أعاد صياغة قيم التعاطف البشري، وجعل المشاهدات والإعجابات معيارا أكثر تأثيرا من حجم المأساة الحقيقية.

دمية الأورانغوتان.. اقتصاد المأساة الخفيفة

بقلم: صبرينة عيلان

في عالم يضج بالمآسي الإنسانية والحروب والكوارث، لا يحتاج أحد إلى قصة قرد في حديقة ليصنع مأساة. ومع ذلك، دعونا نتوقف لحظة أمام معطيات هذا العصر الذي تُقاس فيه المشاعر باللايكات والمشاهدات: لم يعد التعاطف الإنساني مجرد شعور، بل أصبح سلعة يمكن تسويقها وتحويلها إلى أرباح. القرد الصغير “بانش” في حديقة حيوان يابانية، الذي كان يبحث عن حضن دمية محشوة ليشعر بالأمان، أصبح فجأة بطلا لموجة استهلاكية عالمية، فيما تضاعفت أسعار الدمية مرات عديدة على مواقع البيع. ما بدأ كاحتياج عاطفي بريء تحوّل سريعا إلى تجارة مربحة، تكشف كيف يمكن لمأساة قردية – حقيقية أو مصطنعة – أن تُستغل لتحقيق مكاسب مالية ضخمة.

ظاهرة “بانش” ليست مجرد قصة طريفة؛ فهي انعكاس مباشر لمنطق الاقتصاد الرقمي الحديث، حيث تتحول المشاهد المؤثرة إلى منتج يمكن قياسه بالمعاملات المالية. فقد شهدت مبيعات دمية الأورانغوتان من مجموعة DJUNGELSKOG التابعة لشركة إيكيا ارتفاعا ملحوظا بعد انتشار فيديو القرد الياباني وهو يحتضن الدمية في حديقة الحيوان. فحسب صحيفة “نيويورك بوست”، نفدت مخزونات الدمية في متاجر إيكيا في اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وسجلت المبيعات زيادة تجاوزت 200% خلال أسبوع واحد مقارنة بالفترة السابقة.

ومع نفاد المخزون، لجأ المستهلكون إلى منصات المزادات لإعادة بيع الدمية بأسعار ارتفعت إلى أكثر من 350 دولارا، بينما يبلغ سعرها الأصلي نحو 20 دولارا. هنا، يتضح بجلاء كيف يتحوّل حدث عاطفي بريء إلى موجة استهلاكية مربحة، حيث تُسوق العاطفة وتُحوّل إلى أرباح مباشرة، مدعومة بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تضاعف من انتشاره.

الدكتور محمد اليمني – خبير العلاقات الدولية

تصريح الدكتور محمد اليمني – خبير العلاقات الدولية – لـ”الأيام نيوز”، يوضح هذه الحقيقة بشكل صارخ: القرد الصغير “بانش”، الذي ظهر وهو يبحث عن حضن دمية ليشعر بالأمان، لم يكن يدرك أنه يقدّم خدمة مجانية لاقتصاد جديد لا يعيش إلا على اختزال المشاعر. وأضاف اليمني أن ما بدا في ظاهره احتياجا عاطفيا بدائيا لكائن معزول عن بيئته الطبيعية، تحوّل خلال أيام قليلة إلى مادة استهلاكية عالمية، تُتداول على المنصات، وتُضخّم بالخوارزميات، وتُترجم في النهاية إلى أرباح مالية مباشرة. هذا التحول يبرز كيف أن التعاطف نفسه أصبح خاضعا لقوانين السوق، حيث لا القيمة الأخلاقية للتأثر، بل قابلية الموضوع للتداول والربح.

وفي هذا السياق، يشير اليمني إلى أن الظاهرة تعكس نموذجا جديدا يمكن تسميته “اقتصاد المأساة الخفيفة”، مأساة لا تُربك الضمير كثيرا، ولا تتطلب موقفا سياسيا أو أخلاقيا حاسما. يكفي أن يشعر الجمهور بأنه إنسان جيد لأنه تأثر وشارك وربما اشترى، لتصبح اللحظة العاطفية هدفا بحد ذاته، بدلا من أن تكون بوابة للتغيير.

