الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

لا أملك لنفسي سوى البكاء عليها

Author
يزيد جبر شعث 25 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

(1)

لا أملك لنفسي سوى البكاء عليها، وربما أرثيها ببضع قصائد ركيكة.

(2)

لم أعد أبحث عن نفسي منذ زمن، نسيتها مع تلك الأشياء التي كانت تسكنها، وغادرت فجأة، لا أدري لماذا ولم يعد يهمني أن أعرف سببا، فالأشياء التي تغادرك هي في الأساس لم تكن لك يوما، ربما كانت تسكنك؛ لأنها لم تجد مكانا، تقنط فيه؛ فيهدأ ريحها سواك.

الأشياء الجميلة أو التي كنا نحسبها كذلك، تغادر دون مقدمات أو أسباب واضحة، هذه فلسفة الحياة العادلة، هكذا عودتنا؛ لذلك لا شيء يثير استغرابنا ويعزز من أوجاعنا المكدسة في صناديق الذاكرة وتلابيب القلب.

(3)

في هذا الصباح الهش، تتسرب خيوط الشمس من خلف الستار بهدوء وسكينة، تلقي بظلالها الذهبية على محتويات الغرفة ومن ضمنها جسدي الملقى كجثة تنتظر موعد دفنها، أسمع ما يدور حولي لكني لا أعِ ما يقال ولا أدرك ماهية الظلال التي تتحرك، ربما أشباح، أو بشر، أو بقايا أحلام خلفتها ورائي، وربما محض أوهام.

(4)

سأدوّن ما لا أعرف عن يومي هذا اليوم، وما لا أفهم عن تلك المشاعر التي تغزوني، وتمسك بي من ناصيتي وتجرني وراءها مثل كيس محشو بالورق والترهات.

(5)

أبي يشعل فيروز، يطرب لصوتها بطريقة ساحرة، يطهو قهوته برفق، يدلل وجهها بالكثير من الابتسامات، رغم أنه منذ أكثر من أربعين عاما، يستمع لفيروز ويطهو قهوته بذات الطريقة، يخلق طقوسا، افتتاحية صارمة، أشبه بطقوس بوذي على أبواب معبده، يرسم القصائد في مخيلته، يغزلها كثوب حرير خيوطه تلتف بين أصابعه، ثم يعلقها على جدار شرفته، يتركها تختمر على مهلها كقنو بلح.

(6)

المرآة المكسرة المعلقة أول البيت، عادة ما أهرب منها بكل ما أوتيت من مكر وحيل، أخاف ما سيظهر فيها إذا ما وقفت أمامها، اليوم وفي لحظة سهو مباغتة، كان سببها أني توهمت عصفورا، واقفا، على الشباك؛ فركضت ملهوفا، لأرى شكله؛ فمنذ أن ولدت لم أرَ شكل العصفور الذي يصفون ويتحدثون عنه، حين وصلت لم أجد شيئا، أظنه كان فخا، أو سرابا.. وجدت نفسي متسمرا، أمام المرآة، لا أدري كيف كانت ملامحي حينها، حاولت جاهدا، أن أشعر بما يدور بداخلي هذه اللحظة، ركود تام مثل بحيرة لم يرتادها من أن قذفها الله على الأرض.

(7)

إذًا، هذه هي المرآة، الكائن المرعب، الغول الذي يبتلع وجوهنا، ويشوه ملامحنا، لا مفر منها، سأفتح عينيَّ دفعة واحدة، أخذت نفسا، عميقا.. هيأت مخيلتي للأسوأ، وقفت كجذع سرو لا يضيره ريح أو عاصفة. استجمعت شجاعتي، صرت أعد الثواني، أتنفس بقوة حصان لاهث، كلما هممت بفعلها، يزجرني شعور كثيف: اركض بعيدا، حيث لا مرايا.

لا مفر هذه المرة، أرجع من جديد أستجمع شجاعتي، أقف ثابتا، أسحب نفسا، يملئ زوايا جسدي، يخفق كطبلٍ مجوف تعبره زوبعة، يتصبب العرق حاراٍ كأن رأسي موقد نار، وجبيني شلال ينهمر من غيمة صيفية.

أرجع مرة أخرى، دون مقدمات، ودون أن أستجمع شجاعتي ودون أن آخذ نفسا، كما في كل مرة، وقف أمم المرأة بهزل صريح، وجسد متهالك كبيت أصابته حرب طائشة، اقتربت منها، جعلت وجهي يلتصق بها، رطوبة أنفاسي تترك طبقة ضباب رقيق على متنها، فجأة فتحت عينيَّ على وسعهما مثل رجل أفتق من كابوس، لم أجد أحدا، أمامي، لم أرَ شيئا، قط!