الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

كل طرق إفريقيا تؤدي إلى الجزائر

Author
الأيام نيوز 26 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الاقتصادية داخل القارة الإفريقية تحولا متسارعا نحو بناء شراكات ترتكز على الاستثمار والإنتاج المشترك، ونقل الخبرات، وتطوير البنى التحتية، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويمنح المبادلات البينية آفاقا أوسع للنمو. وتبرز الجزائر ضمن هذا الحراك القاري عبر توسيع تعاونها مع عدد من الدول الإفريقية، اعتمادا على مقاربة تجمع بين الصناعة والطاقة والاستثمار والنقل، وتستهدف إقامة مشاريع عملية تحقق المنفعة المتبادلة وتدعم التنمية المستدامة. وتبرز التحركات الأخيرة مع جمهورية الكونغو، وتشاد، وبنين، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وموزمبيق دليلا على تنامي هذا التوجه، حيث تتقاطع الجهود الرامية إلى إطلاق استثمارات إنتاجية، وتبادل الخبرات التقنية والإدارية، وتطوير الربط اللوجستي، بما يعزز حضور المؤسسات الجزائرية في الأسواق القارية، ويدعم بناء سلاسل قيمة إفريقية أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية.

ويتزامن هذا الحراك مع اتساع فرص التعاون التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يمنح الدول الأعضاء مجالا أرحب لتطوير صناعات مشتركة، ورفع حجم المبادلات، واستثمار الإمكانات المحلية في مشاريع إنتاجية ذات أثر اقتصادي طويل المدى. واستنادا إلى قاعدة صناعية آخذة في التطور، وخبرة متراكمة في مجالات الطاقة والاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية، تعمل الجزائر على ترسيخ موقعها شريكا اقتصاديا يعتمد على نقل المعرفة، وتكوين الكفاءات، وتوسيع مجالات التعاون مع محيطها الإفريقي.

وتبرز ملامح هذا التوجه من خلال سلسلة من اللقاءات والزيارات التي جمعت الجزائر بعدد من الدول الإفريقية، وشملت ملفات الصناعة، والطاقة، والاستثمار، والنقل واللوجستيك، إلى جانب تطوير آليات مرافقة المستثمرين ونقل الخبرات. وتكشف هذه المحطات عن تقارب في الرؤى بشأن بناء شراكات أكثر استدامة، ترتكز على الإنتاج المشترك وتكوين الكفاءات وتطوير البنى التحتية، بما يهيئ لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي القاري. ويستعرض هذا الملف أبرز هذه المحطات، بدءا بجمهورية الكونغو، ثم تشاد، وبنين، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وصولا إلى موزمبيق.

التصنيع ونقل الخبرات في صدارة التعاون الاقتصادي بين الجزائر وجمهورية الكونغو

يستهل الملف جولته من جمهورية الكونغو، التي شهدت خلال الأيام الماضية حراكا لافتا في مسار تعاونها الاقتصادي مع الجزائر، وسط توجه مشترك نحو توسيع الشراكات الصناعية والاستثمارية، وتقاسم الخبرات، وإقامة مشاريع إنتاجية تخدم مصالح البلدين.

وأبرزت الزيارة التي قام بها وزير التعاون وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص بجمهورية الكونغو، دينيس كريستيل ساسو نغيسو، إلى الجزائر من 20 إلى 22 جويلية الجاري، هذا التوجه بوضوح، إذ أبرزت اهتماما متزايدا بالتجربة الجزائرية في مجالي الصناعة والاستثمار، ضمن رؤية تستهدف نقل العلاقات الثنائية من المبادلات التجارية التقليدية إلى تعاون أوسع يقوم على الاستثمار، والإنتاج المشترك، وتبادل الخبرات، بما يدعم التنمية الاقتصادية ويعزز التكامل داخل القارة الإفريقية.

واستقبل وزير الصناعة، يحيى بشير، نظيره الكونغولي خلال الزيارة التي قاد فيها وفدا ضم مسؤولين وإطارات من عدة قطاعات. وشارك في اللقاء سفير جمهورية الكونغو لدى الجزائر، إلى جانب إطارات من وزارة الصناعة ومسؤولي عدد من المجمعات الاقتصادية الوطنية، من بينها مجمع صناعة الإسمنت، والمجمع الجزائري للصناعات الميكانيكية، ومجمع الكهرباء الجزائر، إضافة إلى ممثل عن مجمع “مدار”. وأتاح هذا الحضور الموسع بحث فرص التعاون من مختلف الجوانب، سواء في التصنيع والاستثمار أو في تطوير المبادلات التجارية بين مؤسسات البلدين.

وركز الجانبان خلال المباحثات على توسيع الشراكة الصناعية في عدد من الشعب الإستراتيجية، وفي مقدمتها صناعات مواد البناء، والحديد والصلب، والصناعات الكيماوية، والصناعات الميكانيكية، إلى جانب الصناعات الإلكترونية. ودرس المسؤولون السبل الكفيلة بتحويل الإمكانات التي يمتلكها البلدان إلى مشاريع مشتركة تحقق المنفعة المتبادلة، مع التركيز على تبادل الخبرات التقنية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الاقتصادية، وتهيئة الظروف الملائمة لإقامة استثمارات إنتاجية قادرة على تلبية احتياجات السوقين، والانفتاح على أسواق إفريقية أخرى.

