قمة واشنطن الافتراضية.. هل تُوقف الديمقراطية العَلِيلة حركة التاريخ ؟

إنجازا لوعدٍ انتخابي كان قد قطعه، دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن قادة 111 دولة للمشاركة في قمة افتراضية من أجل الديمقراطية، وكان قد طرح الفكرة أول مرة في مقال نشره في مجلة فورين أفيرز قبل عام من انتخابه.

وحدد في المقال هدفين لقمته، الأول هو الدفاع عن الديمقراطية من الأخطار التي تواجهها داخل الدول التي توصف بأنها ديمقراطية والثاني هو إعادة توحيد “الدول الديمقراطية” لمواجهة “الأنظمة الاستبدادية والشمولية” في العالم، ويبدو أن الطريقة التي تطبق بها الفكرة لا تحقق الإجماع حتى بين الدول التي نالت صفة الديمقراطية

ما وراء القمة

بحسب تصنيف فريدوم هاوس للدول حسب مؤشر الديمقراطية فإن بين الدول 111 التي تلقت الدعوة لقمة واشنطن الافتراضية توجد 77 دولة فقط مُصنّفة على أنها دول حرة، في حين أن 31 دولة أخرى ليست حرة إلا بشكل نسبي، أما ثلاث دول أخرى هي العراق وأنغولا والكونغو الديمقراطية فتُصنف بأنها دول ليست حرة على الإطلاق.

يمكن اعتبار قمة واشنطن الافتراضية بأنها جزء من إعادة ترتيب السياسة الخارجية الأمريكية التي طالما اعتمدت نشر الديمقراطية كأداة لضبط النظام الدولي والتحكم في توازناته، وهذا التوجه لازَمَ السياسة الخارجية في عهد الإدارات الديمقراطية بشكل خاص.

 وهذه الملاحظة الأولية تضع المعايير المعتمدة في اختيار المشاركين محل استفهام، إذ لا يُخفي كثير من المختصين في أمريكا وخارجها قناعتهم بأن الأمر يتعلق بالصراع على الساحة الدولية أكثر من أي شيء آخر، ولم تُفلح التصريحات الرسمية الأمريكية بأن القمة ليست مُوجّهة ضد أحد في إقناع المتشككين.

لم تخف الإدارة الأمريكية الحالية نيتها في إعادة بناء التحالفات التي خرَّبها الرئيس السابق دونالد ترامب الذي احتقر حلفاءَه التقليديين واتُّهم بأنه كان واقعا تحت تأثير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يوصف بأنه مُتسلِّط ينفرد بالحكم، ومن هنا يمكن اعتبار قمة واشنطن الافتراضية بأنها جزء من إعادة ترتيب السياسة الخارجية الأمريكية التي طالما اعتمدت نشر الديمقراطية كأداة لضبط النظام الدولي والتحكم في توازناته، وهذا التوجه لازَمَ السياسة الخارجية في عهد الإدارات الديمقراطية بشكل خاص.

يبرز القلق من عودة الحرب الباردة تحت عناوين التنافس الاقتصادي، الذي يأخذ شكل حرب تجارية وتكنولوجية، تارة، والمواجهة الإيديولوجية تارة أخرى.

قبل نحو أسبوعين ( 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2021) من انعقاد القمة، نشر السفيران الصيني والروسي لدى واشنطن مقالا مشتركا في مجلة ناشيونل انترست الأمريكية تحت عنوان “احترام الحقوق الديمقراطية للشعوب”، وكانت خلاصة المقال أن قمة واشنطن ستؤدي إلى تأجيج المواجهة الإيديولوجية في وقت تحتاج فيه الدول إلى تعزيز التعاون والتنسيق بشكل عاجل من أجل تحقيق التقدم في مواجهة مجموعة من التحديات العالمية، وكتب السفيران تشين غانغ وأناتولي أنتونوف “لم يشهد العالم نقصًا في الحروب والاضطرابات لإثبات أن فرض “الديمقراطية” ونظامها السياسي والقيم المتصلة بها على الدول الأخرى سوف يقوض بشدة السلم والأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي” ويضيفان لا داعي للقلق بشأن الديمقراطية في روسيا والصين، من الأفضل أن تفكر بعض الحكومات الأجنبية في نفسها وما يحدث في بيتها”.