وهنا تتضح أهمية منصات التواصل الاجتماعي، ليس بوصفها وسائط محايدة، بل باعتبارها مهندسة للانتباه، حيث تكافئ الصدمة واللقطة السريعة والقابلية للتداول على حساب العمق والتحليل. ونتيجة لذلك، يتحول القرد الصغير إلى أيقونة للتعاطف العابر، بينما يبقى الطفل الجائع في غزة أو المدني المحاصر في السودان خارج دائرة الانتباه العالمي، ببساطة لأن قصصهم أقل قابلية للانتشار الرقمي.

حزن تحت الطلب

الأمر الأكثر خطورة، بحسب اليمني، هو أن هذا النمط من التعاطف الاستهلاكي يعيد ترتيب سلّم الأولويات الأخلاقية لدى الجمهور. فبدل أن يكون التعاطف مدخلا للفعل والتغيير، يتحول إلى غاية في حد ذاته. يكفي أن نضغط زر الإعجاب أو نشارك لقطة مؤثرة، لنغادر المشهد مرتاحي الضمير، وكأننا أتممنا واجبنا الإنساني.

في الوقت ذاته، تتحول المشاعر إلى موارد قابلة للاستخراج والاستثمار في إطار الرأسمالية المتأخرة، التي لم تعد تكتفي بتسليع العمل أو الوقت أو الجسد، بل ذهبت إلى تسليع الحزن، الخوف، الغضب، والتعاطف نفسه. في هذه المنظومة، يصبح الفارق بين مأساة إنسان ومأساة قرد مجرد مسألة “قابلية البيع” والانتباه الرقمي، لا جوهر المعاناة.

هذه الديناميكية تحجب أيضا القضايا الأخلاقية العميقة المتعلقة بعزل الحيوانات عن بيئاتها الطبيعية، أو بممارسات حدائق الحيوان التي تجعل الكائنات الحية أدوات للترفيه والاستهلاك. فالقصة، كما يرى اليمني، تختزل المأساة في رمز لطيف، وتفصلها عن أي نقد بنيوي للممارسات المؤسسية أو للأنظمة التي تسمح بتكرار هذه الظواهر. في الوقت ذاته، يطرح تساؤلا جوهريا عن طبيعة تعاطفنا: هل نحن شهود على عاطفة حقيقية، أم مشاركون في لعبة محسوبة لصناعة المأساة وتحويل لحظات ضعف الآخرين إلى أرباح تجارية؟

التحليل السابق يقودنا إلى فهم أعمق للدور الذي تلعبه المنصات الرقمية في هندسة المشاعر. فقد أصبح من الممكن قياس التعاطف وتحويله إلى مؤشر نجاح اقتصادي، دون أن يطرأ أي تغير في وعي الجمهور أو مواقفه تجاه القضايا الكبرى. وهنا، تنكشف هشاشة التعاطف الرقمي، الذي غالبا ما يختزل المشاعر إلى استجابة سريعة مؤقتة، ويترك الفعل أو الالتزام الاجتماعي خارج المعادلة.

في الختام، تظهر قصة القرد “بانش” كمرآة لعصر يتحكم فيه الاقتصاد الرقمي، حيث تتقاطع العاطفة، التجارة، والإعلام في بوتقة واحدة. النظام الذي يسمح بتحويل لحظة ضعف كائن حي إلى منتج اقتصادي قابل للتداول يعكس تحولات عميقة في القيم الاجتماعية والأخلاقية، ويضعنا أمام أسئلة كبيرة عن مسؤوليتنا الإنسانية، وقدرتنا على التمييز بين تعاطف حقيقي ومُسوق بعناية. وفي عالم كهذا، تصبح المأساة “المريحة” أسهل الطرق للتأثر، وأرخصها تكلفة على ضمائرنا، بينما تبقى القضايا الكبرى، الإنسانية والبيئية والسياسية، خارج دائرة اهتمامنا، إلا إذا كانت قابلة للبيع بنفس الطريقة.

