السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ثقافة

ليالي الخط والمخطوط.. تلمسان تحتفي بالتراث الأندلسي المخطوط

Author
هارون عمري 02 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل الفعاليات الأكاديمية والمتحفية المتخصصة، منصات حيوية لإعادة قراءة الموروث الحضاري، وتفكيك شفرات الذاكرة التاريخية للأمم، وفي هذا السياق الدقيق، تبرز فعاليات الطبعة التاسعة، لتظاهرة “ليالي الخط والمخطوط”، التي تحتضنها ولاية تلمسان، يومي الثاني والثالث من شهر مارس، في إطار برنامج التنشيط الثقافي لشهر رمضان المعظم، كحدث ثقافي وعلمي مفصلي.

هذه التظاهرة، التي ينظمها المتحف العمومي الوطني للخط الإسلامي، بالتنسيق المعرفي مع مخبر الدراسات الأدبية والأندلسية لجامعة تلمسان، تحت شعار دال هو “غصن الأندلس الرطيب”، تتجاوز في أبعادها مجرد العرض المتحفي التقليدي، لتطرح إشكاليات معرفية وعلمية بالغة التعقيد، حول واقع التراث الأندلسي المخطوط، وآليات الاشتغال عليه، وتحديات تحقيقه وفهرسته في الزمن المعاصر.

إن هذا الاهتمام المؤسسي والأكاديمي البالغ بالمخطوط الأندلسي في الجزائر، لا ينبع من فراغ فهو انعكاس لحقيقة تاريخية وجيوسياسية راسخة، تتمثل في الدور المحوري الذي لعبته حواضر الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، وعلى رأسها تلمسان، في احتضان هذا الإرث البشري، وإنقاذه من الاندثار.

ومن خلال هذه التظاهرة، ومحاورها العلمية، نبحث في البنية الفنية للمخطوط الأندلسي، واستعراض نماذجه النادرة، وجهود التحقيق والخزائن الحاضنة لهذه الكنوز عبر التراب الوطني.

تلمسان الزيانية حاضنة آمنة للموروث الأندلسي

مثلت الدولة الزيانية وعاصمتها تلمسان امتداداً طبيعياً وحاضنة استراتيجية للموروث الأندلسي، خاصة في ظل التحالفات العميقة مع دولة بني الأحمر بغرناطة، حيث أدى تراجع الرقعة الجغرافية الإسلامية في الأندلس إلى صعود تلمسان كمركز إشعاع ثقافي وبديل حضاري استقطب العقول والفقهاء والنساخ الذين حملوا معهم نفائس مكتباتهم لحمايتها من الضياع.

لم يقتصر هذا الانتقال على الأوعية الورقية، بل شمل هجرة التقاليد العريقة في الخط والزخرفة والتجليد، مما أحدث تمازجاً فريداً بين العبقرية الأندلسية والبيئة المغاربية، وأثمر هذا النزوح الثقافي تراكماً معرفياً هائلاً جعل من الجزائر اليوم مستودعاً رئيسياً وذاكرة حية لواحدة من أهم المجموعات المخطوطة التي توثق لتاريخ الغرب الإسلامي ككل.

الخصائص والجمالية للمخطوط الأندلسي

تعكس المخطوطات الأندلسية فلسفة جمالية متفردة يتحول فيها الحرف العربي إلى وحدة فنية تشكيلية تدمج بين التجريد والسيولة اللونية، وقد ركزت تظاهرة “ليالي الخط” على تشريح هذه الجماليات عبر ورشات تطبيقية تبرز كيف استقر الخط الأندلسي المتمغرب في أنماط هندسية دقيقة، تتميز برشاقة الأسطر العمودية وتراص الكتلة البصرية التي تقود عين القارئ بانسيابية نادرة.

تتنوع الأنماط الخطية وفق وظائفها؛ فبينما خُصص “الخط المبسوط” لنسخ المصاحف الشريفة نظراً لوضوحه وجلاله، استُخدم “الخط المجوهر” في المراسيم السلطانية لجماله الإيقاعي، وظهر “الخط المسند” كأداة وظيفية سريعة للوثائق العدلية، وصولاً إلى “الخط الكوفي المغربي” ذي الطابع الهندسي التجريدي الذي يزين المعالم المعمارية وعناوين السور القرآنية.

فرجاني الجيلالي

فرجاني الجيلالي: الخط الأندلسي إرث حضاري يجمع بين السلاسة والهوية المغاربية

في هذا السياق، يقول الخطاط فرجاني الجيلالي، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، إن الخط الأندلسي، أو الأسلوب الأندلسي، يحظى باحتفاء خاص في الجزائر باعتباره من الآثار الحضارية التي حملها الأندلسيون معهم بعد سقوط الأندلس واستقرار عدد منهم في مدن جزائرية مختلفة، حيث أسهموا في ترسيخ هذا النمط الخطي ضمن البيئة الثقافية المحلية.