ولفت وزير الصناعة، يحيى بشير، في تصريح صحفي عقب اللقاء، إلى أن الجزائر راكمت تجربة صناعية مهمة في عدد من القطاعات الحيوية، وهو ما يمنحها القدرة على تقاسم خبراتها مع الدول الإفريقية الشقيقة. واعتبر أن توسيع التبادلات التقنية بين المؤسسات يمثل أحد أهم مرتكزات التعاون خلال المرحلة المقبلة، لأن نقل المعرفة يفتح المجال أمام بناء شراكات أكثر استقرارا واستمرارية، ويسهم في تطوير القدرات الصناعية لدى الجانبين، بما يخدم أهداف التنمية الاقتصادية داخل القارة.

“جيكا” تعرض نموذج الصناعة الجزائرية

وأبدى الوزير الكونغولي رغبة بلاده في توسيع التعاون مع الجزائر، مشيرا إلى أن قيادتي البلدين توليان أهمية كبيرة لتطوير العلاقات الاقتصادية. وذكر أن الكونغو تتطلع إلى الاستفادة من الخبرة الجزائرية في مجالات التصنيع، والتكوين، والتسيير الصناعي، مع العمل على تجسيد مشاريع عملية تسهم في تنشيط التجارة البينية وتعزيز الإنتاج الصناعي، بما ينسجم مع التوجه الإفريقي الرامي إلى بناء اقتصاد أكثر تكاملا وقدرة على مواكبة التحولات الدولية.

وشمل برنامج الزيارة الجانب الميداني، حيث انتقل الوزيران إلى مصنع إسمنت المتيجة بمفتاح، التابع لمجمع “جيكا”. واطلع الوفد الكونغولي على مختلف مراحل إنتاج الإسمنت، بداية من استقبال المواد الأولية ووصولا إلى عمليات التعبئة والتسويق، إضافة إلى التقنيات الحديثة المعتمدة داخل المصنع، والطاقة الإنتاجية التي يتمتع بها، والكفاءات الجزائرية التي تشرف على تسييره.

وأتاحت الجولة داخل وحدات الإنتاج الاطلاع على مستوى التطور الذي بلغته الصناعة الجزائرية في مجال مواد البناء، سواء من حيث التحكم في التكنولوجيا أو تنظيم العملية الإنتاجية. واستمع الوفد إلى شروحات قدمها مسؤولو المصنع حول أنظمة التسيير، وآليات مراقبة الجودة، وبرامج الصيانة، وأساليب ترشيد استهلاك الطاقة، وهو ما أبرز قدرة المؤسسات الصناعية الجزائرية على مواكبة المعايير الحديثة في الإنتاج.

وأشاد الوزير الكونغولي بما اطلع عليه خلال الزيارة، معتبرا أن الجزائر نجحت في بناء قاعدة صناعية تستند إلى كفاءات بشرية مؤهلة ومؤسسات قادرة على تطوير الإنتاج وتحسين الأداء. ورأى أن هذه التجربة تفتح آفاقا واسعة أمام إطلاق مشاريع مشتركة بين المؤسسات الجزائرية والكونغولية، خاصة في قطاع مواد البناء الذي يشهد طلبا متزايدا في العديد من الدول الإفريقية نتيجة توسع مشاريع البنية التحتية والإسكان.

وتتجاوز أهمية هذه الزيارة بعدها الصناعي، إذ تندرج ضمن مسار اقتصادي أوسع يشهد تناميا في علاقات التعاون بين الدول الإفريقية، مع توجه متزايد نحو بناء شراكات إنتاجية تستفيد من الإمكانات المحلية، وتدعم الاستثمار، وترفع المبادلات البينية. ويبرز في هذا الإطار اهتمام الوفد الكونغولي بالتعرف على التجربة الجزائرية في مجال الاستثمار والإصلاحات الإدارية الهادفة إلى تحسين مناخ الأعمال، انسجاما مع توجه إفريقي يمنح الاستثمار والإنتاج المشترك أولوية خلال المرحلة الحالية.

محمد باغه، مختص في التمويل والاستثمار.

ويرى المختص في التمويل والاستثمار، الأستاذ محمد باغه، أن برنامج الزيارة يحمل دلالات تتجاوز إطار التعاون الثنائي، لأنه ينسجم مع التحولات التي تشهدها العلاقات الاقتصادية داخل القارة الإفريقية، حيث تتجه دول عديدة إلى ترسيخ شراكات تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك بدل الاكتفاء بالمبادلات التجارية التقليدية. واعتبر أن اهتمام المسؤولين الكونغوليين بالاطلاع على التجربة الجزائرية في مجال الاستثمار يؤكد تنامي الاهتمام بتطوير الأطر التنظيمية والإدارية التي تساعد على استقطاب المشاريع وتوفير بيئة أعمال أكثر كفاءة.

وأشار باغه إلى أن زيارة الوفد الكونغولي للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار أتاحت التعرف على آليات مرافقة المستثمرين، وفي مقدمتها نظام الشباك الوحيد المخصص للمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية. ولفت إلى أن هذا النظام يمنح المستثمر رؤية أوضح لمسار مشروعه من خلال جمع مختلف الإجراءات الإدارية داخل فضاء واحد، وهو ما يختصر الآجال، ويخفف الأعباء التنظيمية، ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف الهيئات المعنية بمرافقة الاستثمار.

وأوضح المختص أن عددا متزايدا من الدول الإفريقية يولي اهتماما بالتجارب التي نجحت في تطوير مناخ الاستثمار، لأن المنافسة على استقطاب رؤوس الأموال ترتبط اليوم بجودة الخدمات الإدارية، واستقرار القوانين، وسرعة معالجة الملفات. ورأى أن تبادل الخبرات بين المؤسسات الإفريقية يسهم في رفع كفاءة الإدارات الاقتصادية، ويفتح آفاقا أوسع للتعاون في مجالات الصناعة والخدمات والاستثمار.

الاستثمار يبدأ من بيئة الأعمال

وتحدث باغه عن المقومات التي تمتلكها الجزائر، موضحا أن موقعها الجغرافي يمنحها أفضلية في الربط بين شمال إفريقيا وعمقها القاري، إلى جانب قربها من الأسواق الأوروبية. وأضاف أن هذه المزايا تتكامل مع سوق محلية واسعة، وقاعدة صناعية متنوعة، وإمكانات معتبرة في مجالي الطاقة والموارد الطبيعية، فضلا عن مشاريع البنية التحتية وشبكات الربط اللوجستي التي تدعم حركة السلع والاستثمارات بين مختلف المناطق.

وأشار إلى أن هذه المؤهلات تكتسب أهمية أكبر مع تقدم مسار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تتيح فرصا جديدة لتوسيع المبادلات والاستثمارات بين الدول الأعضاء. وأبرز أن نجاح هذا المشروع يرتبط بقدرة الدول الإفريقية على تطوير صناعات مشتركة وإقامة استثمارات إنتاجية تلبي احتياجات الأسواق الإفريقية، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي عبر شراكات تقوم على التصنيع ونقل التكنولوجيا والخبرة.

ورأى باغه أن توفر الإمكانات الاقتصادية يشكل قاعدة مهمة، غير أن بلوغ نتائج ملموسة يستدعي مواصلة تحسين بيئة الأعمال، عبر ترسيخ الاستقرار التشريعي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ورفع كفاءة الهيئات المكلفة بمرافقة المستثمرين. وأوضح أن المستثمر يبحث عن وضوح القوانين، وسرعة اتخاذ القرار، إلى جانب إدارة قادرة على مرافقة المشروع منذ مرحلة الانطلاق إلى غاية دخوله مرحلة الإنتاج والتوسع.

وأضاف أن الإصلاحات التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة توفر أرضية مناسبة لتعزيز جاذبية الاستثمار، خاصة مع اعتماد آليات جديدة لتنظيم العلاقة بين المستثمر والإدارة. وذكر أن نظام الشباك الوحيد يسهم في تقليص آجال دراسة الملفات، وتنسيق عمل مختلف الهيئات المعنية، بما يساعد على تسريع إطلاق المشاريع وتوفير ظروف أكثر ملاءمة للمستثمرين المحليين والأجانب.

وأشار إلى أن نجاح السياسة الاستثمارية يرتبط أيضا بقدرة المؤسسات على توفير مرافقة فعلية لأصحاب المشاريع، تشمل إعداد الدراسات، واستكمال الإجراءات، والانطلاق في الإنجاز، ثم مرافقة المستثمر خلال مرحلة الاستغلال والتوسع. واعتبر أن هذه المقاربة ترفع فرص نجاح المشاريع، وتعزز ثقة المستثمرين في المنظومة الاقتصادية، وتشجع على استقطاب استثمارات جديدة تدعم النشاط الإنتاجي.

وتابع باغه أن التجارب الدولية أثبتت أن الحوافز الجبائية والمالية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لاستقطاب الاستثمار، إذ يمنح المستثمرون أولوية لاستقرار البيئة القانونية، وفعالية الإدارة، وسرعة الفصل في الملفات، وجودة الخدمات اللوجستية، وكفاءة القضاء في معالجة المنازعات التجارية. واعتبر أن هذه المؤشرات أصبحت من أبرز المعايير التي تحدد الوجهات الاستثمارية في ظل المنافسة المتزايدة بين الدول.

واختتم المختص تصريحه بالتأكيد على أن الجزائر تمتلك فرصة حقيقية لتعزيز مكانتها مركزا إقليميا للاستثمار والصناعة داخل القارة الإفريقية، إذا واصلت تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية والإدارية وترسيخها في الممارسة اليومية. وأشار إلى أن موقع الجزائر، إلى جانب اتفاقياتها الاقتصادية والإمكانات التي توفرها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، يمنحها قدرة أكبر على استقطاب الشركات الراغبة في التوسع نحو الأسواق الإفريقية، بما يخدم أهداف التنويع الاقتصادي ويعزز حضورها داخل القارة.

وتنسجم نتائج الزيارة مع هذه الرؤية، إذ أبرزت اهتماما واضحا بالتجربة الجزائرية في مجالي الصناعة والاستثمار، سواء خلال المباحثات الرسمية أو عبر الزيارات الميدانية للمؤسسات الاقتصادية. ويؤشر هذا المسار إلى مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية الكونغولية تقوم على توسيع التعاون الصناعي، وتشجيع الاستثمار، وتبادل الخبرات، وإطلاق مشاريع إنتاجية مشتركة تحقق قيمة مضافة للطرفين، وتدعم جهود التكامل الاقتصادي الإفريقي.

مشروع مصنع للإسمنت بالشراكة مع “جيكا”.. بوابة الجزائر لتعزيز التعاون الصناعي مع تشاد

بعد المحطة الخاصة بجمهورية الكونغو، ينتقل الملف إلى تشاد، حيث تتقدم الشراكات الصناعية المشهد في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع توجه مشترك لترجمة التقارب الثنائي إلى مشاريع إنتاجية على أرض الواقع. ويبرز في هذا الإطار مشروع إنشاء مصنع للإسمنت بالشراكة مع مجمع “جيكا”، بوصفه أحد أبرز المشاريع التي تراهن عليها الجزائر لتعزيز حضورها الصناعي داخل القارة الإفريقية، من خلال نقل الخبرة التقنية، وتطوير الاستثمار الإنتاجي، وبناء شراكات تحقق قيمة اقتصادية للبلدين وتدعم مسار التكامل الإفريقي.

