الإنسان كائن جمالي، يحس ويتذوق ويستمتع وينبهر بكل ما هو جميل: سواء كان ماديا يرتبط بعالم الأشياء، أو كان معنويا يتعلق بعالم القيم. ولكن، إذا ما حاولنا البحث عن مفهوم موحد للجمال يتفق حوله كل الناس، سنجد أنفسنا مضطرين إلى الغرق في تاريخ الحضارات، وثقافات الشعوب، ومعارك الفلاسفة، وتجاذبات علماء الأديان، وصراعات المذاهب الفكرية والأدبية والفنية.. وكلما اعتقدنا بأننا أمسكنا بطرف المعنى، نزداد غرقا في بحر بلا شطآن، كأن الجمال هو ابن اللحظة التي تُدهشنا وتُسعدنا، وبعدها يتلاشى معناه مثل خيط دخان في سماء نصف غائمة!
تمنحنا اللغة العربية إمكانية فهم الجمال من خلال مرادفاته (في قاموس المعاني مثلا): حُسن، رونق، سحر، بهاء، نضارة، وضاءة، ملاحة، بهجة، روعة، فتنة، وسامة، بَهار.. وجميعها تتضمن معاني إيجابية تنشر في أعماق الإنسان شعورا بالسعادة، وقد تدفعه إلى اعتناق الحياة بحبٍّ أكبر وإقبالٍ أكثر فاعليّة. كما تمنحنا العربية إمكانية فهم الجمال من خلال أضداده: قُبح، بشاعة، دمامة، رداءة.. وجميعها تتضمن معاني سلبية تُنفّر النفس الإنسانية من الأشياء التي تنطوي على هذه الصفات.
وإن شئت، عزيزي القارئ، أن أضع لك مفهومي الخاص للجمال، سأقول لك عن قناعة واطمئنان: الجمال هو رحلة الإنسان للبحث عن الكمال. ولأن الإنسان ناقص بذاته، فإن جماله يكون بتكامله مع غيره من الناس، ومع الطبيعة بجميع مخلوقاتها وموجوداتها. وذلك في سياق ثلاثية: الحق والخير والجمال، أو ثلاثية القيم التي قامت عليها العلوم المعياريّة في الدراسات الفلسفية "التقليدية": علم المنطق، علم الأخلاق، علم الجمال.
أنت أيضًا، عزيزي القارئ، لك الحق أن تضع مفهومك الخاص للجمال من منطلق تجاربك في الحياة، أو من خلال رصيد قراءاتك وتأمّلاتك. وأتمنّى ألاّ ينحرف بك البحث إلى معنى الجمال في العصر الرقمي الذي صار فيه التّعديل على الصور الشخصية والطبيعية - مثلا - من العادات اليومية للناس، وأيضًا صارت فيه الجراحات التجميلية منتشرة بشكل مُذهل، لا سيما بين المشاهير، ليس من أجل تجميل عيب خَلقي، بل من أجل "تخليق" ملامح وجهٍ وجسدٍ "مثالي"!
كما أتمنّى ألّا تأخذ الأمر ببساطة، وتُسقط ثلاثية القيم: الحق والخير والجمال، على الواقع العالمي الراهن، فيَصل بك تفكيرك إلى أن الجمال قد مات أو يكاد، قياسًا على تغوّل الطغيان حتى كاد أن يخنق الحق (في فلسطين مثلا)، أو على الشرّ الذي بسط هيمنته على البشرية فبدا الخير وكأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر!
يجب الاعتراف بأننا في عصر انقلاب القيم والمفاهيم، ولا عجب أن تتحوّل الحياة نفسها إلى حفلة تنكّرية يتبدّى فيها القُبح في أبهى آيات الجمال، والفضل كل الفضل للتكنولوجيا والتطوّر العلمي والمجتمع الرقمي الذي حوّلنا إلى كائنات ترى الجمال بعيون الذكاء الاصطناعي! ويجب التأكيد بأنه ليس في الطبيعة قبحٌ، بل القبح كامنٌ في الإنسان الذي يعجز عن ملامسة الجمال: بصريًّا أو حسيًّا أو وجدانيا. كما يجب التأكيد بأن كل ما خلقه الله فهو جميل، في شكله، أو في مضمونه، أو فيهما معنا. ومَن لم ير الجمال في الخَلق الإلهي، فالعيب في عينه الرّائية أو قلبه الأعمى!
لقد تجنّبنا الخوض في فلسفات الجمال وأنواعه ومعاييره ومجالاته: الطبيعة، الفن، اللغة، الجسد، الروح.. واكتفينا بهذه الإضاءات التي على أساسها وجّهنا إلى نخبة من الكُتّاب الأفاضل هذه الرسالة: الجمال! كلمة يتداولها الناس في يومياتهم للتعبير عن مدى تذوّقهم للأشياء أو المعاني التي تثير في أعماقهم متعةً ما. ولكن ما هو الجمال؟ وهل الناس متفقون حول معناه؟ لقد اختلف الفلاسفة والأدباء والمبدعون حول معاني الجمال عبر العصور، ولعل الاختلاف الأكبر كان بين أهل العربية، لأن لغتهم تتيح لهم قدرة سحرية للتفريق أو الدمج في التعبير بين ما هو مادي وما هو معنوي، كما تتيح لهم التعبير عن مستويات متعددة حول لون واحد مثلا، فالجمال قد يأخذ معنى: الحُسن والنّضارة والبهاء.. وهذا ما تفتقده معظم اللغات الإنسانية الأخرى إن لم تكن جميعها!
هل الجمال يرتبط بما هو مادي مثل المخلوقات والموجودات في الطبيعة من أشجار وأزهار وأنهار وجبال ورمال.. أم يتعدّى إلى الارتباط بأمور معنوية كامنة في الذات الإنسانية، فيصير الجمال كامنا في العين التي ترى، والقلب الذي يشعر، أكثر ما هو كامن في الشيء أو الكائن الذي نصفه بالجمال؟
كثيرا ما يربط المبدعون - الشعراء على الخصوص - بين الجمال والمرأة، وكأنهما مترادفان، ويذهب كل مبدع إلى تقديم رؤيته ومفهومه للجمال، فمنهم من يراه في الوجه والقوام وما تبصره العين، ومنهم من يراه في أعماق المرأة.. مع الإشارة إلى أنه لم يُوجد الشاعر أو الفنان الذي تغزّل في امرأة تفتقد إلى العناصر الحسيّة للجمال، تلك التي تُرى بالعين.. بل إن طالبي الزواج - مثلا - يركّزون على الجانب الحسي في المرأة (الأنثى) حتى وإن كانوا من أكثر المدافعين عن الجمال المعنوي في المرأة (الإنسان)!
فما هي رؤيتكم الخاصة ومفهومكم الشخصي للجمال؟ وهل تعتقدون بأن الجمال قد تعرّض إلى عملية عبث من خلال تطوّر الطب والعمليات التجميلية، والتكنولوجية الرقمية التي صارت تُبدع صورا وفيديوهات مُذهلة تكاد أن تتفوّق على الطبيعة بل لعلها تخدع الإنسان؟ وما رأيكم في الفروق بين الجمال الحسّي والجمال المعنوي؟ وكيف ترون الجمال بين الطبيعة والفن؟
عزيزي القارئ، هل تعتقد بأن العبث والتشويه الذي طال القيم والطبيعة، قد طال الجمال أيضًا؟ وكيف ترى - مثلا - إلى مسابقات ملكة جمال العالم، هل هي لتوحيد مفاهيم ومعايير الجمال بين مختلف الثقافات والمجتمعات الإنسانية، أم هي مسابقات لحصر الجمال في عالم الأشياء، واغتياله في عالم القيم؟
دعني أهمس في أذنك بالمثل الجزائري الذي يقول: "اللّي يبغي الغزال يبكّرلو"، بمعنى: من يريد رؤية الغزال عليه أن يصحو باكرًا. والمعنى الأصلي يستعمل لفظة "الزّين" بدل "الغزال"، وقد فسّر لي شيخٌ بدويٌّ معنى المثل فقال: من يريد أن يرى الجمال الطبيعي المرأة، عليه أن يستيقظ باكرا جدا، قبل أن تستيقظ النساء وتأخذن زينتهن. ولستُ أدري ما الذي سيقوله الشيخ في عصر الأدوية والمساحيق والمُجّملات وجراحات التجميل، للمرأة والرجل على حدٍّ سواء؟ والحق أنني أختلف مع المثل الشعبي، ومع تفسير الشيخ له، فكل النساء جميلات، ولن أقول "جميلات في الظلام" كما يقول مثلٌ عربي من العصر الجاهلي!
عزيزي القارئ، لعلّك تُحدّث نفسك بأن لكل عصرٍ قِيَمه ومفاهيمه وأنماطه في الحياة، ومن البديهي أن يكون للجمال مفاهيم مختلفة عن الأزمنة الغابرة، مفاهيم ترتبط بالتقنية والتصنيع و"الماديّة" التي هيمنت على المجتمعات الإنسانية عامة! وأعترف بأنني أشاطرك رأيك، في الوقت الذي تحضرني فيه عبارة تُنسب إلى الشيخ "أبي حامد الغزالي"، قال فيها: "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، بمعنى أن الله جلّ شأنه قد أبدع الكون على أكمل صورة، ولن يكون للكون صورةٌ أخرى أكثر إبداعا.. وقد ردّ الإمام "إبراهيم بن عمر البقاعي" على هذه العبارة بكتابٍ عنوانه "تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان". ولن ندخل في متاهة الجدل، فحسبنا توظيف العبارة في سياق الجمال الذي عبث به العصر الرقمي والتطور العلمي، وشوّهته "إرادة" التزييف والتشويه.. وربما الأجدى أن نستحضر الحديث النبوي الشريف: "لا يدخل الجنَّةَ مَن كان في قلبِه مِثقالُ ذرَّةٍ مِن كِبْرٍ، قال رجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحبُّ أن يكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ".

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)
بحثا عن عروس لفاتح "أورسليم"!
وراء كلّ "بوتوكس"، "بوكس". إذ إنّ للكلمة تضاريس لا تقلّ شأنًا عن أيّ تضاريس نعرفها، فهي مثل أيّ شيءٍ، تُنفَخ، فتراها تارةً ممطوطة وتارةً ممغوطة وفي أسوأ الأحوال ممقوتة. على العموم لا شأن لنا بالتضاريس وما يجري وراء الكواليس.
"البوكس" المذكور هنا ككلمة يأتي بمعنى لكمة، أما فيما يخص "بوكس" السعادة - أي صندوقها - المتخفّي داخل الوجه الجميل والقوام النحيل فحدّث ولا حرج. المهم أيّها المجذوب والمهووس ألّا تنسى أنّ الحَدَبة هي رمز الجَمال لدى الجِمال.
أين كنّا؟ سأحتسي رشفةً من فنجان قهوتي، وألفّ ركبتي على الكنبة، وأنظر في الحائط أمامي لعلّي أستوحي منه شيئًا. حدّقت في وجهه المطليّ بشكلٍ جيّد، والمستقيم، لم أجد ما يُعيبه، لكنّه مثلي الآن، صامتٌ هادئ، وربّما يتأمّلني هو الآخر ويراني حائطًا من لحمٍ ودم، هل فكّر أحدكم بماذا قد تفكّر الحيطان؟ حسنًا، قلت في سرّي، لو كان هذا الحائط مخدوشًا ومليئًا بالثقوب والخربشات، كنت ربّما لأهرب من ملاقاته، إلى أن أقوم بإصلاحه وطلائه بشكلٍ جيّد، أتعرفون لمَ؟ لأنّ الجدار الصامت الهادئ الذي لا يتدخّل بما نفكّر ولا يعنيه أمرنا البتّة، رغم ذلك لن نتقبّل إلا هيئته التي نحبّها نحن. هل وصلت الفكرة؟
أنا والحائط، والقلم الأسود في جيبي يناديني نحو الأعمق، وأنا ما عندي تجربةٌ في الحبّ ولا عندي زورق. كذبةٌ كبرى هذه، احذفوها، لكنّني سأتركها لكي أكتب خمسمائة كلمة على الأقل. بالمناسبة ما زلت مشوّشًا، إذ إنّ في رأسي ألف فكرةٍ متناقضة وأريد أن أضعها في الخلّاط وأُخرجها في نص.
تتناقل الألسن في منطقتنا جملة: لو رأى الجَمل حَدَبته لوقع وكسر رقبته. ربّما يكون هذا القول دخيلًا ها هنا، ولكنّه يحكي قصة عاينت تفاصيلها وعايشتها، عن جارتنا "أم سليم"، إذ إنّها كانت تملك بطنًا يشبه بساتين "طرابلس" الفيحاء كما يدّعون، والبساتين الطرابلسية القديمة فيها أشكالٌ وألوان، وكانت جارتنا ترى في ابنها "سليم" الشّتلة - خرّيج بستانها - الغزال الذي لم يُخلق مثله، وكانت الجارات ومن بينهنّ أمّي - آمل ألّا تقرأ ما أكتبه هنا عنها - يضحكن في وجه "أم سليم"، يصلّين على النبي كلّما رأينَ ابنها ويمدحن جماله، ثمّ يتهامسن عليه وعلى أمّه سرًّا: القرد في عين أمّه غزال. ومن زاويةٍ أُخرى، فإن "أم سليم" لم تكن لترى ابنها فائق الجمال وحسب، بل بطلًا خارقًا من أبطال هذا الزمان، وكانت تتمتّع إلى جانب ذلك بقدرٍ هائلٍ من الغباء، أو قُل البساطة والسّذاجة، بما يكفي لأن تقول أمام الجارات: ابني سليم سيفتح أورسليم، وقد أسميته على اسمها. وكان الجميع يجاريها في الأمر ويختم على كلامها بالتأكيد، أمّا "أورسليم" فانسوها أيضًا، فإنّ صاحبة حرف الشين التي تعرفونها جميعًا قد نُسيَت!
