الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

كلاوديو بوتساني لـ”الأيام نيوز”: العربية لغة الشعر بامتياز والقصيدة سلاحنا للبقاء أحرارًا 

Author
هارون عمري 01 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

يحمل الشاعر والروائي الإيطالي كلاوديو بوتساني ” claudio possani” إلى أمسياته طاقة تكونت بين موسيقى الروك وشعر جوزيبي أونغاريتي ومدينة جنوى المفتوحة على البحر، فيتعامل مع الإلقاء باعتباره بعثًا جديدًا للنص، تتحول فيه الكلمات المكتوبة إلى صوت وحركة واتصال مباشر بالجمهور، وتظهر في قصائده مواجهة دائمة بين السامي واليومي، والروح والجسد، والمدينة وخرابها، والحنين الذي يدعو إلى العودة والضجر الذي يدفع إلى الارتحال. 

في هذا الحوار مع “الأيام نيوز”، يتحدث بوتزاني عن علاقته بالشفهية وطريقته في بناء قصائده أثناء المشي، ويقرأ أثر الموانئ والبحر في تجربته، كما يتوقف عند موقع الشعر داخل المشهد الرقمي، ومسؤولية الترجمة في نقل القصيدة إلى العربية، وفكرته عن مهرجان جنوى الدولي بوصفه عملًا فنيًا، ويشرح رؤيته إلى الذكاء الاصطناعي وثقافة التملك وعلاقة اللغة بالعنف، كاشفًا عن مشروع بحري جديد ينقل الشعراء والفنانين بالأشرعة بين جنوى ومدينة سيت الفرنسية.

“الأيام نيوز”: تجمع بين ماضيك مغنيًا رئيسيًا لفرقة الروك “تشينانو” وبين تأثرك المبكر، منذ الطفولة، بجوزيبي أونغاريتي، كيف تدمج الحيوية الجسدية والطاقة التي تضعها على المسرح اليوم بين تمرد الروك والشفهية العتيقة، وتنتزع الشعر من الصمت الأكاديمي؟ 

كلاوديو بوتساني: مع أنني أرى أن الأولوية في القصيدة للنص المكتوب على الصفحة، فإنني أحببت دائمًا البعد الحي في الأمسيات الشعرية، والاتصال المباشر بالجمهور، وتدفق الأدرينالين الذي يغمرك وأنت على خشبة المسرح، الإلقاء أمام الجمهور بالنسبة إلي وسيلة لمنح جسد، من صوت وحركات، لروح القصيدة التي يمثلها النص، إنه تحويل الكتابة إلى كينونة ثلاثية الأبعاد. 

ينبع كل هذا بالتأكيد من ماضيّ مغنيًا للروك، فالتفاعل مع الجمهور وتجاوبه أمر جوهري في قراءاتي الشعرية، وكنت أملك دائمًا القدرة على التقاط الحالة المزاجية للحاضرين، ومعرفة ما إذا كان انتباههم يتشتت أو كانوا يتأثرون عاطفيًا، وإدراك ذلك هو الأمر الأهم للفنان المؤدي في اللحظة الحية، لأنه يمنحك قناة مباشرة مع المشاهد، قناة ساحرة تكاد تكون خيميائية، تضعك في اتصال معه حتى قبل تدفق الشعر أو الموسيقى.

التمرد يكمن في داخلي، ويظل حاضرًا ونقيًا في شعري، حتى عندما لا يظهر بصورة مباشرة، والتمرد في نظري يعني الابتعاد عن الكليشيهات والأفكار النمطية المبتذلة، وتوسيع حدود الإدراك الحسي، والبحث الدؤوب عن معان جديدة وصياغات متجددة للأشياء والعواطف. 

في المحصلة، أرى أن كلاوديو مغني الروك وكلاوديو الشاعر متطابقان تمامًا، وإن استخدما لغات وأدوات تعبيرية مختلفة. 

