الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

لسان حال المرشد الإيراني الجديد.. “من كان يمكن التفاوض معه قد مات”

Author
ربيعة خطاب 10 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ظنت الولايات المتحدة و«إسرائيل»، أن اغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، سيدخل إيران في فراغ سياسي يمهّد لإضعافها، وربما لتغيير نظامها، وفق ما يشاء أعداؤها، ما ظهر منهم وما بطن. لكن الجمهورية الإسلامية ردّت بقوة، مستهدفة منشآت أمريكية استراتيجية، ومُلقية بحمم من نار صوب العمق الصهيوني، وفي الوقت نفسه، سارعت لتثبيت قيادتها وبايعت آية الله مجتبى خامنئي: شخصية أكثر تشدّدا وأقلّ ميلا للتسويات. اليوم، يبدو أن لسان حال الأعداء – الذين يفتقرون لأبسط قواعد الحرب – يقول: «قتلنا الرجل الذي كان يمكن أن نجلس معه للتفاوض».

 في الساعات الأولى التي تلت الضربة الصهيونية على طهران، والتي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فيفري، بدا المشهد في واشنطن و”تل أبيب” وكأنه انتصار مؤكد. فقد ظن الحليفان أن القضاء على رأس النظام الإيراني سيدخل الجمهورية الإسلامية في فراغ سياسي يمهّد لإضعافها وربما لتغيير قيادتها وفق مزاج الغرب. إلا أن الأيام التالية قلبت المعادلة رأسا على عقب. فسارعت إيران لتثبيت قيادة جديدة، وأطلقت ردودها العسكرية الموجعة مستهدفة “تل أبيب”، إلى أن بايعت – أمس الاثنين – مرشدا أعلى جديدا، هو آية الله مجتبى خامنئي، في خطوة أعادت تأكيد تماسك النظام، في مشهد يوحي بأن الضربة الصهيونية تحولت إلى نكسة على مطلقيها.

وبينما تتجه الأنظار إلى شخصية المرشد الجديد، التي يراها معظم المحللين أكثر صرامة وأقل ميلا للتسويات، يبدو أن لسان حال خصوم إيران اليوم يقول: “لقد قتلنا الرجل الذي كان يمكن أن نجلس معه إلى طاولة التفاوض”، خاصة مع تفاقم الأوضاع في البيت الغربي، ما يجعل أي أفق للحلول التفاوضية مستقبلا قد تم غلقه باغتيال المرشد الأب.

لكن مهلا، فليس كل شيء يسير وفق توقعات خصوم إيران. يسجل التاريخ الحديث سابقة خطيرة تمثلت في اغتيال زعيم شرعي لدولة بضربة صاروخية مباشرة نفذتها “إسرائيل”، في خطوة كسرت الخطوط الحمراء التي كانت تضبط سلوك الجيوش أثناء الحروب. هذا يعني أن أعداء طهران قد يكونون مستعدين لاستهداف المرشد الجديد بلا تردد، متجاوزين كل الأعراف والأخلاقيات العسكرية. وهكذا، فإن الجمهورية الإسلامية، تدرك – بلا شك – أنها تواجه خصوما يفتقرون لأبسط قواعد الحرب، ما يجعل الحذر واجبا.

في واشنطن، لم يتأخر التصعيد الكلامي. إذ هاجم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام تعيين آية الله مجتبى خامنئي خلفا لوالده، واصفا إياه بأنه “ليس التغيير الذي نبحث عنه”، في تصريح حمل تهديدا صريحا بلغة إجرامية، وفي السياق ذاته، ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أبعد من ذلك حين صرّح بأن المرشد الأعلى الجديد “لن يدوم طويلا” من دون موافقة الولايات المتحدة.

منطق المافيا

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقا: هل باتت الولايات المتحدة، على غرار “إسرائيل”، تستخدم الاغتيال والاختطاف كأدوات سياسية رسمية لفرض إرادتها في النظام الدولي؟ منطق يبدو أقرب إلى أسلوب المافيا منه إلى سلوك الدول: تختطف قادة لا ينسجمون مع إرادتها، كما فعلت مع نيكولاس مادورو، وتقتل آخرين، كما فعلت “إسرائيل” مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي. وفي الحالتين، تحمل الرسالة المعنى نفسه: من يرفض شروط القوة يدفع الثمن.