كبُرت الكذبة، وكبُرت معها الخسّة في رأس سليم، وسليم ذاك كان يملك وجهًا دائريّا ضخمًا كرغيف خُبز في التنّور، وكانت الثقوب في خبز التنّور تتآخى وثقوب وجه سليم، هذا وكان لديه أنفٌ تسبّب في ثقب الأوزون، أمّا أذناه فكانتا كجناحي خفّاش يصارع الضّوء. هذا ليس مهمًّا، إنّه وصفٌ خارجيّ بَحت، ولكنّ المهم هو أنّه كان يشترط على أمّه أن تختار له عروسًا تليق بجماله، نعم، هذا ما كان يقوله حرفيّا: أريد امرأةً تليق بجمالي. وكانت أمّه ترد عليه: "يقبرني جمالك سلّومة". حسبي الله ونعم الوكيل في سليم وأمّه وأفكار هذا النص.
كانت "أم سليم" تملك أصابع جيّدة تستخدمها في فحص الجمال الطبيعي، فإذ بها تشدّ شعر فتاة لكي تختبر قوّة بصلات شعرها حتى تكاد تنزع البصل والمحصول كله، وتقرص خدّ أُخرى لترى إن كان تورّده حقيقيّا أم مصطنعًا، وتضع سبّابتها والإبهام كالكمّاشة فوق شفتَي فتاة لتتأكّد من خلوّهما من النفخ، ناهيك عن صفعها لمؤخّرة فتاة عجزاء لكي تطمئنّ على مستقبل ولدها كما كانت تقول. إذ إنّ النساء في منطقتنا يربطن مستقبل أولادهنّ بحجم المؤخّرات. ولا أريد أن أجادل في هذه النظرية الخنفشارية.
هذا كلّه، ولم يكن ليعجب "أم سليم" العجب، إذ إنّها تريد لابنها عروسًا تليق بجماله.
مرّت الأيّام، شاخت "أمّ سليم" ولم تجد عروسًا لابنها الذي تحوّل مع مرور الوقت إلى طبلٍ شائب وأصلع، وظلّت على ما كانت عليه من جنون: لا تتزوّج إلا من تناسب جمالك سلّومة.
رحم الله "بشار بن بُرد"، ذاك الشاعر الأعمى حين قال:
وذات دلٍّ كأنّ البدر صورتها -- باتت تغنّي عميد القلب سكرانا
إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ -- قتلننا ثمّ لم يحيينا قتلانا
حين قرأت هذين البيتين تأكّدت أنّ الجمال يُحسّ ولا يُرى، وأنّ أي سليمٍ سيفتّش عنه لن يراه ما لم يشعر به.
أقفل النص أيها الكاتب.

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)
هل يصمد الجمال الحقيقي أمام تعديلات الذكاء الاصطناعي؟
نقلب الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، فنلاحظ أن الكثير من الأشخاص قد عمدوا إلى تعديل صورهم باستخدام الذكاء الاجتماعي، ومن ثم نشرها على صفحاتهم الخاصة. وبين كثرة الصور المعدلة، بات من حق المرء أن يقف دقيقة أمام كل صورة تصادفه ليتساءل إن كانت الصورة التي يراها الآن هي صورة حقيقية أم معدلة؟
ربما من عادة البشر أن يركبوا الموجة، وبما أن الذكاء الاصطناعي هو الموجة الحالية، نرى أن الأغلبية متعلقة به تعلّق السمكة بمياه البحر. لكن ألا توجد دلالات خطيرة لكل التعديلات التي تغرق فيها الصور؟
مما لا شك فيه أن أشخاصا كُثرا قد كبروا وهم لا يملكون من الثقة بالنفس الكثير، وفي الوقت نفسه يتمنّون لو أنهم وُلدوا أشخاصا آخرين بوجوه أخرى وأجساد مختلفة وحياة لا تشبه حياتهم الحالية، ومن هنا يتيح لهم الذكاء الاصطناعي عيش ما يتمنون ولو للحظات معدودة، فباتوا يعدلون صورهم، بحيث يحذفون منها ما هم ليسوا براضين عن وجوده ويضيفون ما طالما تمنوا لو أنهم كانوا يملكونه، ومن ثم تخرج لهم الصورة النهائية فيصبحون راضين عنها، فهم أخيرا قد نالوا ما كانوا يتمنون.
لكن هل تشبع هذه الصور المزيفة مشاعر أصحابها؟ من المؤكد أن هذا إشباع مؤقت، لذلك ينبغي على كل شخص أن يعمل على تقوية ثقته بنفسه بدلا من الاختباء خلف تعديلات لا تمت إلى الواقع بصلة.
في السابق، كان من ليس راضيًا عن شكله، يلجأ إلى طبيب لكي يجري له عملية تجميلية، لكن الآن العمليات قد باتت أسهل، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قد أصبح هو الطبيب وبات بإمكان الجميع اللجوء إليه دون الاضطرار إلى دفع مبالغ مالية طائلة. ومن هنا تبقى وسائل الهروب من الواقع متاحة، إن كانت عمليات جراحية أو تعديلات بواسطة هواتفنا، وبالتالي انتشر الزيف وباتت الحقيقة شبه معدومة بين كل هذا التصنّع.
ويبقى السؤال المشروع: هل يصمد الجمال الحقيقي أمام تعديلات الذكاء الاصطناعي التي لا تعرف حدودا؟

د. شعبان عبد الجيِّد (شاعر وناقد وأكاديمي من مصر)
مقال في فلسفة الجَمال!
"ما هو الجمال؟ هذا ما لن يعرف أحدٌ عنه شيئًا، إنه يتغير مع البلدان!".
إن حياتنا قصيرة، ولو امتلأت بالمشاغل وحدها، ولم تترك لنا وقتًا للتأمل؛ لكانت حياةً هزيلةً بحق!
لم يكن من قصدي وأنا أكتُب هذه السطور أن أقدِّم دراسةً مفصَّلةً عن "فلسفة الجمال"، ولا أن أعرض بتوسُّعٍ للعلم الذي يدرسه، ولا أن أتتبع تاريخه وتطوره وأعلامه؛ إن هذا أمرٌ صعبٌ، وإن نماذج قليلة من كل ذلك تكفي القارئ لكي يضع يده على مفاتيح هذه الموضوعات، وتضيء له الطريق إلى تلك المباحث التي قد يظنها صعبةً أو معقدة، وهي ليست كذلك أبدًا، ليكمل هو الرحلة بمفرده، متأملًا ومستزيدًا ومستمتعا.
وحين قلّبت في مكتبتي، واستخرجت منها ما يتصل بموضوع هذا المقال، وقعت في حَيرةٍ شديدة؛ فلم أكن أظن أن عندي كلَّ هذه الكتب عن "فلسفة الجمال"، وقد أشرت إلى بعضها في موضعها، وترددت كثيرًا بين ما آخذ وما أدَع، وتذكرت قول الشاعر القديم:
تكاثرت الظِّباءُ على خِراشٍ -- فما يَدري خِراشٌ ما يصديدُ
لكنني عزمت على أن أبدأ، وأن أترك الكلام يأخذني حيث يشاء، بشرط أن أظل ملتزمًا بالموضوع الذي أدرسه، والقضية التي أعالجها، حتى لا تُفلِت مني الأفكار، ولا يَتعب في ملاحقتها القارئ. وأغمضت عيني قليلًا، وعدت إلى الوراء خمسين سنة..
من ذكريات الطفولة عن الجَمال
وُلِدتُ ونشأتُ في بيتٍ ريفيٍّ متواضع، مبنيٍّ بالطوب اللبِن، ليس في تصميمه أيُّ مظهرٍ جمالي تقريبًا. وكأنما شاء من بناه أن يكونَ مجرَّدَ مكانٍ للعَيش والمَبيت، وكنا نطلق على إحدى حجرتيه في الدور الأرضي "أوضة الجلوس"، وهذا على سبيل المجاز الذي اعتدنا عليه لنعطيَ الأشياء أكبر من حجمها وأكثر من قيمتها. وقد كان من عادة والدي، رحمة الله عليه، كلَّ عامٍ أن "يُبَيِّضَ" البيت، ويُطلي جدرانه الداخلية بالجير الملوَّن. يفعل ذلك بنفسه، بمساعدة والدتي، وبعد أن يفرغ من طلاء حجرة يجلس في وسطها وهو يتأملها، ويقول لي في نبرة سعيدةٍ راضيةٍ: انظر، كيف صارت جميلة؟ وحين أقول له: فعلًا لقد صارت جميلة، كان يردُّ علي في فرحٍ: لا لا لا لا.. سوف تتفرَّجُ عليها حين نُطلي جدرانها باللون الأزرق، ونطلي أسفلها باللون البني!
لقد كان مجرَّدُ طِلاء المِلاط الطينيِّ الكالح في نظر الريفي البسيط شكلًا من الفن ولونًا من الجمال، يُدخِل على نفسِه البهجةَ والسرور!!
وذات مرَّةٍ تبقَّت عُلبةٌ من الطِلاء البُنِّي، فطلب مني والدي أن أحضر له عقلة صلبة من عود الحطب، فقشَّرَ جزءًا منها، وجعلها مثل القلم أو الريشة، وأخذ يغمسها في علبة الطلاء ويكتب على جدار وسط الدار (الصالة) المجاور لباب "أوضة الجلوس" كلماتٍ كانت تتغنى بهن أم كلثوم: "القلب يِعشق كل جميل.. وياما شُفتِي جمال يا عين"، وزاد فأحاطها بإطارٍ مموَّج بتلقائية، ومُزيَّنٍ ببعض الزهور. ولست أذكر إن كنت قد سمعت هذه الأغنية أيامها أم لا، ولا إن كنت أدركت معنى هذه العبارة؛ كل ما أذكره أن والدي كتبها بخطٍّ جميل جدًّا، أو هكذا رأيتُه، وظللت لفترة طويلة أتأملها وأحاول فهمها، وأن أعرف ما هذا "الجميل" الذي يعشقه القلب، وما هذا "الجمال" الذي رأته العين!!
ولا أدَّعي أن هذه العبارة هي أولُ ما شَدَّني إلى الانشغال بالجمال، فما كان أكثر مظاهره في قريتنا التي تقع في حضن النيل، لكنها كانت أولَ مواجهة مباشرةٍ مع هذه الكلمة ودلالاتها وتأثيراتها. وقرَّ في نفسي أن (الجميل) هو الشيء المختلف الذي يُدخل على نفوسنا شيئًا من الارتياح والبهجة، ويكون أكثر جمالًا بمقدار ما يتفنَّن فيه صانعُه ومنشئه، ويتأمل فيه ناظرُه ومتلقِّيه، وهو ما تأكد لي حين توسعت قراءاتي وتأملاتي في علم الجمال وفلسفته، وتكونت لَدَيَّ، بحكم تخصصي ومطالعاتي وتجاربي، ما يمكن أن أسمِّيَه بالخبرة الجمالية.
ما الجمال؟
الجمال لغةً هو الحُسن، واسم الجميل في أصل اللغة موضوع للصورة الحِسِّية المدرَكة بالعين، أيًّا كان موضوع هذه الصورة من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد، ثم نُقِل اسمُ الجميل لتوصَفَ به المعاني التي تُدرك بالبصائر لا الأبصار، فيقال سيرةٌ جميلة، وخلق حسنٌ جميل.
وفي القرآن الكريم وردت كلمة "جمال" وصفًا للأنعام في قوله تعالى: "وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ" (النحل: 6)، كما وردت كلمة "الجميل" في القرآن أيضًا وصفًا للصبر والصفح وتسريح الزوجة والهجر؛ "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" (المعارج: 5)، "فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر: 85)، "وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا" (الأحزاب: 28)، "وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا" (المزمل: 10).
كما وردت وصفًا لله تعالى في الحديث الشريف: "إن الله جميلٌ يحب الجمال"، ومعنى (جميل) هنا: المنزَّه عن النقائص والموصوف بصفات الكمال، أو ذو النور والبهجة.. ويُرجِع المتكلمون صفات الله جلّ وعَلا، كالعظمة والقدرة وما إليهما إلى صفات (الجمال).
والجمالُ في الاصطلاح: صفة الحُسْن في الأشكال والأخلاق، يبعث في النفس شعورًا بالإعجاب والسرور والرضا والانسجام. يُدرَك بالحواسِّ في الأمور الحِسِّية، كالشكل والصوت، أو بالبصيرة في الأمور المعنوية، كالأخلاق والأفعال، وتختلف مقاييسُه باختلاف الأشخاص؛ فهو قيمة مرتبطة بالغريزة والعاطفة والشعور الإيجابي، وهو يعطي معنى للأشياء الحيوية. ليس له وحدة قياس؛ فكل إنسان يراه بشكل مختلف، مثل الخصوبة والصحة والسعادة والطيبة والحب والإدراك. كان ابن سينا يقول: "إن جمالَ كلِّ شيءٍ وبهاءَه هو أن يكون على ما يَجِبُ له". وهو ما نجده عند "شلنج" في تعريفه للجمال بأنه: الصورة المثالية المتحقق فيما هو محسوس.
والجمال هو أحدُ المفاهيم الثلاثة الكبرى في الفلسفة: (الحق، والخير، والجمال)، وهو ما يبحث فيه علم الجمال أو الأستطيقا (Aesthetics). وهو يفسِّر الأشياء وتوازنَها وانسجامَها مع الطبيعة، ويعتمد على تجارب الانجذاب والعاطفة والبهجة في عمق الوعي الحسِّي، وينشأ من تجربة إيجابية صامتة.
وحين سأل "سقراط" تلميذَه "هبياس": ماذا عسى أن يكون الجمال؟ أجابه بأن عدَّدَ له بعض الأشياء الجميلة، فلم يجد "سقراط" بُدًّا من أن يلفت نظر تلميذه إلى أنه لم يكن يسأله عن "الجزئيات" التي تنطبق عليها صفة الجمال، وإنما كان يقصد من وراء سؤاله معرفة ماهية ذلك المدرَك الكلي الذي نسمّيه باسم "الجمال". فليس من من شأن فلسفة الجمال أن تبحث في إحصاء أنواع الجمال، وإنما تنحصر مهمتها في تعرف ماهية "الجميل".
وفي كتابه "الإحساس بالجمال"، يرى الفيلسوف الإسباني "جورج سانتيانا" أنه من السهل أن نجد تعريفًا للجمال، يشرح هذه اللفظة في كلمات معدودة على نحو مفيد. فإنَّا لنعلم، استنادًا إلى الثقاة الممتازين، أن الجمال هو الحق، أو هو التعبير عن المثالي، أو رمز للكمال الإلهي، أو المظهر الحسي للخير. ومن السهل أن نجمع عددًا كبيرًا من أمثال هذه الأقوال التي تعدِّد مآثر الجمال. ولا شكَّ أن هذه الأقوال تبعث على التفكير، كما أنها تولِّد في نفس السامع لذَّةً مؤقتة، إلا أنها لا تقدّم لنا إيضاحًا يدوم؛ فالتعريف الذي يستطيع أن يقوم بوظيفة التعريف الحقَّة لا بد وأن يكون على الأقل عرضًا لمصدر الجمال ومكانته، والعناصر التي يتألف منها باعتباره موضوعًا للتجربة الإنسانية. ويتحتّم عليه أن يدلَّنا بقدر الإمكان على الأسباب التي تؤدِّي إلى ظهور الجمال والمواضع التي يظهر فيها وكيف يظهر، وعلى الشروط التي يجب توافرها في الشيء لكي يصبح جميلًا، وتلك العناصر التي تتألف منها الطبيعة البشرية التي تولد الحساسية إزاء الجمال، وكُنه العلاقة بين تركيب الموضوع وإثارة هذه النزعة الجمالية في نفوسنا. ولا شيء أقل من ذلك يستطيع بحق أن يعرِّف الجمال أو يجعلنا نفهم ماهية التذوق الجمالي.
ويَخلُص "سانتيانا" إلى أن الجمال هو قيمة إيجابية نابعة من طبيعة الشيء، خلعنا عليها وجودًا موضوعيًّا. أو في لغة أقلّ تخصصًا: الجمال هو لذَّة نعتبرها صفةً في الشيء ذاته. وفي رأيه أن الجمال (قيمة)؛ أي أنه ليس إدراكًا لحقيقة واقعة أو لعلاقة، وإنما هو انفعال، انفعال لطبيعتنا الإرادية التذوقية. فلا يكون الموضوع جميلًا إذا لم يُوَلِّد اللذة في نفس أحد. والجمال الذي لا يهتم به أحدٌ مطلقًا إنما هو تناقضٌ في الألفاظ.
رأيٌ للمنفلوطي
وأذكر بالمناسبة أن الأستاذ "مصطفى لطفي المنفلوطي" كتب في نظراته مقالًا قصيرًا عن (الجمال)، قال فيه إن الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة، سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعقولات، وفي الحقائق أم في الخيالات.
ما كان الوجه الجميلُ جميلًا إلا للتناسب بين أجزائه، وما كان الصوت الجميل جميلًا إلا للتناسب بين نغماته، ولولا التناسب بين حبات العِقدِ ما افتتنت به الحسناء، ولولا التناسق في أزهار الروض ما هامت به الشعراء.
وليس التناسب في نظر "المنفلوطي" قاعدةً مطَّردةً يستطيع الكاتب أن يبينها؛ فالتناسب في المرئيات غيره في المسموعات، وفي الرسوم غيره في الخطوط، وفي الشؤون العلمية غيره في القصائد الشعرية، على أنه لا حاجة إلى بيانه ما دامت الأذواق السليمة تدرك بفطرتها ما يلائمها فترتاح إليه، وما لا يلائمها فتفر منه.
وهذا الرأي يُذكِّرني بما قرره الأستاذ "أحمد أمين" في الجزء العاشر لكتاب "فيض الخاطر" من أن قوانين الجمال واحدة مهما اختلفت مادتها الأولية؛ فقد تكون المادة حجرًا فتكون تمثالًا، أو لونًا فيكون تصويرًا، أو صوتًا فيكون مسيقى، أو يكون شعرًا أو نثرًا. وقد ندرك الجمال بأعيننا وقد ندركه بآذاننا، ولكن مع كل هذه الاختلافات هناك صلة مشتركة صار بها الجميل جميلًا وإذا عدمن عدم الجمال. وهذه الصلة تكون في الأدب فيكون أدبًا جميلًا، وفي الموسيقى فتكون جميلة، وفي الصور فتكون جميلة. وعلى مقدار تحقق هذه الصلة يكون مقدار الجمال، سواء كانت هذه الصلة في الشيء الخارجي وحده كما يقول بعضهم، أو في الشخص الرائي والسامع وفي المرئي والمسموع معًا كما يقول آخرون. ولكنها على كل حالٍ قدرٌ مشتركٌ بين جميع فروع الفن.
الأدب فنٌّ جميل
وقد دعا الأستاذ "أحمد أمين" في آخر مقاله إلى أن ندرس الأدب من حيث هو فنٌّ جميل، ومن حيث هو خاضعٌ لقوانين علم الجمال، ومن حيث الارتباط الشديد بينه وبين سائر الفنون الجميلة.
وهذا يتطلب أن عالِم الأدب ينبغي أولًا أن يدرس علم الجمال وما وضع له من قواعد وما أثيرت حوله من مسائل. وإذا كان علم الجمال فرعًا من فروع الفلسفة، فيجب أن يدرس ما يتصل به من فروع الفلسفة وخاصة علم النفس. وهو إذا درَس القواعد العامة لعلم الجمال، استطاع بعد أن يدرس القواعد الخاصة التي يمتاز بها كل فن جميل؛ فالموسيقى تمتاز بأشياء لأن عمادها الصوت، والتصوير يمتاز بأشياء لأن عماده اللون، والأدب يمتاز بأشياء لأن عماده اللفظ والمعاني. ولكن هذه الأشياء التفصيلية لا تُفهَمُ حق الفهم إلا في ضوء النظريات العامة التي تشترك فيها كل الفنون الجميلة. ذلك أن الفنون الجميلة جميعها ترتبط بالعاطفة وتعتمد عليها، وتوضع من أجلها وتقوم بها، فما لم تدرس العاطفة وحاجتها إلى الجمال وغذاؤها بالجمال، لا يمكن أن يُفهم أيُّ فنٍّ ومنه الادب.
بهذه الطريقة وحدها يمكننا أن نفهم الأدب ونقدّره تقديرًا صحيحًا، وبذلك نستطيع أن نضبط النقد الأدبي، ونعالج ما هو فيه من فوضى لا تستند إلى أساس، ويذهب كل ناقدٍ مذهبه ويركب رأسه من غير أن يتحدَّد بحدود تقيِّده، وأسس يلتزمها ويسير عليها.
عِلم الجمال
وينقلنا كلام الأستاذ "أحمد أمين" من (الجمال) إلى (علم الجمال) الذي وضعه الفيلسوف الألماني "بومجارتن" (Baumgarte) (1714 ـ 1762)، ويُعَرَّف كما يقول الدكتور "عبد الرحمن بدوي" في كتاب "فلسفة الجمال والفن عند هيجل" بأنه: "علم الأحكام التقويمية التي تميِّز بين الجميل والقبيح"، وهذا هو التعريف الكلاسيكي. أو بأنه: المعنى الشكلي لعلم نظرية النشاط الجمالي للإنسان. والمضمون الجوهري للنشاط الجمالي هو تشكيل العالَم وَفقًا لقوانين الجمال، وهذا يفترض مقدَّمًا معرفة هذه القوانين، وتكوين وتحقيق تصورات تقويمية تملك أهمية توجيهية للسموِّ بعملية الحياة الفردية والاجتماعية. وعلم الجمال، بوصفه علمًا، مهمته هي تنفيذ قوانين النشاط الجمالي وأشكاله وأحوال تطوُّرِها، وكيفيات تحقيقها ومنظورات تطورها... وقد اعتُبِر قيام هذا العلم "حادثًا ذا أهمية تاريخية شاملة في ارتباطه بالتطورات الهائلة في داخل الوعي الذاتي الأوربي بعامة" كما قال "باوملر".
وموضوع علم الجمال هو الجميل في الفن الذي يبدعه الإنسان. ولهذا يمكن أن يُسَمَّى هذا العلم باسم "فلسفة الفن"، أو على نحوٍ أدق: "فلسفة الفنون الجميلة".
وقد جعل "بومجارتن" مهمة علم الجمال، بوصفه علمًا فلسفيًّا، هي التوفيق بين ميدان الشِّعر الحسِّي وميدان الفكر العقلي، وبالتالي: التوفيق بين حقيقة الشعر والفن من ناحية وحقيقة الفلسفة من ناحية أخرى، وهذا التوفيق يتخذ شكل توسيع الفلسفة بفضل علم الجمال. لقد أدرج "بومجارتن" المعرفة الحسية التي لا يمكن ردُّها إلى المنطق في داخل الفلسفة. وأراد بهذا أن يُوجِدَ للمعرفة الحِسِّيَةِ "أورجانون" خاصًّا بها، يناظر "أورجانون" المنطق الذي أبدعه "أرسطو".
وفي إِثْرِ "بومجارتن" جاء "إيشنبورج"، فعرَّف علم الجمال بأنه نظرية المعرفة الحِسِّية بما هو جميل. وعرَّفَه "إبرهَرد" بأنه قواعد كمال المعرفة الحسية، وعرَّفه "إشنيدر" بأنه نظرية المعرفة الحسية لما هو جميل، وقال إن الفنون هي عرض الكمال الحِسِّي، واقترح "آبشيت" أن يُسَمَّى هذا العلم باسم: "علم فن الشعور".
هل علم الجمال ضروري؟
ومن العجيب أن ثمة من يتساءلون: "لماذا ندرس علم الجمال"؟ والأعجب أنهم يسوقون حُجَجًا معينة تحاول إثبات أن دراسة علم الجمال لا ضرورة لها، أو أنها عقيمة، أو حتى ضارة، ويذهب أصحاب هذه الحجج في (أولها) إلى أنه لا حاجة بنا إلى علم الجمال؛ لأن ما نعرفه عن الفن لا يأتينا من الفلسفة، بل من ميادين أخرى مثل علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا... كما أن متابعة تطور "أساليب" وعصور فنية، كالرومانتيكية، وتطور "أنواع" فنية، كالرواية، هي مهمة مؤرخي كل فن من االفنون.
ولا يمكن أن يفسر لنا أمورًا "كالهارموني" في الموسيقى، أو تأثير أساليب كالاستعارة في الأدب، إلا من كان متمرِّسًا في الفنون الخاصة. ولو أردنا تفسيرات وتحليلات لأعمال فنية معينة، بحيث نستطيع أن نتذوّقها على نحوٍ أكمل، لاستشرنا نقَّادًا في كل الفنون، أو الفنانين أنفسَهم. وبهذا نكون قد أوردنا المصادر الرئيسية لمعرفتنا المتعلقة بالفن. ونظرًا إلى أن هذه المصادر تقدم إلينا كمية هائلة من المعلومات، فإن دراسة علم الجمال لا داعيَ لها ولا ضرورة.
والحجة (الثانية): أن دراسة علم الجمال عقيمة؛ لأن قيمة الفن لا تُعرَف إلا بواسطة تجربة شخصية مباشرة. فلو شئت أن تعرف طبيعة الأعمال الفنية وتفهم معنى تذوقها والاستمتاع بها، فكل ما عليك هو أن تمرّ بالتجربة المباشرة، تجربة مشاهدتها والاستماع إليها. أمَّا إذا حاولت ذلك بالتفكير في الفن والكلام عنه، فإن مآلَك حتمًا إلى الإخفاق.
الحُجَّة (الثالثة): يذهب أصحابُها إلى أن دراسة علم الجمال ضارَّة، لأنها تجمِّد اهتمامَنا بالفن، وتقضي على حيوية الأعمال الفنية وروعتها، وقد كتب الشاعر "كيتس" يقول:
ألا يفِرُّ كلُّ ما هو خلَّابٌ هاربًا
بلمسةٍ مجرَّدةٍ من الفلسفة الباردة؟
إن الفلسفَة لتَحبِسُ أجنحة المَلاك،
وتقهر كل الأسرار بالمِسطرة والخط،
وتُفَرِّغُ الهواءَ المسكون، والمنجم المحاط بالأسرار
وتفكِّكُ نسيجَ قوس قُزَح.
هنا يتحدث "كيتس" باسم الكثيرين ممن لديهم حساسية صادقة للفن وولعٌ به. فلو حللنا الفنَّ وحاسبناه على كل صغيرةٍ وكبيرة، لجعلنا منه شيئًا جامدًا باهتًا؛ فلا يعود كائنًا تشيع فيه الحياة والنشوة المثيرة للخيال والقوة الانفعالية، بل إننا "نقتلُه لكي نَشرَحَه". ولو توقفنا لكي نفكر في تجربتنا المتعلقة بتذوق الفن، وحاولنا أن نفهم العناصر التي تؤلفها، لكان في ذلك خَنقٌ لهذه التجربة. وإذًا فلنتخلَّ عن هذا التحليل، ولنكتفِ بالاستمتاع بالفن، بطريقةٍ تلقائية، وحتى أقصى مدى ممكن. فما علم الجمال إلا ضَربٌ من التجديف ينزع السرَّ عمَّا هو غالٍ ونفيس، ولو أطلقنا له العَنان "لَحَبَسَ أجنحةَ المَلاك".