التعاطف الانتقائي.. دموع تشيتشاريتو والحروب المنسية

 بقلم: بثينة صايفي

تبدو مشاعر التعاطف الإنساني في كثير من الأحيان مرتبطة بالرموز الفردية أكثر من القضايا الجماعية، وهو ما يثير تساؤلا جوهريا حول طبيعة هذا التعاطف بين المواقف الرمزية والواقع المأساوي.

ومن هذا المنطلق، تشير الدكتورة حفصة أمال زعيون، المتخصصة في علم الاجتماع العائلي والعمل الاجتماعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن “المجتمعات اليوم أصبحت أكثر مادية، وأصبح الفرد يتحرك غالبا بدافع ذاتي وفرداني. ففي حين لا تحرك الحروب الإنسانية أو الكوارث الكبرى، مثل ما يحدث في غزة، مشاعر الإنسان بشكل مباشر، قد يجد نفسه متعاطفا مع قرد أو كائن حي بشكل منفصل. فالحروب تضع كل شخص أمام مسؤولية مباشرة، بينما نظرة الإنسان إلى الحيوانات غالبا ما تقتصر على التعاطف الظاهر، السريع، والمباشر”.

الدكتورة حفصة أمال زعيون، متخصصة في علم الاجتماع

وتضيف زعيون: “من الجانب المادي، المصلحة هي الغالبة. كل شيء يمكن أن يُستغل بحجة الذكاء التجاري أو الحيلة الاقتصادية، حتى المشاعر الإنسانية يمكن تحويلها إلى أداة لتحقيق منافع شخصية أو تجارية، وهو ما نراه بشكل متزايد في مواقف وسائل الإعلام والشخصيات العامة.”

ويأتي هذا التصريح في سياق حديث عن الظواهر الرمزية التي تحرك الرأي العام، كما تجسدت في رد فعل النجم المكسيكي خافيير هيرنانديز “تشيتشاريتو”، مهاجم ريال مدريد ومانشستر يونايتد السابق، الذي تأثر بقصة القرد الصغير “بانش”. بعد أن رفضته والدته بعد ولادته في يوليو 2025، لجأ “بانش” إلى دمية محشوة للحصول على الحنان، ما جعل قصته تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في فبراير 2026.

وفي فيديو نشره عبر حسابه على “إنستغرام”، ظهر تشيتشاريتو يبكي متأثرا بالقرد، قائلا: “لقد أثر فينا بانش لأنه قوي وحقيقي. إنه يحاول الدفاع عن نفسه دون أن يعرف كيف يفعل ذلك حقا، وقد مررنا جميعا بذلك. لا يوجد فيه أي خبث، فقط مشاعر وبراءة وإرادة للحياة”.

وأضاف: “يعلمنا أنه يمكنك أن تشعر بعمق دون أن تعيش في تذمّر، ويمكنك أن تتقبل الرفض دون أن تصبح ضحية، ويمكنك حماية قلبك دون أن تغلقه”. وختم تعليقه بالقول: “لابد أن نكون أقل تركيزا على (ماذا فعلوا بي؟) وأكثر على (ماذا أفعل بهذا؟)”.

اضغط لايك على حزن تشيتشاريتو

ووفقا لكلام زعيون، “حين لا تحرك الحروب الإنسانية أو المآسي الكبرى مثل ما يحدث في غزة مشاعر الإنسان، قد يجد نفسه متعاطفا مع قرد أو كائن حي بشكل منفصل”، وهو ما ينطبق تماما على حالة تشيتشاريتو، الذي لم يحرص على تصوير دموعه أو حديثه حول مأساة أطفال غزة، بل تركيزه كان على قصة القرد وحدها.

وفي السياق نفسه، يذكّر الواقع الفلسطيني بأن الصحفيين يعيشون مأساة مباشرة وحقيقية تحت سياسات الاحتلال الصهيوني. فقد أدانت نقابة الصحفيين الفلسطينيين الإجراءات التصعيدية بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في القدس المحتلة، معتبرة هذه السياسات “ممنهجة” لتقييد حرية العمل الصحفي وطمس الرواية الفلسطينية، خاصة خلال شهر رمضان.

