السبت، 05 سبتمبر 2026 — 21 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

كل الجزائريين اسمهم “محمّد”.. مفردات من العاميّة المحلية.. ولكنها فصيحة! (الجزء الرابع)

Author
محمد ياسين رحمة 02 يوليو 2025
X Facebook TikTok Instagram

“محمّد” اسمٌ ينادي به الجزائري جزائريًّا آخر لا يعرفه، ليسأله عن حاجةٍ ما، وقد يناديه أيضا: أخي أو خُويَا.. فلا يشعر الجزائري بأنه غريب أينما كان في ربوع الجزائر، فكل الجزائريين إخوته، ومن حقّه عليهم أن يطلب منهم مساعدته بمجرّد أن ينادي على أحدهم: مُحمّد. وقد غنّى المطرب الجزائري المرحوم “عبد الرحمان عزيز” نشيدًا هنّأ فيه الشعب الجزائري باستقلال الجزائر واعتبر فيه أن كل جزائريٍّ هو “محمد”، حينما قال في مطلع نشيده: “أمُحمَّد مبروك عليك — الجزائر رجعت ليك”.

“محمّد”، كلمة بسيطة ولكن مدلولها عظيمٌ جدًّا يؤكّد على عمق وقوّة تلاحم الجزائريين على قلب مُحمّديٍّ واحد، وقد تنبّه المعجمي السوري “هشام النحّاس” إلى هذا الأمر فأورده في دراسته حول “الفِصاح في العاميّة الجزائرية”. و”محمّد” الجزائري ينتمي إلى ثقافات شعبية متنوّعة، ويتكلّم لهجات عاميّة عديدة، ولكن جميعها تلتقي في ثقافة واحدة تعتبر أنّ كل جزائريٍّ هو “محمد”. ولعل هذا ما يُميّز الثقافة الجزائرية عن غيرها من الثقافات الأخرى..

واللغة العربية الفصحى تجمع الشعوب العربية، فهي “الوحدة اللسانية” وأداة العلم والفكر، بينما اللهجات العاميّة في مختلف أقطار العالم العربي على تنوّعها واختلافها تُثري وتضيف جماليات أخرى في التعبير والتخيّل.. ولا يجب أن تكون مدخلا إلى الفُرقة أو لضرب العربية الفصحى كما سعى إلى ذلك المُستعمرون والمستشرقون ومن والاهم من بعض المثقفين العرب الذين طالبوا بتغليب العاميّة على الفصحى في مجالات التعليم والإعلام والأدب. ومن أهم المعاجم التي اهتمّت بردّ المفردات العاميّة إلى أصولها في العربية الفصحى “معجمُ فِصاح العاميّة”، الذي ظهرت طبعتُه الأولى في لبنان عام 1997، للمعجمي السوري “هشام النّحاس”. وقبل إصدار هذا المعجم بعشر سنوات، نشر صاحبه دراسةً في المجلة الفصلية “التراث العربي” (أفريل 1987)، تحت عنوان: “قبس في اللغة: فِصاح العامّة.. الفِصاح في العاميّة الجزائرية”.

من خلال الدراسة، نستشفّ أن “النحّاس” زار الجزائر وتنقّل بين بعض مُدنها، ثم صاغ محاورة في سوق الخُضار وظّف فيها بعض المفردات من قاموس العاميّة الجزائرية، ثم بنى عليها دراسته وتتبّع تلك المفردات باحثًا عن أصولها في اللغة العربية الفصحى.

لم يتعرّض “النحّاس” إلى اختلاف القواميس في العاميّة الجزائرية من منطقة إلى أخرى، لا سيما فيما يتعلّق ببعض المفردات أو العبارات التي يتمّ تداولها في منطقةٍ بينما تُعتبر في منطقةٍ أخرى من “المحظورات” على اللسان العامي، ولعل هذا الأمر من أخطر الأمور التي قد يقع فيها الجزائري الذي لا يعرف “الخصوصية” اللغوية لكل منطقة!

