الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

قسيمة السيارات.. مورد للدولة أم عبء يرهق الجزائريين؟

Author
بثينة صايفي 26 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع اقتراب نهاية شهر أفريل، يتجدد الجدل في الجزائر حول قسيمة السيارات، هذا الإجراء الجبائي السنوي الذي يجد فيه البعض التزاما قانونيا ضروريا يساهم في تمويل خزينة الدولة وصيانة الطرقات، بينما يراه آخرون عبئا إضافيا يثقل كاهل السائقين في ظل تزايد الأعباء المعيشية، وبين حرص المواطنين على تسوية وضعياتهم قبل آجال 31 ماي، وتباين مواقفهم بين الامتثال والتأجيل، يطفو إلى السطح نقاش أوسع حول فعالية هذا الرسم، وشفافية توجيه عائداته، ومدى قدرته على تحقيق الهدف الذي أُحدث من أجله، والمتمثل في تحسين البنية التحتية وضمان سلامة التنقل.

في هذا السياق، يطرح ملف قسيمة السيارات نفسه كقضية تتجاوز الطابع الإداري الروتيني، ليعكس إشكالية أعمق تتعلق بالعلاقة بين المواطن والإدارة، وحدود الثقة في السياسات الجبائية.

 

قسيمة السيارات… عبء مفروض بسلطة القانون

في نظر شريحة واسعة من الجزائريين، تظل قسيمة السيارات إجراء ثقيلا على الميزانية، يُدفع تحت وطأة الإلزام القانوني أكثر من كونه قناعة بجدواه، فالمواطن – كما يقرّ بذلك المنسق الوطني لمنظمة حماية المستهلك، فادي تميم – لا يرى فيها خيارا حقيقيا، بل واجبا مفروضا، يرتبط أساسا بتفادي العقوبات والغرامات، وكذا المراقبة المستمرة عبر الحواجز الأمنية، ما يجعل دفعها أقرب إلى “تفادي المشكلة” منه إلى مساهمة طوعية في الشأن العام.

ويزداد هذا الشعور حدة لدى فئات واسعة، خاصة أصحاب الدخل المحدود، الذين يجدون أنفسهم أمام التزامات مالية متراكمة، لتأتي القسيمة كعبء موسمي إضافي يفرض نفسه في توقيت محدد من كل سنة. فبالنسبة لهؤلاء، لا تُقاس القسيمة بقيمتها المالية فقط، بل بثقلها النفسي أيضا، باعتبارها مصروفا “مفروضا” لا يقابله، في نظرهم، تحسن ملموس في الخدمات أو البنية التحتية.

هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين منطق الإدارة ومنطق المواطن فبينما يُنظر إلى القسيمة كإجراء تنظيمي عادي من قبل السلطات، يتعامل معها المواطن كالتزام قسري يضاف إلى سلسلة من الأعباء اليومية، وهو ما يفسر حالة التذمر المتكررة كلما حلّ موعد اقتنائها.

مورد ضروري… منطق الدولة في تمويل الطرقات

في المقابل، يرى تميم أن قسيمة السيارات تبرز كآلية تمويل تساهم، بشكل مباشر، في دعم جهود الدولة لتطوير وصيانة شبكة الطرقات، التي تُعد من بين أكثر القطاعات استنزافا للموارد المالية، فتهيئة الطرق، فتح المسالك الجديدة، أشغال التعبيد، وصيانة الشبكات المتضررة بفعل الاستعمال والعوامل الطبيعية، كلها مشاريع تتطلب ميزانيات ضخمة وتدخلا مستمرا لضمان حدّ أدنى من السلامة والانسيابية في حركة المرور.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى القسيمة باعتبارها مساهمة مباشرة من مستعملي الطريق في تمويل هذا المرفق الحيوي، على أساس أن المستفيد الأول من هذه الاستثمارات هم السائقون أنفسهم، فكلما توسعت شبكة الطرق وتحسنت جودتها، انعكس ذلك على تقليص حوادث المرور، تقليل استهلاك الوقود، وربح الوقت، وهي مكاسب غير مباشرة لكنها ذات أثر يومي ملموس.

كما تندرج هذه القسيمة ضمن منظومة جبائية أوسع، تشمل ضرائب ورسوما مختلفة مرتبطة بقطاع النقل، ما يمنحها بعدا تنظيميا واقتصاديا يتجاوز مجرد رسم سنوي، ليصبح جزء من معادلة تمويل الخدمات العمومية. وبين هذا المنطق الذي تتبناه الدولة، ورؤية المواطن الذي يطالب بانعكاس أوضح لهذه المساهمات على أرض الواقع، يستمر الجدل حول مدى عدالة وفعالية هذا الإجراء.

 

فجوة الثقة… إلى أين تذهب الأموال؟

رغم هذا التبرير، يبقى التساؤل قائما بإلحاح في أوساط الرأي العام حول مصير الأموال المحصلة من قسيمة السيارات، ومدى انعكاسها الفعلي على واقع البنية التحتية، فبالنسبة لكثير من المواطنين، لا يكفي تقديم مبررات تقنية أو اقتصادية، بقدر ما يهمهم رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع، سواء من حيث جودة الطرقات أو صيانتها أو حتى تحسين ظروف التنقل اليومية.

