السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

لبنان أمام اختبار الردع.. هل تنجح الدبلوماسية في احتواء التصعيد؟

Author
بثينة صايفي 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لإعادة تثبيت وقف إطلاق النار بجنوب لبنان، يواصل الكيان الصهيوني التنصل من التفاهمات والاتفاقيات التي شكلت أساس التهدئة خلال الأشهر الماضية، فبدلاً من الالتزام بمقتضيات وقف الأعمال العدائية والانسحاب من المناطق التي توغلت فيها، شهدت الساحة اللبنانية تصعيدا عسكريا متواصلا ترافق مع عمليات توغل واستهدافات متكررة، ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل المسار التفاوضي وجدوى الضمانات الدولية.

هذا الواقع أعاد إلى الواجهة النقاش حول مدى التزام الكيان الصهيوني بالاتفاقات المبرمة والقرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701، في وقت يرى فيه مراقبون أن التصعيد الميداني بات يُستخدم لفرض وقائع جديدة على الأرض وتحسين شروط التفاوض.

 

تصعيد يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية

وفي هذا السياق، يذهب الباحث السياسي، فوزي أبو ذياب، إلى أن ما تشهده الساحة اللبنانية من تطورات عسكرية متسارعة لم يعد يندرج ضمن نمط “الاشتباك التقليدي” الذي اعتادت عليه الجبهة في السنوات الماضية، بل يمكن قراءته كتحوّل نوعي في قواعد المواجهة نفسها.

فوزي بوذياب كاتب وباحث سياسي
فوزي بوذياب كاتب وباحث سياسي

فبحسب هذا الطرح، لم تعد عمليات جيش الاحتلال الصهيوني محصورة في نطاق الردود الموضعية أو الاشتباكات الحدودية المحدودة، أو حتى الإجراءات الأمنية ذات الطابع التكتيكي، بل باتت تتخذ طابعا أكثر اتساعا وارتباطا برؤية استراتيجية أشمل، هذه المقاربة الجديدة، كما يوضح، تقوم على تجاوز حدود الاحتواء العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الميدانية بما يخدم أهدافا سياسية وأمنية بعيدة المدى.

ويضيف أن طبيعة الأهداف التي يتم استهدافها، إلى جانب اتساع نطاق العمليات وشدتها، تعكس توجها نحو فرض وقائع جديدة على الأرض، بما يسمح بإعادة صياغة قواعد الاشتباك ذاتها وليس فقط تطبيقها، وهذا ما يجعل التصعيد الحالي، في نظره، أقرب إلى محاولة لإعادة هندسة موازين القوى في المنطقة عبر الأدوات العسكرية، بدل الاكتفاء بإدارة الصراع ضمن حدوده التقليدية.

 

المفاوضات تحت ضغط الميدان

في موازاة هذا التصعيد العسكري، تتقدّم إلى الواجهة مسارات تفاوضية تقودها الولايات المتحدة في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه نحو مواجهة أوسع، غير أن الباحث السياسي، فوزي أبو ذياب، يرى أن هذه التحركات لا تنفصل عن دينامية الميدان، بل تتأثر بشكل مباشر بما يُفرض عليه من وقائع عسكرية متغيرة.

ويشير في هذا السياق إلى أن الكيان الصهيوني يتعامل مع المسار التفاوضي باعتباره امتدادا للأداة العسكرية وليس بديلا عنها، حيث تعمل على توظيف التصعيد الميداني كوسيلة ضغط محسوبة تهدف إلى تحسين شروطها على طاولة التفاوض، فكل تقدم عسكري، وفق هذا المنظور، يُترجم إلى مكسب سياسي محتمل يُراد تثبيته قبل الانتقال إلى أي تسوية نهائية.

