الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

كيف تُساهم القيم الأصيلة في تعزيز الوعي والتماسك داخل المجتمع الجزائري؟


مع تسارع التحولات التي فرضتها الحداثة، والانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، برزت في الآونة الأخيرة داخل المجتمع الجزائري، دعوات متزايدة للعودة إلى القيم التقليدية الأصيلة، في سياق جدل متنامٍ حول دلالات هذا التوجه، بين من يراه استجابة لحاجة اجتماعية فرضتها اختلالات بنيوية مست التماسك المجتمعي، ومن يعتبره انعكاسا لقلق جماعي متصاعد من سرعة التحولات التي حملتها الحداثة وتداعياتها على المنظومة القيمية.

وفي هذا السياق، اعتبر فوزي بن دريدي، أستاذ في علم الاجتماع، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن هذه الدعوات ليست حنينا عابرا، بل تعبير عن بحث المجتمع عن توازن مفقود في ظل تحولات عميقة وضبابية قيمية متزايدة، خاصة لدى فئة الشباب.

من جهتها، أكدت الدكتورة حفصة آمال زعيون، في تصريحها لـ”الأيام نيوز”، أن التغير القيمي أصبح مقلقا بفعل تراجع عدد من القيم الاجتماعية الأساسية وتأثرها بثقافات دخيلة، ما يستدعي بناء وعي مجتمعي يحافظ على الخصوصية ويحصّن الهوية.

في هذا الصدد، يرى الأستاذ بن دريدي أن تنامي الدعوات داخل المجتمع الجزائري للعودة إلى القيم التقليدية لا يمكن اعتباره ظاهرة معزولة أو مجرد حنين عابر إلى الماضي، بل هو انعكاس مباشر لتحولات عميقة مست البنية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة.

التحولات الحديثة تفرض إعادة صياغة المنظومة القيمية

وأوضح الأستاذ في علم الاجتماع، أن تلك القيم، في مراحل سابقة، كانت تشكل الإطار الناظم للسلوك الاجتماعي، حيث ساهمت في ضبط العلاقات داخل المجتمع والحد من مظاهر الاختلال، وهو ما جعلها اليوم تُستحضر كمرجعية يُعتقد أنها قادرة على إعادة التوازن المفقود.

فوزي بن دريدي، أستاذ في علم الاجتماع

وأشار المتحدث إلى أن المجتمع الجزائري يعيش على وقع تحولات متسارعة، خاصة في ظل الثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أحدثت تغييرات جذرية في أنماط التفكير والتواصل، وأفرزت منظومة قيمية جديدة.

وأبرز أن هذه المنظومة، في كثير من الأحيان، تبدو غير مستقرة أو متناقضة، ما خلق حالة من الضبابية القيمية، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يجدون أنفسهم بين مرجعيات متعددة ومتنافرة.

وفي السياق ذاته، أفاد بن دريدي بأن ما بعد الحداثة، بما تحمله من مفاهيم وسلوكيات جديدة، ساهمت في إحداث نوع من التفكك النسبي في البنية الاجتماعية، حيث أصبح الصراع واضحا بين القيم التقليدية والدينية والوطنية من جهة، وبين القيم الوافدة التي تحملها العولمة من جهة أخرى، مؤكدا أن هذا التداخل أفرز حالة من عدم اليقين القيمي، قد تدفع الأفراد إلى إعادة التفكير في مرجعياتهم ومحاولة البحث عن نقاط ارتكاز أكثر ثباتا.

ونوّه محدثنا إلى أن بعض علماء الاجتماع يحذرون من مخاطر هذا الوضع، خاصة ما يتعلق بإمكانية تخلخل الهوية الاجتماعية، حيث قد يجد الفرد نفسه عاجزا عن التمسك الكامل بقيم الماضي، وفي الوقت ذاته غير قادر على تبني القيم الحديثة بشكل واضح ومتكامل.

وشدد الأستاذ في علم الاجتماع، على أن هذا الوضع الوسيط قد يؤدي إلى نوع من الازدواجية أو التذبذب في السلوك، وهو ما ينعكس بدوره على تماسك المجتمع واستقراره.

وأكد بن دريدي أن الدعوة إلى العودة للقيم التقليدية لا ينبغي تفسيرها على أنها نزعة محافظة سلبية أو رفض للحداثة، بل هي في جوهرها تعبير عن حاجة اجتماعية حقيقية لإعادة التوازن ومعالجة الاختلالات البنيوية التي أفرزتها التحولات المتسارعة، مُضيفا أن هذه الدعوات تعكس أيضا نوعا من القلق الجماعي والخوف من فقدان الهوية في ظل عالم مفتوح تتداخل فيه الثقافات وتتسارع فيه التغيرات بشكل غير مسبوق.

وفي هذا الإطار، أوضح محدثنا أن عملية “الرجوع” لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج نفس القيم التقليدية بصيغها القديمة، لأن السياق الاجتماعي تغير بشكل كبير، بل المقصود هو استلهام جوهر تلك القيم وروحها، وإعادة توظيفها بما يتلاءم مع متطلبات العصر.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن هذا المسار يتطلب قراءة علمية دقيقة للتراث القيمي، تسمح بانتقاء ما هو قابل للاستمرار والتكيف، مع إعادة صياغته بشكل يجعله أكثر جاذبية وواقعية بالنسبة للأجيال الجديدة.

وأردف قائلا: “إن الدور الذي يمكن أن يلعبه علماء الاجتماع والمختصون في هذا المجال يظل محوريا، من خلال تفكيك بنية القيم التقليدية وتحليل وظائفها الاجتماعية، ثم العمل على إعادة بنائها في إطار حديث يراعي التحولات الرقمية والثقافية، مبرزا، أن هذا الجهد العلمي من شأنه أن يساهم في خلق منظومة قيمية متوازنة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتوفر للفرد مرجعية واضحة ومستقرة.

وأضاف أن التحدي الأكبر اليوم يكمن في كيفية تمكين الشباب من التفاعل الإيجابي مع العالم الرقمي، دون الوقوع في القطيعة مع مقومات الهوية الوطنية، مؤكدا أن تحقيق هذا التوازن يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من أسرة ومؤسسات تربوية وإعلامية، من أجل ترسيخ قيم الانتماء وتعزيز الوعي النقدي لدى الأفراد.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد الأستاذ بن دريدي، على أن الحفاظ على التماسك الاجتماعي لا يتحقق بالانغلاق أو برفض التغير، بل عبر إدارة هذا التغير بشكل واعٍ، يضمن استمرارية القيم الجامعة ويعزز الوحدة الوطنية، مع الانفتاح المدروس على العالم، بما يسمح ببناء مجتمع متوازن قادر على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف المستقبل.

المجتمع بحاجة إلى وعي يحميه من القيم الدخيلة

من جهتها، أفادت الدكتورة حفصة آمال زعيون، المختصة في علم الاجتماع، بأن التغير الاجتماعي يُعد ظاهرة طبيعية وملازمة لكل المجتمعات عبر مختلف الحقب التاريخية، غير أن ما يثير القلق في المرحلة الراهنة هو التحول العميق الذي مس منظومة القيم الاجتماعية، وتراجع العديد منها بشكل لافت، الأمر الذي بات ينعكس سلبا على تماسك المجتمع واستقراره.

الدكتورة حفصة آمال زعيون، مختصة في علم الاجتماع

وأوضحت الدكتورة زعيون، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن جملة من القيم التي كانت تُشكل أساس العلاقات الاجتماعية في المجتمع الجزائري أصبحت اليوم مهددة بالتلاشي، على غرار احترام الجار، وتوقير الكبير، والالتزام بآداب الحديث في الفضاء العام، فضلا عن الحفاظ على قدسية العلاقات الأسرية، وعلى رأسها العلاقة الزوجية.

وأشارت المتحدثة إلى أن السلوكيات التي تُلاحظ يوميا، سواء في الشارع أو داخل البيوت، ما هي إلا انعكاس مباشر لجملة من التحولات التي طرأت على نظرة الأفراد لهذه القيم، ومدى تمسكهم بها.

وفي تحليلها للأسباب، أبرزت المختصة في علم الاجتماع، أن التأثر بالثقافات الغربية يُعد من أبرز العوامل المؤثرة، خاصة في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة، التي تروج لنماذج سلوكية وقيمية قد لا تنسجم بالضرورة مع خصوصيات المجتمع الجزائري، لافتةً إلى تنامي النزعة الفردانية، حيث باتت المصلحة الشخصية تطغى على حساب القيم الجماعية، ما أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية.

وتابعت قائلة: “إن الاعتياد التدريجي على بعض المظاهر والسلوكيات الدخيلة، مثل الترويج لأنماط علاقات اجتماعية جديدة أو التطبيع مع بعض الظواهر، قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى ترسيخها داخل المجتمع، خاصة في ظل غياب الوعي الكافي بخلفياتها وتداعياتها”.

كما نبهت إلى ظاهرة العزوف عن مساعدة الآخرين، خوفا من الوقوع في مشاكل، معتبرة أن هذا السلوك يعكس تراجع روح التضامن التي لطالما ميزت المجتمع الجزائري.

في السياق ذاته، أكدت المتحدثة أنها لا تتبنى مصطلح “القيم التقليدية” بالمعنى الذي يوحي بالجمود أو الانغلاق، موضحة أن هناك قيما إنسانية ودينية ثابتة تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع مختلف المراحل الزمنية، دون أن تفقد جوهرها أو وظيفتها الاجتماعية.

خِتاماً، شددت الدكتورة زعيون، على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التغير بحد ذاته، بل في غياب الوعي بآثار استيراد قيم لا تتلاءم مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع الجزائري، ما قد يؤدي إلى إضعاف منظومته القيمية، مؤكدة أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز والانتقاء، بما يسمح بالانفتاح الإيجابي على العالم دون التفريط في القيم الأصيلة، وبما يساهم في تنشئة جيل واعٍ ومحصن ضد التأثيرات السلبية، وقادر على الحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز روابطه.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي