للتاريخ.. فلسطين أكبر من قضية وأرفع من علم

هي الإنسانية في ضميرها، وهي العروبة في دمها، وهي الإسلام في روحها والمسيحية في مهدها.. أرض الميعاد والعود والمواعيد التي على ميقاتها تضبط عقارب الكثير من اللقاءات السرية والعلنية، وتحدّد اللقاءات والمؤتمرات الدولية.. وهي القضية التي لا تزال أوراقها يافعة يانعة رابحة فوق كل الموائد والمكاتب والرفوف الأممية.

ولذلك، أيقن العالم بأن البشرية لن تنعم بسلام دائم وشامل، ما دامت فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم، وهي القناعة التي عبر عنها وبكل جرأة وصدق الرئيس الراحل “شافيز” بقوله؛ إذا كانت العمليات الإرهابية تستدعي منا الوقوف لحظات صمت ترحما على أرواح الضحايا، فإن فلسطين تستدعي منا الوقوف أبد الدهر ترحما وتقديرا، ليس لضحايا الهمجية الصهيونية فقط، وإنما حزنا وأسى على موت الضمير الإنساني حيال ما يتعرض له الشعب الفلسطيني الأعزل.

وللاستدلال على ذلك، نقف الآن ونستنطق التاريخ، ففي العام ثمانية وألفين -2008م- قام الإرهابيون الصهاينة بعملية إجرامية سادية ضد سكان غزة، أسموها حملة “الرصاص المنهمر”، حيث صبّوا جام حقدهم اليهودي، المتراكم من فتح خيبر، على رؤوس الأبرياء العزل من أطفال ونساء وعجزة، في مشهد “أبوكاليبتيكي” قلما عرفت البشرية أبشع منه. ولهول الجريمة وفظاعتها، اضطر مجلس حقوق الإنسان إلى تشكيل لجنة أممية لتقصي حقائق “إمكانية وقوع جرائم حرب” وتجاوزات بحق المدنيين العزل، والتي عرفت بـ”لجنة غولدستون” نسبة إلى رئيسها الجنوب إفريقي “ريتشارد غولدستون”. مهمة اللجنة كانت التحقيق في دعاوى ارتكاب جرائم حرب، قبل العدوان على غزة وخلاله وبعده..

بعد شد ومد وبيع وشراء للذمم والأصوات، أصدرت اللجنة نتائج تحقيقها في تقرير من خمسمائة وخمس وسبعين -575- صفحة، أدان كيان دولة الاحتلال بصورة واضحة وصريحة، من دون أن يغفل بعض التجاوزات المحسوبة على الفصائل الفلسطينية المسلحة. بعدما تمت مناقشة التقرير على مستوى مجلس حقوق الإنسان الأممي، سارعت القوى الغربية إلى ممارسة ضغطها خلف الأبواب على السلطة “الوطنية” الفلسطينية، ومطالبتها بضرورة سحب التقرير من جلسة المناقشة، وتأجيله إلى جلسة مارس 2010، الأمر الذي أثار تنديدًا واسعا داخل فلسطين وعلى الصعيد العربي.

بتاريخ 16 أكتوبر 2009 اعتمد تقرير بعثة تقصي الحقائق، حيث وافق عليه 25 بلدًا، وعارضه 6، وامتنع 11 بلدًا عن التصويت. وفي 6 نوفمبر من العام نفسه، صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على التقرير بأغلبية 114 صوتًا ورفض 18، بينما امتنعت 44 دولة عن التصويت.. وكانت دولة أوكرانيا التي تستجدي العالم اليوم وتبكي ظلم الروس وغطرسة بوتين، كانت دوما إلى صف دولة الكيان الصهيوني، وأما روسيا فقد كانت قد أيّدت التقرير وما ورد فيه رفقة الصين، بصفتهما عضوين دائمين بمجلس الأمن الدولي.

ظلت القضية على ما كانت عليه، تراوح مكانها، بل تزداد تقهقرا وترديا: فالصهاينة يقصفون ويقتلون ويحاصرون.. على مرأى من العالم، والعالم لا يحرك ساكنا.. خاصة والعالم العربي يتعرض لأسوأ مؤامرة سياسية وصفت مكرا بـ”الربيع العربي”، والذي لم يلبث أن تحوّل إلى شتاء عاصف مزق الأشلاء وأسال الدماء وشتّت الأوطان.. وشاءت الأقدار أن تقف الجزائر سدا منيعا لزحفه المشؤوم، بعدما راهن أعداء الأمس واليوم على سقوطها بعد سوريا، وذلك من خلال حراك جماهيري سلمي حضاري عظيم، زلزل الأرض من تحت أقدام العصب والعصابة والعصاة، من دون أن تسيل قطرة دم واحدة، وأعاد تقويم التاريخ وتصحيح المسار.

وأمام هذا السواد العربي العارم والأفق العالمي القاتم، تحرّكت الجزائر ورمت بثقلها الأخلاقي والتاريخي دبلوماسيا وسياسيا، متحدية بذلك الراهن العربي المنبطح والواقع العالمي المتآمر، لتلملم الشتات الفلسطيني الذي أوهنته الانقسامات وأضعفته الانشقاقات وأنهكته الصراعات، أمام عدو غادر قذر يتمتع بحصانة غربية غريبة.. تحركت الجزائر إذا، ومدت يدها بكل محبة وإخلاص لكل الفرقاء الفلسطينيين، وهي التي تقف على بعد مسافة واحدة من كل الفصائل والتيارات، مما زاد في صدق مسعاها ومصداقية موقفها -رغم حداثة عهد القيادة الجديدة بالسلطة المتمثلة في شخص الرئيس “تبون”- تماما، مثلما كان عليه الشأن مع مؤتمر إعلان قيام الدولة الفلسطينية العام 1988 بالجزائر.

وأخيرا، لبى الفلسطينيون بكل أطيافهم نداء الجزائر، فكان اللقاء ودار الحوار واحتدم النقاش.. واتفق الفرقاء والتأم الشمل واجتمع الشتات.. فكان إعلان الجزائر:.. وانطلاقا من المسؤولية الوطنية والتاريخية التي تقتضي إعلاء المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، والانخراط الجاد للأشقاء في جهود الجزائر، واللقاء بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في الجزائر وفي عيد استقلالها، والمحادثات التي جرت بينهما حول سبل تعزيز الوحدة الفلسطينية، عبر إنهاء الانقسام ولم شمل مختلف القوى الفلسطينية بجميع أطيافها، وتوحيد جهودها لدعم القضية العادلة وتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني.. فقد تم الاتفاق على المبادئ التالية:

  • التأكيد على أهمية الوحدة كأساس للصمود والتصدي، ومقاومة الاحتلال لتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني، واعتماد لغة الحوار والتشاور لحل الخلافات على الساحة الفلسطينية، بهدف انضمام الكل الوطني إلى منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
  • تكريس مبدأ الشراكة السياسية بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية، عن طريق الانتخابات، وبما يسمح بالمشاركة الواسعة في الاستحقاقات.
  • اتخاذ الخطوات العملية لتحقيق المصالح الوطنية، عبر إنهاء الانقسام.
  • تعزيز وتطوير دور منظمة التحرير، وتفعيل مؤسساتها بمشاركة جميع الفصائل، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

جرى كل ذلك تحت أعين القيادة الجزائرية التي كانت تضع يدها على قلبها، وقلبها على القضية، لما تحمله من تحديات آنية وآتية، إن على المستوى الإقليمي أو على الصعيد الدولي، خاصة وأن الخصوم والأعداء كلهم ظلوا يراهنون على فشل المساعي الجزائرية، ليبرروا بعد ذلك هرولتهم المخزية ومواقفهم المخذلة حيال عزة القدس وشرف القضية.

وفي تصريح للأمين العام للأمم المتحدة “أنتونيو غوتيريش” من الجزائر أثناء افتتاح القمة العربية، قال بالصريح الواضح: …اسمحوا لي أن أبدأ بالمعاناة المستمرة في فلسطين، إن موقف الأمم المتحدة واضح في هذا الشأن وهو: يجب على السلام أن يتقدم ولابد للاحتلال أن ينتهي.. وأضاف: هدفنا المشترك يبقى هو قيام دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن وأن تكون القدس عاصمة لكلتا الدولتين.. كما دعا إلى دعم الـ”أنروا” باعتبارها أساس الاستقرار الإقليمي، في ظل الأزمة المالية التي تهدّد وجودها وتؤثر على حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

وأما في آخر تصريح له فقد قال “أنتونيو غوتيريش” الأمين العام: إن إلغاء حل الدولتين في الشرق الأوسط، يؤدي حتما إلى تقويض عملية السلام في المنطقة، وسيكون لذلك تداعيات في العالم بأسره.