وتشمل هذه الإجراءات الإبعاد عن المسجد الأقصى لعشرة صحفيين ومصورين، وحظر أربع وسائل إعلام فلسطينية، وملاحقة العاملين فيها، إلى جانب اعتقال الصحفية نسرين سالم والتحقيق معها لعدة أيام قبل الإفراج عنها بشروط تضمنت الحبس المنزلي ومنعها من استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، في ما اعتبرته النقابة “انتهاكا صارخا لحرية الرأي والتعبير واعتداء مباشرا على حقها في ممارسة عملها الصحفي”.

القرد والدمية.. أيقونة للضمير الغائب

 بقلم: حميد سعدون

في تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، تناول الشاعر الطيب لسلوس ظاهرة التعاطف العالمي مع قصة القرد الصغير “بانش” في حديقة يابانية، في تحليل حاد يجمع بين السخرية والوعي الاجتماعي العميق.

الطيب لسلوس – شاعر

لسلوس يصف حالة التعاطف الجماعي بأنها نوع من “حملة عاطفية منظمة”، حيث يصبح الجمهور متفاعلا مع حدث محدد – في هذه الحالة احتضان القرد لدمية محشوة – بينما يغفل عن مآسي البشر الفعلية. ويضيف: “ما دام الجميع متعاطفا، فسألتحق بحملة التعاطف هذه مع القرد “بانش”، الذي يحتضن دمية محشوة بمواد قد تكون قطنا أو صوفا أو أي شيء آخر، ليشعر بالأمان، لكنني أيضا متأسف لأن الضمير العالمي أصبح يذرف الدموع من أجل قصة محشوة بقطن العواطف أو صوف العواطف أو لا أدري”.

في تحليله، يشير لسلوس إلى أن التعاطف الجماهيري غالبا ما يكون مسرحيا، يُمارَس من باب “الترفيه العاطفي”، حيث يبحث الجمهور عن قصص منسقة أحداثها، يمكنهم من خلالها “خسارة دموعهم” والشعور بالراحة النفسية، وكأن مجرد البكاء يمثل تبرئة للضمير. ويضيف: “الواقع، أن الناس غالبا ما يبكون من باب الترف، يريدون قصصا منسقة الأحداث ليخسروا من أجلها دموعهم، وهكذا سيشعرون بالراحة، لأنهم اطمأنوا لإنسانيتهم.. لكن ماذا عن الأطفال في مناطق الصراعات في العالم، إنهم يهربون من القذائف ولا وقت لديهم حتى للبكاء”.

يذهب لسلوس أبعد من ذلك، مسلطا الضوء على الفجوة الأخلاقية بين التفاعل مع مأساة حيوانية قابلة للصور الجذابة، وبين المأساة الإنسانية الحقيقية. يقول: “عندما تنهار المنازل في فلسطين والأكواخ في السودان، يموت الناس.. يموتون فعلا، لكن الكاميرات في الأخير ستنقل لنا صورة دمية في الركام وقد تكون تلك الدمية.. دمية قرد فعلا، دمية الأورانغوتان التي احتضنها صديقنا القرد الصغير “بانش”، الدمية في الركام تبعث على الحزن، لكن ليس ذلك الحزن الذي يغطي على دم الأمهات ولحمهن المتناثر في الركام.. إنهن أمهات تركن أطفالا يتامى ولا أحد يبكي عليهم.. أو ربما نبكيهم جميعا دون تقديم مساعدة”.

من خلال هذه الملاحظات، يقدم لسلوس قراءة نقدية لما يمكن تسميته “اقتصاد التعاطف الرقمي”، حيث يتم اختزال المشاعر الإنسانية إلى استجابات قابلة للقياس، والدموع تصبح سلعة، والقصص المؤثرة تتحول إلى محتوى يُستهلك دون فعل حقيقي. هذا التحليل يطرح تساؤلات عميقة حول مسؤولية الإعلام والمنصات الرقمية، وكيف يمكن أن تصبح أدوات التأثير النفسي جزءا من لعبة استهلاكية أكثر منها مساحة لتفعيل التعاطف الحقيقي.