ويضيف أن هذا النهج يقوم على فرض إيقاع تفاوضي غير متكافئ، تُستثمر فيه عناصر التفوق العسكري والدعم الدولي الذي تحظى به تل أبيب، بما يسمح لها بتعزيز أوراقها التفاوضية ورفع سقف مطالبها، وفي المقابل، يجد الطرف اللبناني نفسه في موقع أكثر تعقيدا، في ظل محدودية الدعم السياسي والضغوط الاقتصادية والأمنية المتراكمة، ما يضعف قدرته على التأثير في مسار التفاوض بالشكل المطلوب.

وبين هذا التصعيد على الأرض والحراك الدبلوماسي في العواصم المعنية، تبدو العملية التفاوضية، وفق قراءة الباحث، أقرب إلى توازن هش تُصاغ ملامحه تحت ضغط الميدان أكثر مما تُحدد وفق منطق الحلول السياسية التقليدية.

 

التوغل جنوبا ورسائل السيطرة الاستراتيجية

ويعدّ تجاوز القوات الصهيونية لمناطق كانت تشكل سابقا خطوطا فاصلة في الجنوب اللبناني مؤشرا على تغير أهداف العملية العسكرية، ويلفت أبو ذياب إلى أن السيطرة على مواقع مرتفعة ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدمتها قلعة الشقيف في أرنون، تمنح جيش الاحتلال أفضلية ميدانية تسمح بمراقبة مساحات واسعة من الجنوب والبقاع الغربي، وهو ما يعكس توجها يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة نحو تثبيت حضور طويل الأمد في نقاط حيوية.

في موازاة التحركات البرية، عادت التهديدات الصهيونية لتطال العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، وهو ما يراه الباحث جزءا من استراتيجية تهدف إلى ممارسة ضغط نفسي وسياسي على السلطات اللبنانية، فضلاً عن محاولة التأثير على البيئة الحاضنة لـ”حزب الله” وإرباك الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد.

ويؤكد أبو ذياب أن المشهد اللبناني لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية الأوسع، ولا سيما التعثر الذي تشهده الاتصالات بين واشنطن وطهران، فكلما تراجعت فرص التفاهم بين الطرفين، ازدادت احتمالات استخدام الساحات الإقليمية، ومنها لبنان، لتحسين شروط التفاوض أو تبادل الرسائل السياسية والأمنية، ومن هذا المنطلق، يرى أن التطورات اللبنانية ترتبط بشكل وثيق بمسار التوازنات الإقليمية الجارية.

 

معادلات ردع جديدة ومخاوف من اتساع المواجهة

ويشير الباحث إلى أن تبادل التهديدات بين الكيان الصهيوني من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، أفرز معادلات ردع جديدة رفعت مستوى التوتر في المنطقة، ويضيف أن هشاشة هذه المعادلات تجعل أي فشل في المسارات التفاوضية المرتقبة عاملاً قد يدفع نحو مزيد من التصعيد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اتساع رقعة المواجهة إقليميا.

وبحسب أبو ذياب، يعتمد الكيان الصهيوني سياسة تقوم على الجمع بين العمل العسكري والتفاوض في الوقت نفسه، بهدف دفع الجانب اللبناني إلى القبول بترتيبات أمنية تتجاوز ما نصت عليه القرارات الدولية السابقة، في المقابل، يتمسك لبنان بموقف يعتبر أن وقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الصهيونية من المناطق التي توغلت فيها يشكلان المدخل الأساسي لأي تفاوض جدي حول مستقبل الوضع الأمني في الجنوب.

وفيما يتعلق بمستقبل القرار الأممي 1701، يرى الباحث أنه لا يزال الإطار الأكثر قابلية لضمان الاستقرار على المدى البعيد، غير أن تطبيقه الكامل يواجه تحديات عملية عديدة، فتمكين الجيش اللبناني من الاضطلاع بدوره بشكل حصري في الجنوب يتطلب موارد بشرية وتجهيزات عسكرية ودعما ماليا ولوجستيا لا تزال المؤسسة العسكرية بحاجة إليه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

 

الجيش اللبناني والحاجة إلى دعم دولي

ويلفت أبو ذياب إلى أن أي ترتيبات أمنية أو تسويات مستقبلية لن يكون لها معنى عملي، ما لم تُبنَ على قاعدة أساسية تتمثل في تعزيز دور الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطته الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، فالمسألة، بحسب قراءته، لا تتعلق فقط بالإرادة السياسية، بل بقدرة المؤسسة العسكرية على ترجمة هذه الإرادة إلى حضور ميداني فعّال يضمن ضبط الوضع الأمني ومنع انفلاته.