فكما يشير تميم، فإن هذه الإيرادات لا تمثل سوى جزء من التمويل الإجمالي، في وقت تتحمل فيه الخزينة العمومية النصيب الأكبر من تكاليف إنجاز مشاريع الطرقات وتهيئتها، غير أن غياب معطيات دقيقة ومفصلة حول كيفية توزيع هذه الموارد، أو ضعف التواصل المؤسساتي بشأنها، يخلق ما يشبه “المنطقة الرمادية” التي تغذي الشكوك وتُضعف ثقة المواطن في فعالية هذا الرسم.

وتتجلى هذه الفجوة بشكل أوضح عندما يقارن المواطن بين ما يدفعه سنويا، وبين ما يلاحظه ميدانيا من تدهور في بعض الطرقات أو بطء في وتيرة إنجاز المشاريع، وهو ما يطرح إشكالية أعمق تتعلق بضرورة تعزيز الشفافية وربط الجباية العمومية بمؤشرات أداء واضحة، تسمح بتقييم الأثر الحقيقي لهذه الموارد، وتحويلها من مجرد التزام مالي مفروض إلى مساهمة يلمس المواطن نتائجها بشكل مباشر في حياته اليومية.

 

القسيمة عبء يتكرر كل سنة

يرى أمين، وهو سائق في مؤسسة خاصة ويعتمد على السيارة بشكل يومي في تنقلاته، أن قسيمة السيارات تمثل عبئا ماليا إضافيا يتكرر كل سنة دون أن يملك خيارا حقيقيا تجاهه، فبالنسبة له، لا يتعلق الأمر فقط بقيمتها كرقم يُدفع مرة واحدة، بل بتراكم المصاريف المرتبطة بالسيارة على مدار العام، من وقود يشهد ارتفاعا مستمرا، إلى تكاليف الصيانة الدورية وقطع الغيار، وصولا إلى التأمين الإجباري.

ويضيف أن هذه النفقات، التي أصبحت تثقل كاهل السائقين بشكل متزايد، تجعل من القسيمة حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الالتزامات المالية، خاصة عندما تتزامن مع مصاريف أخرى موسمية أو طارئة فالسائق، حسب تعبيره، لا ينظر إلى القسيمة بمعزل عن باقي الأعباء، بل كجزء من “ميزانية سيارة” تستنزف دخله تدريجيا.

وفي ظل هذا الواقع، تتحول القسيمة، في نظر أمين، من مجرد إجراء إداري إلى ضغط سنوي ينتظره السائق بقدر من القلق، خصوصا لدى أصحاب الدخل المحدود، الذين يجدون صعوبة في التوفيق بين متطلبات الحياة اليومية وتكاليف الحفاظ على وسيلة تنقل، أصبحت، في كثير من الأحيان، ضرورة لا غنى عنها.

 

بين ما يُدفع وما يُرى… فجوة واضحة

ويؤكد أمين أن الإشكال لا يكمن في مبدأ المساهمة بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين ما يدفعه السائق وما يلمسه على أرض الواقع، فبالنسبة له، لا يعترض المواطن على فكرة تمويل الطرقات، بقدر ما يتساءل عن مردود هذه المساهمات، خاصة عندما يواجه يوميا طرقا مهترئة، حفرا متكررة، أو غيابا للصيانة في بعض المحاور.

ويضيف أن هذه المفارقة تُضعف من قناعته بجدوى القسيمة، إذ يشعر بأن ما يُدفع لا ينعكس دائما بشكل مباشر على جودة البنية التحتية، فحتى في المناطق التي تشهد أشغالا، يرى أن وتيرة الإنجاز بطيئة أو غير منتظمة، ما يجعل السائق يعيش حالة من “الانتظار المفتوح” دون نتائج واضحة في المدى القريب.

وفي ظل هذا الواقع، تتحول القسيمة، في نظره، إلى التزام مالي يفتقر إلى المقابل الملموس، وهو ما يعمّق الإحساس بعدم الإنصاف. ويختصر أمين هذا الشعور بعبارة بسيطة لكنها معبّرة: “المواطن يدفع، لكن لا يرى دائما مقابلا واضحا لذلك”، في إشارة إلى فجوة مستمرة بين الجباية والخدمة، تحتاج – برأيه – إلى معالجة حقيقية تعيد التوازن بين الطرفين.

 

إلزام قانوني بلا قناعة

ويختم أمين حديثه بالتأكيد على أن التزامه بدفع القسيمة لا ينبع من اقتناع حقيقي بجدواها، بل من ضرورة تفادي العقوبات والمشاكل القانونية التي قد تترتب عن عدم تسديدها، خاصة في ظل تشديد الرقابة عبر الحواجز الأمنية، فبالنسبة له، يتحول هذا الإجراء إلى نوع من “الالتزام القسري” الذي يفرض نفسه على السائق، بغضّ النظر عن موقفه أو تقييمه الشخصي لفعاليته.

ويضيف أن هذا الشعور يتقاسمه مع عدد كبير من السائقين، الذين لا يرون في القسيمة مساهمة طوعية في تحسين الخدمات، بقدر ما يعتبرونها إجراء إداريا مفروضا لا يمكن التهرب منه. فالقناعة، حسبه، لا تُبنى فقط على الإلزام، بل على الإحساس بجدوى ما يُدفع، وهو ما يظل – في نظره – غائبا أو غير واضح بما يكفي.