“الأيام نيوز”: في قصيدتك “إلى أمي”، تصف الولادة بواقعية حسية واضحة تحضر فيها تفاصيل الدم والمخاط، كيف يندمج هذا الألم البيولوجي في بناء المعنى الوجودي، وكيف تتجنب الابتذال العاطفي في تناول موضوع شديد الحساسية؟ 

كلاوديو بوتساني: قصيدة “إلى أمي” هي، من دون شك، القصيدة التي حصدت أكبر قدر من التجاوب والنجاح في مختلف بلدان العالم، ويسعدني ذلك كثيرًا، لأننا نتناول فيها موضوعًا يبدو مألوفًا لدى أي شاعر، ويحمل خطر السقوط في الميوعة والابتذال، وتلقي جماهير تنتمي إلى لغات وثقافات متباينة لها بوصفها عملًا أصيلًا وبالغ التأثير يجعلني أشعر بأنني كتبت نصًا يحمل أبعادًا إنسانية كونية، انطلاقًا من تجربة ذاتية حميمة ومحدودة جدًا. 

تحضر في تجربتي الشعرية دائمًا مواجهة بين المثالية والواقعية الملموسة، وبين السامي والمتدني، ويروق لي نقل الإحساس العاطفي من خلال تفصيل مادي أو غرض ملموس، مستندًا في كثير من الأحيان إلى نمط “التفكير الجانبي“. 

وصفت في قصيدة أخرى طفولتي ووالديّ من خلال بناء تماثل وتواز مع علامات الترقيم، مثل الفاصلة والنقطة والنجمة، وفي قصيدة أخرى رسمت روحي في هيئة كائن حيواني، فالتفصيل المادي يتيح لي الوصول إلى الشعور من زاوية غير متوقعة، ويمنحه حضورًا محسوسًا داخل النص. 

“الأيام نيوز”: ترسم قصيدتك “مرثية” مشهدًا للخراب الصناعي، تظهر فيه رافعات تشبه المشانق وسهوب مقفرة، كيف يتحول الانحدار العمراني إلى فراغ في الروح، وهل تفرز المدن الساحلية والموانئ بطبيعتها هذا التلازم بين الحنين القاتل والسوداوية أو الضجر الوجودي؟ 

كلاوديو بوتساني: في حقيقة الأمر، تروي قصيدة “مرثية” سكون الصمت في مدينة منكوبة بالقصف، اختفى جميع سكانها، وقد تكون هذه اللوحة آتية من زمن أعقب انفجار قنبلة نووية أو جائحة مميتة. 

للأسف الشديد، تظل هذه القصيدة شديدة الراهنية في بقاع كثيرة من العالم، وهي نذير وتحذير للمستقبل موجه إلى من تناسى أهوال الحروب، وقد تشكل أحد منابع إلهامها أثناء مشاهدتي فيلمًا وثائقيًا عن تشيرنوبيل، وخاصة تلك المشاهد للمدن الخاوية، حيث المراجيح المهجورة والمباني والدراجات التي تركها أصحابها فجأة على قارعة الفناء. 

من المثير للاهتمام أنك لمحت فيها الانحدار الحضري لمدينة جنوى، وهو تأويل لا واع وارد جدًا، فالعديد من الصور داخل القصيدة تحيل إلى أرصفة الميناء، وتتمتع جنوى بتاريخ عريق ومحوري في مجالي الشعر والأغنية المؤلفة، وتضم نخبة من أبرز الأدباء الإيطاليين وأكثرهم مكانة. 

لعل انحسار المساحة، بحكم وقوع جنوى بين مياه البحر وتلال الجبال، هو ما يدفع العقل نحو التوسع والامتداد، ويأتي حضور البحر حاملاً مفارقته الخاصة، فهو قيد حابس وانفتاح حر نحو الأفق في الوقت نفسه. 

القصيدة الوحيدة التي كتبتها عن مسقط رأسي تحمل عنوان “جنوى حنين وضجر”، لأنني أحيا في تأرجح دائم بين الحنين الذي يوقظ الشوق والرغبة في العودة عندما أكون مغتربًا، وبين الضجر والسوداوية اللذين يتملكانني حين تطول إقامتي فيها. 

أرى أن التداعي العمراني تجل صريح لفراغ روحي يتسع باطراد في نفس البشرية، ويظهر في الثقافة والأخلاق والفنون والعواطف الحية، ويعتريني تشاؤم إزاء المصير العام للإنسانية، مع احتفاظي بقدر وافر من التفاؤل تجاه الأفراد بوصفهم أشخاصًا مستقلين. 

“يشبه البحر الشعر في بقائه ثابتًا في جوهره، رغم حركته واضطرابه الدائم، وهو قيد حابس وانفتاح حر نحو الأفق في الوقت نفسه“. 

“الأيام نيوز”: شبهت الشعر بالمحيط الذي يتحول باستمرار من دون أن يتغير في جوهره، فما ملامح الشعرية المتوسطية اليوم في عصر الرقمنة والسيولة، وإلى أي المرافئ تتجه الكلمة المعاصرة؟ 

كلاوديو بوتساني: صغت هذا التشبيه لإيماني العميق بأن الشعر هو الفن الذي يتبدل بصورة متواصلة، مع بقائه ثابتًا في جوهره عبر القرون، تمامًا كفن المسرح، فالأنماط اللغوية والأساليب الفنية تتغير، والهياكل والأركان الجوهرية تظل راسخة. 

نعيش اليوم مفارقة صارخة، فقد فتحت شبكة الإنترنت أبواب العالم أمام الجميع، وألغت الحواجز والمسافات والأزمنة، وصار العثور على شعراء حقيقيين في غاية الصعوبة، كأن الكميات تضخمت بصورة أدت إلى خنق الجودة أو جعل الوصول إليها شاقًا. 

في القرن العشرين، أدت المجلات الأدبية والفكرية والصالونات ودور النشر دورًا محوريًا في جمع الكتاب ووضع معايير الجودة والفرز، أما اليوم فقد تشتت ذلك كله بين آلاف المدونات والحسابات الافتراضية ومطبوعات النشر الذاتي، مما جعل الوصول إلى الأصوات الأصيلة والمثيرة للاهتمام مهمة معقدة.

في إيطاليا، وربما في العالم بأسره، يكاد الجميع يكتبون الشعر، ونادرًا ما يتفرغ أحد لقراءته، وهذه صورة واضحة لمجتمعنا المعاصر، حيث يسعى الجميع إلى التعبير عن ذواتهم، بينما تتراجع الرغبة والقدرة على الاستماع إلى الآخرين. 

وينتج هذا الواقع انقطاعًا في التواصل، ويغذي جهلًا متعجرفًا، إذ يحصر المرء معرفته في ذاته وحدها، ومن حسن الطالع أن المهرجانات الشعرية وبعض المجلات الشجاعة تواصل التعريف بالشعراء المميزين ونقل أعمالهم عبر الترجمة. 

توجد أيضًا ظواهر شائعة ورائجة مثل “شعر السلام”، الذي يسوق في كثير من الأحيان بوصفه شعرًا، مع اقترابه الكبير من عروض “ستاند أب كوميدي”، سواء من حيث المعالجة الذهنية أو طريقة بناء الأداء. 

الشعر المعاصر مفعم بالحياة ونبضه قوي، غير أنه مشتت في وحدات وجزر معزولة يصعب الاهتداء إليها، وهناك شعراء متفردون يصدرون أعمالهم عن دور نشر صغيرة، وسط غياب شبه تام لشبكات التوزيع، هنا يظهر دور مدير المهرجان، من خلال السعي إلى انتشال هذه الجواهر الدفينة وإظهارها إلى النور، فأفضل الشعراء المعاصرين لا ينحصرون في الأسماء المكرسة داخل الأنطولوجيات الرسمية، أما بخصوص التيارات المقبلة، فأكاد أجزم بانعدامها، وسنشهد نصوصًا متفرقة لكتاب فرديين متميزين، فيما يبدو أن عصر المدارس والحركات الأدبية الجامعة قد انقضى. 

“يكاد الجميع يكتبون الشعر، ونادرًا ما يتفرغ أحد لقراءته، فمجتمعنا يريد التعبير عن ذاته، ويمنح الاستماع إلى الآخرين وقتًا أقل“. 

“الأيام نيوز”: بترجمة نتاجك الأدبي إلى العربية، تنخرط أبياتك في تراث لغوي يرتكز بقوة على الشفهية والأبعاد الروحية، ماذا تضيف الموسيقية الخاصة باللغة العربية إلى البنية الوجدانية لقصائدك؟ 

كلاوديو بوتساني: هذا سؤال كان الأحرى بي أن أطرحه عليك، يؤسفني أنني أجهل اللغة العربية، فأنا لا أنطق بها ولا أكتبها، ولهذا لا أستطيع إدراك طبيعة الاتساع والمدى المختلف اللذين تكتسبهما أبياتي حين ترتدي حلتها العربية. 

