الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

“كوخاف يائير”.. ما بعد الرصاص أخطر من الرصاص

Author
الأيام نيوز 09 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يربط الكاتب والباحث السياسي أحمد اعرابي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، العملية التي أسفرت عن مقتل صهيوني وإصابة خمسة آخرين، صباح الأحد، إثر إطلاق نار في عدة مواقع وسط الكيان الصهيوني قرب مستوطنتي “كوخاف يائير” و”تسور يتسحاق”، بـ”تداعيات أمنية وسياسية عميقة داخل الكيان الصهيوني تعكس هشاشة المنظومة الأمنية واتساع رقعة الغضب في الداخل الفلسطيني المحتل”، مؤكدا أنها تؤشر على استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني.

وفي قراءته لتداعيات العملية، يرجّح اعرابي أن تتحول العملية إلى ورقة ضغط في السجال السياسي الصهيوني، حيث “سيحاول المناهضون للمجموعة الحاكمة لدى الكيان استثمار العملية سياسيا”، خاصة أنها تعيد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية السياسات الأمنية التي تبنّاها الائتلاف الحاكم خلال الفترة الماضية.

وتزامنت هذه القراءة مع تفاعل فلسطيني واسع مع العملية، إذ بارك الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، “العملية البطولية التي نُفّذت في مستوطنة كوخاف يائير”، ورأى فيها تعبيرا عن استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني. كما أوضح أن الكتائب “تنظر بفخر” إلى تصدي الفلسطينيين للمستوطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية، داعيا الشباب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948 إلى تصعيد عملياتهم ضد الاحتلال والمستوطنين في إطار معركة “طوفان الأقصى”.

أحمد عرابي – باحث سياسي

ويضع اعرابي هذه التطورات في سياق أوسع يتعلق بصورة المؤسسة الأمنية الصهيونية، مشيرا إلى أن “رئيس وزراء سلطة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو وشركاؤه يدعون أنهم حققوا انتصارات في الحرب على سبع أو ثماني جبهات”، غير أن ما جرى، بحسب تقديره، يعكس واقعا مغايرا لما تروّج له الحكومة.

اختراق أمني يعيد طرح أسئلة الفشل داخل الكيان

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت، الأحد، بمقتل صهيوني وإصابة آخرين بجروح، بعضها خطير، إثر عملية إطلاق نار نُفذت في عدة مواقع شملت “كوخاف يائير” و”تسور يتسحاق” و”تسور ناتان” و”سلعيت” شمالي الضفة الغربية. وأعلنت شرطة الاحتلال “تحييد” أحد المنفذين واعتقال مشتبه به ثان، قبل أن تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية لاحقا عن استشهاد منفذي العملية.

ومن زاوية التداعيات الأمنية، يرى الباحث السياسي أن العملية كشفت مكامن ضعف داخل المنظومة الأمنية الصهيونية، إذ “يثبت الواقع انهيارا أمنيا وصل إلى المنطقة التي يُفترض أنها الأكثر استقرارا داخل الكيان”، وهي منطقة لا تقع بمحاذاة غزة أو الضفة الغربية أو الحدود الشمالية، ما يضفي على العملية دلالات تتجاوز بعدها الميداني المباشر.

ويخلص اعرابي إلى أن أهمية العملية لا تنبع من حصيلتها البشرية فقط، بل من الرسائل التي تحملها بشأن مفهوم الأمن داخل الكيان، لافتا إلى أن المنطقة التي شهدت الهجوم لم تُعرف سابقا باعتبارها ساحة تهديد مباشر، ومع ذلك “شهدت عملية قاتلة تضرب عمق الأمن الفردي في داخل الكيان الصهيوني”، وهو ما يفتح بابا جديدا للنقاش السياسي والأمني داخل الكيان بشأن نتائج الحرب وقدرة المؤسسة الحاكمة على توفير الأمن لمواطنيها.

باركت حركتا المقاومة الإسلامية “حماس” و”الجهاد الإسلامي في فلسطين” عمليتي إطلاق النار اللتين استهدفتا مستوطنة “كوخاف يائير” شمال قلقيلية ومفترق مستوطنة “أفرات” جنوب بيت لحم، معتبرتين أنهما تأتيان في إطار الرد على العدوان الصهيوني المتواصل على قطاع غزة والانتهاكات المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس.

وقالت حركة “حماس” في بيان صحفي، الأحد، إن العمليتين تمثلان ردا على سياسات الاحتلال القائمة على الاستيطان ومصادرة الأراضي والقتل والاعتقال والتهجير، مؤكدة أن الاحتلال “لن يفلح، مهما تمادى في بطشه وإجرامه، في إيقاف مدّ المقاومة في الضفة الغربية”، وأن الشعب الفلسطيني سيواصل طريق الصمود حتى نيل حقوقه الوطنية كاملة.

وحذرت الحركة من استمرار اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال، مشددة على أن هذه السياسات لن توفر الأمن أو الاستقرار للاحتلال، بل ستؤدي إلى اتساع دائرة المواجهة وتصاعد المقاومة، كما دعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والعمل على وقف الانتهاكات الصهيونية ومحاسبة المسؤولين عنها.

ومن جهتها، باركت حركة “الجهاد الإسلامي” العملية التي استهدفت مستوطنة “كوخاف يائير” ومداخل عدد من المستوطنات القريبة من مدينة قلقيلية، معتبرة أنها “رد طبيعي على جرائم الاحتلال واعتداءات المستوطنين بحق الشعب الفلسطيني”، ونتيجة مباشرة للسياسات الصهيونية المتواصلة في الأراضي الفلسطينية.