لم تهضم دولة مثل المجر إقصاءها من القمة فعلّق مدير مكتب وزيرها الأول قائلا: “إذا كان بوسعنا مساعدة أمريكا بتقديم النصائح لها فنحن جاهزون، ففي المجر لا يعتقد ثلث الناخبين بأن الانتخابات كانت مزورة”.

ما من شك في أن الصين وروسيا تعتبران القمة شكلا من أشكال التحالف ضدهما، ومحاولة أخرى لاحتوائهما بعزل حلفائهما المفترضين، ويمثل توقيع مشترك بين السفيرين لمقال هو أقرب إلى البيان السياسي الذي يكرس هذا التقارب الروسي الصيني في مواجهة الحلف الأمريكي، كما يبرز القلق من عودة الحرب الباردة تحت عناوين التنافس الاقتصادي، الذي يأخذ شكل حرب تجارية وتكنولوجية، تارة، والمواجهة الإيديولوجية تارة أخرى.

لقد عقدت أمريكا الأمل على الانفتاح الاقتصادي للصين ليدفع بها نحو اعتناق نظام سياسي ليبرالي، وقد كانت سياسة الالتزام تجاه الصين منذ الانفتاح عليها في النصف الثاني من السبعينيات إلى بناء علاقات تجارية متينة معها وتشجيعها على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية قبل عقدين من الآن، مدفوعة بنظرية رائجة في الغرب مفادها أن الديمقراطية هي نتاج للرأسمالية الاقتصادية، غير أن ثلاثة عقود من اقتصاد السوق في الصين لم تثمر ما كان يتوقعه المنظرون وقادة الحكومات في الغرب، وهو ما يفسر اليوم العودة إلى رؤى الحرب الباردة واصطفافاتها التقليدية رغم التحولات العميقة التي عرفها العالم.

39 بالمائة من الشباب الأمريكي يعتقد أن الديمقراطية الأمريكية في حالة إفلاس في حين يقدر 57 بالمائة  أنه من المهم جدا أن تكون أمريكا بلدا ديمقراطيا.

لم تهضم دولة مثل المجر إقصاءها من القمة فعلّق مدير مكتب وزيرها الأول قائلا: “إذا كان بوسعنا مساعدة أمريكا بتقديم النصائح لها فنحن جاهزون، ففي المجر لا يعتقد ثلث الناخبين بأن الانتخابات كانت مزورة” وكانت تلك إشارة قاسية إلى وضع الديمقراطية في البلد الذي دعا إلى القمة ويستضيفها، وهي تلميح أيضا إلى أن هناك حسابات أخرى قد تجعل بولونيا أهم من المجر، وتسقط تركيا، وهي العضو المهم في الناتو، من قائمة المدعوين.

ديمقراطية تحتضر

مهما تكن الأهداف الأمريكية من القمة فإن تنبيهات كثيرة وردت إلى بايدن بالمناسبة وكان مصدرها أمريكيون في المقام الأول، ولم يتردد البروفيسور بول بيلار، وهو من إطارات الاستخبارات الأمريكية السابقين في القول في مقال بعنوان “كيف تدير قمة للديمقراطية عندما تكون ديمقراطية في حالة احتضار”  نشرته مجلة ناشيونل انترست: ” من بين أوجه القصور الأخرى في النظام السياسي الأمريكي، لم يعد أحد الحزبين السياسيين الرئيسيين في الولايات المتحدة يؤمن بالديمقراطية بعد الآن، منذ بعض الوقت كان يحاول قمع ممارسة المواطنين لحقهم في التصويت، وهو الآن يدير ظهره لواحد من المبادئ المركزية للديمقراطية، وهو احترام نتيجة الانتخابات الحرة. يقود الحزب رئيس سابق مهزوم لا يزال يرفض نتيجة الانتخابات الوطنية الأخيرة، ويردّد مزاعم عن التزوير، وقد صوَّت معظم ممثلي الحزب في مجلس النواب لصالح رفض تلك النتيجة”، وبعد هذا التشخيص القاسي يأمل بيلار في أن تكون للقمة فائدة أخرى ” سيكون الاجتماع مفيدًا للغاية إذا كان بعض هذا الإلهام والدعم يمكن أن يتدفق في الاتجاه المعاكس – من الديمقراطيين الجيِّدين في الخارج إلى أولئك الذين يسعون جاهدين للحفاظ على الديمقراطية في الولايات المتحدة. من غير المرجح أن يتأثر أولئك الذين هم أكثر عزمًا على قلب الديمقراطية في أمريكا ، لكن الدعم المبدئي من الخارج قد يرفع معنويات أولئك الذين يكافحون من أجل منع الانقلاب.” يختصر هذا الكلام أزمة النظام السياسي في الولايات المتحدة التي رسمتها نتائج دراسة أنجزتها مدرسة كينيدي للحكم في جامعة هارفارد وتبين من خلالها أن 39 بالمائة من الشباب الأمريكي يعتقد أن الديمقراطية الأمريكية في حالة إفلاس في حين يقدر 57 بالمائة  أنه من المهم جدا أن تكون أمريكا بلدا ديمقراطيا.

 ولعلّ هذا ما شجّع الصين على نشر كتابها الأبيض عن الديمقراطية التي تتقدم والذي قالت فيه إنها هي من تمثل الديمقراطية الحقيقية مع فارق مهم وهو أنها لا تريد تصدير نموذجها في الحكم وهي بكل تأكيد لن تسمح للآخرين بفعل ذلك، إنها طريقة أخرى للقول بأن عالما متعدد الأقطاب صار حقيقة لا مفرّ منها.

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نشرت فيونا هيل التي كانت كبيرة مستشاري دونالد ترامب للشؤون الروسية، وتعمل زميلة أولى في مركز الولايات المتحدة وأوروبا في برنامج السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز، كتابا بعنوان “ليس لك شيء هنا : إيجاد فرص في القرن الحادي والعشرين” تتحدث فيه عن مخاطر الانهيار السياسي في الولايات المتحدة والتي أشَّرت إليه بوضوح فترة حكم ترامب، وقد نشرت مقالا في العدد الأخير من مجلة فورين أفيرز ( نوفمبر/ديسمبر-تشرين الثاني/كانون الأول 2021) مقتبسا من الكتاب تحت عنوان ” انتصار الكريملن الغريب” جاء فيه “الشيء الوحيد الذي يجب على قادة الولايات المتحدة تجنُّبه في سعيهم إلى تعزيز الوحدة المحلية هو محاولة حشد الأمريكيين حول فكرة عدو مشترك، مثل الصين، قد يؤدي القيام بذلك إلى نتائج عكسية من خلال إثارة غضب كراهية الأجانب تجاه الأمريكيين والمهاجرين من أصل آسيوي، وبالتالي تأجيج المزيد من الانقسامات في الداخل” وتَخلُص إلى القول: “كما تعلّم الكثير من الأمريكيين خلال رئاسة ترامب ، لا توجد دولة ، بغض النظر عن مدى تقدمها ، مُحصَّنة ضد القيادة المعيبة ، وتآكل الضوابط والتوازنات السياسية ، وتدهور مؤسساتها الديمقراطية لا تصلح نفسها بنفسها، إنها بحاجة إلى عناية مستمرة”.

لقد نبّه النقاش حول قمة واشنطن الافتراضية إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن النموذج الأمريكي لم يعد جذَّابا وأن ديمقراطيتها لم تعد من مُقوّمات القوة الناعمة التي تدعم القواعد العسكرية المنتشرة عبر مختلف أنحاء العالم، ولعلّ هذا ما شجّع الصين على نشر كتابها الأبيض عن الديمقراطية التي تتقدم والذي قالت فيه إنها هي من تمثل الديمقراطية الحقيقية مع فارق مهم وهو أنها لا تريد تصدير نموذجها في الحكم وهي بكل تأكيد لن تسمح للآخرين بفعل ذلك، إنها طريقة أخرى للقول بأن عالما متعدد الأقطاب صار حقيقة لا مفرّ منها.