لهذه الأسباب أمر الرئيس الجزائري بإنهاء “فخاخ” الشراكة مع أوروبا

أمر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ليلة الأحد، بإعادة تقييم بنود اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة مفصلية أتت لتضع حدًا لاستنزاف أوروبي كبّد الاقتصاد الجزائري خسائر ضخمة زادت عن الملياري يورو سنويًا بفعل مناورة التفكيك الجمركي التي جرى إقرارها قبل أزيد من عشر سنوات، ما فرض على تبون الالتفات إلى حتمية وضع حدّ لـ “فخاخ شراكة غير منصفة” ستغدو انعكاساتها أخطر على الجزائر إذا ما استمر الأمر على منواله.

جاء في بيان للرئاسة الجزائرية أنّ الرئيس تبون، وجّه خلال ترؤسه مجلس الوزراء، الأحد، لـ “إعادة تقييم بنود اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي، بندًا بندًا، وفق نظرة سيادية ومقاربة (رابح – رابح) مع مراعاة مصلحة المنتج الوطني، لخلق نسيج صناعي ومناصب شغل”.

وأتت الخطوة “التصحيحية” لتنهي دوامة استمرت منذ 16 سنة خلت، بعدما وقّعت الجزائر اتفاقًا تشاركيًا مثيرًا للجدل مع الاتحاد الأوروبي عام 2002، ودخل حيز التنفيذ في الفاتح سبتمبر 2005، لكنه كرّس حالة من “الإجحاف” و”اللا توازن” دفعت الجزائر ضريبتها غاليًا.

وشهدت السنوات الماضية من عمر الشراكة الجزائرية الأوروبية، إقرار حكومة أحمد أويحيى في أفريل 2011، تفكيكًا جمركيًا لمصلحة السلع الأوروبية التي تدخل الأراضي الجزائرية، وأفرز ذلك انعكاسات خطيرة بعدما تكبّدت الجزائر خسائر كبيرة فاقت الملياري دولار سنويا منذ عام 2005، ويتعلق الأمر بتبعات اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية الذي أقرّ إلغاء الحقوق الجمركية لواردات الجزائر مع الاتحاد الأوروبي.

ويجمع مراقبون على أنّ الجزائر لم تحسن حماية مصالحها إثر إبرامها اتفاق الشراكة بشكل متسرع، خصوصًا وأنّ مبدأ التفكيك الجمركي خدم مصالح الشركات الأوروبية التي جنت أرباحا كبرى خلال السنوات المنقضية، ما جعل الميزان التجاري مختلاً بين الجانبين.

ولعلّ اللاتوازن الحاصل هو الذي دفع بالجزائر للمطالبة عام 2020 بمراجعة وتيرة تفكيك الأحكام التعريفية والجمركية المتعلقة باتفاق الشراكة الأوروبية، بعدما راوغ الأوروبيون ونجحوا في تأجيل الآجال النهائية للتفكيك الكلي للحواجز إلى سنة 2020 بدلاً عن سنة 2017 مثلما جرى الاتفاق عليه سابقا.

ولأنّ الجزائر ظلّت تستورد غالبية حاجياتها من المنتجات الصناعية والغذائية، فإنّها دفعت الثمن ضعفين بسبب إعفاء المصدرين الأوروبيين من دفع أي رسوم، حيث جرى ذلك تحت غطاء “الاستثمارات الأجنبية المزعومة”، هذه الأخيرة لم تتجسد مطلقا في الجزائر، واتخذها الطرف الأوروبي مظلة خدمت مصالحه فحسب، مستغلا الرغبة الجزائرية في كسر عزلتها وتطوير اقتصادها بعد كل الذي دمّرته عشرية العنف الدموي.

ولعلّ ما وقع سببه تفاوض غير متكافئ ولا متوازن ما حال دون ضمان مصالح الجانبين بالتساوي، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن أداء ممثلي الجزائر في اجتماعات ماراثونية استمرت ثلاث سنوات (بين 2002 و2005) ولم تنتج سوى نتائج هزيلة ومخيبة للجزائريين.

ووفق مراجع مطلّعة، امتدّت خسائر التفكيك الجمركي امتدت لتشمل عدة قطاعات، وسط تركيز أوروبي على الريع التجاري وتجاهلهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية للجزائر، ما شرّع الباب أمام استنزاف 2.2 مليار دولار كل عام، بسبب إسقاط الرسوم الجمركية عن 1741 منتوجا أوروبيًا.

وكان اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية “الفخ” الذي جرى من خلاله فرض إملاءات بعيدا عن روح الشراكة الاستيراتجية التي يتطلبها الموقف، والنتيجة هي تحوّل الجزائر إلى سوق استهلاكية فحسب، وبقدر ما كسب معها الأوروبيون أرباحا ضخمة، فهي كانت تنذر في حال استمرارها بحجم خسائر جزائرية تزيد عن السبع مليارات دولار سنويا.

والسبب راجع إلى “السياسات الحكومية الترقيعية” في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وتغييب الاتصال والتشاور مع الفاعلين الذين ظلوا يرافعون لتأسيس شراكة فعلية تقوم على استثمارات مباشرة وإعادة تأهيل المؤسسات الجزائرية وربط شراكات بينها وبين نظيراتها الأوروبية، خلافًا للمقاربة التجارية التي لم تسفر عن مسار تنموي حقيقي كفيل برفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لذا صار ضروريًا إضفاء بعد استراتيجي طويل المدى عبر مراجعة تنتصر لشراكة جديدة بطموح أوسع يُبنى مستقبلها على علاقة متساوية من الأساس.

حين ردّ لعمامرة على “ملاحظات أوروبية رعناء”

ردّت الجزائر بقوة في مارس 2015 على ملاحظات أوروبية حول حقوق الانسان، وخاطب مسؤول جزائري رفيع نظرائه في الاتحاد الأوروبي: “احترموا سيادتنا، ولا تتدخلوا في شؤوننا”، على خلفية ملاحظات الاتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان في الجزائر عقب الاجتماع التاسع لمجلس الشراكة الأوروبية الجزائرية.

وفي مؤتمر صحفي عقده ببروكسل، قال وزير الدولة الجزائري وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي “رمطان لعمامرة” آنذاك: “نحن نحترم شريكنا ونطلب منه بل نطالبه بأن يحترم سيادتنا”، وأضاف “لقد وضعنا الحروف على النقاط وفق الاحترام المتبادل وتوازن المصالح”.

وركّز “لعمامرة” على وجوب التزام الجانب الأوروبي بعدم “التدخل” في شؤون الجزائر واحترام سيادتها الوطنية، وتابع: “إن كان هناك شبه ثقافة تسمح بالتدخل في شؤون القضاء، فذلك ليس من ثقافتنا نحن في الجزائر، فعدالتنا مستقلة وتطبّق قوانين الجمهورية دون تمييز وبكل هدوء”.

وكان “لعمامرة” رأى قبل ست سنوات بـ “وجود عناصر يجب تحسينها في اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية، في حين تحتاج جوانب أخرى إلى تغيير”، مؤكدا أن الوقت قد حان كذلك بالنسبة للطرف الأوروبي “لتغيير مواقفه تجاه الجزائر”.