نُشير إلى أن المجلس الأعلى للّغة العربيّة في الجزائر أصدر مجموعة من الأعمال القيّمة حول العاميّة الجزائرية وما يتّصل بها من موضوعات في الثقافة الشعبية الجزائرية، من ذلك: “معجم العامِّيَّة الجزائريَّة: معجم عربي لَهَجيٌّ في أُصولِ العامّيَّة الجزائريَّة وجُذورِها”، وأعمال أخرى كثيرة.

كما نُشير إلى أن بعض الجزائريين تنبّهوا إلى ضرورة توثيق العبارات العاميّة الجزائرية فأطلقوا المدوّنات الإلكترونية في هذا المجال، ومنهم مَن بذل جهودًا كبيرة ولكنها لم تتواصل، وقد نعود لاستعراض بعضها في أعداد قادمة.. ولعل جريدة “الأيام نيوز” بإعادة نشرها لدراسة “هشام النحّاس” تحفّز المهتمّين بالكتابة “التوثيقية” في مجال العاميّة الجزائرية، لا سيما فيما يتعلّق بالأمثال والحِكم والعبارات الشائعة المتداولة بين الناس، فالأمر يحتاج إلى تظافر الجهود من مختلف مناطق الجزائر. وفيما يلي، نترك القارئ مع رؤية مُعجميٍّ سوريٍّ للعاميّة الجزائرية..

محمد.. اسم كل جزائري

– الغَشَش: الكدر. ورد لـ “ابن منظور” في معجم “لسان العرب”: (الغَشُّ: نقيضُ النُّصحِ، وهو مأخوذٌ من الغَشَش: المشرب الكدر. أنشد “ابن الأعرابي”: ومنهل تُروى به غير غَشَشٍ (أي غير كدر ولا قليل.. وفي حديث “أم زرع”: لا تملأ بيتنا تغشيشًا. وغشَّ صدره يغش غشًّا: غَلَّ..).

وكأنّ قوله السابق: “غش صدره”: غلَّ، بما فيه من انتقال من المعنى المادي للغَشَش: الكدر، إلى الكدر المعنوي: الإحساس بالضيق في الصدر، وهو الذي عنته واتّجهت إليه لفظةُ التَّغشُّش في لهجة الجزائريين الدارجة.

وفي عامياتنا المشرقية يستعملون: الزَّعل، بمعنى التكدُّر المعنوي وضيق الصدر، ولكن الفصيح (زعل يزعل زعلا: نَشِط. وزعل من المرض أو الجوع: تَضوَّر وتلوَّى). إلّا أن “المعجم الوسيط” يضيف: (وزعل من الشيء تألّم وغضب).

– الخلاص: قصدوا بها دفع المال، وجاء في “المعجم الوسيط” (عن مجمع مصر): الخلاص: أجرة الأجير.

– ثَمَّ، بمعنى: هناك. تلتبس على بعض ممّن في المشرق العربي من الذين يقرؤونها مضمومةَ الثاء كأنها حرف العطف: ثُمَّ. أما الجزائري فيلفظها صحيحةً بفتح الثاء، لأن لهجته الدارجة تلتزمها صحيحة بمعنى: هناك، كما تلتزم كلمة “زوج” بمعنى اثنين.

– الزنقة والنهج: المَزنوق من فصيح عاميّة الجزائريين وعاميتنا، بمعنى المتضايق. والزنقة عندهم: الطريق الضيق، والنهج: الطريق العريض. وفي المعجمات، مثل “الوسيط”: (الزنقة: الطريق الضيّق في القرية، وزنَقَ على عياله يزنق زنقًا: ضيَّقَ بُخلًا أو فقرًا، وزنَقَ الشيءَ: حصَرَه وضيَّق عليه.

– نجم: نجم في اللهجة الجزائرية الدارجة بمعنى: قدر أو استطاع أو أظهر وأبدى.

– غلَّق الباب – سكَّره: غلَّق: بالتشديد، فصيحة جيدة كما يستعملونها في عاميتهم الدارجة، ففي “المعجم الوسيط”: (غلَّقَ الأبوابَ: مبالغة أغلقها)، وفي عاميتهم الدارجة: الباب المغلوق، وهي أيضًا فصيحة من (غلق الباب يغلقه غلقًا: ضد فتحه، فهو مغلوق) كما في المعجم الوسيط أيضا. ولكني وجدت أيضًا العبارة (سكَّرَ الباب) التي نستعملها في العاميات المشرقية مستعملةً على ألسنة الجزائريين..

