الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

كيف تحولت منصات التواصل إلى مختبرات لإنتاج النرجسية الحديثة؟

Author
إيمان بن يمينة 16 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد من الغريب أن يبدأ المستخدم يومه على منصات التواصل الاجتماعي بوابل من الرسائل التي تدعوه إلى حب الذات و”معرفة قيمته” و”رفع سقف استحقاقه، وبين مقاطع قصيرة وشعارات جذابة، تتكرر عبارات تؤكد أن الإنسان لا ينبغي أن يقبل إلا بالأفضل، وأن أي تنازل هو انتقاص من كرامته أو قيمته.

ورغم أن هذه الرسائل تنطلق في الأصل من مفاهيم إيجابية تدعو إلى احترام الذات وبناء الثقة بالنفس، فإن تكرارها خارج سياقها النفسي والعلمي جعلها، في كثير من الأحيان، تتحول إلى معايير جامدة تعيد تشكيل نظرة الأفراد إلى أنفسهم وإلى الآخرين، ولا سيما النساء اللواتي يشكلن إحدى الفئات الأكثر استهدافًا بهذا النوع من المحتوى.

ومع اتساع انتشار هذا الخطاب، بدأت تتكشف آثاره في تفاصيل الحياة اليومية. فبدلاً من أن يسهم في تعزيز الاتزان النفسي، بات لدى البعض ميل إلى رفع سقف التوقعات بصورة مبالغ فيها، وصعوبة في تقبل النقد أو الاختلاف، وشعور دائم بأن الواقع لا يرقى إلى ما يستحقونه.

وهنا يبرز سؤال مهم يستحق التوقف عنده: أين ينتهي تقدير الذات بوصفه ركيزة أساسية للصحة النفسية المتزنة، وأين يبدأ الشعور بالاستحقاق الوهمي الذي تدفع إليه خطابات “علم النفس الشعبي” عبر المنصات الرقمية؟ وهل أسهمت السوشال ميديا حقاً في ترسيخ ثقة صحية وواقعية بالنفس، أم أنها أعادت إنتاج وتصدير مفهوم “حب الذات” بطريقة تجارية قد تقود، من حيث لا نشعر، إلى تضخم الأنا واضطراب الروابط والعلاقات الإنسانية؟

وهم الاستحقاق

في حديثها لموقع “الأيام نيوز”، أكدت الخبيرة في علم النفس زينت تواتي أن المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى حب الذات، لأن احترام الإنسان لنفسه أمر ضروري لبناء شخصية متوازنة، وإنما في الطريقة التي أصبحت تُطرح بها هذه الفكرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضحت أن كثيراً من المحتوى المتداول يختزل حب الذات في رفض أي انتقاد، وقطع العلاقات عند أول خلاف، والاعتقاد بأن الشخص يجب أن يكون مرتاحاً طوال الوقت، بينما الحياة بطبيعتها مليئة بالمواقف التي تتطلب الصبر والتنازل وتحمل المسؤولية.

وأضافت أن بعض صناع المحتوى يقدمون نصائح عامة على أنها قواعد ثابتة تصلح للجميع، رغم أن لكل إنسان ظروفه وتربيته وتجربته الخاصة. فهناك من يقررإنهاء علاقة أسرية أو صداقة أو حتى زواج بناءً على مقطع قصير أو عبارة منتشرة، دون أن يحاول فهم المشكلة أو البحث عن حلول.

وترى أن هذا الأسلوب يدفع الناس إلى اتخاذ قرارات متسرعة قد يندمون عليها لاحقاً، لأن العلاقات الإنسانية لا يمكن اختزالها في شعارات أو أحكام سريعة.

وأشارت إلى أن الإنسان يحتاج خلال حياته إلى مواجهة بعض الإخفاقات وخيبات الأمل، لأن هذه التجارب هي التي تعلمه الصبر، وضبط انفعالاته، والتعامل مع الآخرين بواقعية. أما إذا اعتاد الهروب من كل موقف مزعج أو كل شخص يخالفه الرأي، فإنه سيجد صعوبة في التكيف مع الحياة، وسيصبح أكثر حساسية تجاه أي نقد أو ملاحظة، حتى لو كانت بنية الإصلاح.