وأوضح أن الخط الأندلسي خُصّص في جانب كبير منه لكتابة المصاحف، نظرًا لسهولة قراءته ووضوح حروفه وتوازن تشكيلاته، ما يجعله مناسبًا للنص القرآني من حيث الانسيابية والتنظيم البصري. وأضاف أن هذا الخط يتميز بجمال خاص يجمع بين الرشاقة والسلاسة، مع امتداد أفقي يمنح الكلمات انسجامًا بصريًا وهدوءًا في التكوين.

وأشار الجيلالي إلى أن حضور الخط الأندلسي في الجزائر لم يكن مجرد انتقال شكلي، بل اندمج في السياق الفني المحلي وتفاعل مع الذائقة المغاربية، فحافظ على خصائصه الأساسية مع لمسات تميز المدارس الخطية في المنطقة.

واعتبر أن الاهتمام المتجدد بهذا الخط يمثل حفاظًا على بعد تاريخي وثقافي عميق، يعكس تواصل الذاكرة الفنية بين الضفتين ويجسد استمرارية الهوية الجمالية في فن الخط العربي.

أنموذج العبقرية النسخية: مصحف عبد الله بن غطوس البلنسي

لعل من أبرز الشواهد المادية التي سعت التظاهرة لإبرازها، عرض نموذج لجزء من مصحف مخطوط أندلسي يعود للناسخ محمد بن عبد الله بن غطوس البلنسي (توفي عام 1213م / 610هـ)، كجزء من فعاليات الليلة الأولى.

تنحدر أسرة ابن غطوس من العائلات الأندلسية العريقة في بلنسية، والتي تخصصت وبرعت في نساخة القرآن الكريم وتزويقه بمهارة منقطعة النظير، حيث يوثق المؤرخون أنهم كانوا من أفضل النساخين والمزوقين وأكثرهم تدقيقا ومراجعة لمخطوطاتهم.

يؤكد المؤرخ الأندلسي ابن الأبار البلنسي في كتابه “التكملة” أن ابن غطوس انفرد في عصره بالإمامة في براعة الخط وجودة الضبط، وأنه خصص حياته ومهارته حصريا لكتابة المصاحف تقربا لله، حيث خط بيمينه ما يناهز خمسمائة مصحف، وتنافس الملوك والأمراء على اقتناء أعماله.

يكشف الفحص الكوديولوجي لمصاحف ابن غطوس عن منهجية صارمة وأناقة بصرية نادرة في صناعة الكتاب الأندلسي. فالمخطوط يُكتب بالخط المغربي المبسوط على رق ناعم، باستخدام حبر بني فاتح يبرز جمالية التدوين المتصل.

تتوزع الألوان في مخطوطات ابن غطوس وفق نظام دلالي ونحوي بالغ الدقة؛ فاللون الأزوردي (اللازوردي) يُخصص لحركات الشد والجزم، بينما يُستخدم اللون الأحمر لعلامات الإعراب الأساسية، ويُفرد اللون البرتقالي لتمييز الهمزات.

وعلى مستوى التذهيب والزخرفة، يُزين النساخ الأندلسي هوامش الصفحات بأشكال دائرية هندسية متناهية الدقة، تُذهب للإشارة إلى علامات التجزئة القرآنية كالأثمان، والأرباع، وأنصاف الأحزاب.

ويختم عمله بتدوين اسمه وتاريخ النسخ بمداد الذهب الخالص في آخر ورقة، مما يجعل من مخطوطاته تحفا بصرية تمزج بين الوظيفة التعبدية والكمال الجمالي.

الحلية النبوية الشريفة وتجليات التشكيل الروحاني

تجلت إبداعات المدرسة الأندلسية والمغاربية أيضاً في “الحلية النبوية الشريفة”، وهي لوحات مخطوطة تتضمن وصفاً دقيقاً لملامح النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تحولت هذه الحليات إلى مركز دائرة الفنون الإسلامية، حيث تُصاغ وفق قالب هندسي وزخرفي صارم يتوسطه النص الوصفي وتحيط به زخارف نباتية متداخلة تضفي هالة من الوقار.

تؤكد الورشات التطبيقية المخصصة لهذا الفن على راهنيته كمعقل بصري وثقافي يؤكد الهوية الحضارية في زمن العولمة، فالحلية ليست مجرد نص وصفي، إنما هي تجسيد لأقصى درجات التعبير التشكيلي التي بلغها المسلمون، حيث يلتقي الخط العربي بالروحانيات لإنتاج عمل فني يعمق الارتباط الوجداني بالقيم النبوية من خلال الجمال البصري.

المخطوط كوثيقة تاريخية: بين الفقدان وإعادة التوثيق

رغم المحن التاريخية التي أدت لضياع أجزاء واسعة من ذاكرة الغرب الإسلامي، تبقى المخطوطات المقاومة للزمن مصادر أولية حصرية لفهم التحولات السياسية والاجتماعية، ويظهر هذا البعد التوثيقي في مخطوط “تاريخ ميورقة” لابن عميرة المخزومي، الذي يشرح بدقة سوسيولوجية أسباب الانهيار الأندلسي، مرجعاً إياها لاختلاف الرعية والثورات الداخلية التي مزقت الجبهة الأمامية.

تتواصل جهود الباحثين الجزائريين، مثل عبد القادر بوباية، في استرداد الجغرافيا الأندلسية عبر تحقيق نصوص مجهولة تسد ثغرات تاريخية عميقة، وتعتبر هذه الجهود عملية ترميم فعلي للذاكرة المكانية، حيث تساهم المخطوطات في تخليد الصورة العمرانية والتقسيمات السياسية للمدن الأندلسية، مما يؤكد دور الجامعة في استعادة مفاصل مفقودة من تاريخ حوض المتوسط.

طوبوغرافيا الخزائن وإشكالية الحفظ المؤسسي والأهلي

تتوزع المخطوطات في الجزائر بين خزائن مؤسسية عامة تخضع لإدارة الدولة وتستفيد من تقنيات الحفظ الحديثة كالمسح الضوئي، وبين خزائن عائلية خاصة متوارثة عبر الأجيال في الزوايا والبيوت العلمية، ورغم غزارة هذه الخزائن الأهلية، إلا أنها تعاني من العزلة الأكاديمية وضعف شروط الحفظ المادي، مما يهدد بقاء هذه الكنوز المعرفية.

تعتبر خزانة سيدي عدة بن غلام الله بتيارت، نموذجاً لهذه الحواضن الأهلية المغيبة، حيث تضم مئات العناوين في الفقه والتصوف والعلوم، لكنها تعاني من نقص الإقبال العلمي وضعف الاستغلال الأكاديمي، مما يستدعي بناء جسور ثقة بين مالكي هذه الخزائن والمؤسسات البحثية لضمان رقمنتها وإتاحتها للباحثين، وحمايتها من التلف الناتج عن الرطوبة وتقلبات المناخ.

نحو استدامة التراث المخطوط

تُظهر القراءة لواقع التراث الأندلسي المخطوط في الجزائر، انطلاقا من الفعاليات العلمية والمتحفية الدورية في تلمسان، مشهدا ثقافيا ينبض بالحياة، يمزج بين الحنين إلى عمق الذاكرة الأندلسية والمسؤولية الأكاديمية الجسيمة في الحاضر.

يتأكد من خلال المعاينة أن المخطوطات الأندلسية والمغاربية لا تمثل مجرد مادة توثيقية صامتة، إنما هي أوعية جمالية تنطق تفاصيلها، من هندسة الخط، وتوزيع الألوان، إلى تقنيات التذهيب، بعبقرية حضارة سعت بحرص لدمج الجلال الروحي بالكمال الجمالي، كما تجلى بوضوح في المصاحف البلنسية وروائع الحلية النبوية الشريفة.

وللانتقال بملف المخطوطات من دائرة المعاينة المتحفية إلى دائرة الاستثمار المعرفي المستدام والنشط، يتعين تبني حزمة من التدابير الاستراتيجية التي تتمثل في تعزيز الاندماج التكنولوجي عبر بناء منصات رقمية وطنية تستفيد من التصوير الطيفي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لفهرسة الخزائن بدقة.

كما تبرز حاجة ماسة لفك العزلة عن الخزائن العائلية عبر صياغة مواثيق شراكة تعيد بناء الثقة بين الجامعة ومالكي هذه الكنوز، تضمن صيانة الملكية وتتيح الاستغلال العلمي.

وأخيرا، يبقى تحديث فقه التحقيق ضرورة ملحة، لتجاوز النظرة التقنية الضيقة للتحقيق نحو دراسات سيميائية، ثقافية، وسوسيولوجية تستنطق النص المخطوط في سياقاته التاريخية الكبرى، ليبقى هذا الإرث حارسا أمينا للذاكرة الإنسانية وشاهدا مستمرا على أمجاد الغرب الإسلامي.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"