ويؤكد أن هذا الدور يبقى مشروطا بتوفير دعم دولي وعربي مستدام، يتجاوز الطابع الظرفي أو المرتبط بالأزمات، ليأخذ شكل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقوية بنية الجيش اللبناني من حيث التمويل والتجهيز والتدريب، إضافة إلى توفير الغطاء السياسي الذي يعزز شرعيته ودوره كمرجعية أمنية وحيدة على الأرض.

ويضيف أن غياب هذا الدعم الشامل من شأنه أن يترك فراغا أمنيا قد يُستغل من قبل أطراف مختلفة لفرض ترتيبات ميدانية خارج إطار الدولة، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لمبدأ السيادة اللبنانية ووحدة القرار الأمني، لذلك، فإن أي مسار استقرار مستقبلي، وفق هذا الطرح، يمر حتما عبر تقوية الجيش باعتباره العمود الفقري للدولة وأداة تنفيذ سيادتها.

وبين الحاجة إلى إعادة ضبط المشهد الأمني من جهة، وضغط التطورات الميدانية من جهة أخرى، يبرز الجيش اللبناني، في رؤية الباحث، كعنصر توازن أساسي، لكن فاعليته تبقى رهينة مدى توفر إرادة دولية حقيقية تضع استقرار لبنان ضمن أولوياتها الفعلية، وليس فقط ضمن بيانات الدعم السياسي.

 

لبنان أمام مرحلة حاسمة

في ضوء هذا المشهد المعقد، يخلص الباحث السياسي، فوزي أبو ذياب، إلى أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية تتسم بقدر عالٍ من الحساسية والتشابك، حيث لم تعد التطورات محصورة في بعدها العسكري فحسب، بل باتت تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والإقليمية والدولية ضمن سياق واحد شديد الاضطراب.

فمن جهة، يتسع نطاق المواجهة على الأرض بما يعكس تراجعا تدريجيا في فرص التهدئة أو العودة إلى قواعد اشتباك مستقرة، ومن جهة أخرى تتكثف الجهود الدبلوماسية لمحاولة احتواء التصعيد ومنع انزلاقه نحو مواجهة شاملة، إلا أن هذه الجهود، بحسب قراءته، تبدو حتى الآن عاجزة عن فرض إيقاع سياسي قادر على ضبط الدينامية الميدانية المتسارعة.

ويشير إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في غياب التوافقات، بل في طبيعة اللحظة الإقليمية ذاتها، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الاعتبارات الاستراتيجية الكبرى، ما يجعل أي تسوية محتملة رهينة موازين قوى غير مستقرة ومتغيرة باستمرار.

وبناءً على ذلك، يطرح الباحث تساؤلاً جوهريا حول مستقبل المسار التفاوضي: هل يمكن أن ينجح فعلاً في وقف التصعيد وإعادة إحياء منطق الحلول السياسية التقليدية، أم أنه سيتحول إلى مجرد إطار شكلي يُستخدم لتمرير تحولات ميدانية أعمق قد تُفضي إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وموازين القوى في لبنان والمنطقة ككل؟

وفي كل الأحوال، يخلص الباحث السياسي إلى أن المرحلة الراهنة تضع لبنان أمام منعطف تاريخي، تتحدد ملامحه بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على ضبط التصعيد أو تركه يتطور نحو مسارات أكثر تعقيدا وغير محسوبة النتائج.