الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

كيف يرافق القانون مسار الانتخابات في الجزائر من التسجيل إلى الفرز؟

Author
سارة حمدون 14 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعد الانتخابات الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي باعتبارها الوسيلة التي يمارس من خلالها الشعب سيادته ويختار ممثليه، في مختلف المؤسسات المنتخبة، غير أن نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف فقط عند تنظيم مواعيد الاقتراع، بل يرتبط أساسا بمدى نزاهتها وشفافيتها وقدرتها على التعبير الحقيقي عن إرادة الناخبين، بعيدا عن كل أشكال التلاعب والتزوير والتأثير غير المشروع، ومن هذا المنطلق، حرصت مختلف التشريعات الحديثة على بناء منظومة قانونية متكاملة لحماية الانتخابات، تشمل إجراءات تنظيمية وإدارية وقضائية وجزائية تهدف إلى ضمان سلامة المسار الانتخابي في جميع مراحله.

وفي الجزائر، شهدت المنظومة الانتخابية، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية الرامية إلى تعزيز الشفافية وترسيخ الثقة في العملية الانتخابية، من أبرزها استحداث السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وإصدار قانون عضوي جديد للانتخابات، وقد رافقت هذه الإصلاحات مجموعة من الأحكام الجزائية التي تجرّم مختلف الأفعال التي تمس بحرية التصويت أو تؤثر على نتائج الاقتراع أو تشكك في مصداقيته، حيث تبرز أهمية هذه الحماية في كونها تمثل خط الدفاع الأخير ضد الجرائم الانتخابية التي تهدد جوهر الديمقراطية وتمس بمبدأ السيادة الشعبية. في هذا السياق، صرح الدكتور موسى بودهان، المختص في القانون الدستوري، لـ”الأيام نيوز”، بأن الانتخابات تعد من أهم الآليات الديمقراطية التي تقوم عليها الدول الحديثة، نظرا للدور المحوري الذي تؤديه في تنظيم الحياة السياسية وتحديد توجهات المؤسسات العمومية وتجسيد إرادة المواطنين، مضيفا أن آثارها لا تقتصر على المستوى الوطني فحسب، بل تمتد إلى المستويات الجهوية والقارية والدولية باعتبارها مؤشرا على مدى احترام مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.

مفهوم الحماية الجزائية للانتخابات وأهميتها

يقصد بالحماية الجزائية للانتخابات مجموعة القواعد القانونية التي تجرّم الأفعال المخالفة للقوانين الانتخابية، وتحدد العقوبات المقررة لها بهدف حماية العملية الانتخابية من أي سلوك من شأنه التأثير على نزاهتها أو عرقلة سيرها الطبيعي، وتستمد هذه الحماية أهميتها من المكانة التي تحتلها الانتخابات في النظام السياسي، إذ لا يمكن الحديث عن مؤسسات شرعية أو تمثيل حقيقي للمواطنين إذا كانت النتائج ناتجة عن الغش أو التزوير أو الإكراه. ويؤكد الدكتور موسى بودهان أن المشرّع إدراكا منه لأهمية العملية الانتخابية وحساسيتها، لم يكتف بوضع القواعد والإجراءات المنظمة لها، وإنما حرص أيضا على توفير حماية قانونية خاصة تكفل سلامتها وتحافظ على نزاهتها ومصداقيتها من خلال منظومة جزائية متكاملة تتضمن آليات ردعية وعقابية، موجهة ضد كل من يحاول المساس بالسير العادي للعملية الانتخابية أو التأثير على نتائجها بطرق غير مشروعة.

كما أن الحماية الجزائية تساهم في تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، إذ يشعر الناخب بأن صوته محمي قانونا، وأن أي محاولة للتلاعب به ستواجه بعقوبات صارمة، في حين أن ضعف تطبيق النصوص أو التساهل مع الجرائم الانتخابية قد يؤدي إلى تراجع الثقة الشعبية وارتفاع نسب العزوف الانتخابي.