وهذا المبنى المجازي لـ “التَّسكير” واردٌ منذ القديم.. فأنت تقرأ في المعجمات القديمة وكتب اللغة ما يوحي به أو يفضي إليه، فخذ مثلا ما يقول “ابن منظور” في “لسان العرب”: (.. وسكَّر بصره: غُشي عليه، وفي التنزيل العزيز: “لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا” أي: حُبِست عن النظر، وحُيِّرت وسُدَّت وسكَنَت عن النَّظر.

وسَكَرَ النهرَ يسكُرُه سَكرًا: سدَّ فاه. وكل شقِّ سُدَّ: فقد سُكِر، والسَّكر: ما سُدَّ به، والسَّكر سدُّ الشقِّ ومُنفجر الماء، والسَّكر اسم ذلك السدَّاد الذي يُجعل سدًّا للشقِّ ونحوه، وفي الحديث أنه قال للمستحاضة ما شكت إليه كثرة الدم: اسكريه، أي سدِّيه بخرقةٍ وشدِّيه بعصابةٍ، تشبيهًا بِسَكرِ الماء).

– مَخْصوص: عند الجزائريين بمعنى: قليل نادر، وكأنهم أخذوا الفعل: خَصَّ يخَصُّ خَصاصًا وخصاصة: بمعنى، افتقر وساء حاله، كما ورد في الآية الكريمة: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”. والجزائريون يستعملون: (ياسر) بمعنى ميسور، أي: ضد معنى: مخصوص.

شويّة: في عامية الجزائريين فصيحة دقيقة الفصاحة، بكسر الواو، مما يدل على أصلها: الشوية، أنظر مجلة “المعلم العربي” العدد الأول من السنة السابعة والثلاثين لسنة 1984، صفحة: 78 – 80.

– الخماج: في عاميتهم الدارجة بمعنى القذر أو الفاسد، وهو معنى صحيح، ففي “المعجم الوسيط”: (خمج اللحم: أنتن، وخمج التمر: فسد. ويقال: خمِجَ دينه وخلقه فهو خَمِجٌ. والمُخمَّج.. رجلٌ مُخمَّج الأخلاق: فاسدها).

– من الاستخدامات الصحيحة نحويًّا في الدارجة الجزائرية: تتميز عاميتهم بكثرة الاستخدامات الصحيحة لأساليب الاختصاص، والتصغير، وترخيم المنادى، كما وردت في النحو. (علّق الكاتبُ على عبارة “يا ولداه” في نصّ محاورة السوق التي وردت في سابقًا في هذه الدراسة).

– أنا في حِلِّ: يلفظونها فصيحةً، ينفون بها المسؤولية والإحراج عن أنفسهم.

– البُرْمَة: يذكر أصحاب المعجمات، ومنهم “ابن منظور” في “لسان العرب” أن البُرمة بضم الباء: (قِدْرٌ من حجارة الحجاز واليمن، وفي حديث بريرة: وأيّ بُرمةٍ تفور. البُرْمة: القِدْر مطلقًا، والجمع بُرَمٌ وبِرام وبُرْم، قال “طرفة”:

جاؤوا إليك بكل أرملة شعثاء — تحمل مِنقَع البُرمِ

– شاهية طيبة: عبارة يقولها لك الجزائري حين يراك مُنصرفًا إلى منزلك وقت تناول الطعام، والشاهية كما يلفظونها هي الفصيحة الواردة في المعجمات. أما الشهيّة في الفصحى المستعملة فيما بين المثقفين المشارقة، فمن أخطائنا اللغوية الشائعة التي عالجها النقاد والمدققون اللغويون، ومنهم الأستاذ “محمد العدناني” في “معجم الأخطاء الشائعة”: (فالشهيّة مؤنث الشَّهيُّ، فتقول: هذه أطعمة شهية: على صيغة فعيل التي بمعنى فاعل أو مفعول، وليست اسمًا، فالاسم من الفعل: شَهِيَ يَشْهَى أو شَها يَشهُو: الشهوة، أو الشاهية، كما في المعجمات).

