الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

لماذا ننجذب إلى من يختلف عنا؟.. محمد طه يشرح أسرار العلاقات المتناقضة

Author
بثينة صايفي 04 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

 

في العلاقات العاطفية، التي تتكون بين الأشخاص، قد يكون الاختلاف عامل جذب بقدر ما يكون مصدرًا للصدام، فحين يلتقي شخصان مختلفان في نظرتهما إلى الحياة، قد تنشأ بينهما مساحة للتكامل، أو تتحول العلاقة إلى محاولة مستمرة لتغيير الآخر.

وبين هذين المسارين، يطرح الدكتور محمد طه قراءة نفسية لفهم أسباب هذا الانجذاب ومآلاته.

 

سارق الحياة.. حين ينجذب المختلفون إلى بعضهم

يتحدث الدكتور محمد طه، استشاري وأستاذ الطب النفسي، عن نمط متكرر في العلاقات، يقوم على انجذاب شخصين يبدوان مختلفين بشكل واضح في شخصيتيهما وطريقة تعاملهما مع الحياة، ويكون أحد الطرفين، غالبا، شخصا منفتحا على الحياة، محبا للتجربة والمغامرة، تلقائيا ومنطلقا، لا يمنح آراء الآخرين وزنا كبيرا، ويملك طاقة عالية وأملا ورغبة في الحركة والاكتشاف.

في المقابل، يكون الطرف الآخر أكثر انغلاقا وتحفظا، لا يحب التغيير أو خوض التجارب الجديدة، ويميل إلى الحسابات الكثيرة والتردد، ويعطي رأي المجتمع وكلام الناس أهمية كبيرة، كما يكبت بداخله الكثير من مشاعر الفرح والتلقائية والطاقة.

ويؤكد طه أن هذا النموذج ليس مرتبطا بالضرورة بكون الرجل هو الطرف المنغلق والمرأة هي المنفتحة، أو العكس، وإنما هو توصيف لنمط يراه متكررا في العلاقات.

حين ينجذب شخصان مختلفان في علاقتهما بالحياة

الغريب، بحسب طه، أن هذا الاختلاف لا يمنع الانجذاب، بل قد يكون في بعض الحالات سببا في قوته، فقد يلتقي الطرفان في مناسبة اجتماعية، أو خلال العمل، أو في دورة تدريبية، أو عن طريق الأصدقاء والمعارف، ثم تنشأ بينهما كيمياء يصعب تفسيرها بالمنطق أو بمجرد التوافق التقليدي.

ويقول إن ما يجمعهما في هذه الحالة قد لا يكون مجرد اختلاف في الطباع والشخصية، وإنما اختلاف أعمق في علاقة كل منهما بالحياة، فبينما يعيش أحدهما بانفتاح وحركة وتلقائية، يكون الآخر أكثر خوفا من التجربة والتغيير، وكأنه بنى حول نفسه حدودا تمنعه من الانطلاق.

فالطرف المنفتح قد يكون مندفعا وعشوائيا أحيانا، يقول ما يخطر بباله ويخوض التجارب التي يرغب فيها، بينما يميل الطرف الآخر إلى الحساب والتأجيل والتفكير المفرط، وكأنه يخشى حتى من السماح لنفسه بالفرح.

 

الحياة والموت.. صورتان داخل النفس البشرية

يطرح طه مفهوما يرى أنه أساسي لفهم هذا النوع من العلاقات، وهو أن الإنسان لا يحمل فقط وعيا ولاوعيا، أو جوانب نفسية مختلفة، وإنما يحمل أيضا علاقة خاصة بالحياة وعلاقة أخرى بالموت.

فالسماح للنفس بالفرح والانطلاق والتجربة والتغيير والمغامرة يمثل، بحسب تصوره، علاقة بالحياة، بينما يرتبط كبت الفرح والخوف من التجربة ورفض التغيير والاستسلام واليأس بعلاقة أخرى يسميها “العلاقة بالموت”.

ويشرح أن الإنسان الذي يحتفظ بالأمل رغم الصعوبات، ويسمح لنفسه باللعب والضحك والتواصل مع الآخرين ورؤية الجمال في تفاصيل الحياة، يكون أقرب إلى علاقة حية معها. أما الشخص الذي يعزل نفسه، ويغلق أبوابه أمام الآخرين، ويرى البهجة رفاهية أو يعتبر الضحك قلة مسؤولية، فيكون أكثر اقترابا من الجانب الآخر من هذه العلاقة.

ويربط أستاذ الطب النفسي هذه الفكرة بما يسميه “الظل”، وهو المكان النفسي الذي تختبئ فيه الأجزاء التي لا يتقبلها الإنسان في نفسه أو لا يرغب في مواجهتها، إلى جانب الصدمات والذكريات المؤلمة التي لم تتم معالجتها.

ويشير إلى أن الحنان الذي يختبئ خلف القسوة، والاحتياج الذي يظهر في صورة استغناء، والحزن الذي يغطيه الشخص بخفة الدم والضحك، كلها أمثلة على أجزاء قد تبقى موجودة في هذا “الظل”.

كما يرى أن الخوف من الموت قد يظهر أحيانا في صورة رغبة شديدة في الاستمتاع بالحياة، بينما يمكن أن يظهر الخوف من الحياة في صورة تشاؤم ويأس وقمع للفرح والحركة والتلقائية.

ومن هنا، يؤكد طه أن الإنسان يحمل داخله أجزاء متعددة، قد تبدو متناقضة، وأن الوصول إلى قدر من السواء والنضج النفسي يتطلب نوعا من المصالحة والتكامل بينها.

وبحسب هذا التصور، لا تعني القوة غياب الحنان، ولا تعني الرقة غياب الحزم، كما لا تتعارض المبادرة مع التسامح، أو وضع الحدود مع القرب من الآخرين، فالهدف هو أن تتسع شخصية الإنسان لتستوعب هذه الجوانب المختلفة بدلا من إقصاء بعضها.

 

لماذا ننجذب إلى الشخص المختلف عنا؟

ومن هنا يصل طه إلى تفسيره للانجذاب بين الشخصيات المتناقضة، فالشخص الذي أغلق على نفسه الحياة قد ينجذب بشدة إلى شخص يعيش بحرية وتلقائية، ويضحك ويجرب ويسافر ويتحرك بالطريقة التي لم يسمح لنفسه بها.

وبالمقابل، قد ينجذب الشخص المندفع دائما إلى شخص أكثر هدوءا وقدرة على التمهل والحساب ووضع الحدود، لأنه يرى فيه جانبا يفتقده أو لم يسمح لنفسه بالاقتراب منه.

ويقول إن الإنسان قد يبحث، دون وعي، عن الجزء المفقود من نفسه في شخص آخر، فيقع في حب هذا الجزء عندما يراه متجسدا أمامه في شريك أو شريكة.

ويعتبر طه أن هذا يفسر أحيانا قوة الانجذاب وسرعته وعدم القدرة على تفسيره، فالإنسان، في هذه الحالة، لا ينجذب فقط إلى شخصية الآخر، وإنما قد ينجذب إلى جزء من ذاته يراه منعكسا أمامه.

ولهذا تبدو العلاقة في بدايتها ساحرة: أحدهما ينبهر بحيوية الآخر، والآخر يشعر بالأمان أمام ثبات شريكه، لكن هذه العلاقة، بحسب طه، يمكن أن تسلك مسارات مختلفة بعد مرحلة الانجذاب الأولى.

 

“سكة السلامة”.. حين يتحول الاختلاف إلى تكامل

يرى طه أن أحد المسارات الممكنة هو ما يسميه “سكة السلامة”، حين تؤدي العلاقة وظيفتها بشكل صحي، فيتعرف كل طرف من خلال الآخر على جانب كان غائبا عنه، ثم يبدأ في استعادته داخل شخصيته بدلا من محاولة امتلاكه أو إلغاء الطرف الآخر.

فالشخص المنغلق يمكن أن يتعلم أن يجرب ويفرح ويتحرك ويقول ما يشعر به دون أن يجعل رأي الآخرين حاكما على كل تفاصيل حياته، وفي المقابل، يمكن للشخص المنطلق أن يتعلم من شريكه أهمية التمهل والحساب ووضع الحدود ومعرفة متى يبدأ ومتى يتوقف.

ويشدد طه على أن التكامل لا يعني أن يتحول أحد الطرفين إلى نسخة من الآخر، وإنما أن تتسع شخصية كل منهما، فيبقى الهادئ هادئا، لكنه يصبح أكثر قدرة على الحركة والتجربة، وتبقى التلقائية موجودة لدى الطرف الآخر، لكنها تصبح أكثر قدرة على التمهل ووضع الحدود.

 

“سكة الندامة”.. حين يتحوّل الحب إلى محاولة لتغيير الآخر

أما المسار الثاني، فيتمثل في محاولة كل طرف تغيير الآخر بدلا من الاستفادة من الاختلاف في تطوير ذاته.

ويشرح طه أن الشخص قد يبدأ العلاقة محبا للصفات التي تختلف عنه، ثم يبدأ لاحقا في اعتبارها عيوبا، فيحب حيوية شريكته وتلقائيتها، ثم يصفها بالمتهورة، ويعجب بجرأتها الاجتماعية ثم يبدأ في القلق من كلام الناس وخروجها وعلاقاتها، حتى يصبح ما جذبه إليها في البداية هو نفسه مصدر الصراع بينهما.

والأمر ذاته يمكن أن يحدث من الطرف الآخر؛ فقد تحب المرأة هدوء الرجل وثباته في البداية، ثم تبدأ في وصفه بالبرود أو الجمود أو الخوف، وتحاول دفعه بالقوة إلى أن يصبح أكثر اندفاعا وحركة.

ويشير طه إلى أن العلاقة قد تدخل في دائرة مغلقة: كلما حاول أحد الطرفين دفع الآخر نحو التغيير، ازداد الطرف الثاني انغلاقا أو مقاومة، فيزداد الطرف الأول تمردا واندفاعا، وهكذا يدخل الاثنان في حلقة متصاعدة.

وبدلا من أن تساعد العلاقة الطرفين على الاقتراب من منطقة التوازن، يصبح كل منهما أكثر تطرفا في موقعه؛ أحدهما أكثر خوفا وتحكما وانغلاقا، والآخر أكثر اندفاعا وتمردا وعشوائية.

وعندها تتحول العلاقة، حسب طه، من مساحة للتكامل إلى ساحة صراع بين نمطين مختلفين من التعامل مع الحياة.

أما المسار الأخطر، فيتمثل في أن يرغب كل طرف، بشكل واع أو غير واع، في أن يبقى الآخر كما هو، لأن وجوده بهذه الصورة يسمح له هو أيضا بالبقاء في موقعه النفسي.

فقد يشتكي الرجل من اندفاع زوجته، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى بقائها كذلك حتى يستمر هو في لعب دور “العاقل”، وقد تشتكي المرأة من خوف شريكها، لكنها قد تحتاج، دون أن تدرك، إلى بقائه خائفا حتى تستمر هي في لعب دور الأكثر شجاعة.

وبهذه الطريقة، يمكن أن يصبح أحد الطرفين محتاجا إلى ضعف الآخر كي يشعر بقوته، أو إلى احتياجه كي يشعر بأنه الطرف الذي يمنح، أو إلى فوضويته كي يحافظ على صورته كشخص منظم وواقعي.

 

العلاقة الصحية.. ألا تطفئ الآخر

ويخلص طه إلى أن العلاقة بين شخصين مختلفين يمكن أن تكون فرصة للنمو إذا ساعد كل طرف الآخر على اكتشاف جوانب جديدة من ذاته دون محاولة إلغائها.

ويقول إن المطلوب ليس إطفاء الطرف الآخر أو تحويله إلى نسخة مشابهة منا، وإنما أن يتعلم كل طرف كيف يتصالح مع ذاته من خلال هذه العلاقة، وأن يساعد شريكه أيضا على أن يفعل الشيء نفسه.

فإذا كانت العلاقة تجعل الإنسان أكثر اتساعا ووعيا وقدرة على الحياة، فهي تمنحه فرصة للنمو، أما إذا دفعته إلى الانكماش والخوف والتخلي عن ذاته، فقد تتحول إلى علاقة تستنزف حيويته وتبعده عن نفسه.

↑