الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

لبنان.. الطفولة تحت الإبادة اليومية

Author
بثينة صايفي 18 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظلّ التصعيد العسكري المستمر للحرب التي يشنّها الاحتلال الصهيوني على لبنان، تتكشّف فصول مأساة إنسانية يعيشها المدنيون يوميا، ويقع الأطفال في قلبها بوصفهم الفئة الأكثر ضعفا وتأثّرا، فمع تزايد الغارات والقصف على مناطق متفرقة، اضطرت آلاف العائلات إلى ترك منازلها والنزوح نحو مناطق أكثر أمانا.

هذا الواقع القاسي غيّر تفاصيل الحياة اليومية لأطفال لبنان، وجدوا أنفسهم فجأة بعيدين عن مدارسهم وأصدقائهم وألعابهم، فبدلا من مقاعد الدراسة وساحات اللعب، باتت الخيام والملاجئ المؤقتة مكانهم الذي يقضون فيه أيامهم، في ظل ظروف معيشية صعبة ونقص في الخدمات الأساسية، علاوة على آثار نفسية عميقة نتيجة أصوات الانفجارات ومشاهد الدمار والنزوح المتكرر.

علي فاهم

وفي هذا السياق يشير الكاتب والإعلامي، علي فاهم، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الحرب التي فرضتها “إسرائيل” على لبنان تسببت في موجة نزوح واسعة من المناطق الجنوبية، ووفقا لتقارير صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، قد يصل عدد النازحين إلى نحو مليون شخص، اضطروا إلى الانتقال نحو مناطق أكثر أمنا في الشمال وداخل مدن مثل صيدا وبيروت، إضافة إلى مناطق أخرى بعيدة عن الاستهداف الصهيوني، مؤكدا أن هؤلاء النازحين تركوا خلفهم منازلهم وأثاثهم وذكرياتهم وحياتهم اليومية، حاملين معهم فقط ما تمكنوا من أخذه على عجل.

وحول معاناة النازحين، يؤكد فاهم أن المأساة لا تتوقف عند مغادرة البيوت والقرى، بل تتفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، وقد ازدادت هذه الأزمة تعقيدا بعد إعلان حزب الله دعمه لغزة، وهو ما دفع الحزب إلى دفع أثمان كبيرة من قياداته، على رأسهم الأمين العام حسن نصر الله. وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، تتراجع فرص حصول النازحين على مساعدات كافية، خاصة أن كثيرا منهم اضطروا إلى المغادرة دون أن يتمكنوا من أخذ سوى ما خفّ حمله.

وأشارت اليونيسف إلى أنه مع استمرار الغارات في أنحاء لبنان، تضطر آلاف العائلات والأطفال الخائفين إلى الهروب من منازلهم بحثا عن الأمان في مراكز إيواء مكتظة. ولفتت إلى أنها موجودة على الأرض لتقديم الرعاية الصحية، والدعم النفسي والاجتماعي، والمياه الآمنة، والمساعدات الطارئة للأطفال والعائلات الأكثر احتياجا لها. وقالت اليونيسف إن أطفال لبنان لا يحتملون المزيد من الانتظار، مؤكدة أن الحاجة ملحّة إلى تكثيف الجهود لتهدئة الوضع ومنع المزيد من الأذى الذي قد يلحق بالأطفال، وختمت بأن حماية الأطفال يجب أن تكون أولوية الآن.

 ارتفاع الإيجارات وظروف معيشية قاسية

كما يلفت فاهم إلى أن النازحين يواجهون صعوبات كبيرة في العثور على سكن مناسب، بسبب الارتفاع الكبير في إيجارات الشقق، حيث يطلب بعض المالكين مبالغ مرتفعة أو دفع عدة أشهر مقدما، وهو ما يفوق قدرة معظم العائلات النازحة، وقد دفع ذلك بعضهم إلى التفكير بالعودة إلى مناطقهم رغم المخاطر، مفضلين الموت في بيوتهم على البقاء بلا مأوى، أما الغالبية فقد اضطرت إلى نصب خيام مؤقتة في الشوارع لا توفر حماية كافية من البرد أو الرياح أو المطر، فيما لجأت عائلات أخرى إلى المبيت داخل سياراتها الضيقة التي لا تتسع أصلا لاحتياجاتهم الأساسية.

وفي السياق السياسي، ينبّه فاهم إلى مواقف أثارت جدلا واسعا داخل لبنان، من بينها قرار رئيس بلدية بيروت منع بعض العائلات النازحة من البقاء في منطقة الرملة البيضاء الساحلية، مبررا ذلك بالحفاظ على المظهر السياحي للمنطقة، كما أشار إلى تصريحات أخرى دعا فيها إلى ترحيل النازحين عبر السفن إلى دول أخرى، وهو ما اعتبره فاهم مؤشرا على تصاعد التوترات الداخلية في ظل ظروف الحرب.