وفي هذا السياق، أوضحت الخبيرة الاقتصادية مريم بن دهينة أن مشروع إنشاء مصنع للإسمنت يحمل بعدا إستراتيجيا يتجاوز إقامة وحدة إنتاج جديدة، لأنه يساهم في بناء قاعدة صناعية تدعم التنمية الاقتصادية في تشاد. وبينت أن المصنع سيرفع الإنتاج المحلي للإسمنت بما يواكب احتياجات مشاريع البنية التحتية والإسكان، ويخفض الاعتماد على الواردات، الأمر الذي يساعد على تقليص تكاليف التموين والنقل، إلى جانب استحداث مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة وتنشيط الأنشطة الصناعية والخدمات المرتبطة بها.

ورأت أن المشروع يمثل بالنسبة إلى الجزائر مرحلة جديدة في مسار توسيع نشاط مؤسساتها الصناعية خارج الحدود، اعتمادا على الخبرة التي راكمتها في تسيير المجمعات الصناعية وتطوير القدرات الإنتاجية. وذكرت أن هذا التوجه يفتح أمام المؤسسات الجزائرية فرصا أوسع لتصدير الخدمات الهندسية والتكنولوجية والخبرة التقنية، إلى جانب المنتجات الصناعية، بما يعزز حضورها في الأسواق الإفريقية ويدعم فرص نموها.

وأبرزت بن دهينة أن نجاح التعاون الصناعي بين البلدين يرتبط بقدرة الشراكة على بناء منظومة إنتاج متكاملة تضمن استمرارية المشاريع وتطورها. وأشارت إلى أن الجزائر تمتلك رصيدا معتبرا في مجالات التسيير الصناعي والهندسة والصيانة وتكوين الموارد البشرية، وهي خبرات تستطيع المؤسسات الجزائرية نقلها إلى الجانب التشادي عبر برامج لتكوين الإطارات والعمال، إضافة إلى توفير مرافقة تقنية خلال مختلف مراحل إنجاز المشروع وتشغيله.

وأضافت أن انخراط المؤسسات الصناعية في البلدين ضمن مشاريع مشتركة من شأنه تطوير سلاسل قيمة محلية ورفع نسبة الإدماج الصناعي تدريجيا، بما يعزز القدرات الإنتاجية ويخفض الاعتماد على الخدمات والتكنولوجيات المستوردة. واعتبرت أن هذا المسار يوفر للمشاريع الصناعية عوامل الاستقرار وفرص التوسع، خاصة عند دعمه بتبادل الخبرات وتطوير الكفاءات المحلية.

وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن هذا النوع من المشاريع يمنح العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والدول الإفريقية بعدا جديدا يقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك وتقاسم المعرفة، ويعزز مكانة الجزائر شريكا صناعيا وتنمويا داخل القارة. ولفتت إلى أن اعتماد هذا النموذج يرسخ التعاون القائم على المصالح المشتركة، ويساعد الدول الإفريقية على بناء قدراتها الصناعية، بما يدعم جهود التنمية الاقتصادية ويقوي التكامل بين اقتصادات القارة.

وذكرت أن نجاح مشروع إنشاء مصنع للإسمنت في تشاد سيمنح المؤسسات الجزائرية رصيدا إضافيا من الثقة داخل الأسواق الإفريقية، ويفتح أمامها فرصا للمساهمة في مشاريع صناعية أخرى، اعتمادا على الخبرة التي اكتسبتها في مجالات الإنجاز والتسيير ونقل التكنولوجيا. ورأت أن توسع هذه المبادرات ينسجم مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تشجع على تعزيز الاستثمار والإنتاج داخل القارة، وترفع مساهمة المؤسسات الإفريقية في تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى.

واختتمت بن دهينة تصريحها بالتأكيد على أن الشراكات الصناعية التي تجمع الجزائر بالدول الإفريقية تمثل رافعة اقتصادية مهمة، لأنها تجمع بين الاستثمار ونقل الخبرة وبناء القدرات البشرية، وهو ما يدعم التنمية الصناعية، ويمنح التعاون الاقتصادي بعدا أكثر استدامة، ويمهد لإقامة مشاريع إنتاجية قادرة على خدمة مصالح مختلف الأطراف وتعزيز مسار التكامل الاقتصادي الإفريقي.

الطاقة ونقل الخبرات يوسعان الشراكة الاقتصادية بين الجزائر وبنين

بعد التعاون الصناعي مع الكونغو وتشاد، ينتقل الملف إلى جمهورية بنين، حيث تتصدر الطاقة مسار الشراكة الاقتصادية بين البلدين، ضمن توجه يركز على نقل الخبرات، وتكوين الكفاءات، وتطوير البنى التحتية، إلى جانب توسيع حضور المؤسسات الجزائرية في أسواق غرب إفريقيا. ويبرز هذا المسار من خلال التعاون الذي تقوده الجزائر عبر مجمع سونلغاز، انطلاقا من رؤية تقوم على تقاسم التجربة التقنية وتحويل الاتفاقيات الثنائية إلى مشاريع عملية تخدم التنمية الاقتصادية في البلدين.

وفي هذا الإطار، جاءت المحادثات التي جمعت وزير الدولة، وزير الطاقة والطاقات المتجددة، مراد عجال، بوزير الطاقة والمياه والمناجم البنيني، إدوارد داهومي، لتمنح هذا التعاون دفعا جديدا، بعدما ركز الجانبان على تطوير الشراكة في مجالات الكهرباء، وتصنيع المعدات الطاقوية، وتكوين الموارد البشرية. وجرت المحادثات عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى توسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول الإفريقية.

واستعرض الوزيران حصيلة التعاون بين مجمع سونلغاز ومجمع الكهرباء في بنين، مع التذكير بمذكرة التفاهم الموقعة سنة 2024، التي أرست إطارا للتعاون في مختلف حلقات سلسلة القيمة الخاصة بصناعة الكهرباء، خاصة في مجالي التكوين ونقل الخبرة. وشكل اللقاء فرصة لتقييم ما تحقق، وبحث السبل الكفيلة بالانتقال إلى مراحل أكثر تقدما في تنفيذ البرامج المشتركة.

وأكد مراد عجال استعداد الجزائر لمرافقة بنين في تنفيذ برامجها الطاقوية، عبر تقديم الدعم التقني، وتقاسم الخبرات، وتكوين الكفاءات، والمساهمة في تطوير البنى التحتية للطاقة. واستعرض أيضا الإمكانات الصناعية التي يمتلكها مجمع سونلغاز في مجال تصنيع المعدات الكهربائية، مبرزا استعداد المجمع لتزويد السوق البنينية بهذه التجهيزات، مع دراسة فرص توسيع انتشارها نحو أسواق غرب إفريقيا. واختتم الوزيران المحادثات بتجديد التزامهما بمواصلة التنسيق والعمل المشترك لتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع ميدانية تحقق مصالح البلدين.

سونلغاز توسع حضورها في إفريقيا

ورأى الخبير الطاقوي أحمد ملاعبة أن هذا التوجه يستند إلى رصيد معتبر من الخبرة راكمته الجزائر في قطاع الطاقة على مدار عقود، وهو ما أهلها لتكون شريكا يحظى بثقة العديد من الدول الإفريقية. وأوضح أن التجربة الجزائرية تشمل تصميم المنشآت الطاقوية، وإنجازها، واستغلالها، وصيانتها، إلى جانب امتلاك قاعدة صناعية توفر جزءا مهما من المعدات الكهربائية، بما يسمح بتقديم حلول متكاملة تستجيب لاحتياجات الدول الإفريقية.

أحمد ملاعبة، خبير في شؤون الطاقة

وأشار ملاعبة إلى أن العنصر البشري يمثل أحد أبرز مكامن القوة في التجربة الجزائرية، بفضل الكفاءات التي اكتسبت خبرة ميدانية واسعة في مختلف تخصصات القطاع. وذكر أن نقل هذه الخبرات إلى الدول الشريكة عبر برامج التكوين والتأهيل والمرافقة التقنية يرسخ تعاونا طويل الأمد يقوم على بناء القدرات المحلية، ويمنح المؤسسات الإفريقية الإمكانات اللازمة لإدارة مشاريعها وتشغيلها بكفاءة أعلى.

وأوضح الخبير أن التعاون الجزائري البنيني يمتلك مقومات نجاح قوية إذا استند إلى رؤية واضحة وآليات متابعة منتظمة، لأن الشراكة تجمع بين إنجاز المشاريع، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتطوير الخبرات المحلية. واعتبر أن هذا المسار يهيئ الظروف لبناء منظومة طاقوية أكثر قدرة على تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية، ويرفع مستوى أداء المؤسسات العاملة في القطاع.

وأضاف أن الاستثمار في الموارد البشرية يمثل أحد الأسس الرئيسة لنجاح المشاريع الطاقوية، إذ تسمح برامج التكوين بإعداد كوادر قادرة على إدارة المنشآت وصيانتها وتطويرها، وهو ما يرفع مردودية الاستثمارات ويمنح الدول الإفريقية خبرات وطنية تقود مشاريعها المستقبلية بكفاءة.

وتوقف ملاعبة عند البعد القاري لهذا التعاون، موضحا أنه ينسجم مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تشجع على تطوير الصناعات داخل القارة وتعزيز التعاون بين المؤسسات الاقتصادية. ولفت إلى أن توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة، إلى جانب تبادل الخبرات والخدمات التقنية، يدعم التكامل الاقتصادي الإفريقي، ويساعد الدول على تلبية احتياجاتها اعتمادا على إمكاناتها الذاتية وخبراتها المشتركة.

واعتبر أن مجمع سونلغاز يمتلك فرصة مهمة لتوسيع نشاطه في غرب إفريقيا عبر المشاركة في مشاريع إنتاج الكهرباء، وتقديم الخدمات التقنية، وتكوين الكفاءات، وتوفير المعدات الكهربائية، بما ينقل المؤسسة من دور المورّد إلى شريك يساهم في تنفيذ مشاريع التنمية. وأشار إلى أن هذا الحضور يفتح أمام المؤسسات الجزائرية آفاقا جديدة لتعزيز وجودها في الأسواق الإفريقية وبناء علاقات اقتصادية مستقرة مع شركائها.

واختتم الخبير حديثه بالتأكيد على أن استمرار هذا المسار سيدعم مكانة الجزائر قوة إقليمية في قطاع الطاقة، وسيعزز سياسة التعاون بين دول الجنوب القائمة على تبادل الخبرات والمصالح المشتركة. وأضاف أن نجاح المشاريع التي تنجزها المؤسسات الجزائرية داخل القارة سيفتح المجال أمام مشاركات أوسع في برامج طاقوية جديدة، بما يدفع التنمية الاقتصادية ويعزز التكامل الإفريقي على أسس إنتاجية مستدامة.

رقمنة الاستثمار وتبادل الخبرات.. ركيزتان لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية

تأخذ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية منحى جديدا يضع ترقية الاستثمار في صدارة أولويات التعاون، من خلال التركيز على تحديث آليات مرافقة المستثمرين، ورقمنة الخدمات، وتبادل الخبرات المؤسساتية. وتبرز هذه المقاربة باعتبارها امتدادا للمسار الذي انتهجته الجزائر مع عدد من الدول الإفريقية، والقائم على تقاسم التجارب العملية وبناء شراكات تساعد على تحسين مناخ الأعمال ورفع جاذبية الاستثمار داخل القارة.

وفي هذا الإطار، شكل اجتماع العمل الذي جمع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار ونظيرتها في جمهورية الكونغو الديمقراطية، عبر تقنية التحاضر المرئي، محطة جديدة في مسار هذا التعاون. وترأس الاجتماع المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، إلى جانب المديرة العامة للوكالة الوطنية لترقية الاستثمار بجمهورية الكونغو الديمقراطية، راشيل بونغو لوانبا، حيث استعرض الجانبان مهام الوكالتين، وآليات استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وسبل تطوير الخدمات الموجهة للمستثمرين.

واستعرض ركاش خلال اللقاء الإصلاحات التي باشرتها الجزائر في مجال الاستثمار، متوقفا عند نظام الشباك الوحيد، ورقمنة الإجراءات الإدارية، وآليات منح العقار الاقتصادي، إضافة إلى أساليب الترويج للفرص الاستثمارية وبورصة الشراكة. وأبدى الجانب الكونغولي اهتماما بهذه التجربة، في ظل المساعي الرامية إلى مراجعة قانون الاستثمار المعمول به منذ سنة 2002، وبناء منظومة أكثر كفاءة واستقرارا تستجيب لتطلعات المستثمرين.

مصطفى بدرة، أستاذ الاقتصاد المختص في التمويل والاستثمار.

ورأى أستاذ الاقتصاد المختص في التمويل والاستثمار، مصطفى بدرة، أن اهتمام جمهورية الكونغو الديمقراطية بالتجربة الجزائرية يؤكد المكانة التي بدأت تكتسبها الإصلاحات الاقتصادية الجزائرية داخل القارة الإفريقية. وأوضح أن الجزائر نجحت خلال السنوات الأخيرة في تطوير منظومة الاستثمار عبر تحديث الإطار القانوني، واعتماد أدوات جديدة لتنظيم العلاقة بين المستثمر والإدارة، وهو ما وفر مسارا أكثر وضوحا وفعالية لإنجاز المشاريع.

وأشار إلى أن اعتماد الشباك الوحيد ورقمنة الإجراءات ساهما في تقليص آجال دراسة الملفات، وتحسين مستوى التنسيق بين مختلف الهيئات، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمستثمرين. واعتبر أن هذه العناصر تمنح المستثمر رؤية أوضح لمختلف مراحل مشروعه، وتساعد الإدارة على معالجة الملفات بوتيرة أسرع، بما يرفع جاذبية البيئة الاستثمارية.

وأوضح بدرة أن مراجعة جمهورية الكونغو الديمقراطية لمنظومتها القانونية الخاصة بالاستثمار تمنح هذا التعاون أهمية إضافية، لأن الاستفادة من التجارب الإفريقية الناجحة تساعد على تسريع وتيرة الإصلاحات وتفادي الكثير من الصعوبات التنظيمية. وأضاف أن نقل الخبرة بين هيئات ترقية الاستثمار يوفر حلولا عملية قابلة للتطبيق، تنطلق من واقع اقتصادي متقارب وتستجيب لاحتياجات الدول الإفريقية.

وتناول الخبير أهمية التعاون المباشر بين وكالات ترقية الاستثمار، معتبرا أنه يمثل إحدى أكثر آليات التعاون فاعلية، لأنه يتيح تبادل أفضل الممارسات في مجالات رقمنة الخدمات، ومرافقة المستثمرين، وتسيير العقار الاقتصادي، والترويج للفرص الاستثمارية. وأكد أن هذا التعاون يرفع كفاءة المؤسسات المختصة، ويطور أداءها، ويعزز قدرتها على استقطاب المشاريع النوعية.

وأضاف أن هذا المسار يفتح المجال أيضا أمام تبادل المعلومات حول الفرص الاستثمارية، وربط المتعاملين الاقتصاديين في البلدين بقنوات تواصل مباشرة، بما يساعد على بناء شراكات استثمارية جديدة تستفيد من الإمكانات الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ويدعم انتقال التعاون من المستوى المؤسساتي إلى مشاريع ميدانية.

وانسجم هذا الطرح مع مخرجات الاجتماع، حيث اتفق الجانبان على إعداد إطار للتعاون يشمل تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتبادل المعلومات الخاصة بالفرص الاستثمارية، وتنظيم أنشطة مشتركة لترقية الاستثمار، إلى جانب تشجيع التواصل بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين، بما يعزز الاستثمار المتبادل ويوسع مجالات التعاون الاقتصادي.

وأكد بدرة أن هذه المبادرات تنسجم مع التوجهات التي تحملها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، لأنها تشجع على رفع حجم الاستثمار البيني، وتطوير سلاسل القيمة الإفريقية، وربط المؤسسات الاقتصادية بشبكات تعاون أكثر فاعلية. ولفت إلى أن بناء منظومات استثمار متقاربة بين الدول الإفريقية سيسهل حركة رؤوس الأموال والمشاريع، ويمنح القطاع الخاص فرصا أكبر للتوسع داخل القارة.

واختتم الخبير تصريحه بالتأكيد على أن مواصلة العمل المشترك بين هيئات ترقية الاستثمار ستمنح الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية أرضية أكثر صلابة لتطوير علاقاتهما الاقتصادية، عبر شراكات تقوم على تبادل الخبرات، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار المنتج، بما يعزز الاندماج الاقتصادي الإفريقي ويدعم جهود التنمية المشتركة.

النقل واللوجستيك يفتحان آفاقا جديدة للشراكة الاقتصادية بين الجزائر وموزمبيق

تتجه العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وموزمبيق إلى توسيع مجالات التعاون نحو قطاع النقل واللوجستيك، باعتباره أحد المحركات الأساسية لتنشيط المبادلات التجارية وتعزيز التكامل الاقتصادي داخل القارة الإفريقية. ويعكس هذا التوجه حرص البلدين على الاستفادة من الخبرات المتبادلة وتطوير البنى التحتية للنقل، بما يدعم حركة الأشخاص والبضائع ويفتح المجال أمام شراكات أكثر اتساعا بين المؤسسات الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، شكلت المباحثات التي جمعت وزير النقل، السعيد سعيود، بنظيره الموزمبيقي المكلف بالنقل واللوجستيك، جواو ماتلومبي، محطة جديدة في مسار التعاون الثنائي، حيث بحث الجانبان سبل توسيع الشراكة وتبادل الخبرات في مجالات النقل البري والبحري والجوي والسككي، إلى جانب استعراض المشاريع الهيكلية التي تنفذها الجزائر لتحديث بنيتها التحتية، بما يعزز موقعها مركزا لوجستيا يربط أوروبا بعمقها الإفريقي.

وأكد وزير النقل خلال اللقاء استعداد الجزائر لتقاسم تجربتها مع الجانب الموزمبيقي، من خلال نقل الخبرات التقنية وتطوير التعاون بين المؤسسات المختصة، بما يخدم جهود البلدين في تحسين أداء منظومات النقل ورفع كفاءتها. وشكلت المباحثات فرصة لاستعراض الإمكانات التي تملكها الجزائر في مختلف أنماط النقل، والبحث في آليات توسيع التعاون بما يواكب متطلبات التنمية الاقتصادية في القارة.

أمين بولعراس، خبير دولي في النقل واللوجستيك.

ويرى الخبير الدولي في النقل واللوجستيك، الدكتور أمين بولعراس، أن هذا التعاون يعكس إدراكا متزايدا لأهمية النقل باعتباره أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والتكامل الإفريقي. وأوضح أن كفاءة شبكات النقل والخدمات اللوجستية أصبحت من أبرز المعايير التي تحدد قدرة الدول على استقطاب الاستثمار وتنشيط المبادلات التجارية، مشيرا إلى أن الجزائر تمتلك مقومات تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في هذا المجال بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بحوض المتوسط وعمق القارة الإفريقية.

وأضاف أن هذه الميزة تتكامل مع الاستثمارات التي أنجزتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة في الطرقات السريعة، والموانئ، والمطارات، وتوسيع شبكة السكك الحديدية نحو الجنوب، وهو ما يوفر قاعدة متينة لبناء مركز لوجستي إقليمي قادر على خدمة التجارة البينية الإفريقية وربط الأسواق القارية بمختلف الممرات التجارية الدولية.

وأشار بولعراس إلى أن الاستفادة الكاملة من هذه المقومات تقتضي مواصلة تحديث البنية التحتية، وربط مختلف وسائل النقل ضمن منظومة متكاملة، إلى جانب تسريع رقمنة الخدمات اللوجستية والجمركية، وإنشاء مناطق لوجستية وموانئ جافة، وتطوير الموارد البشرية المتخصصة في إدارة سلاسل الإمداد، بما يرفع تنافسية الاقتصاد الوطني ويمنح المؤسسات الجزائرية فرصا أوسع للتوسع داخل الأسواق الإفريقية.

وأوضح أن الطريق العابر للصحراء يمثل أحد أهم المشاريع القادرة على دعم هذا التوجه، لما يوفره من ربط مباشر بين الجزائر ودول الساحل وغرب إفريقيا، خاصة إذا جرى دعمه بمنصات لوجستية ومراكز توزيع وخدمات نقل متعددة الوسائط. وأضاف أن دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ يمنح هذه المشاريع بعدا اقتصاديا أكبر، لأنها تهيئ الظروف لتوسيع المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمار بين الدول الإفريقية.

وأكد الخبير أن نجاح هذا المسار يرتبط أيضا بتكامل أدوار مختلف المؤسسات، بدءا بالدبلوماسية الاقتصادية التي تهيئ الأطر القانونية للتعاون، مرورا بالمؤسسات المالية وشركات التأمين التي توفر أدوات تمويل التجارة وتأمينها، وصولا إلى مؤسسات النقل والخدمات اللوجستية، بما يضمن انسيابية حركة السلع ورؤوس الأموال ويعزز ثقة المستثمرين في الأسواق الإفريقية.

وأضاف أن توسع المؤسسات الجزائرية داخل القارة يحتاج إلى منظومة متكاملة ترافق عمليات التصدير والاستثمار، تشمل خدمات النقل، والتمويل، والتأمين، والرقمنة، بما يمنح المتعاملين الاقتصاديين بيئة أكثر كفاءة ويقلص التكاليف والآجال، ويرفع قدرة المنتجات الجزائرية على المنافسة داخل الأسواق الإفريقية.

واختتم بولعراس تصريحه بالتأكيد على أن الشراكة الجزائرية الموزمبيقية في قطاع النقل تمثل نموذجا للتعاون القائم على تبادل الخبرات وبناء القدرات، موضحا أن تطوير الربط اللوجستي بين الدول الإفريقية سيمنح المؤسسات الجزائرية فرصا أوسع للوصول إلى الأسواق القارية، ويعزز مسار التكامل الاقتصادي الذي تراهن عليه الجزائر في علاقاتها مع شركائها داخل إفريقيا.