الإطار القانوني للحماية الجزائية للانتخابات في الجزائر

تعتمد الحماية الجزائية للانتخابات في الجزائر على منظومة قانونية متكاملة، في مقدمتها الدستور الجزائري، الذي يكرس مبدأ السيادة الشعبية وحق المواطنين في اختيار ممثليهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، كما يعد القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات المرجع الأساسي الذي يحدد القواعد المنظمة للعملية الانتخابية ويبين الجرائم الانتخابية والعقوبات المقررة لها، إلى جانب تدخل قانون العقوبات في بعض الحالات مثل التزوير واستعمال المزور والرشوة واستغلال النفوذ.

وقد عزز المشرّع هذه المنظومة بإنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات التي تتولى الإشراف على مختلف مراحل العملية الانتخابية، من مراجعة القوائم الانتخابية إلى إعلان النتائج الأولية، بهدف تعزيز الرقابة والحد من التجاوزات المحتملة.

وفي هذا الإطار، يشير الدكتور موسى بودهان إلى أن المشرّع الجزائري أولى أهمية كبيرة لمسألة الحماية الجزائية، إذ خصص لها بابا كاملا ضمن الأمر رقم 21-01 المعدل والمتمم والمتعلق بالنظام الانتخابي، تحت عنوان “الجرائم الانتخابية”، وهو من أهم الأبواب بالنظر إلى طبيعة الأحكام التي يتناولها والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.

الجرائم الانتخابية المرتبطة بالقوائم الانتخابية

تبدأ الحماية الجزائية منذ مرحلة إعداد القوائم الانتخابية باعتبارها الأساس الذي تبنى عليه العملية الانتخابية، لذلك يجرّم القانون كل أشكال التلاعب بها، مثل تسجيل أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط القانونية أو الإبقاء على أسماء متوفين أو فاقدين للأهلية أو حذف ناخبين يملكون الحق القانوني في التسجيل.

كما يعاقب القانون على تقديم بيانات كاذبة أو وثائق مزورة بغرض التسجيل أو الحصول على بطاقة ناخب بصفة غير مشروعة، نظرا لخطورة هذه الأفعال على مصداقية الهيئة الناخبة منذ البداية.

جرائم التأثير على الناخبين وشراء الأصوات

تعد حرية الاختيار من أهم مبادئ الانتخابات الديمقراطية، لذلك يولي القانون الجزائري أهمية خاصة لحماية الناخب من مختلف أشكال الضغط أو الإغراء، ويعتبر شراء الأصوات من أخطر الجرائم ويتمثل في تقديم أموال أو هدايا أو امتيازات مقابل التصويت لصالح مترشح معين، إضافة إلى التهديد أو العنف أو الابتزاز أو استغلال النفوذ للتأثير على إرادة الناخبين.

ويؤكد الدكتور موسى بودهان في هذا السياق أن اللجوء إلى الحماية الجزائية في المجال الانتخابي أمر طبيعي بالنظر إلى ما قد تتعرض له الانتخابات من تجاوزات تمس حرية الاختيار الشعبي والمبادئ الأساسية للديمقراطية، ما يستوجب تجريم كل سلوك من شأنه الإخلال بنزاهة العملية الانتخابية.

الجرائم المرتبطة بالحملة الانتخابية والاقتراع

تشكل الحملة الانتخابية مرحلة تنافسية حساسة، إلا أن هذا التنافس يجب أن يتم في إطار احترام القانون وتكافؤ الفرص، لذلك يجرّم التشريع الجزائري استعمال إمكانات الدولة لأغراض انتخابية أو تمويل الحملات بطرق غير قانونية، أو نشر معلومات كاذبة أو ممارسة الدعاية خارج الآجال المحددة، كما يمنع استغلال المؤسسات العمومية ودور العبادة والهيئات الإدارية في الدعاية الانتخابية، حفاظا على مبدأ المساواة بين المترشحين.

أما خلال يوم التصويت، فقد تتشدد الحماية الجزائية لضمان سير العملية في ظروف عادية، ويجرّم القانون انتحال صفة ناخب أو التصويت أكثر من مرة، أو التصويت باسم شخص آخر أو التأثير على الناخبين داخل مكاتب الاقتراع، إضافة إلى عرقلة عمل أعضاء المكتب أو انتهاك سرية التصويت أو إتلاف صناديق الاقتراع.

كما تعد جرائم التزوير من أخطر الجرائم الانتخابية لأنها تمس مباشرة النتيجة النهائية وتشمل تغيير محاضر الفرز أو إضافة أو حذف أصوات أو تعديل النتائج، إضافة إلى إتلاف أو إخفاء الوثائق الانتخابية وتتميز هذه الجرائم بتشديد العقوبات نظرا لخطورتها على إرادة الناخبين.

الإحصائيات حول المشاركة الانتخابية في الجزائر

تعرف نسب المشاركة الانتخابية تباينا في الجزائر، ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2021 بلغت نسبة المشاركة حوالي 30,20 بالمئة، بينما سجلت الانتخابات المحلية لنفس السنة نحو 35,97بالمئة بالنسبة للمجالس البلدي، و34,39 بالمئة بالنسبة للمجالس الولائية، أما الانتخابات الرئاسية لسنة 2024 فقد عرفت ارتفاعا نسبيا في نسبة المشاركة التي تجاوزت 48 بالمئة، حسب الأرقام الرسمية، ما اعتبر مؤشرا على تحسن التفاعل الشعبي مع الاستحقاقات الانتخابية.

ويفهم من هذه الأرقام، حسب ما يخلص إليه التحليل القانوني المرتبط بالموضوع، أن تعزيز الثقة في الانتخابات عبر التطبيق الصارم للقوانين ومكافحة الجرائم الانتخابية يعد عاملا أساسيا في تشجيع المشاركة السياسية.

التحديات التي تواجه الحماية الجزائية للانتخابات

رغم وجود ترسانة قانونية معتبرة، لا تزال الحماية الجزائية تواجه تحديات أبرزها صعوبة إثبات بعض الجرائم، مثل شراء الأصوات أو التأثير غير المباشر على الناخبين، كما أن تطور وسائل التواصل الاجتماعي زاد من تعقيد الوضع عبر انتشار الأخبار الكاذبة والحملات المضللة، ما يجعل تتبع المسؤولية القانونية أكثر صعوبة. ويؤكد د.بودهان، في هذا الإطار، أن فعالية الحماية الجزائية تتطلب تعزيز التنسيق بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات والقضاء وأجهزة الرقابة لضمان الكشف السريع عن المخالفات ومعالجتها في الوقت المناسب.

وتمثل الحماية الجزائية للانتخابات إحدى الدعائم الأساسية للنظام الديمقراطي في الجزائر، إذ تهدف إلى صون الإرادة الشعبية وضمان نزاهة الاقتراع، وقد وضع المشرّع الجزائري منظومة قانونية متكاملة تجرّم مختلف الأفعال التي تمس بالعملية الانتخابية في جميع مراحلها.

غير أن فعالية هذه الحماية تبقى مرتبطة بمدى تطبيق النصوص القانونية على أرض الواقع، وسرعة ملاحقة مرتكبي الجرائم الانتخابية وتعزيز الرقابة، فكلما كانت القوانين أكثر صرامة والتطبيق أكثر فعالية ازدادت ثقة المواطنين وتعززت شرعية المؤسسات المنتخبة، بما يساهم في ترسيخ الممارسة الديمقراطية. هذا ويختم الدكتور موسى بودهان بالتأكيد على أن موضوع الحماية الجزائية للانتخابات يُعد من المواضيع القانونية الواسعة والمتشعبة التي تستحق الدراسة والبحث بشكل مستقل، نظرا لتعدد جوانبها وأهميتها البالغة في تكريس الديمقراطية وضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، باعتبارها من القضايا الأساسية في القانون الدستوري والقانون الانتخابي على حد سواء.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي