الأحد، 06 سبتمبر 2026 — 22 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

كيف يؤثر المحتوى السريع على التركيز والانتباه لدى المتعلمين؟


أمام الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وتزايد الإقبال على مقاطع الفيديو القصيرة  (Short videos) تبرز إشكالية تأثير هذا المحتوى السريع على مستوى التركيز والانتباه لدى فئة الشباب، وانعكاسات هذا النمط الاستهلاكي المتسارع على القدرات الذهنية للمتعلمين بشكلٍ خاص.

في هذا السياق، أوضح توفيق زروقي، مختص في علم الاجتماع، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تفشي الإدمان الرقمي، خاصة المرتبط بالمحتوى السريع، يضعف تدريجياً القدرة على التركيز والتفاعل العميق التلميذ والطالب، ويقلص من مهارات الاستيعاب والانتباه نتيجة الاعتياد على التلقي السريع والمكثف للمعلومة.

من جهته، أكد أحمد جعدي، مختص تربوي، أن هذه المنصات، رغم إيجابياتها، أصبحت تؤثر على القدرات الذهنية بفعل الإغراق في المحتوى السريع والمثير، مشدداً على أن الإشكال لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب التوجيه التربوي الكفيل بضبط استخدامها وتوجيهها بشكل واعٍ ومسؤول.

في هذا الصدد، أفاد الأستاذ توفيق زروقي، أن من بين أبرز أسباب فقدان التركيز والانتباه لدى التلاميذ والطلبة، وحتى لدى فئات الناضجين داخل الفضاءات التعليمية، هو تفشي مختلف أشكال الإدمان، سواء تعلّق الأمر بالإدمان على المخدرات أو الإدمان الرقمي بمختلف أنواعه، الذي بات يبعد المتعلم عن جوهر العملية التعليمية ويضعف قدرته على الاستيعاب والتركيز.

الإدمان الرقمي والمحتوى السريع يضعفان التركيز

وأوضح المختص في علم الاجتماع، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن هذا النوع من الإدمان، خاصة الإدمان الرقمي المرتبط بالاستخدام المفرط للهاتف الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي والمحتويات السريعة، يؤدي إلى إبعاد المتعلم تدريجيا عن جوهر العملية التعليمية، حيث يفقد القدرة على التفاعل العميق مع الدروس أو استيعاب المحتوى العلمي بالشكل المطلوب، ما ينعكس سلبا على مستوى التحصيل الدراسي وعلى جودة الفهم والاستيعاب.

وأضاف زروقي أن ما يُعرف اليوم بالإدمان النفسي يُعدّ من أخطر أشكال الإدمان الحديثة، بل إنه في بعض الحالات قد يكون أشد تأثيرا من الإدمان العضوي التقليدي، مثل تعاطي المخدرات، بالنظر إلى كونه يؤثر مباشرة على الجهاز العصبي وعلى آليات الانتباه والتركيز والتفكير لدى الفرد.

وأشار محدثنا، إلى أن بعض الممارسات الرقمية، وعلى رأسها الإدمان على المحتوى السريع، بما في ذلك مقاطع الفيديو القصيرة المنتشرة عبر المنصات الرقمية، تخلق لدى المتعلم حالة من التعود على التلقي السريع والمكثف، ما يجعل قدرته على التركيز في موضوع واحد لفترة طويلة تتراجع بشكل ملحوظ.

تغير عميق في طبيعة التفاعل مع المعرفة

وأشار المختص في علم الاجتماع إلى أن عدداً من الأنظمة التعليمية في العالم بدأت بالفعل في محاولة التكيف مع هذا التحول السلوكي والمعرفي لدى المتعلمين، من خلال اعتماد أنماط تدريس جديدة، مثل إدماج البودكاست التربوي أو المحتويات التعليمية القصيرة التي لا تتجاوز دقائق معدودة، وذلك في محاولة لمواكبة التحولات التي فرضتها الوسائط الرقمية الجديدة، والتي أثرت بشكل مباشر على نمط الانتباه لدى الأفراد.

في السياق ذاته، أكّد المتحدث، أن هذا الواقع الجديد كشف عن تغير عميق في طبيعة التفاعل مع المعرفة، حيث أصبح التلميذ أو الطالب يجد صعوبة في الحفاظ على مستوى تركيز ثابت لأكثر من دقائق معدودة، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام المنظومة التربوية والتعليمية.

خِتاما، أبرز زروقي أن التعامل مع هذه الظاهرة يستوجب مقاربتين أساسيتين، الأولى تتمثل في ضرورة إطلاق برامج توعوية وعلاجية وسلوكية للحد من الإدمان الرقمي والنفسي، والعمل على مرافقة المتعلمين نفسياً وسلوكياً لإعادة بناء قدراتهم على التركيز والانتباه

أما المقاربة الثانية، فتتمثل في ضرورة إعادة النظر في المناهج وطرائق التدريس، من خلال تكييفها مع الواقع الرقمي الجديد، واعتماد أساليب تعليمية أكثر مرونة، تراعي التغير الحاصل في نمط الانتباه، وتستفيد في الوقت نفسه من الأدوات الرقمية بشكل إيجابي ومدروس.

المحتوى الرقمي السريع يفرض تبني مقاربة تربوية شاملة

من جهته، يرى أحمد جعدي، مختص تربوي، أن هذا الانفتاح الرقمي الواسع، ورغم إيجابياته، أفرز تحدياً متزايداً يتمثل في قابلية الفئات الناشئة، خصوصاً الأطفال والشباب، للتأثر بالمحتوى السريع، الذي بات يستهلك جزءاً كبيراً من وقتهم ويؤثر تدريجياً على قدراتهم الذهنية، وعلى رأسها التركيز والانتباه، في ظل ما توفره هذه المنصات من إثارة مستمرة للمخ عبر آليات التشويق السريع.

وأشار جعدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الإشكال لا يتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها، بل بطريقة استخدامها وغياب التوجيه والمرافقة، خاصة مع تراجع قدرة بعض الأولياء على مراقبة أبنائهم داخل الفضاء الرقمي، ما يرفع من حجم المخاطر التي تهدد التوازن النفسي والتربوي للأطفال، ويجعلهم أكثر عرضة للانجذاب غير الواعي نحو هذا النوع من المحتوى.

وأكد محدثنا، أن الاكتفاء بالتحسيس أو بالإطار القانوني لم يعد كافياً لمواجهة هذه الظاهرة، بالنظر إلى التحولات المتسارعة في طبيعة المنصات الرقمية وآليات اشتغالها، مشدداً على ضرورة اعتماد مقاربة تربوية شاملة تقوم على التشخيص الدقيق للواقع الرقمي وفهم انعكاساته على القدرات المعرفية والسلوكية للشباب.

كما شدد المختص التربوي، على أن التنشئة السليمة تبدأ من الأسرة، التي ينبغي أن تضطلع بدور محوري في ترسيخ القيم وبناء الوعي الرقمي لدى الأبناء، عبر الحوار والمرافقة والتدرج في منح الاستقلالية الرقمية، بما يسمح بتوجيه الاستخدام بدل منعه، وتحويل العلاقة مع التكنولوجيا من استهلاك سلبي إلى تفاعل واعٍ ومسؤول.

وأضاف أن المرافقة التربوية منذ الصغر، القائمـة على الحوار وإشراك الأطفال في حل المشكلات، تساهم في تنمية مهارات التفكير النقدي، وتمكن من اكتشاف الذكاءات المتعددة لديهم، بما يساعد على تحويل الاهتمام بالتكنولوجيا إلى فرصة للإبداع بدل أن تكون مدخلاً للإدمان.

كما اعتبر أن استثمار حب الأطفال للتكنولوجيا يمكن أن يشكل مدخلاً إيجابياً، من خلال تشجيعهم على إنتاج محتوى هادف ومسؤول، يساهم في بناء شخصيتهم وتعزيز ارتباطهم بالقيم الإيجابية، بدل الانجراف وراء المحتويات السطحية التي تضعف التركيز وتشتت الانتباه.

في ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكّد جعدي على أن حماية التركيز والانتباه لدى الشباب في ظل الانتشار الواسع للمحتوى السريع مسؤولية مشتركة، تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني، عبر توحيد الجهود وتوفير بدائل تربوية مواكبة للتطورات الرقمية، معتبراً أن بناء أجيال متوازنة يبدأ من الوعي المبكر بكيفية التعامل مع العالم الرقمي.

 

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.