ولكن “المعجم الوسيط” ذكر أن الشهية بمعنى الشهوة للطعام مُحدَثة، ثم ذكر في طبعته الثانية أن مجمع اللغة العربية بمصر أقرّ استعمالها، وتلاه “معجم الأطعمة”، الذي أصدره المكتب الدائم لتنسيق التعريب في جامعة الدول العربية، فقال: (الشهية: الشهوة للطعام).

وهناك عبارة فصيحة أخرى يستعملها الجزائري بلهجته الدارجة إذا رآك بعد تناول الطعام وخصوصًا بعد الإفطار في رمضان: “صحة فطورك”، وقد جاء في “المعجم الوسيط”: الفطور: تناول الطعام بعد الإمساك للصيام، والفطور: تناول الوجبة الأولى في الصباح. فهي إذًا لفظةٌ أقرّها المجمع بالضمّ للفاء بعد أن كانت بفتح الفاء في المعجمات القديمة: الفَطور.

– بركة: تطوَّر معناها قليلا على ألسنة الجزائريين، فوصل إلى معنى الاكتفاء بالكفاية، وكأنه ذلك الاكتفاء الذي تتحقق فيه البركة، إذ يبارك الله لك فيه.

– البرنس: في “الوسيط” (معجم المجمع في مصر): (تَبَرنس: لبس البرنس. البرنس كل ثوب رأسه ملتزق به، والبرنس قلنسوة طويلة، ورداء ذو كُمَّين يُلبس بعد الاستحمام، جمعه: برانس).

– هَدَر: يقول “الزمخشري” في “أساس البلاغة” وكذا “الزبيدي” في “تاج العروس”: (.. ومن المجاز.. وهو يهدر في منطقه وفي خطبته..)، ويضيف “الزبيدي”: (وقال الأصمعي: هَدَرَ الغلام وهدلَ: إذا صوَّت، وقال أبو السميدع: هدر الغلام: إذا أراغ الكلام وهو صغير، وهو مجاز).

وكان هذا المجاز الذي أصله من: هَدَر البعيرُ هديرًا.. ثم استُعمل: هديرُ الشرابِ وهدير الرّعد مجازًا. ثم استُعملت: الخطبة الهدَّارة والمنطق الهادر من فصيح المجاز. وصل به الجزائريون في دارج كلامهم إلى الهَدَر بمعنى الحديث تعميما.

– حرشاء: تُوصف المطحونات عند الجزائريين بأنها حرشاء، أي: خشنة، أو رطبة، ناعمة أو مسحوقة جيدًا وفي “الوسيط” (معجم المجمع في. مصر): (حَرِشَ الشيء حرشًا، وحرُش: خَشُن، فهو أحرش وهي حرشاء). فالحرشاء بمعنى الخشنة، من فصاح الجزائريين.

– الحوت: يقول “الفيومي” في “المصباح المنير”: (الحوت: العظيم من السّمك، وهو مُذكّر). وكذلك يقول المعجم “الوسيط” في عصرنا. وفي “المعجم المدرسـي”: (الحوت: مُذكّر السَّمكة). وفي العامية الدارجة في الجزائر يطلقون اسم الحوت على السَّمك غير الصغير (غير السّردين).

– صحة: لها عند الجزائريين استعمالات بمعانٍ عديدة.. منها الموافقة والتصديق، ومنها الدعاء بالخير والدعاء بالصحة. وهم يتجنّبون ذِكر: العافية. وذُكر لي أن العافية في عرفهم تعني النار، فهم يقولون: “يعطيك الصحة”.

– لا باس، أو أراك لا باس: مُخفَّفة من: لا بأس عليك.

– ينادون كل من لا يعرفونه مُفترضين أن اسمه: محمد.

– هكذا ولا أكثر: يستعملونها بمعناها الصحيح: المصاب الصغير خير وأفضل من المصيبة الكبيرة، وشيءٌ أخفّ من شيء، كما نقول..