في النهاية، يذكّرنا تصريح لسلوس بأن التعاطف، إذا لم يقترن بالوعي والفعل، يتحول إلى أداء شكلي، ومقاييس رقمية، وربما شعور زائف بالإنسانية. وبينما نبكي لدمية محشوة في حديقة حيوان، يظل آلاف الأطفال في مناطق الصراع محرومين من أبسط حقوقهم: الأمان، الحياة، وحتى القدرة على البكاء. هنا يكمن التحدي الأكبر أمام ضميرنا الجمعي: أن نتجاوز الصور المؤثرة، ونفكر في فعل حقيقي يوازي حجم المأساة التي نشاهدها.

بينما الخوارزميات تعدّ الدموع.. العالم يبكي على كتف دمية

 بقلم: عدنان المستاري

 

قصة الدمية والقرد “بانش”، لم تكتفِ بإثارة المشاعر، بل كشفت عالما تعيد فيه المنصات تشكيل العاطفة رقميا، فيلتقي الحزن بالسوق ويتحوّل التعاطف إلى أداء جماعي على شاشات لا تنام.

أثار الجدل الذي رافق انتشار قصة دمية القرد “بانش”، موجة واسعة من التفاعل العالمي، تجاوزت حدود التعاطف العابر لتفتح نقاشا أعمق حول طبيعة المشاعر في العصر الرقمي. ولم تعد القضية مجرد حكاية مؤثرة عن قرد صغير يتعلق بدمية، بل تحولت إلى أنموذج كاشف لطبيعة العلاقة الجديدة بين الإنسان والصورة والعاطفة والمنصات الرقمية.

الدكتور رائد ناجي، كاتب فلسطيني

وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور رائد ناجي، الكاتب الفلسطيني، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن فهم الظاهرة لا يمكن أن يتم عبر زاوية واحدة، بل يستدعي تفكيكها سوسيولوجيا ونفسيا واقتصاديا وأخلاقيا وفلسفيا، لأن ما يبدو قصة بسيطة يخفي تحولات عميقة في بنية الوعي المعاصر.

يرى الدكتور رائد ناجي أن المشهد الرقمي الحالي تحكمه خوارزميات لا تكافئ بالضرورة العمق أو القيمة المعرفية، بل تفضّل المحتوى القابل للاستثارة العاطفية. فالصورة المؤثرة، واللقطة المختزلة، والكائن الضعيف، كلها عناصر مثالية لضمان الانتشار. ومن هذا المنظور، لم تكن الدمية فاعلا حقيقيا في القصة، بل رمزا بصريا جاهزا لإنتاج التفاعل. فالمنصات، بحسب تعبيره، لم تعد تسأل: ماذا يقول المحتوى؟ بل كم يمكن أن يُتداول.

هذه الفكرة تفسر السرعة الهائلة التي انتشرت بها قصة “بانش”. فالمشهد يجمع عناصر مثالية للانتشار الرقمي: البراءة، الفقد، والاحتضان. وهي عناصر تختصر تجربة إنسانية عالمية يمكن فهمها دون سياق معقد أو معرفة مسبقة. وهنا تظهر إحدى أهم ملاحظات الدكتور رائد ناجي، حين أكد أن العصر الرقمي أعاد تعريف القيمة الإعلامية؛ إذ لم يعد الحدث يقاس بعمقه الإنساني، بل بقابليته للتحول إلى محتوى سريع التداول.

وفي تحليله النفسي، ميّز الدكتور ناجي بين نوعين من التعاطف: التعاطف اللحظي والتعاطف الأخلاقي المسؤول. فالأول يمنح الإنسان شعورا سريعا بالرضا الذاتي، إذ يشعر الفرد بأنه قام بواجب إنساني بمجرد التأثر أو المشاركة، دون أن يفرض عليه ذلك أي التزام فعلي. أما التعاطف المسؤول، فهو الذي يقود إلى الفعل والمساءلة ومحاولة التغيير. ومن هنا، يرى أن قصة الدمية وفّرت نموذجا مثاليا لتعاطف بلا كلفة، حيث نتأثر، نشارك، ثم نواصل حياتنا دون مواجهة أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية.

هذا التحليل ينسجم مع التحولات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في مفهوم المشاعر نفسها. فالتعاطف لم يعد تجربة داخلية خاصة، بل أصبح فعلا علنيا يخضع للمشاهدة والتقييم. وبحسب الدكتور ناجي، لم يعد كافيا أن نشعر، بل أصبح مطلوبا أن نُظهر أننا نشعر. وهنا يتحول التعاطف إلى أداء اجتماعي أو ما يُعرف بـ”التعاطف الاستعراضي” (performative empathy)، حيث تُستخدم المشاعر لبناء الهوية الرقمية وإظهار الحساسية الأخلاقية أمام الآخرين.

عندما يتحول الألم إلى قيمة سوقية

اقتصاديا، يلفت الدكتور رائد ناجي الانتباه إلى جانب غالبا ما يتم تجاهله في النقاشات العاطفية، وهو العلاقة بين المشاعر والسوق. فقد أشار في تصريحه لـ”الأيام نيوز” إلى أن ارتفاع أسعار الدمية لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لقانون العرض والطلب داخل سياق عاطفي مكثف. فحين يتحول التعاطف إلى موجة جماهيرية، يتحول تلقائيا إلى فرصة تجارية. وهنا يطرح مفهوم “تسييل المشاعر”، حيث يتحول الطلب العاطفي إلى عرض اقتصادي، وتصبح المأساة نفسها موردا قابلا للاستثمار.

إن هذا التحول يعكس، بحسب الدكتور ناجي، انتقال العالم إلى ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد العاطفة”، حيث تتحول المشاعر إلى رأس مال رمزي يمكن تحويله إلى أرباح. فكل مشاركة تزيد القيمة السوقية، وكل انتشار يخلق طلبا جديدا. وهكذا لم تعد العاطفة مجرد استجابة إنسانية، بل أصبحت جزءا من دورة إنتاج واستهلاك رقمية.

وفي البعد الأخلاقي، يطرح الدكتور ناجي سؤالا جوهريا: لماذا تتصدر قصة دمية المشهد العالمي بينما تمر مآس إنسانية كبرى بصمت؟ ويجيب بأن الألم “المحايد سياسيا” أسهل للاستهلاك الجماهيري، لأنه لا يضع المتلقي أمام مسؤوليات معقدة أو مواقف محرجة. فكلما كان الألم منزوع السياق السياسي والاجتماعي، أصبح أكثر قابلية للانتشار. أما القضايا الإنسانية الكبرى، فهي تتطلب موقفا وفهما وربما انحيازا، وهو ما تميل الجماهير الرقمية إلى تجنبه.

ومن هنا تتضح المفارقة التي أشار إليها الدكتور ناجي: العالم تعاطف مع نتيجة الألم، لا مع جذوره. فمشهد القرد المحتضن للدمية بدا لطيفا ومؤثرا، لكنه في جوهره تعبير عن صدمة نفسية حقيقية ناجمة عن فقدان الأم في مرحلة مبكرة. وقد فسّر العلماء هذا السلوك استنادا إلى تجارب عالم النفس الأمريكي هاري هارلو، التي أثبتت أن الارتباط العاطفي لا يقوم على الغذاء فقط، بل على الإحساس بالأمان والاحتضان.

أظهرت تلك التجارب أن صغار القرود كانت تفضّل “الأم القماشية” الناعمة على الأم المعدنية التي توفر الطعام، ما يؤكد أن الحاجة العاطفية تتجاوز الحاجة البيولوجية. وفي حالة “بانش”، أصبحت الدمية وسيلة لتنظيم جهازه العصبي والتخفيف من آثار الصدمة. أي أن ما رآه العالم مشهدا لطيفا كان في حقيقته محاولة للتكيّف مع الألم.

قصة واحدة تهزم آلاف المآسي

لكن لماذا تلمسنا قصة حيوان أكثر من مآسي البشر؟ يفسر علم النفس الاجتماعي ذلك بأن العقل البشري يتفاعل بقوة مع القصص الفردية الواضحة أكثر من القضايا الجماعية المعقدة. فالمآسي الكبرى تبدو مجردة وضخمة، بينما تقدم القصة الفردية معاناة قابلة للتخيل والتجسيد. والقرد “بانش” لم يكن رقما، بل شخصية ذات ملامح وسلوك مفهوم: صغير فقد أمه ويبحث عن الأمان.

هنا يتقاطع التحليل العلمي مع ما طرحه الدكتور رائد ناجي حول طبيعة الانتشار الرقمي؛ فالقصة لم تنتشر فقط لأنها مؤثرة، بل لأنها قابلة للمشاركة. فهي قصيرة، واضحة، خالية من التعقيد السياسي، وتمنح المتلقي فرصة التعبير عن التعاطف دون عبء أخلاقي ثقيل.

وفي هذا السياق، يظهر الفرق بين التعاطف والشفقة. فالشفقة تنطلق من موقع عاطفي أعلى، حيث يشعر الفرد بالحزن تجاه الآخر دون أن يضع نفسه في تجربته، بينما يقوم التعاطف الحقيقي على المشاركة الإنسانية المتكافئة والفهم العميق. غير أن البيئة الرقمية، كما يلاحظ الدكتور ناجي، تميل إلى تضخيم الشفقة لأنها أسرع وأبسط وأكثر قابلية للانتشار.

أحد أخطر آثار التعاطف الاستعراضي يتمثل في خلق وهم المشاركة الإنسانية. فالمستخدم يشعر بأنه ساهم أخلاقيا بمجرد الضغط على زر الإعجاب أو إعادة النشر، رغم غياب أي أثر واقعي. وهذا لا يعني أن التعاطف الرقمي بلا قيمة مطلقا، لكنه يصبح إشكاليا عندما يتحول التعبير الرمزي إلى بديل عن الفعل الحقيقي.

ورغم هذه الانتقادات، تكشف قصة “بانش” جانبا إيجابيا أيضا، إذ تذكّر بأن الحاجة إلى الأمان العاطفي ليست رفاهية، بل ضرورة بيولوجية مشتركة بين الكائنات الاجتماعية. فقد أظهرت الدراسات أن فقدان الأم مبكرا قد يؤدي إلى اضطرابات في نظام التوتر والنمو النفسي، وهو ما يفسر التعلق الشديد لدى الصغار، سواء كانوا بشرا أو حيوانات.

وفي ختام تحليله، شدد الدكتور رائد ناجي على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قصة الدمية نفسها، بل في الآلية التي تحوّل كل شاشة إلى محتوى، وكل محتوى إلى سلعة، وكل سلعة إلى رقم. فنحن نعيش، وفق تعبيره، زمنا تُقاس فيه الأحداث بعدد المشاركات لا بعمقها، ويُقاس الألم بقابليته للانتشار لا بمداه الإنساني. الفارق الجوهري بين التعاطف الحقيقي والتعاطف المسوّق، كما يقول، أن الأول يخفف الألم، أما الثاني فيحسن المبيعات.

وهكذا تكشف قصة “بانش” حقيقة أعمق عن الإنسان المعاصر: نحن لم نفقد قدرتنا على التعاطف، بل أعدنا تشكيلها وفق إيقاع العالم الرقمي. وبين دمعة صادقة وتعليق عابر، يقف التعاطف اليوم عند مفترق طرق؛ فإما أن يبقى استجابة لحظية عابرة، أو يتحول إلى وعي إنساني قادر على الفعل والتغيير. وفي زمن اقتصاد العاطفة، لم يعد السؤال لماذا نتأثر، بل كيف نحوّل هذا التأثر إلى معنى إنساني يتجاوز الشاشة.