استطعت مع ذلك تلمس وقعها وتأثيرها في الجمهور أثناء أمسياتي الشعرية في البلدان العربية، مما جعلني أشعر بأن نزعتي الإلقائية تناغمت بعمق مع حضور الشفهية لديهم، وأن طريقتي في رؤية عناصر العالم ووصفها عبر الشعر استطاعت استيلاد مشاعر حية. 

هذه هي إنسانية الشعر وكونيته الجامعة، التي تعلو على تباين الألسنة واللهجات، ثم تبرز المسألة الشائكة والمعقدة المتعلقة بالترجمة، فعندما تترجم أعمالك إلى لغة لا تفقه منها شيئًا، تجد نفسك مضطرًا إلى وضع ثقتك المطلقة في المترجم.

الأمر يشبه إيداع طفلك لدى جليسة أطفال، فقد تكون الحاضنة على قدر عال من الكفاءة والأمانة، وقد تكون مفتقرة إلى الدراية والأهلية، وينطبق الأمر نفسه على الأبيات الشعرية، إذ يقيمك المتلقي استنادًا إلى جودة الترجمة، ولهذا تعد الترجمة المتقنة مسألة مصيرية. ويسعدني القول إن سماع قصائدي وهي تنساب باللغة العربية يغمرني بغبطة وفرح لا حد لهما، فاللغة العربية في نظري لغة الشعر بامتياز. 

“سماع قصائدي وهي تنساب باللغة العربية يغمرني بغبطة وفرح لا حد لهما، فاللغة العربية في نظري لغة الشعر بامتياز“. 

“الأيام نيوز”: في روايتك “اعترافات عدو للبشر”، تفترض وجود “دكتاتورية للمبدعين” تفوض الأعباء العمالية إلى الروبوتات لتحرير الروح الإنسانية، هل نحتاج إلى هذه اليوتوبيا الجذرية لإنقاذ الإنسان من التسليع الاستهلاكي؟ 

كلاوديو بوتساني: أعتقد أن اندلاع ثورة كبرى هو السبيل الوحيد لإعادة هذا العالم إلى مساره القويم، فقد طغت ثقافة “التملك” على جوهر “الكينونة”، وانتصرت الأرقام والكميات وسحقت الجودة والعمق، فالتردي الأخلاقي والتربوي والثقافي والعاطفي الراهن يجر البشرية نحو مستنقع قوامه الجدب وشره الاستحواذ والأنانية الفردية والجهل والتبلد واللامبالاة. 

والفئة الوحيدة التي تتقن التحرك داخل هذه الحمأة هي الفئة التي تمسك بمقاليد النفوذ المالي، وتحرك بطبيعة الحال خيوط اللعبة السياسية برمتها، يبدأ طريق النجاة بصورة فردية، بأن يجاهد الإنسان من أجل الحفاظ على قيمه ومبادئه وممارستها في واقعه، وأن يصون احترامه لنفسه وللآخرين، ويظل متقدًا بالفضول وشغف الاكتشاف والتعلم، ويسعى إلى إسعاد من حوله.

إذا تضافرت أعداد متزايدة من البشر في رفض المساومة والرضوخ لتسليع الأفكار والمشاعر النبيلة، فسنقترب من بناء عالم أفضل، وإن كنت أرى صدامًا حاسمًا في الأفق، فهو الصراع الدائر بين من يرغبون في العيش داخل نور الفن والمعرفة والحريات التعبيرية وتقاسم المعارف الإنسانية والأخلاق الرفيعة، ومن يفضلون عتمة الامتلاك والغطرسة والتسلط والمراقبة والجهل والبلادة،وتتمحور روايتي حول هذه التناقضات، وعنها صغت إحدى أشهر قصائدي، وهي “مسيرة الظل“. 

