2025.12.04
كيف تساهم الصيرفة الإسلامية في حماية الاقتصاد الوطني؟ اقتصاد

كيف تساهم الصيرفة الإسلامية في حماية الاقتصاد الوطني؟


محمد بوسلامة
29 نوفمبر 2025

في وقت تتجه فيه الجزائر إلى تنويع مصادر التمويل وتقليص الاعتماد على القروض ذات الكلفة العالية، تبرز الصيرفة الإسلامية كأحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم في حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز استقراره المالي. فالندوة التي نظمها بنك "ABC" أعادت فتح نقاش جوهري حول قدرة التمويل الإسلامي على تقديم بدائل واقعية لأزمات النظام المالي التقليدي، من خلال آليات قائمة على الشفافية والمشاركة والابتعاد عن الربا والمضاربات.

نظم بنك "ABC" ندوة بعنوان "الصيرفة الإسلامية في خدمة الاقتصاد الوطني"، على هامش مشاركته في الطبعة الثانية للصالون الوطني "تسهيل" المقام بقصر المعارض "صفاكس". وقدّم المحاضرة محمد بوجلال، الخبير في المالية الإسلامية وعضو المجلس الإسلامي الأعلى، حيث طرح رؤية تحليلية معمقة تناولت واقع النظام المالي العالمي وأوجه قصوره، مبرزا في المقابل ما يوفره التمويل الإسلامي من بدائل مستدامة تعد - وفق تقديره - أمل البشرية في تجاوز الإفرازات الخطيرة لنظام يقوم أساسا على الربا والمجازفة المكشوفة وتوريق الديون.

وفي هذا السياق، أوضح أنّ فهم الصيرفة الإسلامية يتطلب الإلمام بثلاثة محرّمات أساسية في الفقه المالي الإسلام: الربا والغرر والميسر، فالربا باعتباره العائد المحدد مسبقا، بينما الغرر يعكس الغموض الفاحش في العقود، أما الميسر فيجسّد المضاربات العشوائية، مؤكدا أنّ هذه المحرمات ليست قيودا فقهية جامدة، بل قواعد لحماية الاقتصاد من الانهيارات التي شهدها العالم مرارا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

النظام المالي العالمي… فجوة بين الإنتاج والديون

انتقل بوجلال إلى تحليل النظام المالي العالمي، مبرزا الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والديون، حيث استشهد بتجربة الولايات المتحدة كنموذج صارخ لاقتصاد يعتمد على الدَّين. فقد تجاوزت الديون السيادية الأمريكية سنة 2018 نحو 19 ألف مليار دولار وقفزت سنة 2024 إلى 36 ألف مليار دولار، مع توقعات ببلوغها 43 ألف مليار دولار خلال سنوات قليلة. وأوضح أن الخزانة الأمريكية تدفع سنويا ما يفوق 1300 مليار دولار كفوائد، أي ما يعادل 5100 مليار دولار خلال أربع سنوات فقط، وهو ما يجسد النظام الربوي في أبشع صوره بوصفه أداة استغلال للشعوب والمستثمرين.

ولم يقتصر تحليل بوجلال على الحالة الأمريكية، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي الذي يعاني من ممارسات مثل توريق الديون والمضاربات غير المغطاة وبيع ما لا يملك المستثمر، مما يؤدي إلى صناعة فقاعات مالية ضخمة تتحول من أزمات مالية إلى أزمات اقتصادية تجر الدول إلى الركود والبطالة وارتفاع تكلفة المعيشة. وأشار إلى أن هذه الظواهر ليست مجرد أخطاء عرضية، بل هي جزء من بنية النظام المالي التقليدي الذي يربط النمو بالديون أكثر مما يربطه بالإنتاج الحقيقي.

إدانات دولية للنظام المالي القائم

في السياق، أوضح بوجلال أن حجم الفجوة بين الإنتاج العالمي والديون بلغ مستويات خطيرة، إذ ينتج العالم ما يقرب من 10 آلاف مليار دولار سنويا، بينما تتجاوز الديون العالمية 35 ألف مليار دولار، أي بنسبة تفوق 300% من الناتج الإجمالي العالمي. هذه الفوارق، برأيه، تعكس اختلالا بنيويا لا يمكن علاجه ضمن النموذج المالي التقليدي. ومن هنا ذكر بأن مجموعة العشرين نفسها أقرت بعد أزمة 2008–2009 بضرورة التخلي عن الأدوات المالية السامة، وهي ذاتها التي يحرمها الإسلام مثل الفوائد الربوية والمجازفات العشوائية وتوريق الديون. كما أصدر المجلس الاقتصادي الفرنسي تقارير مشابهة تحذر من خطورة استمرار هذا النموذج.

ووفق المتحدث "هذه الاعترافات الدولية، ليست مجرد إقرار بمكانة الفقه الإسلامي، بل دليل على أن العالم يبحث عن نظام بديل قادر على تقليل المخاطر وتحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد". وهنا شدد بوجلال على أن الصيرفة الإسلامية تقدم نموذجا أخلاقيا وعمليا في آن واحد، لأنها لا تكتفي برفض الأدوات المحرمة، بل تقدم بدائل قائمة على المشاركة في الربح والخسارة وعلى الاستثمار المنتج.

الصيرفة الإسلامية.. من تجربة محلية إلى صناعة عالمية

وانطلاقا من هذه الحاجة، استعرض بوجلال تاريخ نشأة الصناعة المالية الإسلامية، مؤكدا أنها لم تظهر كحدث عابر، بل كاستجابة طبيعية لانهيارات متكررة في الأسواق المالية التقليدية. وكانت البداية في منتصف سبعينيات القرن الماضي مع تأسيس البنك الإسلامي للتنمية بجدة، ثم تبعته تجارب مثل بنك دبي الإسلامي وبنوك في السودان وماليزيا وباكستان وإندونيسيا. هذه التجربة تحولت لاحقا إلى صناعة عالمية حقيقية تتواجد في أكثر من ثمانين دولة حول العالم وتدرس في الجامعات الكبرى، وأصبحت منتجاتها شائعة ومطلوبة لدى قطاعات واسعة من المستثمرين والشركات والأفراد.

ولم يكتف بوجلال بسرد التاريخ، بل أشار إلى أن هذه الصناعة نجحت في إثبات قدرتها على الصمود أمام الأزمات، حيث أظهرت البنوك الإسلامية، خلال أزمة 2008، مرونة أكبر مقارنة بالبنوك التقليدية، لأنها لم تكن منخرطة في الأدوات المالية السامة. كما أن انتشارها في دول غير إسلامية، مثل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، يعكس أن الأمر لم يعد مجرد خيار ديني، بل أصبح خيارا اقتصاديا عقلانيا.

أنواع العقود ومرتكزات التمويل الإسلامي

وفي سياق حديثه عن العقود المالية الإسلامية، أوضح بوجلال أنها تنقسم إلى المشاركات والمعاوضات والتبرعات، مؤكدا أن النوعين الأولين يمثلان العقود الاسترباحية التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي الحقيقي انسجاما مع قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرّم الربا". فالربح في التمويل الإسلامي يأتي من التجارة أو الإنتاج أو الشراكة، وليس من الإقراض بفائدة مسبقة.

كما تطرق إلى تأسيس هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية "أيوفي" سنة 1990، والتي أصبحت المرجعية الأولى عالميا في المعايير الشرعية والمحاسبية للتمويل الإسلامي، حيث ساهمت في وضع معايير دقيقة لمنتجات مثل المرابحة والسلم والاستصناع والمشاركة والمضاربة والإجارة التمويلية. وأشاد بانخراط الجزائر في هذه التجربة عبر تمثيلها في "أيوفي" بالبروفيسور سنوسي عبد الرحمن، مما يعزز مصداقية المنتجات المالية الإسلامية في السوق المحلية. وأوضح أن هذه المعايير ليست مجرد وثائق نظرية، بل هي أدوات عملية تضمن التزام المؤسسات المالية بالقواعد الشرعية وتمنح المستثمرين ثقة أكبر في التعامل معها.

تجربة الجزائر.. انطلاق الإصلاحات

بخصوص تجربة الجزائر في هذا المجال، أشار بوجلال إلى تأسيس بنك البركة سنة 1991 كأول تجربة، ثم بنك السلام سنة 2008، لكن دون وجود إطار قانوني أو تنظيمي واضح. غير أن التحول الحقيقي بدأ منذ سنوات قليلة بفضل إرادة سياسية دفعت نحو وضع أرضية قانونية متكاملة للصيرفة الإسلامية ضمن المنظومة المالية الوطنية.

وأوضح في معرض حديثه أن الجزائر تضم اليوم 29 بنكا ومؤسسة مالية، منها 21 بنكا و8 مؤسسات مالية غير بنكية، وكلها تخضع لرقابة بنك الجزائر، وقد شرعت هذه المؤسسات في فتح شبابيك للتمويل الإسلامي وتطوير منتجات مطابقة للمعايير الشرعية، في خطوة أساسية لتوسيع قاعدة المتعاملين وجذب رؤوس الأموال نحو الاقتصاد الحقيقي. مؤكدا أن هذه الخطوات لا تعني مجرد إضافة منتجات جديدة، بل تمثل تحولا في فلسفة التمويل داخل البلاد، حيث أصبح التركيز موجها نحو الاستثمار المنتج بدلا من الاعتماد على القروض الاستهلاكية.

الصيرفة الإسلامية كأداة لتنويع مصادر التمويل

وقد أبرز بوجلال أن الصيرفة الإسلامية لا يجب النظر إليها كبديل للبنوك التقليدية بل كمكمّل لها، إذ توفر أدوات تمويل جديدة يمكن أن تسهم في تنشيط الاستثمار المنتج وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز الشمول المالي وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي ومواجهة ارتفاع نسب الديون. واعتبر أن توجيه الأموال نحو عقود السلم والاستصناع يمكن أن ينعكس إيجابا على قطاعات مثل الزراعة والصناعة والبناء، مما يخلق دورة اقتصادية حقيقية بعيدة عن المضاربات.

بديل إنساني قبل أن يكون اقتصاديا

أنهى بوجلال مداخلته بالتأكيد على أن الصيرفة الإسلامية ليست مجرد آليات تمويل، بل هي نموذج اقتصادي أخلاقي يعتمد على الربح المشروع ويحترم القيم الإنسانية في التعاملات المالية. فهي تضع الإنسان في قلب العملية الاقتصادية، وتعتبر المال وسيلة لتحقيق التنمية لا غاية في ذاته. وأوضح أن هذا النموذج يختلف جذريا عن النظام التقليدي الذي يربط النمو بتراكم الديون، مؤكدا أن الصيرفة الإسلامية بديل آمن ومستدام قادر على حماية الأجيال القادمة من عبء الديون التي تتراكم بلا حدود.

كما شدد بوجلال على أن نجاح الصيرفة الإسلامية لا يتوقف عند حدود الدول الإسلامية، بل يمتد إلى العالم بأسره، حيث أثبتت التجارب في أوروبا وآسيا وأمريكا أن هذه الصناعة قادرة على التكيف مع مختلف البيئات القانونية والاقتصادية. وأشار إلى أن اعتمادها في دول غير إسلامية يعكس إدراكا متزايدا بأن التمويل القائم على المشاركة والشفافية والعدالة يمكن أن يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات من النماذج التقليدية.

وفي ختام الندوة، دعا بوجلال إلى ضرورة الاستثمار في نشر الثقافة المالية الإسلامية وتعزيز البحث الأكاديمي في هذا المجال، حتى تصبح الصيرفة الإسلامية جزءا أصيلا من الحلول الاقتصادية العالمية، لا مجرد خيار بديل. وأكد أن الجزائر، بما تمتلكه من إرادة سياسية وتجربة متنامية، قادرة على أن تكون نموذجا رائدا في المنطقة، وأن تسهم في بناء صناعة مالية إسلامية قوية تخدم الاقتصاد الوطني وتفتح آفاقا للتعاون الدولي.