السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

كيف تحولت “المهيبة” في الجزائر من عربون مودة إلى “فيتو” يهدد مؤسسة الزواج بالانهيار؟

Author
مولود صياد 29 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لطالما ارتبطت التقاليد والأعراف في الذاكرة الشعبية الجزائرية بصور التكافل الاجتماعي، ونشر الفرح، وتمتين الروابط الإنسانية بين العائلات. وفي قلب هذه التقاليد، برزت “المهيبة” كعادة متأصلة تُعبّر عن الكرم وحسن النوايا؛ فهي تلك الهدية التي يقدمها الخاطب لخطيبته في المناسبات والأعياد الدينية، لتكون جسرا من المودة يمهد الطريق نحو بناء أسرة متماسكة. ولكن، وفي زحمة التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الجزائري اليوم، وتحت وطأة التعقيدات الاقتصادية واجتياح القيم المادية الاستهلاكية، انحرفت هذه العادة الجميلة عن مسارها الفطري البسيط.
لقد تحولت “المهيبة” في يومنا هذا إلى وحش كاسر يلتهم أحلام الشباب، وعبء اقتصادي يثقل كواهلهم، بل وأصبحت في كثير من الأحيان “فيتو” مجتمعيا وحاجزا منيعا يقف أمام إتمام مشاريع الزواج.
هذا التحول الخطير لم يعد مجرد حديث عابر في المقاهي أو جلسات العائلات، بل استدعى تدخلا جادا ومقاربات علمية وشرعية لتشخيص الداء ووصف الدواء. وفي هذا السياق، تتقاطع الرؤية السوسيولوجية العميقة للباحث في علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2 (بوزريعة)، الدكتور عبد الكريم حمزاوي، مع النظرة الشرعية الرصينة للأمين العام للفيدرالية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف، الشيخ جلول حجيمي، لندق معا ناقوس الخطر إزاء مؤسسة باتت مهددة بالانهيار التام.

الحنين إلى الماضي: عندما كانت “المهيبة” تعبيرا صادقا وخاليا من التكلف

لفهم حجم التشوه الذي أصاب هذه العادة، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية والاجتماعية. يشير الشيخ جلول حجيمي، خلال تصريحات لـ”الأيام نيوز”، إلى أن “المهيبة” ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتقليد اجتماعي توارثته الأجيال. غير أن الفارق الجوهري يكمن في البساطة التي كانت تميزها في الماضي. لقد كان المجتمع الجزائري في أغلبه مجتمعا تقليديا، ريفيا ورعويا، تسوده قيم التراحم والتآزر. في تلك الحقبة، كان امتلاك العائلات للمواشي من أغنام وماعز أمرا شائعا ومتاحا للجميع، ما يجعل إهداء الخاطب لقطعة من اللحم في الأعياد أمرا يسيرا، لا يكلفه عناء ولا يوقعه في ضائقة مالية. كانت الهدية حينها تحمل قيمة رمزية أعمق بكثير من قيمتها المادية.
أما اليوم، فقد انقلبت الموازين رأسا على عقب. يوضح الشيخ حجيمي في حديثه لنا أن الأوضاع الاقتصادية تغيرت جذريا، وأضحت هذه العادة البسيطة فخا ماديا مرهقا. فبدل أن تكون “المهيبة” سببا في تقارب القلوب، أصبحت قائمة من الطلبات التعجيزية التي تسبق حفل الزفاف، وتتضمن هدايا باهظة الثمن وملابس ومجوهرات، لتشكل ثقلا إضافيا يُضاف إلى التكاليف الخيالية للعرس ذاته.

المفارقة العجيبة: العرف الذي عطّل مقاصد الشرع

من المنظورين السوسيولوجي والديني، يبرز إجماع واضح على خطورة ما وصلت إليه الأمور. يطلق الدكتور عبد الكريم حمزاوي توصيفا دقيقا وصادما على هذه الظاهرة، خلال حديث إلى صحيفة “الأيام نيوز”، معتبرا إياها “العرف الذي عطّل الشرع”. إن المجتمع الجزائري، في كثير من الأحيان، أصبح يتخفى وراء ستار الأعراف والعادات ليبرر ممارسات تتنافى تماما مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي بُنيت على التيسير ورفع الحرج.
ويتوافق الطرح الشرعي للشيخ حجيمي مع هذا التحليل، إذ يؤكد كلاهما أنه لا يوجد أي أصل ديني أو نص شرعي يُلزم الخاطب بهذه الهدايا الثقيلة. ويقول الدكتور حمزاوي بوضوح: “لا يوجد حديث نبوي يتحدث عن المهيبة، وما دامت الفتاة المخطوبة ليست زوجتك بعد، فهي مبدئيا وقانونيا وشرعيا لا تزال تحت مسؤولية وكفالة والدها، وليست في ذمة الخاطب”. بناء على هذا، فإن إلزام الشاب باقتناء اللحوم (الجيغو) وتقديم الهدايا الثمينة في كل مناسبة دينية هو أمر خالٍ من أي معنى شرعي، بل هو تعسف اجتماعي غير مبرر.