«إفريقيا بي إكسبو 2026».. عندما تتحول تربية النحل إلى ورقة اقتصادية رابحة

تكشف مختلف محطات هذا الملف أن العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وعدد من الدول الإفريقية تتجه نحو شراكات أكثر رسوخا تقوم على الاستثمار والإنتاج، ونقل الخبرات، وبناء القدرات. وتبرز هذه المقاربة عبر مشاريع شملت الصناعة في الكونغو وتشاد، والطاقة في بنين، وترقية الاستثمار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والنقل واللوجستيك في موزمبيق، ضمن رؤية تستهدف توسيع مجالات التعاون الاقتصادي وترسيخ التكامل داخل القارة.

ويفتح هذا المسار أمام المؤسسات الجزائرية فرصا أوسع لتعزيز حضورها في الأسواق الإفريقية، بالاعتماد على الخبرة الصناعية والتقنية، وتطوير البنى التحتية، وتكوين الموارد البشرية، وإقامة مشاريع إنتاجية تحقق المنفعة المتبادلة. ويتزامن ذلك مع تقدم تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي توفر إطارا ملائما لتوسيع المبادلات والاستثمارات، ودعم التنمية المشتركة، وتعزيز مكانة الجزائر شريكا اقتصاديا فاعلا داخل القارة.

ويمتد هذا التوجه إلى الشعب الفلاحية ذات القيمة المضافة، التي توفر بدورها فرصا واعدة للاستثمار والتعاون وتبادل الخبرات. وتبرز شعبة تربية النحل ضمن هذه القطاعات، في ظل تنامي الاهتمام بالاقتصاد الأخضر، وتثمين الموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي.

ويندرج تنظيم الجزائر للمعرض والمؤتمر الدولي للنحل “إفريقيا بي إكسبو 2026” ضمن رؤية تستهدف توسيع مجالات التعاون الاقتصادي الإفريقي نحو الأنشطة الفلاحية ذات القيمة المضافة. ويحتضن قصر المعارض “صافكس” هذا الموعد من 3 إلى 6 سبتمبر المقبل تحت شعار “من الجزائر.. حيث يلتقي عالم النحل”، بمشاركة خبراء وباحثين ومهنيين ومستثمرين من مختلف الدول، لبحث سبل تطوير شعبة تربية النحل، وتشجيع الاستثمار، وتبادل الخبرات، وإقامة شراكات علمية وتجارية تدعم الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.

ويترقب الفاعلون في القطاع هذا الحدث بوصفه منصة تجمع المعرفة العلمية بالفرص الاستثمارية، وتتيح مناقشة مستقبل تربية النحل في إفريقيا، إلى جانب عرض أحدث التقنيات والابتكارات المرتبطة بالإنتاج والتثمين والتسويق. ويمنح هذا الموعد الجزائر فرصة لإبراز التطور الذي حققته الشعبة، واستعراض إمكاناتها الطبيعية والبشرية، وتعزيز حضورها بين الدول الإفريقية التي تراهن على هذا النشاط لدعم التنمية الفلاحية وتنويع مصادر الدخل.

النحل يصنع فرصة اقتصادية جديدة

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أوضح الخبير الفلاحي والإطار بمديرية المصالح الفلاحية ببرج بوعريريج وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين، عبد المجيد صغيري، أن “إفريقيا بي إكسبو 2026” يرسخ توجه الجزائر نحو تحويل شعبة تربية النحل إلى رافد اقتصادي واستثماري واعد، بالاستناد إلى الديناميكية التي يشهدها القطاع، والتنوع البيئي الذي تزخر به البلاد، والكفاءات الوطنية المؤهلة، إلى جانب رؤية تستهدف دعم الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع فرص التصدير والشراكات على المستويين الإفريقي والدولي.

عبد المجيد صغيري، خبير فلاحي وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين.

واعتبر صغيري أن احتضان الجزائر لهذا الموعد القاري يرسخ مكانتها وجهة إفريقية لتطوير شعبة تربية النحل، ويرفع من قيمة منتجات الخلية باعتبارها موردا اقتصاديا قادرا على استقطاب الاستثمار وفتح مجالات أوسع للتعاون، مع تعزيز تنافسية هذا النشاط في الأسواق الإقليمية والدولية.

واستعرض الخبير مؤشرات تبرز موقع الجزائر في قطاع تربية النحل وإنتاج العسل على المستويين الإفريقي والعربي، موضحا أن القارة تضم أكثر من عشرة ملايين شخص يعتمدون على هذا النشاط مصدرا للدخل، إضافة إلى عشرات الملايين من خلايا النحل المنتشرة عبر مختلف الأقاليم، بينما يمارس نحو 45 ألف نحال النشاط في الجزائر ضمن إطار منظم، مستغلين ما بين 1.8 و2 مليون خلية.

وأوضح أن الجزائر تنتج ما بين ثمانية وعشرة آلاف طن من العسل سنويا، وفق تقديرات سنة 2024، مقابل إنتاج إفريقي يناهز 223 ألف طن، أي نحو 12 بالمائة من الإنتاج العالمي المتداول في الأسواق. وتتصدر إثيوبيا قائمة المنتجين في القارة، تليها تنزانيا وأنغولا وأوغندا وكينيا وإفريقيا الوسطى، إلى جانب دول حققت نموا متواصلا في هذا المجال، مثل رواندا والكاميرون.

وأشار إلى أن الجزائر تحتل مكانة متقدمة عربيا إلى جانب جمهورية مصر العربية، مستفيدة من تنوعها المناخي وثراء غطائها النباتي الممتد من المناطق الساحلية إلى الهضاب العليا والأطلس الصحراوي والجنوب الكبير. ورجح أن تلتحق الجزائر بقائمة أكبر خمس دول إفريقية في إنتاج العسل خلال السنوات المقبلة، إذا واصلت دعم الشعبة، وحماية الغابات والمراعي، وتطوير السلالات المحلية، وتعزيز مرافقة النحالين.

↑