وأكدت الحركة أن تصاعد العمليات الفلسطينية يعكس حالة الغضب المتزايدة جراء الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، مشيرة إلى أن استمرار الاعتداءات الصهيونية سيقود إلى مزيد من المواجهات وتصاعد أعمال المقاومة.

بين الانتخابات والانفجار الأمني.. الكيان يواجه حقيقته

وبالعودة إلى الباحث السياسي أحمد اعرابي، فإنه يشير إلى أن بنيامين نتنياهو قد يسعى، من حيث المبدأ، إلى إعادة توظيف الخطاب الأمني في النقاش العام، خصوصا في ظل المرحلة الانتخابية الراهنة. غير أن اتساع حالة الاستياء الشعبي والسياسي تجاهه قد يحدّ من فعالية هذا التوجه ويقلّص من قدرته على تحقيق أهدافه.

وفي هذا السياق، يضيف الباحث أن مصلحة نتنياهو تقتضي رفع منسوب الخطاب الأمني بهدف إزاحة الملفات الداخلية عن واجهة النقاش، وفي مقدمتها تداعيات الإخفاقات الأمنية، وقضايا الفساد والرشاوى، فضلا عن الجدل المتصاعد بشأن إمكانية تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وهي خطوة قد تضعه في قلب المساءلة السياسية والقضائية المباشرة.

لكن، وبعيدا عن رؤية حكّام الكيان ومعارضيهم، يضيف اعرابي أن هذه العملية قد تعكس بداية تبلور خلايا صغيرة، وهو تطور ـ إن صحّ ـ يُعد غير مسبوق منذ عقود، ويشير إلى تحول سلبي في نظرة جزء من المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر إلى دوره وهويته وعلاقته بسلطة الاحتلال.

ويرى اعرابي أن هذا المسار من شأنه أن يفتح نقاشا داخليا معمقا داخل المجتمع الاستيطاني، بالتوازي مع تصاعد الخطاب العنصري والتحريضي. كما يلفت إلى أن المعادلة الأمنية في الأراضي المحتلة باتت أكثر تعقيدا، في ظل اتساع نطاق الرقابة ليشمل ملايين الفلسطينيين، خصوصا مع تفشي السلاح في الداخل وارتفاع معدلات الجريمة والقتل داخل الحدود الداخلية.

تجمع معظم التقارير – حتى تلك الصادرة من الكيان – على أن العملية “خطيرة جدا” بالنسبة للكيان، لكون أحد المنفذين أو كليهما من سكان مدينة الطيبة داخل الخط الأخضر، ما يضيف بعدا أمنيا حساسا إلى الحدث. ويرى محللون أن حالة الاستنفار تعكس مؤشرا على إخفاق أمني داخل الكيان، في ظل فشل لنتنياهو عشية الانتخابات، وفشلا للمؤسسة الأمنية والعسكرية.

ويؤكد اعرابي أن توصيف العملية بأنها “ذات طابع قومي” من شأنه أن يشكل “ضربة قوية لسلطة الكيان ولوزير الأمن القومي – الإرهابي – إيتمار بن غفير”، خصوصا في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة لسياسات سلطة الاحتلال تجاه الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. كما يرى أن من بين العوامل التي تفسر هذا الإخفاق، وفق هذا التحليل، النهج المتبع تجاه المجتمع الفلسطيني في الداخل، حيث جرى التغاضي عن تفشي السلاح طالما ظل محصورا في إطار ما يُصنف كـ”جرائم داخلية”.

وتتوقع تقديرات محللين أن تشهد الساعات المقبلة موجة تحريض من وزراء اليمين وأعضاء الكنيست تجاه الفلسطينيين في الداخل، خصوصا سكان مدينة الطيبة، مع احتمالات تنفيذ إجراءات ميدانية تشمل مداهمات أو إقامة حواجز داخل المدينة، رغم تصنيفها رسميا كمستوطنة صهيونية يحمل سكانها الجنسية الصهيونية.

وفي هذا السياق، تأتي العملية باعتبارها نتيجة منطقية للتعامل الصهيوني مع الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية بوصفهم مصدر تهديد واحد، رغم اختلاف الأطر القانونية بين المنطقتين. إذ تُخضع “إسرائيل” الضفة الغربية لحكم عسكري مباشر، بينما يتعامل النظام المدني داخل الخط الأخضر مع الفلسطينيين ضمن منظومة قانونية مختلفة، إلا أن كليهما، بحسب هذا الطرح، يلتقي في “إجراءات قاهرة” بحق الفلسطينيين.

وتذهب قراءات أخرى إلى أن المخاوف الصهيونية لا تقتصر على الضفة الغربية، بل تمتد إلى الداخل الفلسطيني المحتل، الذي يُنظر إليه باعتباره قابلا للاشتعال في أي لحظة، خاصة في ظل أحداث سابقة مثل “هبة القدس والأقصى”، التي تعاملت معها المؤسسة الأمنية كامتداد للانتفاضة في الضفة الغربية، انطلاقا من قناعة تعتبر الفلسطينيين كتلة واحدة ذات هوية قومية مشتركة.

كما تشير هذه القراءات إلى أن سياسات السماح بانتشار الجريمة والسلاح داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، مع التغاضي عن نشاط العصابات، جاءت في إطار تفتيت البنية الاجتماعية وإبقائها في حالة توتر داخلي، وهو ما انعكس سلبا على الاستقرار المجتمعي. وتلفت بعض التقديرات إلى أن الشرطة الصهيونية أقرت في حالات سابقة بوجود تغطية أمنية لهذه الظواهر، ما ساهم في إضعاف البنية الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر.