الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت!

Author
وحيد حمود 30 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

ربّما، أقول ربّما، ولستُ متأكّدًا بعد ممّا سأقول، لكن، ربّما.

لو أنّي أعرف أنّ الحبّ خطيرٌ جدّا ما أحببت! ترارارا

لو أنّي أعرف أنّ البحر عميقٌ جدًّا ما أبحرت! ترارارا

لو أنّي أعرف خاتمتي.. ما كنتُ بدأت!

ربّما كانت كلمات الشاعر الكبير الراحل نزار قبّاني قد كُتِبت لكي تُغنّى في عصرنا هذا، ما المشكلة في ذلك؟ لا مشكلة، ها! لا مشكلة.

ماذا لو كان العندليب الأسمر حيًّا في عصرنا، واقفًا على المسرح، ثابتًا كما في أغنيته التي بقي يردّدها لخمسين دقيقة ربّما: ورميت الورد طفيت الشمع يا حبيبي!

ربّما، أقول ربّما، ولستُ متأكّدًا بعد ممّا سأقول، لكن، ربّما.

لو قمنا بجمع هاتين الكلمتين ووضعناهما في خلّاط اليوم، وأردنا أن نرى انعكاسهما في هذا العصر، هذا العصر الذي خلط الحابل بالنابل والشوك بالسنابل وطائر الرخّ بالبلابل.

اجلسوا معي في المقاعد الأولى، أمام المسرح، واسمعوا العندليب وهو يردّد: ورميت الورد طفيت الشمع يا حبيبي!

سترى مراهقةً تهمس في أذن والدها – الذي جلبها غصبًا عنها لتستمع إلى أغاني الزمن الجميل – قائلةً:

– هل الشمع يضيء أصلًا لكي ينطفئ؟ يا الله كم ساذجةٌ هذه الأغنية.

سيقطّب والدها حاجبيه وسيكتفي بالصمت، لأنه لن يجد ردًّا مناسبًا.

ثمّ ينتقل العندليب ليقول بصوتٍ هادئ: لو أنّي أعرف خاتمتي ما كنت بدأت!

ربّما، أقول ربّما، ولستُ متأكّدًا بعد ممّا سأقول، ولكنّي واثقٌ كلّ الثّقة أنّ الذكاء الاصطناعي الذي مسّ أرواحنا هو الذي سيردّد كلمات العندليب: لو أنّي أعرف خاتمتي ما كنت بدأت!

هل سئمنا من بعضنا البعض إلى درجة أن صار التعبير افتراضيًّا، والإحساس افتراضيًّا، والجنس افتراضيًّا؟

إلى أين وصلنا؟ فليجبني أحد، أين صرنا في علاقاتنا؟ نتعرّف افتراضيًّا، نحبّ بـ”لايك”، نحقد بـ(Unlike)، نعبّر عن غضبنا بإيموجي، نقطع الصلة بـ(Block).

هل هذه هي الإنسانية التي نزل آدم من جنّته لكي يبنيها لنا؟ وما هي الشجرة التي نأكل منها اليوم؟ إنها أيضًا افتراضيّة.

صدّقوني، إنّ وسائل التواصل قد وصلت إلى حدّ القرف منّا، لقد خدعناها، قلنا لها مرارًا وتكرارًا وبصوتٍ عالٍ: لن تحلّي محلّنا نحن البشر، لكنّنا كعادتنا، كذبنا، وجعلناها مطرحنا، تطبخ الكلمات عنّا، تكنس الأحزان عنّا، تعلّمنا كيف نمارس الحياة وكيف نواجه الأخطار، كيف نجلس، كيف نقعد، كيف نحكي، كيف نتكاثر، كيف نضحك وكيف نحزن، كلّ ذلك من وراء الشاشات. يا للهول! بشريّةٌ افتراضيّة تحيا وراء شاشة.

ربّما، أقول ربّما، ولست متأكّدًا بعد ممّا سأقول، لكنّني متأكّدٌ أنّ التكنولوجيا بذات نفسها حاقدةٌ علينا، وحالها كحال العندليب إذ تقول: لو أنّي أعرف خاتمتي ما كنت بدأت!

مرحبًا بكم في العصر الآتي! عصر ما بعد الإنسانيّة، عصر الروبوتات البشريّة! كلٌّ له حكاية، والحكاية تنتهي بكبسة زرّ!.. استيقظوا!