ولفتت إلى أن الاعتماد المفرط على الإعجابات والتعليقات والتفاعل عبر المنصات الرقمية قد يجعل بعض الأشخاص يربطون قيمتهم بما يحصلون عليه من اهتمام، وعندما يقل هذا الاهتمام أو يتعرضون للانتقاد، يشعرون بأن قيمتهم قد تراجعت، رغم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المتابعين أو الإعجابات، وإنما بما يملكه من أخلاق، وإنجازات، وقدرة على التطور ومواجهة التحديات.

وفيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، أوضحت تواتي لـ “الأيام نيوز” أن من الطبيعي أن تحدث خلافات بين الأزواج أو الأصدقاء أو أفراد العائلة، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة أن العلاقة مؤذية أو يجب إنهاؤها. فالعلاقات الصحية تقوم على الحوار، والاحترام، والقدرة على الاعتذار والتسامح، وليس على البحث عن أشخاص يوافقوننا في كل ما نقول أو نفعل.

وأضافت أن الإفراط في استخدام عبارات مثل: “أنت لا تدين لأحد بأي شيء” قد يرسخ النزعة الفردية ويضعف الروابط الأسرية والاجتماعية إذا استُخدمت خارج سياقها الصحيح.

وفي هذا السياق، أوضحت زينت تواتي أن من أكثر الآثار السلبية لخطاب “الاستحقاق المطلق” أنه يخلق توقعات غير واقعية داخل العلاقات الزوجية والعاطفية.

وقالت إن بعض الفتيات يدخلن العلاقة وهن يحملن صورة مثالية رسمتها مواقع التواصل، فينتظرن من الشريك أن يكون متفرغاً للاهتمام بهن باستمرار كل ثانية.

لكن عندما يصطدمن بواقع الحياة، حيث يواجه الشريك ضغوط العمل أو المسؤوليات المالية أو الإرهاق اليومي، يفسرن هذا التقصير الطبيعي على أنه قلة اهتمام أو عدم تقدير لهن.

وأضافت أن هذا النوع من التفكير يدفع البعض إلى إطلاق أحكام قاسية ومتسرعة، مثل وصف الشريك بأنه توكسيك” أو المطالبة بإنهاء العلاقة عند أول أزمة، في حين أن العلاقات السليمة لا تُقاس بالمواقف العابرة، إنما بقدرة الطرفين على الحوار والتفاهم ومساندة بعضهما في أوقات الضغط.

وأكدت أن الشريك ليس مطالباً بأن يكون مثالياً، كما أن الحب الحقيقي لا يعني غياب الخلافات أحياناً، وإنما يعني وجود رغبة مشتركة في تجاوز الصعوبات والحفاظ على العلاقة.

وشددت تواتي على أن التمييز بين العلاقة المؤذية والعلاقة التي تمر بظروف مؤقتة أمر ضروري، لأن كثيراً من الزيجات والعلاقات المستقرة قد تتعرض للاهتزاز بسبب توقعات غير واقعية زرعتها بعض الرسائل المتداولة على مواقع التواصل، والتي تشجع على الانسحاب السريع بدلاً من الحوار والبحث عن الحلول.

معضلة المقارنة المستمرة

ولا يقتصر خطاب الاستحقاق على المحتوى التحفيزي أو النصائح النفسية المتداولة، إنما أصبح موضوعاً للدراسة في علم النفس الرقمي، لفهم تأثير منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل هذا الشعور لدى المستخدمين.

وقد تناولت ورقة بحثية منشورة على منصة ResearchGate بعنوان “استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والشعور بالاستحقاق – مشروع بحثي حول الأعمال الرقمية وسلوك المستهلك” العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والشعور بالاستحقاق، وحاولت فهم الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها المنصات الرقمية في تصور الأفراد لأنفسهم.

وتشير نتائج الدراسة إلى وجود ارتباط بين كثافة استخدام وسائل التواصل وارتفاع ما يعرف في علم النفس بـ”الشعور بالاستحقاق”. ويقصد بهذا المفهوم اعتقاد الفرد بأنه يستحق معاملة خاصة أو حياة أكثر رفاهية، حتى في غياب الأسباب أو الجهود التي تبرر ذلك.

ويرى الباحث أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك هو المقارنة المستمرة بالآخرين. فالمستخدم يتعرض يومياً لصور ومقاطع تعرض حياة تبدو مثالية؛ سفر، ومقتنيات فاخرة، وعلاقات ناجحة، وإنجازات متتالية.

ومع تكرار هذا المشهد، يصبح من السهل أن يقارن الشخص حياته بما يراه على الشاشة، وينتهي به الأمر إلى الشعور بأنه محروم مما “يستحقه”، رغم أن ما يراه لا يعكس في كثير من الأحيان الواقع الكامل.

كما تلفت الدراسة إلى أن طبيعة المنصات نفسها تعزز فكرة النتائج الفورية. فالإعجابات والتعليقات والمشاهدات تأتي في لحظات، وهو ما قد ينعكس على طريقة تعامل بعض المستخدمين مع الحياة الواقعية. فيصبح الانتظار أكثر صعوبة، ويزداد الميل إلى توقع نجاح سريع أو علاقة مثالية أو وظيفة تحقق جميع الطموحات منذ البداية، بينما تتطلب الحياة بطبيعتها وقتاً وجهداً وتراكماً في التجارب.

وتوضح الدراسة أيضاً أن هذا التصور قد ينعكس على العلاقات الإنسانية، إذ يميل بعض الأفراد إلى تقييم الآخرين وفق ما يملكونه أو ما يعرضونه من مظاهر النجاح والرفاهية، بدلاً من التركيز على الصفات الإنسانية والقيم المشتركة.

ومع ارتفاع سقف التوقعات، تصبح الخلافات الصغيرة سبباً لإنهاء العلاقات، لأن الواقع لا يستطيع مجاراة الصورة المثالية التي ترسمها المنصات.

وفي خلاصة نتائجها، تحذر الدراسة من أن المشكلة لا تكمن في استخدام وسائل التواصل بحد ذاته، وإنما في تحويل ما يُعرض عليها إلى معيار ثابت للحياة. فعندما يبني الإنسان توقعاته على صور منتقاة ومحتوى صُمم لجذب الانتباه، يصبح أكثر عرضة للإحباط، لأنه يقارن حياته اليومية بصورة رقمية لا تمثل الواقع بكل تفاصيله.

هوس المشاهدات

دعت الخبيرة في علم النفس إلى التعامل بوعي مع المحتوى النفسي المنتشر على الإنترنت، وعدم اعتباره بديلاً عن الاستشارة المتخصصة، خاصة في القضايا الحساسة التي تتعلق بالصحة النفسية أو العلاقات الأسرية.

كما شددت على أهمية التحقق من مؤهلات من يقدم هذه النصائح، لأن كثيراً من المحتوى يهدف إلى جذب المشاهدات أكثر من تقديم معرفة علمية دقيقة.

وختمت تواتي بالتأكيد على أن حب الذات الحقيقي لا يعني أن يرى الإنسان نفسه كاملاً أو يرفض أي ملاحظة، بل يعني أن يحترم نفسه دون أن يتكبر على الآخرين، وأن يعترف بأخطائه ويسعى إلى إصلاحها، وأن يتقبل أن الفشل والخطأ والخلاف جزء طبيعي من الحياة.

وأضافت أن الشخص المتوازن نفسياً هو من يستطيع الجمع بين احترام ذاته واحترام الآخرين، وبين الدفاع عن حقوقه والوفاء بمسؤولياته، لأن التوازن هو أساس الصحة النفسية والعلاقات السليمة.

وبين خوارزميات تبحث عن التفاعل، ومحتوى يختزل مفاهيم نفسية معقدة في عبارات قصيرة، يبقى السؤال مطروحاً حول مسؤولية المنصات وصناع المحتوى في تقديم رسائل أكثر توازناً. فحب الذات، كما يؤكد المختصون، لا يقاس برفض كل نقد أو رفع سقف التوقعات إلى حد يستحيل تحقيقه، بل بقدرة الإنسان على بناء علاقة صحية مع نفسه ومع الآخرين، بعيداً عن الصور المثالية التي تصنعها الشاشات.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.