أمَّا الحُجَّةُ (الرابعة): ولتكن هي الأخيرة هنا، فيزعم أصحابها أن دراسة علم الجمال عقيمة لأن الأعمال الفنية فريدة تمامًا، بحيث لا نستطيع أبدًا أن نجد أي شيءٍ يَصدُقُ على الفن بوجهٍ عام. فعلم الجمال يبحث في طبيعة وقيمة الفن "بوجهٍ عام". وعلى ذلك فإنه يحاول أن يحدد ما هو مشترك بين الأعمال الفنية الخاصة، غير أن الأعمال الفنية لا تشترك إلا في القليل، أو لا تشترك في شيءٍ على الإطلاق. بل إن كلَّ عملٍ فنيٍّ بعينه فريدٌ في نوعه، لا يشبه أي شيء آخر. فلنتأمل قصيدة لووردز ورث، وأوبرا لفاجنر، ولوحة لبيكاسُّو. إننا نسمّي هذه كلَّها "أعمالًا فنية". ولكن ما أعظم الفارقَ بينها! إنها تختلف على أنحاء واضحة معينة؛ إذ إن أحدَها يتألف من كلمات، والثاني من نغمات، والثالث من زيوت على قماش، والأهم من ذلك أن التجربة التي يثيرها أحدُها فينا لا تشبه على الإطلاق تلك التي يثيرها الآخر. وهذا التفرّد بعينه هو الذي نعتز به في العمل الفني. فالعمل هو العمل نفسُه، وهو يختلف عمَّا عداه في العالم.
ولو حاولتَ أن تقول لشخصٍ غارقٍ في الحب إن موضوع حبّه "لا يختلف عن أي إنسانٍ آخر، فهو حيوان من الثدييات له رِجلان وجهاز عصبي معقَّد"، لنَفِدَ صبرُه منك، ولكان على حقٍّ في ذلك. فبرغم صحة ما تقول، فإنك تغفل السمات نفسها المميزة للمحبوبة، التي تنفرد بها ذاتُها الساحرةُ عن سائر البشر. ومثلُ هذا يصدُق على الفن. فإذا فكَّرت في عملٍ تشعر نحوه بإعجابٍ خالص، وليكن روايةً أو لحنًا، لوجدت أنك تحبه نظرًا للسّمة المميزة له، وهي الإثارة الخاصة للقصة أو جاذبية اللحن. فالأعمال الفنية ليست مثل دبابيس الورق أو السيارات التي تخرج من مصنع واحد، كلها متشابهة، وكل منها مماثل في جودته للآخرين.
وهكذا تنتهي هذه الحُجَّة إلى أن من العقم أن نحاول الوصول إلى أية تعميمات عن "الفن"، كتلك التي يحاول علم الجمال أن يصلَ إليها.
ولستُ هنا لأناقش هذه الحجج، ناقدًا ومفنِّدًا؛ فقد تكفل بذلك الناقد الفني والفيلسوف الامريكي "جيروم ستولنيتز "( Jerome Stolnitz) في كتابه الضخم (النقد الفني: دراسة جمالية وفلسفية)، حوالي ثمانمائة صفحة، وترجمه الدكتور "فؤاد زكريا" في لغة دقيقة وأنيقة، ويمكن للقارئ الكريم أن يعود إليه إذا شاء، لكنه ينتهي من مناقشته الطويلة لهذه الحجج التي لم ينكرها أو يستخفّ بها إلى أننا من الضروري أن ندرس علم الجمال، وأن ندرسه بطريقة نقدية، ومعنى ذلك أن نكون مستعدين لتحدِّي اعتقاداتنا المتعلقة بالفن، لكي نحدد مواطن القوة والضعف فيها. وأن ندرس علم الجمال بإحساسٍ من "حب الاستطلاع". وعلينا أن نحاول الاحتفاظ باهتمامنا "بالكشف"، أعني بكشف الجديد عن الفن وعن النظريات المختلفة فيه، والنور الذي يتطاير منها عندما تُقدَح كلٌّ منها ضد الأخرى، وعن علاقات الفن بغيره من مجالات التجربة البشرية.
والحق أن دراسة علم الجمال، كما يقول "ستولنيتز"، يمكن أن تنطوي على إثارة بالغة بالنسبة إلى المثابرين على البحث والتنقيب، والمتمسكين بالروح "النقدية". وإنَّا لَنجدُ لدى معظم الطلاب قدرًا كبيرًا من حب الاستطلاع التلقائي حول هذه المسائل، ما لم يُقتَل حبُّ الاستطلاع فيهم نتيجةً لما يقرؤونه في الكتب المدرسية، أو ما يسمعونه في قاعات الدَّرس.
الفن أجملُ من الطبيعة التي يصورها
بَدَهي أن الفن، في أصوله الأولى على الأقل، كان يحاكي الطبيعة ويصورها، وهو بهذا تابع لها وناقلٌ لآثارها. لكن من علماء الجمال من يرى أن الطبيعة بليدة إذا قيست إلى "الفن"، وأنها خرساء ما لم يُنطقها الإنسان؛ فلولا الخيال، كما يذكر الدكتور "زكريا إبراهيم" في كتابه عن (فلسفة الفن في الفكر المعاصر)، لبدت لنا الطبيعة خَلوًا من كلِّ جمال، مفتقرةً تمامًا إلى كل تعبير، إن لم نقل "عديمة الاكتراث". وأمَّا حين نطلق على بعض الأشياء الطبيعية صفة الجمال، فإننا عندئذٍ إنما ندركها بروح أولئك الفنانين الذين استلبوها لأنفسِهم، وأحالوها إلى ذواتهم، فأضفوا عليها قيمتها، وأبرزوا جانب الجمال فيها، وحدَّدوا لنا الزاوية التي لا بد أن ننظر منها إلى تلك الأشياء حتى نكتشف ما فيها من جمال. ومن هنا فإننا قلما نلتقي بشيءٍ جميلٍ لا تكون يد الفنان قد امتدت إليه، لا لتبرزَه وتُظهِره فحسب، وإنما لتحوِّرَه وتعدِّلَ منه أيضًا. هذا إلى أن جمال الطبيعة، كما لاحظَ "ليوباردي" (Leopardi)، هو في الغالب نادرٌ وعابر، إن لم نقل بأنه زئبقي سريعُ التغيُّر. ولعل هذا هو السر في أن معظم علماء الجمال قد نظروا إلى "الجمال الطبيعي" على أنه في منزلةٍ أدنى بكثير من "الجمال الفني".
ويذكر لنا الدكتور "منصور فهمي" في كتابه "أبحاث وخطَرات"، أنه في القديم الغابر، ومنذ صوَّر الله الإنسان، وأودعه الحواس وأقرَّ فيه العقل والتفكير، هيَّأه لأن يُقبِلَ على كل جميل يقدِّره، ويُدبِرَ عن كل قبيحٍ ينفِّره؛ ذلك هو الطبع المستقيم والذوق السليم، وتلك هي فطرة الله وسنته، ولن تجد لسنو الله تبديلا.
على أن الناس في بدوهم وحضرهم، ومنذ غابرهم وحاضرهم، قد يختلفون في تقدير الجمال والقبح، ويتباينون في إدراك معانيه، وذلك تبعًا لتأثير بيئاتهم وأحوالهم، وتجاربهم، وعقائدهم، وثقافاتهم، وعاداتهم، وأنه مهما يكن بينهم من اختلاف في أحاسيسهم نحو الماديات، أو في أحكامهم العقلية على مظاهر الجمال والقبح، فإن لهم حظًّا مشتركًا يجمعهم في أصول الجمال.
ولقد يختلف الناس في أساليب تفكيرهم، وأنواع معارفهم وعلومهم وأقدارها، كما يختلفون في مقاييس الخير والشرِّ واصطناعها، ومع ذلك فلهم أصولٌ كلية متشابهة في المنطق وقواعد التفكير، ولهم معالم مرعية يترسّمونها في السلوك والأخلاق. وعلى ذلك، فقد يظفر المفكرون بأصولٍ جامعة لتذوق معنى الجمال، تسكن إليها النفوسُ، ويُهتدَى بها.
ويذهب الدكتور "منصور فهمي"، وكان من أكبر أساتذة الفلسفة في مصر، أن مصدر المعنى الجميل هو "الأزلية" وفطرة البشرية التي فطر اللهُ الناسَ عليها حين وهبهم قوى وملكات يتذوقون بها معنى الجمال، وتختلف هذه الملَكات قوةً باختلاف أفرادهم: فمنهم الموهوبون بأشدّها حساسيةً وأزخرها، وأولئك هم الفنانون الحقيقيون. ومنهم من يقدرون للجمالِ آثارَه ويمجِّدون أسراره في مختلِفِ مظاهره، وأولئك هم المثقفون المستنيرون. ومنهم من لا تصل إلى صدورهم نسمات الجمال إلا من مظاهره القوية التي تحمل شحنة هائلة تصل إلى كل نفسٍ وتتغلغل في كل صدرٍ، وأولئك هم سائر الناس.
وإذا كانت "الأزليةُ" هي المصدر القديم الأول لكل جمالٍ خالص غير مشوبٍ، فإن العقل لَيقف حائرًا عاجزًا عن إدراك كُنه الجمال، فيرسل النظريات تلو النظريات، ويبعث بالافتراضات تلو الافتراضات، وهو قانعٌ، في عجزه، بتعريف الجمال بمظاهره وآثاره، وبتقريب معناه عن طريق قصصه وأخباره. وأخيرًا يقول: حسبي من الجمال أنه يبهرني حين يبغتني فأحس أنه الجمال، وأردد: إنه الجمال. سالكًا في ذلك طريق المتصوّف المجذوب حين يقول في ذِكْرِه وتسبيحه: الله هو الله!
إذّا فمصدر الجمال هو تلك الأزلية المطلقة، ومبعث الفنون الجميلة عند الفنان هو ذلك النشاط الحر المتصل بها، لا يقيده قيدٌ، ولا يسيرُ إلا بإلهام.
والإنسان، كما تقول الدكتورة "أميرة حلمي مطر" في كتابها عن "فلسفة الجمال"، يميلُ بطبعه إلى أن يصفَ ما يُرضيه ويعجبه بأنه جميل. ومن هنا يكون من الصعبِ أن نحدِّدَ ما الجمال أو أن نقدِّم تعريفًا للجميل؛ فقد يرى البدويُّ في الصحراء جَمالًا لا يراه ابنُ المدينة، وقد يرى البدائيُّ في الوشمِ وألوان الزينة جمالًا لا يراه الأوروبي، وما يُعجِبُ في الصين قد لا يُعجِب من يعيش في عاصمة الفرنسيين، بل يختلف الذوق بين أبناء الحضارة الواحدة، وذلك بحسب ثقافتهم وبيئاتهم، بل يختلفُ ذوق الإنسان نفسه بحسب درجة تدريبه وتهذيبه... والناسُ فيما يعشقون مذاهبُ!
من جهةٍ أخرى فإن للجمالِ أنواعًا مختلفة، من أهمها ما نراه في الطبيعة من جمال الألوان والأصوات والأشكال، التي يشغف بها صاحب الحس المرهَف من الناس: فكَم تغنّى الشعراءُ بجمال السماء وكواكبها وجمال البحار وشطآنها، بل بجمال المحبوب في كلِّ أحواله! ومن هنا فقد أصبحَ التعبيرُ الجميلُ عن الموجودات الطبيعية من أهم مصادر الفنون الجميلة.
وقد يحدث أن يرى الفنان فيما لا يراه غيرُه من الناسِ ما يثير خيالَه، فيحقق بتعبيره عنه جمالًا فنيًّا: فقد تكون (لوحةٌ) تصوِّرُ وجهًا بائسًا أو تصوِّرُ دمارَ الحروب، قد تتحوّل إلى تحفةٍ رائعة حين تكون قد تضمنت من الجمال الفني ما لا يتضمنه الواقع الخارجي. ولْنذكر على سبيل المثال هنا (لوحةً) لحذاءٍ بالٍ صوَّرها الفنان الهولندي "فان جوخ"، أو (لوحة) "جورنيكا" للحرب الأهلية الإسبانية لـ"بيكاسُّو"، أو قصيدة "الأرض اليباب" للشاعر الإنجليزي/ الأمريكي "إليوت"، أو حتى هجاء "الحطيئة" و"ابن الرومي" في الشعر العربي.
كذلك نرى أن الفنَّ يخلق موجوداتٍ أشدَّ جمالًا وتأثيرًا في النفوس من موجودات العالم الواقعي: فشخصية "أنَّا كارنينا" مثلًا في رواية "تولستوي"، تتحول إلى حقيقة أشد وضوحًا من آلاف النساء المحبات اللاتي نراهن في الواقع، وشخصية "عطيل" في مسرحية "شكسبير" أكثر خلودًا وتأثيرًا من آلاف الرجال الذين تصيبهم الغيرة على من يحبون.
ومن هنا يُرينا الفنُّ الأشياءَ والحياةَ والإنسانَ أوضحَ وأشدَّ تأثيرًا مما نراها في الواقع المحيط بنا. والطبيعة في ذاتها، شأنها شأن أيّ موضوع آخر، ليست جميلةً ولا قبيحةً في ذاتها، ولكنها تتحول بالتعبير الفني إلى شيءٍ جميلٍ يتذوّقه الإنسانُ في (لوحة)، أو في لحنٍ موسيقيٍّ، أو في قصيدة من الشعر.
