2025.12.04
كابوس اسمه الحرية المنفلتة! مقالات رأي

كابوس اسمه الحرية المنفلتة!


استيقظتُ على صوتٍ غير مألوفٍ لزوجتي وهي تقول بلطفٍ غريب: "استيقظ يا حبيبي، واحتسِ القهوة معي". ظننتُ في البداية أنني أتوهّم، أو أن زوجتي مريضة، لكن رائحة القهوة التي تسلّلت إلى أنفي أكدت أنني لا أحلم. في ذلك اليوم، كانت زوجتي غريبة.. بل ولطيفة، فقط لهذا اليوم. أضاءت الغرفة بابتسامةٍ ناعمةٍ لم أعتدها منها، لكنّ المشهد سرعان ما انقلب حين ظهر على الشاشة رجلٌ يقف على منبرٍ رسميّ، يرتدي بدلةً سوداء وقميصًا أبيضَ ناصعًا، وقد تزيّن صدره بحبّات طماطم فاسدةٍ قذفها جمهورٌ غاضب.

للوهلة الأولى، ظننته إعلانًا لمسحوق غسيلٍ يُزيل البقع المستعصية ويُعيد للملابس الملوّثة نصاعتها، لكنّ الأمر كان خطابًا سياسيًّا مباشرًا دون جمهور، دون حرسٍ، دون منطقٍ. تساءلتُ في نفسي: "هل هذا حقًّا بلدٌ عربيّ؟ أم أنها كاميرا خفيّة؟". ربما كان السبب في رؤيتي هذا المشهد أنني لم أنم جيدًا بعد مشاجرتي مع مديري الذي لم يتقبل صراحتي ونقدي أمام الجميع، لم يحتمل كلمةَ حقٍّ، ولا مواجهةَ صواب.

عدتُ إلى بيتي مثقلاً بعبءِ العبودية، مدركًا أن قول الحقيقة صار تهمة. وبعد استنكاري لهذا اليوم، أخذتُ نفَسًا وبدأت أُجهّز نفسي للعمل، لكنّ زوجتي الغريبة، بلطفها المفاجئ، قالت: "اليوم عطلة، إنه يوم الأحد. وقد اتصل مديرك وطلب أن تأخذ إجازة غدًا أيضًا". حينها تسلّل الخوف إلى قلبي، وعرفتُ أنني قد طُردت.

خرجتُ أتمشّى على الشاطئ لأتنفّس قليلًا، وبين شهيقٍ وزفيرٍ، لفتتني شاحناتٌ تفرغ النفايات ومخلّفات المصانع في البحر. بدافعٍ من ضميرٍ بيئيٍّ نادر، اتصلتُ بالجهات المعنيّة، لكنّ الصوت في الطرف الآخر أجابني ببرودٍ: "وما شأنك أنت؟ نحن نترك الإنسان يفعل ما يريد". أغلقت الهاتف، وأكملت يومي الغريب. وإذ صوتُ معدتي وكرشي الكبير قادني إلى مطعمٍ صغير، طلبتُ نصف كيلو من الشواء مع الحمص والمقبّلات، وبدأ خيالي يرسم لوحةً فنيّةً من اللذّة قبل أن يصل الطعام. لكنّ النادل وضع أمامي صحن فولٍ باهت! نظرتُ إليه وكدتُ أقتله بعيني، وقلت: "أين الشواء الذي طلبتُه؟"، ابتسم وقال ببرودٍ يثير الغيظ: "أنا قررت أن تأكل هذا. يمكنك أن تقبل أو ترفض، لكن لا يطيب لي أن أقدّم لك الشواء الآن".

خرجتُ من المطعم، وخرجتْ عصافير بطني معي تصرخ جوعًا، وفي الطريق رأيتُ الفوضى تعمّ الشوارع أكثر من المعتاد، لا إشارات، لا شرطة، لا نظام، كلٌّ يسير كما يشاء. عدتُ إلى منزلي مسرعًا وسألتُ زوجتي عن ابنتي التي لم أرها منذ الصباح، فقالت ببرودٍ: "خرجت، ولم تخبرني إلى أين". ذهلتُ وقلت: "ومنذ متى تفعل ما تشاء؟! وأين ابنك؟"، قالت وهي تُعدّ حقيبة سفر: "لا أدري، لم يعد منذ أمس. اتركه، فهو في الخامسة عشرة، يعرف مصلحته. ثم إنني ذاهبة في رحلةٍ ترفيهية، ولكن أنت... أنت، ما شأنك أنت؟ نحن في عصر الحرية، أَنَسِيت أننا لسنا في زمن القيود؟".

جلستُ مطوّلًا، صامتًا، ممسكًا هاتفي، وفجأة سمعتُ صوتًا من جهازٍ ذكيٍّ يسألني: "ما بك؟". بدأت أشرح له، فراح يوجّهني ويأمرني ماذا أفعل. أطعتُه بلا تفكير، ثم صرختُ: "لِمَ أنا فقط من يُقاد؟ أليس الكلّ حرًّا؟ أخرج من حياتي!" ثم غرقتُ في نومٍ ثقيل. استيقظتُ على صوت زوجتي المألوف تصرخ في ابننا: "اجلس، لا تُصدر ضجيجًا! والدك نائم!". ضحكتُ وأنا أقول في نفسي: "أهلًا بصوت الحياة الحقيقي، لا تزال الدنيا بخير".

 ظنّت زوجتي أنني جننت، لكنها لم تعلم أنني كنت في كابوسٍ... كابوسٍ اسمه الحرية المنفلتة. خرجتُ بعدها إلى الطبيعة أتنفّسها كما لم أفعل من قبل، راقبتُ النهر يجري بحريةٍ صادقة، والعصفور يطير كما يشاء، والزهور تتمايل مع الريح دون خوف. حينها فهمت أن الحرية لا تُقاس بغياب القيود، بل بقدرتنا على التمييز بين الصواب والجنون، بين الانطلاق الذي يبني، والانفلات الذي يهدم.

الحرية ليست أن نفعل ما نريد، بل أن نُريد ما يجب، ليست أن نثور على النظام، بل أن نخلق نظامًا من داخلنا يحكمنا بالضمير. الطبيعة حرّة لأنها تعرف حدودها، أما الإنسان فقد خلط بين الحرية والفوضى حتى صار يسجن نفسه فيما ظنّه انعتاقًا.

نعم، الحرية جميلة، لكنها حين تُسلَّم إلى أيدٍ جاهلةٍ تُصبح أداةَ هدمٍ لا بناء، وحين يتحرر الإنسان من قيمه وأخلاقه، يُطلق العنان لوحشه الداخليّ لينهش ما تبقّى من إنسانيته.

في النهاية، أدركتُ أن أجمل ما في القيود هو أنها تذكّرنا بإنسانيتنا، وأن من لا يقيّد نفسه بالمبدأ، سيقيّده الخطأ بالندم.