“الأيام نيوز”: أطلقت سنة 2014 أول رحلة بحرية للشعر في حوض البحر الأبيض المتوسط، ما القيمة الكامنة وراء حمل الكلمة فوق صفحة المياه، وكيف يصبح الماء استعارة للشعر بوصفه صيرورة وتحولًا مستمرًا؟ 

كلاوديو بوتساني: كانت رحلة الشعر البحرية تجربة ثرية ومثيرة للغاية، ويؤسفني حقًا أنها لم تستمر لأسباب لوجستية وتنظيمية خرجت عن إرادتنا. 

أعكف حاليًا على بلورة مشروع لسباق أشرعة، تنقل على متنها نخبة من الشعراء والفنانين من جنوى إلى مدينة سيت الفرنسية، مع التوقف في محطات مختلفة لتقديم عروض شعرية في المدن التي نمر بها. 

يرتبط مهرجاني في جنوى منذ سنوات طويلة بعلاقة توأمة مع مهرجان مدينة سيت، ويأتي المشروع احتفاء أيضًا بذكرى الشاعر بول فاليري، الذي ولد في سيت لعائلة ذات أصول جنوية.

يتكرر حضور البحر بكثافة في نصوصي الشعرية، سواء أكان بطلًا رئيسيًا أم طيفًا دائم الحضور، فقد ولدت على شواطئه، وما زلت أقطن في المركز التاريخي لجنوى، على مسافة دقيقتين فقط من رصيف الميناء، ومن الطبيعي أن يسكنني البحر ويتغلغل في تكويني. 

وكما أسلفت، يشبه الشعر البحر في بقائه ثابتًا في جوهره رغم حركته واضطرابه الدائم، وقد أقمت أمسيات عديدة على رمال الشواطئ، وكان هدير الأمواج في خلفية الإلقاء يمنح الكلمات أحد أعمق وأقوى أشكال التآلف الممكنة. 

“الأيام نيوز”: تصف نفسك بأنك مغرد خارج السرب ومستقل عن التقاليد السائدة، وفي الوقت نفسه تدير مهرجان جنوى الدولي منذ ثلاثة عقود وتشارك في تأسيس شبكة “فيرسوبوليس“، كيف توفق عمليًا بين حريتك الإبداعية والصرامة الإدارية والمؤسساتية؟ 

كلاوديو بوتساني: تتجلى استقلاليتي ووجودي خارج السرب في تحرري التام من أي تبعية أو مواربة نفعية سياسية أو اقتصادية، وفي تقديري، تفرض الجودة وتفاني الشغف نفسيهما على المدى الطويل، وتتراجع أمامهما الحيل الرخيصة والموضات العابرة، كما أن ضخ طاقتي التخيلية في إدارة المهرجان وتنظيمه هو ما منحه دائمًا مسحة متجددة وطابعًا تجديديًا يختلف عن الكثير من الفعاليات الأخرى. 

أنا لا أرى فرقًا جوهريًا بين كلاوديو الشاعر وكلاوديو المنظم والمدير، فالمهرجان في حد ذاته قطعة فنية تتطلب الإنجاز والتشكيل، ويشبه لوحة تنتظر التلوين أو صفحة بيضاء تروم التدوين، أما الشعراء والفنانون الذين أدعوهم فهم الظلال والألوان والأشكال والكلمات التي أؤثث بها هذا الفضاء. 

ولا أخفي أن الأمر يتطلب جلدًا وصبرًا هائلين لاحتمال بطء الروتين البيروقراطي وبلادة بعض المسؤولين الإداريين. 

“الأيام نيوز”: خلال أمسيتك الشعرية في الجزائر العاصمة، وصفت الإلقاء الشفهي بأنه سلاح للدفاع عن “الكينونة” في مواجهة استبداد ثقافة “التملك”، كيف يستطيع تدفق الصوت البشري الحي كسر عزلة التشيؤ والاستلاب الإلكتروني في عصرنا؟ 

كلاوديو بوتساني: نحن كائنات تتطابق مع أصواتنا وحركات أجسادنا، والمعول عليه يتصل بما تقوله القصيدة وبالطريقة التي تلفظ وتؤدى بها، ويشعر الجمهور فورًا بصدق الجذوة التي تسكن إلقاءك، حتى إن عجز عن استيعاب كلمة واحدة مما تقوله، ذلك هو سحر الشعر وألقه الخالص، حيث تتشكل بين الشاعر والجمهور قناة حميمة تسبق صياغة المفردات وتبدأ قبل الترجمة. 

والكلام والتواصل الشفاف هما السلاح المتبقي لدينا للبقاء أحياء وأحرارًا، فالعنف يتفجر عندما تنفد الكلمات وتنضب الحيلة اللغوية، من هنا يبرز الشعر، والأدب بوجه عام، وسيلة تمكننا من توسيع رصيدنا المعجمي وأفقنا في التعبير، فالذي يمتلك معجمًا لغويًا فقيرًا يضيق أفق تفكيره، وينعكس ذلك سلبًا على سلوكه وأفعاله.


لا ينتابني خوف من صعود الذكاء الاصطناعي أو هواجس المستقبل، فكل وسيلة تكتسب قيمتها من اليد التي تحركها، وما دامت هناك كائنات تصغي وتقرأ لغيرها، سيظل الأمل حاضرًا ونابضًا، ولهذا السبب، أرى أننا في حاجة إلى ورشات لتعليم القراءة والإصغاء السليم، فهاتان المهارتان تمنحان الكتابة معناها، وتبنيان صلة حقيقية بين الإنسان والعالم. 

“ما دامت هناك كائنات تصغي وتقرأ لغيرها، سيظل الأمل حاضرًا، فالكلام والتواصل الشفاف سلاحنا للبقاء أحياء وأحرارًا“. 

“الأيام نيوز”: صرحت مرارًا بأنك تعجز عن كتابة نص شعري وأنت جالس إلى طاولة، وأن أبياتك تولد خلال المشي، حيث يملي وقع خطواتك الإيقاع الموسيقي، بينما تتطلب الرواية انضباطًا يوميًا وعملًا مكتبيًا متواصلًا، كيف تفسر هذه المفارقة بين حركية القصيدة والبناء الهندسي للرواية؟ 

كلاوديو بوتساني: يكمن القاسم المشترك بينهما في أن القسم الأعظم من الأفكار، سواء تعلق الأمر بالشعر أم بالسرد، يولد من رحم القراءة الواعية أو الإصغاء، بالنسبة إلى الشعر، صحيح أنني أبدع مسوداته غالبًا وأنا أذرع الطريق مشيًا، لكنني فور عودتي إلى المنزل أشرع في تفريغ وتدوين كل ما حملته الذاكرة، ومن تلك اللحظة تبدأ عملية الصقل والنحت والتهذيب، ولهذا ينطوي الشعر بدوره على مرحلة من الانضباط والكد الذهني. 

أما العمل الروائي فيرتكز كليًا على التخطيط الدقيق والصرامة، ويمكن القول إن علاقة الشعر بالرواية تشبه علاقة فن التصوير الفوتوغرافي بالإخراج السينمائي.

الصورة، شأنها شأن القصيدة، تقتنص لحظة هاربة وتكثف العمل حولها، بينما تعتمد الرواية، مثل الشريط السينمائي، على الترابط المتماسك والمونتاج وتنامي الحوارات وتشابك الشخصيات، ويمثل الشعر والسرد فنين متباينين رغم اشتراكهما في أداة الكتابة، تمامًا كما يختلف سباق المئة متر عن سباق الماراثون في الاستعداد والتدريب البدني والمتطلبات، مع انتمائهما إلى فعل الركض.

وهناك مفارقة أخرى تظهر بعد صدور الكتاب، فالشاعر يقرأ أمام الحضور ما خطته يداه، أما الروائي فيتحدث غالبًا حول ما كتب، ونادرًا ما يتلو فقرات مطولة من صفحات الرواية، كما يكاد يستحيل أن تسافر إلى أنحاء العالم محمولًا برواية، ما لم تصبح عملًا ذائع الصيت ومحققًا لمبيعات واسعة، لقد أتاح لي الشعر فرصة عيش الحياة التي حلمت بها في طفولتي، وهي أن أطوف أرجاء الأرض حرًا، دون قيود أو أرباب عمل، متأبطًا أشيائي الخاصة، ولهذا السبب تحديدًا أشعر بأنني إنسان مفعم بالسعادة. 

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