ويبدو، كما يقول الأستاذ "ظافر الحسن" في مقدمته لترجمة كتاب "علم الجمال" الذي ألفه "دني هويسمان"، أن علاقة الإنسان بالفن علاقة طبع متقدمة على تاريخه. وفي ثنايا الزمان، هذا السديم الذي يتّسع لكل شيء، قرون وقرون من الفن، مجهولة، ومقفلة حتى على الظن. فالإنسان المتوحش فنان، والإنسان المتحضر فنان. وكلاهما عبد الجمال، ومارس عبادته فنًّا؛ نقش الصخر، رمَى عليه من ذات نفسِه، لوَّنه، نضَّد قصيدةً، توهَّم أسطورةً، جعل من القماش معركة مصير، لخَّصَ في تلوينه ملهمة الكون، الإنسان، القيم، الله. تساءلَ، مجَّدَ، تأمَّل، تمرَّد، مزَّق وتمزَّق. فعل كلَّ ذلك فنًّا. جعل من بحثه عن الحقيقة فنًّا، من نشوانه ذاته جمالًا.
والفن توأم الجمال. والفنان الحقُّ هو الذي يصور حتى القبح تصويرًا جميلًا. هو الذي ينأى بذاته فوق معطيات الواقع الفجَّة، ليكون واقعيًّا بفن. فليس المهم تصوير الأشياء كما هي، ولا كما يجب أن تكون، بل تصويرها بطريقة تجعلها موحية، وموحية بمعنى جديد. بوجود مضاف تَبُثُّه فيها الذات التي تتأمل، وتعقل، وتفكر، وتبتكر. الفنان، حتى أشد الفنانين واقعية، لا ينقل الأشياء، بل الصورة التي في نفسِه عنها. إنه يعيد خَلقَها. يغزلها بطريقته هو، وعلى منواله هو، بفذوذيةٍ وأصالة. فالفن أصالة وتمرُّس. وهو بما يتطلب من أناةٍ، من ثقافةٍ عميقة وشمولية، امتداديٌّ بطبيعته، يتأبَّى على الارتجال. إنه صناعةٌ من نوعٍ فريد، والفنان، هذا المتعبِّد، المتعشِّق للجمال، قدره، ضمانة ديمومته، تأبيد اللحظة، تلوين اللفظة، تعميق المأساة، مزاوجة أنغامٍ وحروف وألوان.
وقريبٌ من هذا ما قاله "كانط": إن الجمال الطبيعي شيءٌ جميل، في حين أن الجمال الفنيَّ تصويرٌ جميلٌ لشيءٍ ما. والذوق في رأيه ليس ملَكة خلقٍ وإبداع، بل هو ملَكةُ حُكْمٍ فقط، وإن ما يلائم الذوق لا يكون بالضرورة عملًا فنِّيًا، وإنما قد يكون مجرد أثر صناعي، أو نتاج نفعي، أو عمل ميكانيكي صِرف.
وكثيرًا ما يكون في استطاعة الفنون الجميلة أن تضفي جمال الصورة على أشياء هي في الطبيعة دميمة، أو منفِّرة، أو باعثة على الشعور بعدم الارتياح، فالثورات والحروب والأمراض ومظاهر الدمار، وما إلى ذلك من موضوعاتٍ باعثة على النفور، قد تصبح موضوعاتٍ لقطع أدبية جميلة أو للوحات فنية رائعة، أمَّا القبح الوحيدُ الذي لا يمكن تصويره دون أن يكون في ذلك قضاءٌ على كل لذةٍ جمالية، وبالتالي على كل جمالٍ فني، فهو القبح الطبيعي الذي يثير التقزُّز أو الاشمئزاز. وهذا هو السبب في أن فنًّا كفنِّ النحت (وهو فنٌّ تختلط فيه الطبيعة بالفن) قد اتجه نحو استبعاد شتَّى الموضوعات القبيحة من دائرة إنتاجِه المباشر. بينما راح المثَّالون يصوّرون لنا أشد الموضوعات هَوْلًا كالحرب والموت مثلًا، بصورةٍ جميلة لا تخلو من مظاهر ملائمة ترتاح لمرآها الأعين. وإن كانت هذه الصورة تستند في رأيه، بطريقةٍ غير مباشرة، إلى التفسير العقلي، لا إلى الحكم الجمالي وحده.
رأي "كانط" في الجمال
اختلف الفلاسفة والمفكرون في ماهية الشيء الجميل، والصفات التي من شأنها أن تجعله جميلًا؛ فقال بعضهم إن الشيء الجميل هو الشيء المريح، وقال آخرون إن الشيء المبهج الذي يخلق في النفس حالةً من النشوة والانبساط، وقال غيرهم إنه الشيء المنسق المنظم، وذهب فريق منهم إلى أنه الشيء الجذاب، حتى لو كان غامضًا لا نعرف سر الجاذبية فيه.
وكان الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" يرى أن كل جمال هو مجرد فكرة خاصة نحملها في نفوسنا عن هذا الشيء أو ذاك. وبعبارة أخري فإن الجمال في نظره ينبعث من إحساسنا الذاتي، ولا يوجد وجودًا مستقلًّا عن فكرتنا عنه، لأنه مجرد إحساس ملحق بأحاسيسنا، ولأنه لا يمكن إخضاعه لأيّ مقولة من مقولات الكم والكيف أو العلاقة أو الجهة.
وبعبارة أخرى: "كانط" ينكر وجود الموضوع الجمالي، بل ينكر وجود الشيء الجميل الذي يجلب لنا الإحساس باللذة. فهذا الإحساس مصدره دماغ الإنسان. والجمال يوجد باختصار كمجرد فكرة جمالية يحملها الإنسان عن شيءٍ من الأشياء. والجمال يوجد فقط كفكرة جمالية عن الشيء. ولا يقف "كانط" عند هذا الحد، وإنما يذهب إلى أكثر من ذلك، فيقول إن الجمال ليس لمحة تضمها الفكرة، بل خاصية تنتمي إلى الفكرة ذات العلاقة بقدرة معينة فينا. فالجمال ملامح نضفيها من أنفسِنا على الفكرة، أو نلحقها من جانبنا إلى الشيء.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن "كانط" قد بدأ كتابه "نقد ملكة الحكم" وهو دعامة قوية في بناء علم الجمال، بأن قرَّرَ أنه ليس من الممكن وضع قاعدة بموجبها يستطيع المَرء أن يتعرف جمال شيءٍ ما. ولهذا فإن الحكم على الجمال حكم ذاتي، وهو يتغير من شخصٍ إلى آخر، ولهذا فإنه يختلف عن الحكم المنطقي القائم على التصورات العقلية، وهو لهذا ثابت لا يتغيَّر. ومن هنا فإن الحكم المتعلق بالذوق لا يمكن أن يدَّعي الموضوعية، ولا الكلية. ولهذا عَرَّفَ "كانط" الجمال بأنه: "قانون بدون قانون".
من تأثيرات الجمال
لا وقت هنا، ولا مساحة، لكي أعرض تجليات الجمال وآثاره في نظرتنا إلى الوجود والموجودات. ولا كيف ينقلنا بجاذبيته الساحرة إلى عالم غير الذي نعيش فيه. إن للجمال دولةً وسلطانًا، وسوف أكتفي بعد كل هذا الكلام النظري عنه أن أقدّم ما يشبه الأنموذج التطبيقي لأثره في مشاعرنا وأحكامنا، كنت قد طالعته في مبحثٍ طريف عن "جماليات المظهر الخارجي" في كتاب "التفضيل الجمالي: دراسة في سيكولوجية التذوق الفني" للدكتور "شاكر عبد الحميد"، يذكر فيه أن الأفراد ذوي الجاذبية، كما تشير بعض الدراسات، يكون أداؤهم أفضلَ في المدرسة، سواء تمَّ ذلك من خلال تلقِّيهم لمساعدات أكثر أو حصولهم على درجات أفضل، أو تلقيهم لعقوبات أقل. وفي العمل، تُدفَع رواتب (مخصصات) أكبر لهم، ووظائفهم تكون أعلى مكانةً، كما أنهم يحصلون على ترقيات أسرع. وفي علاقاتهم مع الزملاء، أو الأزواج، فإنهم يكونون أصحابَ القرارات المهمة، وهم غالبًا ما يُنظَر إليهم حتى بواسطة الغرباء عنهم تمامًا على أنهم يتسمون بالجاذبية والأمانة، ويتحلَّون بالفضيلة والنجاح.
وعلاوة على ذلك، ففي القصص الخيالية غالبًا ما يكون الأبطال متّسمين بالوسامة، وتكون البطلات متّسمات بالجمال، بينما الأشرار هم غالبًا أقلّ جمالًا وأكثر قبحًا. ويتعلم الأطفال من ذلك على نحو ضِمني أن الناس الأخيار الطيبين يتسمون غالبًا بالجمال، بينما يتّسم الأشرار بالقبح. ويعيد المجتمع تكرار هذه الرسالة بوسائل عدة حساسة. تقوم الإعلانات، بشكلٍ خاصٍّ، بخلق صور جسد مثالية، لا يستطيع معظم الناس الوصول إليها، لكنهم يرَون مع ذلك أنه ينبغي عليهم محاولة ذلك.
وقد أُجرِيَت على هذا النوع من الجماليَّات دراساتٌ كثيرة، أهم نتائجها ـ كما عرضَها كلٌّ من "دانيال ماكنيل" في كتابه "الوجه" (The Face)، وستيفن بنكر في كتابه "كيف يعمل العقل؟" (How the Mind works?) ـ على النحو الآتي:
1ـ إن الجمال يزخرف الأحكام الذاتية من كل نوع؛ ففي إحدى الدراسات تَبيَّنَ أن الرجالَ يمنحون تقييمات مرتفعة للمقالات الضحلة، إذا عرفوا أن من كتبتها هي امرأة جميلة، كما أن كلًّا من الرجال والنساء يُصدرون أحكامًا جمالية إيجابية ومرتفعة أثر، إذا عرفوا أن اللوحة التي يشاهدونها قد رسمَتها فنانة جميلة.
كذلك كشفت دراسة أخرى عن أن النساء قد يصفن المقال السيئَ بأسوأ مما فيه، إذا كانت كاتبتُه امرأةً جميلة، لكنهم لا يعطون تقديرات مرتفعة مبالغًا فيها إذا كان كاتبُه رجلًا وسيمًا. وهذا معناه أن النساء يَكُنَّ أكثرَ ذاتية في الاتجاه السلبي (خفض التقييم) فيما يتعلق بالنساء، وأكثرَ موضوعية فيما يتعلق بالرجال المتسمين بالوسامة، في حين يكون الرجال أكثر ذاتية وأكثر إيجابية ومجاملة بشكلٍ عام، فيما يتعلق بما تكتبه النساء الجميلات أو ترسمنه.
2ـ وكشفَت دراسة أخرى عن أن الأطباء أنفسهم يدركون المرضَى الأكثر جاذبية على أنهم يعانون من ألمٍ أقل، وأنهم يحتاجون إلى رعاية طبيعية أقل أيضًا، وتعتبر هذه واحدةً من المناسبات القليلة التي يعمل خلالها الجمال ضدَّ أصحابه.
3ـ وتَبيّن من دراسات أخرى أيضًا، أن الأطفال الأكثر جاذبيةً يحظَون باهتمام أكثر، ويُعاقبون أقل في البيت وفي المدرسة، وأن الفتاة الأكثر جمالًا تكون ذات مهارات اجتماعية أكثر فاعلية، وأنها تحظى بمكانة أعلى مقارنة بزميلاتها. وتشير دراسات أخرى كذلك إلى أن المدرسين يعطون درجات أعلى للتلاميذ المتسمين بحسن المظهر، وأنهم يعاقبونهم بدرجة أقل مقارنةً بزملائهم الأقل جاذبية.
4ـ كذلك تبيّن أن المتّسمين بحسن المظهر يكسبون أموالًا أكثر، ويحظون بوظائف ذات مكان أعلى مقارنةً بالأفراد المعتدلين في هذه الناحية، وأن المعتدلين والمتوسطين في جاذبيتهم يكسبون أكثر، أو يحظون بمكانة أفضل مقارنةً بالأقل منهم جاذبية.
5ـ وأظهرَت دراسات أخرى أيضًا أن الافراد الأكثر جاذبيةً يمكنهم أن يسرقوا من المحلات التجارية (بينما يتظاهرون بالشراء) بسهولة أكبر، ودون أن يُكتشَفوا مقارنةً بالأقل جاذبية، بل إنه عندما يُقبَضُ عليهم، ويتم إحضارهم أمام القضاة والمحلَّفين، تستمر المكاسب التي يحصلون عليها (حيث يكون هناك تسامح أكثر معهم).
وفي دراسات أخرى مماثلة، تبيّن أن حسن المظهر قد لا يؤثر في عملية الإدانة أو التجريم، لكنه قد يؤدي أحيانًا إلى تخفيف العقوبة. فقد كشفت نتائج إحدى الدراسات التي أُجريَت على 2235 مُتَّهَمًا في بعض حالات الجُنح، أن القضاةَ قد أصدروا أحكامًا تشتمل على غرامات أقل على الأفراد الأكثر جاذبية، كما طُلِب منهم دفع كفالات إطلاق سراح ذات قيمة أقل أيضًا، مما يشير إلى وجود عنصر ذاتي، حتى في مثل هذه الإجراءات المفترض فيها أن تكون موضوعية.