حكمت شحرور

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي حكمت شحرور – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن قراءة ما جرى في إيران لا تنفصل عن البعد النفسي والسياسي داخل بنية النظام، موضحا أن استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي لا يمثل مجرد خسارة قائد سياسي، بل فقدان شخصية رمزية ارتبطت بتاريخ الجمهورية الإسلامية لعقود.

ويشير شحرور إلى أن الصورة المتداولة عن المرشد الجديد مجتبى خامنئي في كثير من التحليلات توحي بشخصية أكثر تشددا وأقل ميلا للتسويات، وهو ما يطرح – برأيه – معضلة سياسية حقيقية أمام القوى الغربية. فبحسب تعبيره، إذا كان خصوم إيران قد قتلوا الرجل الذي كان يمكن أن يفتح باب التفاوض، ما سمح باعتلاء مجتبى سدة الحكم وهو الأقل استعدادا لتقديم تنازلات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: مع من سيتفاوض الغرب؟ ويرجّح شحرور أن الصدمة التي خلّفها اغتيال المرشد السابق علي خامنئي على مراكز القرار في طهران، قد دفعت إلى مزيد من التشدد والقسوة ضد أعداء طهران.

انقلاب السحر على الساحر

صحيفة “نيويورك تايمز”، كشفت – في وقت سابق – أن الضربة الصهيونية التي استهدفت طهران قتلت المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين كانت الولايات المتحدة تعول عليهم للتفاوض لإنهاء الحرب. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الضربة الأولى التي استهدفت مجمعا حكوميا في وسط طهران، أدت أيضا إلى مقتل مسؤولين إيرانيين صنفهم البيت الأبيض بأنهم الأكثر استعدادا للتفاوض مقارنة برؤسائهم، حيث كانوا يجتمعون في جزء آخر من المجمع نفسه، فيما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دعا بعد الهجوم إلى انتفاضة شعبية في إيران ضد قادة البلاد.

وبحسب المعايير العسكرية، شكّل وابل الصواريخ الصهيونية الذي استهدف المجمع الحكومي صباح السبت 28 فيفري ضربة افتتاحية – بدت للوهلة الأولى وكأنها انتصار كبير – في المواجهة مع إيران. غير أن تداعيات الضربة كانت أكثر تعقيدا، إذ تبين أن بين القتلى شخصيات كان من الممكن أن تساهم في الحوار وإنهاء الصراع بسرعة. ويعكس الهجوم على المجمع واقع الأسبوع الأول من الحرب، الذي اتسم بالغموض والتناقض: فعلى الرغم من الحملة الجوية العنيفة، بقيت الأسئلة مفتوحة حول ماهية النصر المنشود، وظلت الحكومة الإيرانية قائمة ومتحدية، بل ووسعت نطاق العمليات في المنطقة، ما أسفر عن سقوط أول ضحايا للقوات الأجنبية المشاركة في النزاع.

وفي الوقت الذي حاول فيه كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية حصر أهداف الحرب في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، قدم ترامب تفسيرات متباينة ومتغيرة لأهدافه؛ فتارة دعا إلى انتفاضة شعبية، وتارة أشار إلى عدم اكتراثه بمستقبل إيران بعد انتهاء الحملة، ثم أعلن لاحقا عزمه المشاركة مباشرة في اختيار الزعيم الإيراني المستقبلي، محذّرا من توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق ومجموعات لم تكن مستهدفة سابقا.

وتعكس هذه الروايات المتغيرة حالة التخبط التي يعيشها الرأي العام الأمريكي المعارض للحرب على نطاق واسع، وفق استطلاعات الرأي، وسط اتساع رقعة العنف وارتفاع أسعار النفط وصدمات اقتصادية أخرى قد تزيد المتاعب السياسية لترامب والجمهوريين في عام انتخابي.

وشهد الأسبوع الأول للحرب أحداثا فارقة، منها تدمير غواصة أمريكية لسفينة معادية باستخدام طوربيد لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، واستخدام البنتاغون الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اختيار الأهداف. وتكشف مقابلات مع العشرات من المسؤولين في الولايات المتحدة و”الكيان” وإيران والدول العربية أنه رغم التفوق العسكري الأمريكي والصهيوني الساحق في الأيام السبعة الأولى، فإن العنف المتأجج في المنطقة قد يسفر عن نتائج بالغة الخطورة.

نبيل العتوم

القوة السيادية تواجه إرهاب الدولة الأمريكي

المحلل السياسي نبيل العتوم يدعو – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – إلى قراءة المشهد بعيدا عن التركيز على الأشخاص فقط. فالنظام السياسي في إيران – بحسب رأيه – بُني منذ الثورة الإسلامية الإيرانية على شبكة متداخلة من المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية، ما يمنحه قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب صفوفه. ويضيف العتوم أن التجربة الإيرانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الاختراقات الأمنية والضغوط الخارجية لم تنجح في كسر تماسك الدولة أو تعطيل آليات اتخاذ القرار فيها، لأن استمرارية النظام تعتمد على منظومة مؤسسات مترابطة أكثر مما تعتمد على شخص واحد.

حسين الأسعد

ومن زاوية قريبة، يرى المحلل السياسي حسين الأسعد أن انتقال القيادة في إيران يجب فهمه في إطار استمرارية الدولة وثبات نهجها الاستراتيجي، لا باعتباره تحوّلا مفاجئا في مسارها السياسي. ويؤكد الأسعد أن الجمهورية الإسلامية قامت منذ تأسيسها على مؤسسات راسخة وآليات واضحة لانتقال السلطة، وهو ما يسمح للنظام بالحفاظ على توازنه حتى في لحظات الاستهداف الأمني أو التوتر الإقليمي. ويضيف أن إيران خلال العقود الماضية أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات الإقليمية والدولية مع الحفاظ على استقلال قرارها السيادي، مرجحا أن يستمر هذا النهج في المرحلة المقبلة، لأن ما يجري داخل البلاد يعكس – بحسب تعبيره – تماسك بنية الدولة وثقة مؤسساتها في استمرارية مشروعها السياسي.

وفي ختام المشهد، يظهر التصعيد الأمريكي المباشر ضد القيادة الإيرانية الجديدة بأقصى صوره وضوحا. فقد هاجم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام آية الله مجتبى خامنئي وهدده بالقتل، واصفا إياه بأنه “ليس التغيير الذي نبحث عنه”، متوعدا بأن المصير الذي لحق والده الراحل قد يطال ابنه أيضا، في خطاب يوضح أن عقيدة القتل أصبحت أداة معتمدة رسميا في واشنطن ضد كل من يخالفها الرأي. وفي الوقت نفسه، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المرشد الأعلى الجديد “لن يدوم طويلا” من دون موافقة الولايات المتحدة.

هادي أفقي

ويشير الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقي إلى أن هذه التهديدات تكشف الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية في التعامل مع الدول التي لا تلتزم بقواعدها. ويقول أفقي لـ”الأيام نيوز”: “تهديدات غراهام وترامب تظهر الولايات المتحدة كدولة تعتمد الاغتيال السياسي والتهديد المباشر كأدوات رسمية لفرض إرادتها في النظام الدولي… اختيار القيادة في إيران شأن سيادي داخلي، ولا يمكن لأي تهديد خارجي تغييره. هذا الأسلوب يعكس ضعفا استراتيجيا وغيابا للأخلاقيات في السياسة الأمريكية، ويزيد التوتر في المنطقة بدلا من أن يحقق الاستقرار.”

ويضيف أفقي: “إيران تواجه خصوما لا يلتزمون بأخلاق الحرب، ويستخدمون الاغتيال والتهديد كأسلحة سياسية. هذا يفرض على الجمهورية الإسلامية أن تواصل تعزيز صلابة نظامها، وأن ترد بقوة وحكمة في آن واحد. العالم اليوم لم يعد مكانا يمكن فيه فرض الإرادة بالقوة، والسيادة الوطنية والقانون الدولي أصبحت خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها بالتهديد أو الإرهاب السياسي”.