الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

  ليالي غزة.. إبريق شاي وذكريات حزينة  


بالقرب من خيامهم المتهالكة يجتمعون بعد صلاة العشاء كل يوم حول شعلة نار صغيرة يعلوها إبريق مملوء بالماء وقليل من الشاي، إذ أصبح الشاي غالي الثمن ونادر التوفر، وفي أحيان أخرى يستعيضون عنه بالنعناع أو الزعتر عندما لا يجدون الشاي.

يبدأ تبادل أطراف الحديث، الذي يمتد لساعات طويلة ولا ينتهي إلا في وقت متأخر من الليل، بل كثيرًا ما يستمر حتى يحين موعد صلاة الفجر، ثم ينصرف كل منهم إلى ما تيسّر له من شؤون ما تبقّى لهم من حياة ، حتى أن أغلبهم يودعون الكل بشوق وحب متوقعين أنهم لن يلتقوا مرة أخرى .

تشمل أحاديثهم كل شيء ويشارك فيها الجميع الصغير قبل الكبير. ومنهم من يجلس معهم لأنه لم يستطع النوم بسبب أصوات الطائرات الحربية والمسيّرات التي تحلّق فوق رؤوسهم باستمرار، فيما يدفع الجوع آخرين إلى السهر فلا يجدون ما يخفف وطأته سوى الشاي أو بدائله مع بعض الخبز اليابس إن توفر .

ويتلقى بعضهم اتصالات من أقارب تفرّقوا في أنحاء القطاع أو يقيمون خارج البلاد، بينما يجلس آخرون يستمعون إلى نشرات الأخبار المختلفة، مترقبين نهاية الحرب أو منتظرين سماع خبر يبعث شيئًا من الأمل في نفوسهم.

أما الذكريات فهي حاضرة دائمًا في تلك السهرات، إذ يخرج الجميع هواتفهم المحمولة المليئة بالصور، ويتحدثون عن أحبائهم الذين فقدوهم وعن البيوت التي دُمّرت والأعمال التي توقفت والدراسة الجامعية التي انقطعت بسبب العدوان، كما تُطرح المشكلات اليومية التي خلفتها الحرب وسنوات الحصار المستمر، بحثًا عن حلول ويحاول الجميع تقديم المساعدة قدر الإمكان.

إنها نموذج لليلة حزينة من ليالي قطاع غزة الجريح، حيث يحاول الناس الصمود والبقاء على قيد الحياة، وحول شعلة النار يفرغون ما في صدورهم بعيدًا عن عائلاتهم الغارقة في النوم من شدة التعب والجوع والمرض. إنها ملحمة إنسانية حقيقية، أبطالها أناس أبرياء تمسكوا بكرامتهم وأرضهم، وقدموا في سبيل ذلك أثمانًا باهظة وما زالوا يواجهون واقعهم بإرادة وصبر رغم كل التحديات.

Author حسين علي غالب بابان
أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا