الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

لا شيء يبقى على حاله..

Author
وحيد حمود 21 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

الواقفون في الخارج، مُطرقو الرّؤوس، طارقو الأبواب، المادّون أياديهم لكلّ شيء، المنتظرون دائمًا، الفارغون من كلّ شيء، الذين لو رأوا بعوضةً متعرّية لأجلسوها في نزواتهم وأفرغوا منها دمها مصًّا ولعقا. صفِّقوا لهم!

قال الرجل الواقف على المنبر، ووزّع ابتسامةً أنبتت أوركسترا متصاعدة شيئًا فشيئًا من الضحكات الخافتة، ثمّ انهالت الصّيحات ترافقها طقطقة الأيادي وهي تضرب بعضها البعض.

واسمحوا لي أن أستضيف الرجل الساحر الساخر الذي استطاع أن يحطّم الأرقام كلّها في عمليّات الغشّ المجيدة وشهادات الزور الرشيدة. أضاف وهو يحكّ أنفه بحركةٍ سريعة.

تقدّم من أقصى زاوية في المسرح رجلٌ يملك أذنيْ خفّاش؛ تحمل واحدةٌ تردّدات صحن عربسات والأخرى النيل سات. وصل إلى خشبة المسرح فاعتلاها وسط تصفيقاتٍ حارّة يقوم بها الجمهور المشدوه نحوه، ثمّ اعتلى المنبر ووقف مخاطبًا الجمهور:

– لقد سرّني كثيرًا هذا الفوز الذي لم أكن لأحظى به لولا تصويتكم لي. أعزّائي، أنتم الأصل في كلّ ما قد أحصل عليه من ألقاب، لقد حطّمتُ الأرقام القياسيّة بفضلكم، إنّني جعلت الكلمة التي أسمعها طبلًا كبطن هذا الرجل هنا أمامي.

أشار بيده نحو أحدهم فانفجرت الضحكات تعلو وتعلو. ثمّ راح يشير نحو أذنيه وأردف يقول: وانظروا إلى هاتين الأذنين، إنّ الكلمات تسرح وتمرح فيهما فتخرج الواحدة مزيّنة، موقّرة، فتُحدث شرخًا بين اثنين متحابّين، وتفرّق بين عائلتين وتحوّل الشريفة إلى عاهرة والمجرم تحوّله بريئا. لقد عملت بجهدٍ وكدّ على أن أقلب الحقّ باطلًا والباطل حقّا، ولا أنكر فضلكم عليّ، فأنتم العون لي، وبكم ولأجلكم أستمرّ.

انحنى أخيرًا أمام هتافات الجمهور وتسلّم كأسًا لوجه عفريتٍ ضاحك.

عاد الرجل عرّيف الحفل إلى منبره وبدأ بالترحيب مجدّدًا بالحشد الكبير الذي ملأ الصالة، ثمّ شرع يتحدّث قائلًا:

– والآن سيداتي سادتي، دعوني أقدّم لكم ممثّل الشيطان من الإنس وهي جائزةٌ استحدثناها من أجل ألّا ننكر فضل النّاس الذين يعملون بجهدٍ من أجل إعلاء كلمة الباطل وتغليفها بزخرفةٍ جماليّة، فقد تعبنا كثيرًا في تشويه الحقائق وارتأينا أنّه لا بدّ من صياغتها ضمن قوالب جماليّة تشدّكم إليها أعزّائي، وتلهيكم عمّا جبلتم عليه من عادات زائفة، وقد ساعدتمونا كثيرًا إذ إنّكم قد تقبّلتم تلك القوالب بوقتٍ قصير، وكنتم خير متلقٍّ للكلمات من دون فحصها والبحث عنها. والآن أقدّم لكم ممثّل الشيطان لهذا العام.

خرج من بين الجمهور شابٌّ بثيابٍ أنيقة ووجهٍ برّاقٍ ليس فيه عيب، يمتلك وسامةً قلّ نظيرها بين أقرانه من الشباب. وقف أمام المنبر، وانحنى للتصفيق الحارّ الخارج من مقاعد الجالسين، ثمّ بدأ كلمته:

– أنتم الأصل، ولولا وجودكم لما كنت ها هنا اليوم، واقفًا أمامكم أتسلّم جائزتي، الفضل لكم في كلّ ما صرت إليه، لقد منحتموني ثقتكم في أقوالي، وأعدكم بأنّني سأبذل قصارى جهدي من أجل تحطيم كل ما آمنتم به على مرّ السنوات، إنها البداية ليست إلّا. دمتم مصدّقين غير مشكّكين ودمت شيطانكم المفضّل.

انتهى الحفل وركض الجمهور من أجل أخذ الصور التذكارية مع الفائزين.

وأنا أليس لي كلمة أقولها؟ صحت بالناس في آخر الحفل وكنت قد سقطت فجأةً من غفوة بكمٍ ألمّت بلساني.

لم يلتفت إليّ أحد، بل إنّ الناس كانوا يتقدّمون عن يميني وعن يساري فتلتقي أكتافهم بأكتافي من دون أن ينتبه إليّ أحد. صحت مجدّدًا، ولكنّ صدى صوتي عاد إليّ إذ كانت الصالة قد فرغت تمامًا وصرت وحيدًا.

وقفت أمام المنبر وقلت: أعزّائي، أنتم الأصل، كلّ ما حصل هو بفضلكم، لا شيء لديّ لكي أقوله، لكنّي متأكّد أن لا شيء يبقى على حاله.