أعرف أن المقال قد طال أكثر مما يجب، وأحس أنني لم أقل كل ما كنت أزوِّرُه في نفسي من كلام، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول كل ما يريد؟ عزائي أنني حاولت، وأملي وقد وصل القارئ إلى هذا السطر، أن يكون قد انتفع بشيء مما قلت، ولْيسمح لي أخيرًا أن أردِّد قولَ الشاعر:
لم أقُلْ غيرَ ما حسِبتُ مفيدا -- ليت شِعري هل قلتُ شيئًا مفيدا؟!

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)
بيننا وبين ملكة جمال الكون.. شعرة!
- إذا انتُخبتِ اليوم لتكوني ملكة جمال الوطن، شو بتتمنّي تحقّقي؟
- أنا بتمنى ارفع اسم وطني بالعالي، وبتمنّى حقّق السّلام العالمي.
حين طلبت، أيقونة الجمال، "مارلين مونرو"، من "أينشتاين" الزّواج لينجبوا أطفالًا بجمالها وذكائه، كانت إجابته لها: "أخاف أن ننجب أطفالًا بقبحي وبغبائك"، ولكنّها قالت في أحد أفلامها: "أستطيع أن أكون ذكيّة عند الضّرورة"، من قال أنّ الّذكاء والجمال لا يلتقيان؟
لطالما انتظرت حفل انتخاب ملكة الجمال على التّلفاز، المرأة كاملة الأوصاف، وكلّما حان موعد السّؤال الشّهير، الأمنية الكبرى المراد تحقيقها، أنتظر من المتباريات التخلّي عن هذه الإجابة النمطيّة، ولكن يبدو أنّه لم يكن لديهم بديل عنها، فكلّنا نتمنّى السّلام العالمي. ولكن هل هذا التّمنّي ينتظر سلاح الجمال؟ هل سيحارب الخصر النّحيل كروش آكلي الأخضر واليابس؟ وكنت أراني واقفة على المسرح، أفكّر في إجابة مختلفة تكسر بريق الكلام (الفالصو) عند البعض، أبحث عن سؤال مختلف وإجابات أكثر واقعيّة. ولكن، لحظة! أنا لا أمتلك المئة وخمس وستين سنتيمتر التي من دونها لا أنتمي إلى مسطرة الجمال المرسومة على دفاتر الإتيكيت، أو أنّي تخطّيت العمر المطلوب، فأصبحوا يصنّفونني من العجائز وأنا لا أزال في ثلاثينيات السّنين، أو أنّي تزوّجت وأنجبت واحتلّت جسدي بعض التّرهلّات التي لا تتناسب وعرض (المايو) مع الكعب العالي.
لنتّفق أوّلًا ألا نتّفق مع "أينشتاين"، فالمتباريات بشخصيّاتهن لديهنّ جانب من الثّقافة، ولكن ليست وحدها كافية لاعتلاء العرش. وأعود إلى الواقع، أنا مثلهنّ حجزت كرسيًّا في زاوية ثقافيّة، ولكن هل تراني مستفقدة لمعايير الجمال الأفلاطونيّة؟ أم أنّهم يضحكون علينا حين يقولون إنّنا جميعًا ملكات جمال، ولكن (جمال عن جمال بيفرق!)، ونبقى أمام الشّاشة نتابع مجموعة قليلة من الشابّات يتنافسن على التّاج ليحطّمننا على شاطئ رؤياهم، لجنة تقرّر مصير شعب في نظرته لنفسه. لنشرد بعد انتهاء الحفل، في مرآتنا، لسنا أغبياء، وإن كانت هي الملكة، فمن نحن؟ ومن أعطاهم الحقّ بالاستخفاف بجمالنا الذي وهبنا الله إيّاه واقتنعنا به؟ من الممكن أن يقولوا إنّها ملكة جمال العازبات من الشّابات العشرينيّات المنتسبات إلى الجامعات، ويفتحوا المجال أمام الجميع للمشاركة مع إلغاء الشّروط التّعجيزيّة للغالبيّة منهنّ.
أنا أيضًا أريد التّاج الملكي، هذا ما أستحقّ، هكذا أخبرني والدي (رحمه الله)، وقد كان حين أقدّم له الشّاي وقد نسيت أن أضيف السّكر، يقول لي: ضعي طرف إصبعك قليلًا فقط، حتى يتحوّل الشّاي عسلًا. أنا، وأنتِ، وأنتِ، وكلّ واحدة منّا تجسّد الجمال الكلّي في عيني والديها، لكلّ منّا عرش بناه لها والدها، فمن يحاول سلبنَا عرشنا وإقناعنا بغير هذا؟ ومن يحاول تحطيم أنوثتنا على مسرح مصنوع على البركار؟
ولا تقف الأمور عند هذا الحدّ، فهذه الملكة، التي حملت تاج الجمال الوطني، كاسحة المتسابقات على اللقب، وغير المتسابقات، فهي بدورها تعود من جديد لخوض التّنافس على لقبَي: ملكة جمال العالم، وملكة جمال الكون. وباعتبار أنّنا نعلم تمامًا أنّ معايير الجمال تختلف من بيئة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، ما زلت لا أفهم هذه المعادلة التي تتنافس بها السّمراء مع الشّقراء، والصّفراء مع الحمراء، ما هي الحسابات التي يتّبعونها في تحديد المرأة الأجمل في العالم؟ والغريب أنّ الملكة المتوّجة لا تكون صاحبة أجمل عينين، أو ملكة اللّياقة، أو الأكثر ثقافة، إلى ما هنالك من ألقاب يُراضون بها المتباريات. أي أنّهم ينسبون الجمال الكلّي لواحدة، ويقسّمون بعضًا منه على الأخريات، اللواتي هنّ أصلًا مختلفات في كلّ شيء.
فإن كان التّنافس بين الثّقافات يخوّلنا اختيار ملكة جمال للعالم، وفق أسس غير منطقيّة، وغير مبرّرة، فمع أيّ الكواكب نتنافس لاختيار ملكة جمال الكون؟ ربّما لو نافستنا الأميرة (روبينا) من كوكب فيغا، لكانت كسحتنا، وربّما لهذا السّبب أيضًا، أقصينا باقي الكواكب، لنختصر الكون بكوكب الأرض، والمتباريات على جمال العالم، هنّ نفسهنّ اختُصرن بملكة الكون. مسكينة (روبينا) حتى هي تمّ اقصاؤها مثلنا، فالملكة واحدة.
وفي الحقيقة، أن يكون الجمال مُختصر بامرأة، شيء في غاية الذّل لباقي النّساء. ولنقول الأشياء كما هي، في عالم الملوك هناك الملكة، والوصيفة، والجواري، وأنا لم يربّني أبي لأكون من الجواري، ولا أنتنّ. كان يقول لي والدي (رحمه الله) كلّما حان موعد انتخاب الملكة: أنت أجمل منهنّ، قلبًا وقالبًا، كان جادًّا كيف يراني، وكنت أراه يعوّض لي حقّي الذي سلبوه منّي.
ولكنّي اليوم فهمت، وبعد أن قطفت الورقة الأخيرة من الثّلاثين، أنّ الأمر لا علاقة له بالجمال، ولا بالذّكاء، ولا برفع اسم الوطن في العالي، وإنّما هو تجارة في البشر، تجارة من نوع مختلف لا أريد أن أكون جزءًا منها.
لهم قصرهم، ولي قصري!

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية - لبنان)
"استراتيجية" على رفّ الحياة
لم تكن "استراتيجية اختيار السلع" شيئًا سمعته في دورة تطوير ذاتي، ولا نصيحة في كتاب إدارة الوقت. كانت درسًا صغيرًا تعلّمته من أمّي، تلك المرأة التي تقف بثبات في ممرّات المتاجر كما لو أنّها تخوض معركة مصيرية. في مطلع كل شهر، أو منتصفه أحيانًا، نمضي معًا إلى متجر كبير لشراء حاجات البيت. تمسك أمّي بيد عربة ضخمة، وتحمل ورقة كتبت فيها ما نحتاجه بدقّة، ثم تبدأ رحلتها.
كانت القاعدة الأولى التي لقّنتني إيّاها تقول: "لا نأخذ أوّل شيء على الرف". يجب أن نبحث حتى آخر الصفّ، لأن المتاجر تضع المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية في المقدّمة، بينما تُخفي ذات الجودة الأفضل في الخلف.
ثم تُتبع القاعدة بأخرى: "لا تنخدعي بالعروض؛ العروض للجميع. نحن نشتري حاجتنا، لا ما يشتريه الناس". أما الماركات العالمية فلا تُغريها؛ تأخذ ما يناسب ذوقنا، لا ذوق العالم، فلكلّ بيت نكهته، ولكلّ شخص مزاجه.
في إحدى المرّات، طال التسوّق كالعادة، لكنّ أفكاري هي التي هربت بعيدًا. اكتفيت بدفع العربة بينما انشغل عقلي: ماذا لو كانت هذه الاستراتيجية موجودة في حياتنا؟ لماذا نهرع دائمًا إلى أوّل ما يعرضه علينا المجتمع؟ لماذا نختار ما يختاره الجميع، ونُعجَب بما يُعجب به الجميع، ونسير في صفّ طويل لا يعرف أين يمضي؟
من الذي وضع قانون الجمال؟ من الذي قرّر أنّ الشّفاه الممتلئة معيار، وأن الخدود المرتفعة حقيقة نهائية، وأن البطن المسطّح - حتى لو جاء بالعمليات - هو الهدف؟ من الذي منحنا هذا القلق المتواصل على شكلنا، حتى بتنا نسمع أجسادنا تستغيث: "ارحموا قلوبكم وشرايينكم ومعداتكم… الجمال ليس جراحة، والراحة ليست حبّة دواء".
لماذا نخشى أن نبدو عاديين؟ لماذا نختبئ خلف المثالية ونملأ عقولنا بما يراه الناس صوابًا؟ نضع على رفوف أنفسنا ما يضعه الآخرون على رفوفهم، حتى صارت شخصياتنا مخازن لسلع لا تشبهنا.
على الهامش، يقف رجل يعتلي منبرًا يحدّث الناس عن تربية الأبناء وحسن معاملة الزوجة، ثم يعود إلى بيته يصرخ فيه بأعلى صوته، وطفل مطرود من المدرسة، وزوجة على وشك الرحيل. وتقف امرأة تفتي للنساء بكل ثقة، بينما لسانها يأكل أعراضهنّ في الخفاء. ويقف مثقف آخر يحدّثك عن فرويد وسيبويه، ثم ينشر منشورًا مزخرفًا من أجل إعجابٍ افتراضيّ، لا من أجل معرفة حقيقية. بل وحتى "المثقفة" التي تحرص على وضع لقبٍ قبل اسمها - ميم أو دال أو ألف - لتُقال "المهندسة" و"الدكتورة"، بينما العلم في جوهره تواضع لا يُزيَّن بالألقاب.
لماذا نعيش كل هذا التمثيل؟ لماذا نزيّف البساطة، ونخفي هزائمنا خلف طبقات من الظهور؟ لماذا لا نعترف أننا نكسر أحيانًا، ونفشل أحيانًا، وأننا لسنا مثاليين كما نزعم؟
كان أجدادنا يقفون ساعات لالتقاط صورة واحدة، يحبسون أنفاسهم كأنها عملية جراحية، لكن تلك الصور بقيت ذكرى خالدة. لا فلاتر، لا تعديل، لا تزوير. اليوم، نلتقط ألف صورة في الدقيقة، ونضيف قلبين زائفين من منصة التواصل، بينما لا نجرؤ على رفع الهاتف للاتصال بمن نبتسم بجانبه في الصورة.
حتى الغناء لم يسلم؛ صار كلّ صوت جميلًا بعد "تعديل"، وصار كل شخص شاعرًا بعد "نسخ"، وكل إنسان كاتبًا بعد "إضافة" في مربع الذكاء الاصطناعي. ضاعت الأصوات الحقيقية، وضاع الموهوبون وسط ضجيج منتحلي الإبداع.
امتلأت عربة أمّي… وحان وقت الخروج. توقفت أفكاري عند هذا الحدّ. لكن السؤال بقي معلقًا في ذهني: هل ما زال لنا الحقّ في اختيار الجمال بأنفسنا؟ أم أصبح الجمال نفسه منتجًا معدّلاً على رفّ الذكاء الاصطناعي؟
في زمن الخطوط الحمراء، بتنا نخشى إبداء الرأي، نخشى أن نقول "هذا يعجبني" أو "هذا لا يشبهني". لكن الحقيقة واضحة: نحن من سلّمنا أنفسنا. نحن من اخترنا أول ما على الرف.

ماهية الجمال بين الطبيعة والفن والتكنولوجيا.. هل صار الجمال نوعا من الخداع؟
د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر)
الجمال! كلمة يتداولها الناس في يومياتهم للتعبير عن مدى تذوُّقهم للأشياء أو المعاني التي تثير في أعماقهم متعةً ما. وتختلف ماهية الجمال بين الفلاسفة والمفكرين والأدباء قديما وحديثا، شرقا وغربا، وهذا ما سنتناوله في هذا المقال.
لقد اختلف الفلاسفة والأدباء والمبدعون حول معاني الجمال عبر العصور، ولعل الاختلاف الأكبر كان بين أهل اللغة العربية، لأنَّ لغتهم تتيح لهم قدرة سحرية للتفريق أو الدمج بين ما هو مادي وما هو معنوي، كما تتيح لهم التعبير عن مستويات متعددة حول لون واحد مثلا، فالجمال قد يأخذ معنى: الحُسن والنَّضارة والبهاء.. وهذا ما تفتقده معظم اللغات الإنسانية الأخرى إنْ لم تكن جميعها!