الزواج كـ”ابتزاز اقتصادي”.. وتغيّر ذهنية المرأة

إن الغوص في أعماق هذه الظاهرة سوسيولوجيا يكشف عن تحولات خطيرة في البنية الفكرية للمجتمع. يتفق الدكتور حمزاوي مع تحليلات بعض رجال القانون، معتبرا أن مشروع الزواج في الجزائر قد انزلق من كونه ميثاقا غليظا وشراكة روحية، ليتحول إلى ما يشبه “الابتزاز الاقتصادي” الممارس ضد الخاطب.
ويُرجع الباحث هذا الانزلاق إلى تغيّر جذري ومقلق في ذهنية بعض النساء في العصر الحالي. ففي الماضي، كانت الفتاة الجزائرية تطمح للارتباط بـ”رجل” بكل ما تحمله الكلمة من معاني الشهامة والمسؤولية، لتأسيس أسرة وتربية أجيال. أما اليوم، وفي ظل طغيان الماديات، “أصبح لا يهم الفتاة من هو الزوج بقدر ما يهمها ما ستستفيد منه ماديا”. هذا التحول القيمي الخطير يصفه الدكتور حمزاوي بأنه “مرض اجتماعي” حقيقي، مستعيرا مفهوم “الخلل الوظيفي” (Dysfunction) من النظرية الوظيفية البنائية لعالم الاجتماع الشهير، إميل دوركايم، ليؤكد أن استمرار هذا الخلل سيؤدي حتما إلى تصدع البنيان المجتمعي بأسره.

السخرية المرة: الشاب بين الشاحنة التجارية و”ورشة البناء”

لعل المأساة تتجلى بوضوح في الأرقام والإحصائيات التي لا تكذب. يشير الدكتور حمزاوي إلى مفارقة صارخة تتمثل في وجود حوالي 12 مليون امرأة جزائرية غير متزوجة (يتوزعن بين عوانس، أرامل، مطلقات، ومختلعات)، وهو رقم مهول كان من المفترض أن يدفع المجتمع نحو تسهيل سبل الحلال. لكن ما يحدث هو العكس تماما؛ فالشباب يواجهون شروطا زواجية جد قاسية وتعجيزية.
ويستنكر الباحث في حديثه إلى الصحيفة بشدة ما بات يُروج له عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتباهى بعض الفتيات باشتراط مبالغ خيالية تصل إلى 300 مليون سنتيم كصداق وتكاليف زفاف. ويصف هذا الأمر بـ”الكارثة”، خاصة عندما نضعه في سياق الأزمات الخانقة التي يتخبط فيها الشباب، وعلى رأسها أزمة السكن والبطالة.
هذا الضغط المادي والنفسي ولّد حالة من السخرية المرة والتندر بين أوساط الشباب. ينقل الدكتور حمزاوي كيف أصبح الشباب يتداولون النكات حول ظاهرة المهيبة وتكاليف العرس، قائلين بتهكم: “لقد تزوجت بورشة بناء (مرمّة) وليس بفتاة”، في إشارة واضحة إلى حجم الأموال التي تُستنزف دون طائل. وأمام هذا الواقع الاستنزافي، لم يعد غريبا أن يقرر الشاب الجزائري العزوف عن الزواج نهائيا، مفضلا استثمار مبلغ الـ200 أو 300 مليون سنتيم في شراء شاحنة تجارية (كاميون أو هربينة) ليسترزق بها ويؤمّن مستقبله، بدلا من إلقاء ماله في مشروع محفوف بمخاطر الإفلاس المادي والعاطفي.

الحركات الشبابية المضادة: “الريد بيل” ومقاطعة الزواج المدني

لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه. هذه القاعدة الفيزيائية تنطبق تماما على التفاعلات الاجتماعية. ففي مواجهة هذا “الابتزاز المادي”، رصد الدكتور حمزاوي ظهور تيارات وحركات شبابية جديدة في المجتمع الجزائري، استُنسخت من مجتمعات أخرى كحركة “الريد بيل” (Red Pill) و”البلاك بيل” (Black Pill). هذه الحركات أخذت على عاتقها توعية الشباب بخطورة الذهنية المادية الجديدة التي تتبناها بعض الفتيات.
والأخطر من ذلك، أن هذه الفئة من الشباب أصبحت تنادي بضرورة الاكتفاء بـ”الزواج الشرعي” (الفاتحة) فقط، والرفض القاطع للزواج المدني وتوثيق العقد في البلدية (الدفتر العائلي). المبرر وراء هذا الرفض هو التهرب من الإلزامات والتبعات القانونية والمادية الصارمة التي تترتب على العقد المدني في حال حدوث طلاق. ويفسر الدكتور حمزاوي هذا التخوف بتأثر المنظومة القانونية في بعض جوانبها بالقوانين الغربية التي تعتمد مبدأ تقسيم الثروة، ما جعل بعض الزوجات، حسب تحليله، يخططن و”يسبقن نية الطلاق” منذ البداية، طمعا في الاستفادة المادية من الزوج بعد افتعال المشاكل ودفعه نحو الانفصال.

المرأة العاملة واستقرار الأسرة: نظرية سوسيولوجية جريئة

في خضم هذا التشريح المعمق، يطرح الدكتور حمزاوي نظرية سوسيولوجية خاصة استخلصها من واقع أبحاثه، وهي نظرية قد تثير الكثير من الجدل. تنص هذه النظرية على أن “المرأة ذات المستوى التعليمي العالي، والعاملة، هي الأقل حظا في الزواج والأكثر عرضة للطلاق”.
ويُفسر الباحث هذا الاستنتاج بالاستحالة شبه المطلقة التي تواجهها هذه المرأة في التوفيق بين التزاماتها المزدوجة: دورها الطبيعي والأساسي كزوجة وأم وراعية لشؤون بيتها من جهة، والتزاماتها المهنية خارج البيت من جهة أخرى. ويضيف إلى ذلك التحدي النفسي والاجتماعي المتمثل في محاولة “الحفاظ على شرفها واستقرارها في بيئة عمل تتسم بالاختلاط”.
ويحذر الدكتور حمزاوي من أن هذا “الخلل الوظيفي” متعدد الأبعاد لم يمر دون أن يترك ندوبا غائرة في جسد المجتمع. فقد تسبب في تفشي ظواهر كارثية مترابطة، أبرزها الارتفاع المخيف في نسبة الخيانة الزوجية بين الشباب، والتي وصلت حسب تقديراته إلى 40%، فضلا عن النتيجة الأكثر مأساوية وهي ضياع الأطفال وتشردهم النفسي في “زمن الغربة والمشاكل الأسرية المعقدة”.

النداء الأخير: العودة إلى مرجعية التيسير والرحمة

أمام هذه اللوحة السوسيولوجية القاتمة، يعود الصوت الديني ليقدم الحلول ويذكر بالمرجعيات الأساسية. يوجه الشيخ جلول حجيمي رسالة عقلانية ومؤثرة للمجتمع بأسره، داعيا إلى ضرورة الاحتكام لقاعدة التيسير القرآنية: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. ويؤكد أن الدين الإسلامي الحنيف لم يأتِ ليعسر على الناس حياتهم، بل جاء بالاعتدال والوسطية والابتعاد عن التكلف الأعمى.
ويُذكر الشيخ بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يمثل القاعدة الذهبية للزواج الناجح: “أقلهن مهرا أكثرهن بركة”، مشددا على أن العبرة والنجاح في الزواج لا يُقاسان أبدا بغلاء المهور ولا بحجم الهدايا واللحوم المقدمة في “المهيبة”، بل يُقاسان بحجم المودة، والتفاهم، والتيسير.
ويعلن الشيخ دعمه المطلق واللامشروط لكل المبادرات المجتمعية النبيلة التي تسعى إلى تسقيف المهور وتخفيف تكاليف الزواج، محملا المسؤولية التضامنية لجميع فئات المجتمع؛ من رجال، ونساء، وعلماء، وإعلاميين، وصناع قرار. ويختم بتحذير بليغ ومخيف في آن واحد: إن استمرار المجتمع في تعسير سبل الزواج الحلال في ظل هذا الظرف الاقتصادي الطاحن، سيؤدي حتما إلى نتائج عكسية مدمرة. ففي مجتمع “تكالبت فيه المادة”، سيصبح عزوف الشباب عن الزواج واقعا مفروضا، وسيكون الانزلاق نحو مستنقع “الحرام” والانشغال بالمفاسد أمرا شائعا ومدمرا للشباب. لذا، فإن الأصل والواجب الأسمى اليوم هو أن نتكاتف جميعا لنحافظ على مجتمعنا بالحلال، وأن نعيد لمؤسسة الزواج قداستها وبساطتها، لتبقى حصنا للمودة والرحمة، لا ساحة للتباهي والاستنزاف

Author مولود صياد
صحفي ومدقق حقائق خريج جامعة الجزائر 3 كلية الإعلام والاتصال