ورغم هذه التحديات، يؤكد فاهم أن هناك مستوى كبيرا من الصمود والصبر لدى كثير من العائلات النازحة، إضافة إلى وجود مبادرات إنسانية لدعمهم، ويشير إلى أن جمعيات خيرية ومؤسسات مدنية في العراق وعدد من الدول الأوروبية، بدأت بجمع التبرعات المالية والعينية لإرسالها إلى لبنان لمساعدة النازحين، معربا عن أمله في أن تتوسع هذه المبادرات لتشمل دولا أخرى، معتبرا أن تقديم الدعم الإنساني للنازحين يمثل واجبا أخلاقيا وإنسانيا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.

طلعت طه

من جهته، يرى الإعلامي والمحلل السياسي، طلعت طه، أن الحرب التي تشنها “إسرائيل” على لبنان تركت آثارا عميقة على المجتمع اللبناني بأكمله، مؤكدا أن البلاد تواجه ما يشبه مرحلة احتلال جديدة قد تستمر لسنوات.

وعلى الصعيد الميداني، أشار طه إلى أن “إسرائيل” استدعت نحو 450 ألف جندي من قوات الاحتياط، تم نشرهم على الحدود مع لبنان، مع تنفيذ عمليات توغل محدودة وعمليات عسكرية مركزة في الجنوب اللبناني.

وبالتوازي مع هذه العمليات، تعرّض سكان الجنوب لضغوط كبيرة أجبرتهم على مغادرة مناطقهم، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة شملت مئات الآلاف من العائلات. ويؤكد طه أن النزوح بات يشكل تهديدا مباشرا لاستقرار الأسر اللبنانية، إذ يقدَّر عدد النازحين بأكثر من 850 ألف شخص، يعيش كثير منهم في ظروف قاسية في العراء بسبب عدم قدرتهم على استئجار مساكن، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في الإيجارات والظروف الاقتصادية الصعبة، كما أن اندلاع الحرب بشكل مفاجئ جعل كثيرا من العائلات تغادر منازلها دون استعداد مسبق، الأمر الذي فاقم من معاناتها الإنسانية.

 الأطفال الضحية الأكبر للحرب

وحول معاناة الأطفال وسط هذه الحرب، أوضح طه، أن الأطفال يظلون الضحية الأكبر في الحروب، لأنهم الفئة الأكثر هشاشة والأقل قدرة على حماية أنفسهم، أو فهم ما يحدث حولهم، ففي خضم القصف والدمار والنزوح القسري، يجد الأطفال أنفسهم فجأة في بيئة مليئة بالخوف وعدم الاستقرار، بعد أن كانت حياتهم تدور حول المدرسة واللعب والأسرة وتتحول أيامهم إلى سلسلة من اللحظات المقلقة، التي يطغى عليها صوت الانفجارات، وفقدان الأصدقاء أو الأقارب، والانتقال المتكرر من مكان إلى آخر بحثا عن الأمان.

وبحسب ما نقل عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن طفلا واحدا يفقد حياته يوميا نتيجة تداعيات الحرب والنزوح، وهو رقم يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يتحمل الأطفال العبء الأكبر منها، إذ الكثير منهم لا يواجهون فقط خطر الموت أو الإصابة، بل أيضا نقص الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، ما يهدد مستقبلهم ويجعلهم عرضة لمزيد من المخاطر والاستغلال.

ويضيف طه، أن آلاف الأطفال يعيشون في حالة خوف دائم، حيث يفقدون الإحساس بالأمان والاستقرار الذي يحتاجونه في مراحل نموهم الأولى، وقد تترك هذه التجارب القاسية آثارا نفسية عميقة، مثل القلق المستمر والكوابيس واضطرابات السلوك، وهي آثار قد ترافقهم لسنوات طويلة وربما طوال حياتهم، لذلك يؤكد أن حماية الأطفال في زمن الحرب ليست مجرد واجب إنساني، بل ضرورة ملحّة للحفاظ على جيل كامل من الضياع، وضمان إمكانية إعادة بناء المجتمع في المستقبل

وختم طه حديثه بالقول، إن آلاف الأطفال يعانون اضطرابات نفسية نتيجة مشاهد العنف والقصف المستمر، إضافة إلى ظروف النزوح الصعبة التي تحرمهم من الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، ويجعل هذا الواقع الأطفال أكثر عرضة للانهيار النفسي، في وقت تسجل فيه وزارة الصحة اللبنانية أكثر من عشرة آلاف مصاب جراء الحرب، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها لبنان، حيث يدفع الأطفال الثمن الأكبر لهذا الصراع.