فلسفة الجمال: رحلة بين الطبيعة والفن في الفكر الغربي
تُعدّ "الأستطيقا" (Aesthetics) أو فلسفة الجمال، واحدة من أعقد المباحث الفلسفية وأكثرها إمتاعًا، ولطالما وقف الإنسان حائرًا أمام مشهد غروب الشمس (طبيعة) وأمام لوحة فنية تخلد هذا الغروب (فن)، متسائلاً: أين يكمن الجمال الحقيقي؟ هل الفن مجرد مرآة للطبيعة، أم أنه يتسامى عليها؟
الفلسفة اليونانية القديمة (الجمال كنسق موضوعي)
في العصور القديمة، لم يكن الجمال مجرد "ذوق شخصي"، بل كان مرتبطًا بالحق والخير والنظام الكوني.
1. أفلاطون: الفن كظل للحقيقة
كان أفلاطون يرى الجمال في "عالم المُثل" (The Realm of Forms). بالنسبة له، الجمال الحقيقي هو فكرة مجردة ومثالية لا توجد في عالمنا المادي.
- موقف من الطبيعة: الطبيعة هي تقليد باهت لعالم المُثل.
- موقف من الفن: كان أفلاطون متشكّكًا في الفن؛ فقد اعتبره "محاكاة للمحاكاة"، فإذا كانت الشجرة في الطبيعة تقليدًا لفكرة الشجرة المثالية، فإن رسم الشجرة هو تقليد للتقليد، مما يبعدنا درجتين عن الحقيقة.
فالجمال عند أفلاطون عقلي وهندسي، والفن خطر لأنه يخاطب العاطفة لا العقل.
2. أرسطو: المحاكاة والإبداع
خالف أرسطو أستاذه أفلاطون، حيث أعاد الاعتبار للفن وللعالم الحسي.
- مفهوم المحاكاة (Mimesis): لم يقصد بها النقل الحرفي، بل "إعادة الخلق"، فالفنان لا ينسخ الطبيعة كما هي، بل يبرز الجوهر الكامن فيها.
- الفن يكمّل الطبيعة: رأى أرسطو أنَّ "الفن يكمل ما عجزَت الطبيعة عن إتمامه". فالطبيعة قد تُنتج شجرة ناقصة أو مشوهة، لكن الفنان يستطيع رسمها في أكمل صورها.
- التطهير (Catharsis): الجمال الفني مثل (التراجيديا) له وظيفة نفسية، وهي تنقية النفس من الانفعالات.
العصر الحديث (التحوّل نحو الذاتية والروح)
مع دخول العصر الحديث، انتقل سؤال الجمال من "ما هو الشيء الجميل؟" (موضوعي) إلى "كيف نشعر بالجمال؟" (ذاتي).
1. إيمانويل كانط: الجمال والذوق
يُعدّ كانط نقطة تحوّل كبرى في كتابه "نقد ملكة الحكم".
- الجمال مُنزّه عن الغرض: الجميل هو ما يرضينا دون أن تكون لنا مصلحة فيه (أنت تحب اللوحة ليس لأنك تريد بيعها، بل لمجرد تأمّلها).
- الطبيعة والفن: يرى كانط علاقة تبادلية طريفة:
- الفن جميل حينما يبدو كأنه طبيعة (تلقائي وحر).
- الطبيعة جميلة حينما تبدو كأنها فن (منظمة ولها غاية).
- الجليل (The Sublime): ميّز كانط بين "الجميل" (مثل زهرة) و"الجليل" (مثل عاصفة هوجاء أو جبال شاهقة). الجليل هو جمال الطبيعة المرعب الذي يشعرنا بصغر حجمنا وعظمة الطبيعة في آن واحد.
2. هيجل: تفوّق الفن على الطبيعة
جاء هيجل ليقلب الطاولة على الفكر الكلاسيكي، مُعليًّا من شأن الفن على حساب الطبيعة.
- الجمال هو تجلّي الروح: يرى هيجل أنَّ الجمال هو الظهور المحسوس للفكرة (الروح المطلق).
- لماذا الفن أسمى؟ لأنَّ الفن نتاج الروح والعقل البشري، بينما الطبيعة عمياء وغير واعية. يقول هيجل: "إنَّ أدنى فكرة تدور في عقل الإنسان هي أسمى من أعظم عمل في الطبيعة"، فاللوحة التي يرسمها الفنان تحتوي على وعي وروح لا توجد في المشهد الطبيعي الصامت.
مقارنة سريعة: الفن مقابل الطبيعة
الفيلسوف: الجمال في الطبيعة. الجمال في الفن. العلاقة بينهما.
أفلاطون: تقليد لعالم المُثل. تقليد للتقليد (مُضلِّل). تباعد (الفن يبعدنا عن الحقيقة).
أرسطو: مادة أولية. تهذيب وإكمال للطبيعة. تكامل (الفن يكمل الطبيعة).
كانط: مصدر للشعور بـ "الجليل". تعبير عن "العبقرية". تشابه (كل منهما يشبه الآخر في حريته).
هيجل: جمال غير واعٍ (أدنى). جمال واعٍ وروحاني (أسمى). تفوق (الفن يتفوق على الطبيعة).
الجمال كجسر واصل
نخلص من رحلة الفلسفة الغربية إلى أنَّ العلاقة بين الطبيعة والفن ليست علاقة صراع، بل هي علاقة جدلية.
- في القِدَم: كان الفن يحاول اللحاق بكمال الطبيعة ونظامها الهندسي.
- في الحديث: أصبح الفن وسيلة الإنسان لإضفاء المعنى والروح على الطبيعة الصامتة.
اليوم: لا نزال نعيش هذا التداخل؛ فنحن نبحث عن الطبيعة العذراء لنستريح، ونلجأ إلى الفنون لنفهم أنفسنا ومشاعرنا التي تعجز الطبيعة عن تفسيرها.
فالجمال، في النهاية، هو تلك القيمة التي تجعل الوجود محتملاً، سواء وجدناها في ورقة شجرة أو في سيمفونية موسيقية.
تجليّات الجمال في الفكر العربي: من "جلال الحق" إلى "إبداع الإنسان"
إذا كانت الفلسفة الغربية قد انطلقت في بحث الجمال من "المحاكاة" والجسد، فإن الفلسفة العربية والإسلامية انطلقت من "التجريد" والروح، فلم يكن الجمال عند العرب مجرد متعة للعين، بل كان طريقًا إلى المعرفة، ودليلاً على الصانع، وتناغمًا كونيًّا يربط الأرض بالسماء. وننطلق في رحلة استكشافية لماهية الجمال بين الطبيعة والفن في العقل العربي.
أولاً: الفكر العربي القديم (الجمال كحقيقة مطلقة): في التراث العربي القديم، امتزجت الفلسفة بالتصوّف وعلم الكلام، فجاء تعريف الجمال شموليًّا لا يفصل بين "الشكل" و"المعنى".
1. الجمال كصفة للكمال (ابن سينا والغزالي): لم يرَ الفلاسفة العرب الجمال في الطبيعة كهدف ذاتي، بل كمرآة.
- ابن سينا: ربط الجمال بالضرورة والكمال، فالشيء الجميل هو الذي استوفى شروط وجوده، والطبيعة جميلة لأنها نظام محكم يعكس حكمة الخالق.
- أبو حامد الغزالي: نقل الجمال من "البصر" إلى "البصيرة". قسم الجمال قسمين:
- جمال مُدرك بالحواس: (تناسق الأعضاء، الألوان في الطبيعة).
- جمال مُدرك بالعقل: (جمال الأخلاق، العلم، والنظام).
فهو يرى أنَّ الجمال الحسي في الطبيعة والفن هو "أنموذج مصغر" لجمال العالم الروحاني، وظيفته إثارة الشوق إلى الجمال المطلق (الله).
2. ابن الهيثم: علم النفس الجمالي: قبل قرون من نظريات علم النفس الحديثة، حلل ابن الهيثم في كتابه "المناظر" كيف ندرك الجمال بصرياً في الطبيعة والفن.
- حدّد عناصر موضوعية للجمال مثل: الضوء، اللون، التناسب، والوضع.
- رأى أنَّ "الفن" (كالخط أو العمارة) يكون جميلاً عندما يحقق التناغم بين هذه العناصر، تماماً كما تفعل الطبيعة في خلق الزهور أو تشكيل الجبال.
3. الصوفية وجدلية الطبيعة والفن (ابن عربي): عند المتصوفة، العالم كله (الطبيعة) هو "مظهر" لأسماء الله الحسنى.
- الطبيعة: هي تجلٍّ (Theophany) للخالق، فالجمال في الزهرة ليس ملكاً للزهرة، بل هو نور إلهي سقط عليها.
- الفن: الفنان الصوفي لا يحاكي الطبيعة (لا يرسم شجرة واقعية)، بل يحاول محاكاة "قوانين الطبيعة" الهندسية. لذا برع العرب في "الرقش" (Arabesque) والزخرفة الهندسية، محاولين التعبير عن "اللانهائية" بدلاً من رسم كائنات فانية.
ثانيا: الفكر العربي الحديث (البحث عن الهوية والإنسان): مع احتكاك العرب بالحداثة الغربية، تغيّر مفهوم الجمال من "التأمل في الكون" إلى "التعبير عن الذات والهوية".
1. زكي نجيب محمود: الجمال كقيمة: حاول زكي نجيب محمود الموازنة بين العقل (الوضعية المنطقية) والوجدان.
- يرى أنَّ الفنان العربي القديم لم يهتم بنقل الطبيعة كما هي (فوتوغرافيًّا) لأنه كان يراها زائلة، بل اهتم بـ"التحوير" (Stylization) للوصول إلى الجوهر الباقي.
- في العصر الحديث، دعا إلى فن يجمع بين هذا العمق الروحي وبين التعبير عن مشكلات الإنسان المعاصر.
2. أدونيس: الجمال كهدم وبناء: في كتاباته النقدية (مثل "الثابت والمتحوّل")، يرى أدونيس أنَّ الجمال يكمن في التجديد والصدمة.
- نقد التقليد: انتقد النظرة التي تجعل الفن مجرد تكرار لقوالب الماضي (سواء في الشعر أو الرسم).
- الطبيعة والفن: يرى أنَّ الفن يجب أنْ يعيد تشكيل الطبيعة واللغة لخلق "عالم جديد" موازٍ، وليس مجرد وصف للطبيعة الموجودة.
3. عفيف بهنسي: جمالية الخط والرقش: من أهم المفكرين الذين دافعوا عن "الجمالية العربية" الخاصة، حيث يرى أنَّ الفن العربي (الخط، الزخرفة) تفوّق على الطبيعة من خلال:
- التجريد: التخلص من الثقل المادي للطبيعة والتحليق في عالم الرموز.
- الفن العربي لا ينافس الطبيعة في "خلقها البيولوجي"، بل ينافسها في "نظامها الرياضي".
مقارنة: الرؤية العربية للجمال بين الطبيعة والفن قديما وحديثا
المحور: الفكر العربي القديم (الكلاسيكي/ الصوفي). الفكر العربي الحديث والمعاصر.
الهدف من الجمال: الارتقاء من الحسي إلى الروحي (معرفة الله). التعبير عن الذات، الهوية، والواقع الإنساني.
العلاقة بالطبيعة: الطبيعة "آية" ورمز، لا تُرسم لذاتها بل لنظامها. الطبيعة مادة خام لإسقاط مشاعر الفنان ورؤيته.
الفن (المحاكاة): رفض المحاكاة الحرفية (الواقعية)، واللجوء للهندسة والخط. دمج التجريد التراثي مع المدارس الفنية الحديثة.
مقياس الجمال: التناسب، الاعتدال، وموافقة الحق. الصدق الفني، الجدة، والقدرة على التأثير.
الفن إكمال للنقص
يمكن القول إنَّ الفلسفة العربية نظرت إلى العلاقة بين الطبيعة والفن نظرة "تكامل لا تماثل"، فالطبيعة تمثّل "الخلق الإلهي" المُعجز في مادته، بينما الفن يمثل "السعي الإنساني" لتنظيم هذا العالم وفهمه.
- الفنان العربي القديم هرب من فناء الطبيعة إلى خلود الزخرفة الهندسية.
- والفنان العربي الحديث عاد إلى الطبيعة والواقع، لكنه يحمل في ريشته وقلمه ذاكرة تراثية ترى الجمال في "المعنى" لا في "الشكل" فحسب.
فالجمال عند العرب، قديمًا وحديثًا، يظـل رحلة بحث عن "النور" الكامن خلف كثافة المادة.
ولكن كيف تطور مفهوم الجمال وجدلية "الطبيعة والفن" في الأدب العربي، وكيف تحولت الكلمة من "مرآة عاكسة" للطبيعة إلى "خالق" لجمال موازٍ؟
مرايا الروح والآفاق: جدلية الجمال بين الطبيعة والفن في الأدب العربي
لطالما كان الأدب العربي "ديوانا" يُسجّل تفاعل العربي مع محيطه، فلم تكن العلاقة بين "صنعة الأدب" (الفن) و"عفوية الوجود" (الطبيعة) ثابتة، بل تأرجحَت بين المحاكاة الدقيقة، والمنافسة الضارية، والتماهي الروحي. وفيما يلي رصد لهذا التحول عبر العصور:
1. العصر الجاهلي: الجمال في "الصدق الحسي" ودقة التصوير
في الصحراء المترامية، كانت الطبيعة هي "السيد" والفن (الشعر) هو "الشاهد"، فلم يكن الإنسان في العصر الجاهلي يسعى إلى تجميل الطبيعة، بل لنقلها كما هي ببراعة لغوية.
- الطبيعة (الرهبة والأنموذج): الجمال في الطبيعة كان مرتبطًا بالقوة والصلابة، فالنّاقة الجميلة هي الناقة القوية، والحصان الجميل هو السريع، فالطبيعة قاسية، ولذلك كان "الجمال" فيها هو ما يعين على البقاء.
- الفن (المحاكاة البارعة): كان معيار الجمال الفني هو "دقة التشبيه"، فقد أبدع امرؤ القيس وطرفة بن العبد في وصف الليل، والمطر، والحيوان.
- الفلسفة الجمالية: الفن هنا هو كاميرا عالية الدقة، فالشاعر المبدع هو مَنْ يجعل السامع يرى المشهد (ظباء الصحراء، أطلال الديار) وكأنه أمامه.
مثال: وقوف الشعراء على "الأطلال" كان مزجًا بين جمال الطبيعة (المكان المقفر) وجمال الوفاء الإنساني (الفن العاطفي).
2. العصر العباسي: انتصار "الصنعة" على "الفطرة"
مع انتقال العرب إلى الحاضرة (بغداد) وازدهار الحضارة، تغيّرت المعادلة، فلم تعد الطبيعة تلك الصحراء الموحشة، بل تحوّلت إلى "بساتين وهندسة"، وهنا، بدأ الفن يعلن تفوّقه على الطبيعة.
- جمال "الصنعة" (Artifice): ظهر تيار "البديع" مع بشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبي تمام. أصبح الجمال في الشعر يعتمد على العقل، الزخرفة اللفظية، والتوليد المعنوي.
- المنافسة: أصبح الشاعر يرى أن قصيدته أجمل من الرّوضة، لأن الروضة تذبل، أما القصيدة فخالدة.
- يقول النقاد في هذا العصر: "أحسن الشعر أكذبه"، بمعنى أن الفن هو إعادة خلق للواقع بخيال واسع، وليس نقلاً حرفيًّا له.
- الطبيعة المُؤَنسنَة: لم يعد الوصف وحشيًّا؛ فالطبيعة في شعر البحتري أو ابن الرومي طبيعة "مثقفة"، تتناغم مع مجالس الشراب والقصور.
3. العصر الأندلسي: الطبيعة كلوحة فنية (التماهي الكامل)
في الأندلس، وصلت العلاقة بين الطبيعة والفن إلى ذروتها، فالطبيعة هناك كانت خلابة إلى درجة أنَّ الأدباء تعاملوا معها وكأنها "عمل فني" بحد ذاتها.
- الطبيعة تقلد الفن: انقلبت الآية؛ فبدلاً من أن يشبّه الشاعرُ الزهرةَ بالفتاة، أصبح يشبه الطبيعة بالمصنوعات الفنية (الماء كاللجين/ الفضة، الزهر كالديباج/ الحرير).
- التشخيص (Personification): برع ابن خفاجة وغيره في جعل الطبيعة كائنًا حيًّا: النهر يضحك، والغصن يكتب، والنسيم يعاتب.
ذابت الحدود بين الاثنين، فأصبحت القصيدة "روضة مكتوبة"، والروضة "قصيدة مرئية".
4. العصر الحديث: الطبيعة "معبد" والفن "صلاة"
مع مدرسة المهجر (جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة) وجماعة أبولو، تأثّر الأدب العربي بالرومانسية الغربية، فانتقل الجمال من "العين" إلى "القلب".
أ. الرومانسية (مدرسة المهجر وأبولو)
- الطبيعة كملجأ: هرب الشعراء من ضجيج المدن المادية إلى "الغاب" (كما في قصيدة المواكب لجبران)، فالطبيعة هنا هي رمز للطهر، والحرية، والجمال المطلق الذي لم يلوثه البشر.
- الفن كتعبير عن الروح: لم يعد الفن وصفًا للظاهر (شكل الشجرة)، بل وصفًا للأثر الذي تتركه الشجرة في النفس.
- الشابي: يرى الجمال في "إرادة الحياة" داخل الطبيعة (العاصفة، الجبل).
- إيليا أبو ماضي: يرى الجمال في التأمل الفلسفي (الجمال في عين الرائي: كن جميلاً ترَ الوجود جميلا).
ب. الرمزية والواقعية (الشعر الحر وما بعده)
- تحوّل الجمال في الطبيعة إلى "رمز". الأرض عند محمود درويش ليست مجرد تضاريس جميلة، بل هي "هوية" و"أمّ".
- أصبح الفن (قصيدة النثر مثلاً) يبحث عن جماليات جديدة لا تعتمد على تناسق الطبيعة المعتاد، بل قد تجد الجمال في التناقض، وفي الألم، وفي تفاصيل الحياة اليومية الهامشية.
تطور وظيفة الجمال
يمكن تلخيص رحلة الجمال بين الطبيعة والفن في الأدب العربي كالتالي:
1. المرحلة الوصفية (الجاهلي): الفن مرآة صافية لطبيعة قاسية.
2. المرحلة الزخرفية (العباسي): الفن جوهرة عقلية تتفوق على الطبيعة الخام.
3. المرحلة التصويرية (الأندلسي): الفن والطبيعة توأمان يرتديان حلة واحدة.
4. المرحلة الروحية (الحديث): الطبيعة مرآة لروح الفنان، والفن هو صدى لمشاعر الإنسان تجاه الكون.
لم يلغِ الأدب العربي الطبيعة يومًا، لكنه انتقل من الانبهار بها إلى محاولة إعادة تشكيلها بالكلمات لتناسب أحلام العربي وآلامه عبر التاريخ.
ومن "النظريات الفلسفية" إلى "التطبيق الجمالي"، نقف عند أربع محطات شعرية فارقة، تمثل كل واحدة منها حقبة زمنية، وتكشف كيف تعامل الشاعر (الفنان) مع الطبيعة: هل خضع لها؟ أم أعاد هندستها؟ أم اتحد معها؟
1. العصر الجاهلي: "امرؤ القيس" وجمال الرهبة (الطبيعة كقوة قاهرة)
في الجاهلية، كانت الطبيعة أكبر من الإنسان. الفن هنا كان محاولة "لترويض" هذه الوحشية عبر وصفها بدقة متناهية.
- النص (من المعلقة):
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ - عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ - وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
التحليل الجمالي:
- الطبيعة: هنا "الليل" ليس مجرد وقت للنوم، بل هو كائن حي عملاق، له عمود فقري (صلب) وصدر (كلكل)، ويشبه موج البحر في ثقله وتتابعه.
- الفن: لم يحاول امرؤ القيس "تجميل" الليل أو جعله لطيفًا، فجمال الفن هنا يكمن في "الصدق التصويري"، فالشاعر يرسم الطبيعة وهي تبتلعه، والجمال هو في قدرة اللغة على نقل هذا الشعور بالضآلة أمام جبروت الطبيعة.
2. العصر الأندلسي: "ابن خفاجة" وجمال الأنسنة (الطبيعة كإنسان)
في الأندلس، ذاب الفارق، فالطبيعة ليست وحشًا (الجاهلية) ولا مادة هندسية (العباسي)، بل هي "صديق" وشخصية ذات مشاعر.
النص (يصف الجبل):
وَأَرعَنَ طَمّاحِ الذُؤابَةِ باذِخٍ -- يُطاوِلُ أَعنانَ السَماءِ بِغارِبِ
يَسُدُّ مَهَبَّ الريحِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ -- وَيَزحَمُ لَيلاً شُهبَهُ بِالمَناكِبِ
وَقورٍ عَلى ظَهرِ الفَلاةِ كَأَنَّهُ=طِوالَ اللَيالي مُفَكِّرٌ في العَواقِبِ
التحليل الجمالي:
- الطبيعة: الجبل ليس صخراً، بل هو "شيخ وقور" يطمح للعلو، يزاحم النجوم بكتفيه، ويفكر في عواقب الأمور.
- الفن: وظيفة الفن هنا هي "التشخيص"(Personification). فالجمال الأندلسي يكمن في بث "الروح" في الجماد، فالفن أعطى الجبل "وعياً إنسانياً"، فأصبحنا نتعاطف مع الجبل وكأنه شيخ حكيم وحيد.
3. العصر الحديث: "جبران خليل جبران" وجمال الروح (العودة إلى الأصل)
في العصر الحديث، ومع مدرسة المهجر، يرفض الشاعر تعقيدات الحضارة (الفن المصطنع) ويدعو للعودة إلى الطبيعة البكر، حيث الجمال الإلهي الصافي.
النص (قصيدة المواكب):
أَعطِني النايَ وَغَنِّ -- فَالغِنا سِرُّ الخُلود
وَأَنينُ النايِ يَبقى -- بَعدَ أَن يَفنى الوُجود
هَل اِتَّخَذتَ الغابَ مِثلي -- مَنزِلاً دونَ القُصور
فَتَتَبَّعتَ السُواقي -- وَتَسَلَّقتَ الصُخور
التحليل الجمالي:
- الطبيعة: "الغاب" هنا ليس مكانًا جغرافيًّا، بل هو رمز للحرية، والبراءة، والحقيقة المجردة من زيف المجتمع (القصور).
- الفن: "الناي" و"الغناء" ليسَا مجرد طرب، بل هما لغة الروح التي تتّحد مع الطبيعة، فعند جبران، الفن هو الصلاة التي يمارسها الإنسان في معبد الطبيعة، والجمال الحقيقي هو التخلص من "المصنوع" والعودة إلى "المطبوع".
الخلاصة المقارنة
- عند امرؤ القيس: الفن كاميرا تصوّر رهبة الطبيعة.
- عند المتنبي: الفن مهندس يعيد تنظيم الطبيعة لتشبه القوة البشرية.
- عند ابن خفاجة: الفن ممثِّل مسرحي يلبس الطبيعة قناع الإنسان.
- عند جبران: الفن طريق صوفي للذوبان في روح الطبيعة.
هذه النماذج تظهر كيف أنَّ "الجمال" ليس قيمة ثابتة في النص الأدبي، بل هو كائن يتشكل حسب رؤية الشاعر للعالم من حوله.
التطور التكنولوجي وأثره في مفهوم الجمال
لقد أثّر التطور التكنولوجي في ماهيّة الجمال بشكل عميق، إلى درجة جعل بعض المفكرين يتحدثون عن تحوّل الجمال من قيمة أصيلة إلى صناعة مصطنعة، بل وإلى شكل من الخداع أحيانًا.
ويمكن تناول هذا السؤال من عدة زوايا فلسفية وجمالية وثقافية:
أولًا: الجمال بين الأصالة والمحاكاة
كان الجمال في التصوّر الكلاسيكي مرتبطًا بـالطبيعة والتناسق والإحساس الفطري والتعبير الصادق عن الذات.
ولكن التقنيات الحديثة ـ من الفوتوشوب والتجميل الرقمي إلى الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي ـ أنتجت نماذج جديدة من الجمال تُصنع صناعات، وتُضبط وتُعدّل وتُهندس، بحيث أصبح الجمال قابلاً للتصميم حسب رغبة السوق.
فلم يعد الجمال "اكتشافًا"، بل صناعة تخضع للمؤثرات والخوارزميات.
ثانيًا: من الجمال الطبيعي إلى الجمال المصنوع
التكنولوجيا خلقت نوعًا من معايير الجمال الموحَّدة: وجوه متشابهة، وبشرة بلا عيوب، وأجساد وفق مقاييس محددة، وصور مثالية لا تشبه الواقع.
وقد أدى هذا إلى تشويه معنى الجمال؛ لأنَّ ما يُعرض للناس ليس جمالًا حقيقيًّا، بل "نسخة مُعدّلة" أقرب إلى الخيال، وبالتالي أصبح الجمال أحيانًا "خداعًا بصريًّا"، يُخفي الواقع بدلاً من أن يعبر عنه.
ثالثًا: فلسفة الجمال في زمن التكنولوجيا
هنا تظهر أفكار عدد من المفكرين:
1. بودريار (Jean Baudrillard): تحدث عن "النسخ" و"الصور التي تحل محل الحقيقة"، أي أننا نعيش في عالم تتحول فيه الصورة إلى واقع بديل، والجمال إلى محاكاة تحجب الحقيقة.
2. وولتر بنيامين: رأى أنَّ التكنولوجيا سلبت العمل الفني "هالته" الأصلية، أي تلك "القدسية" التي كانت تحيط بالفن والجمال.
3. زيغمونت باومن: أكد أنَّ الحداثة السائلة جعلت الجمال سلعة قابلة للتغيير المستمر، وأن الإنسان لم يعد يبحث عن الجمال، بل عن صورة جميلة عنه هو نفسه.
رابعًا: هل التكنولوجيا تشوّه أم تكشف؟
يمكن القول إنَّ التكنولوجيا تشوّه الجمال عندما: تفرض قوالب معينة أو تخلق توقعات غير واقعية وتحوّل الجمال إلى سلعة ممسوخة وتزرع الشعور بالنقص عند الناس. وتكشف الجمال عندما: تتيح التعبير الفني بوسائل جديدة وتوسّع مفهوم الجمال وتمنح المبدعين مساحات ابتكار غير محدودة. بمعنى أنَّ التكنولوجيا ليست بطبيعتها مُفسدة للجمال، لكن طريقة استخدامها هي التي تحدد أثرها.
خامسًا: الجمال بين الحقيقة والزيف
صار الإنسان اليوم يعيش بين صورتين: صورته الواقعية وصورته الرقمية المعدلة. ومع الوقت بدأ كثيرون يفضلون الصورة الرقمية، مما يطرح سؤالًا فلسفيًا خطيرًا: هل أصبح الجمال الحقيقي هو ما تقوله الخوارزميات؟
إنَّ هذا التحوّل يدفع بعض الباحثين إلى القول بأن التكنولوجيا حرّفت ذائقتنا، فصرنا نرى الجمال حيث تصنعه لنا الشاشات لا حيث يوجد في الواقع.
نعم، التطور التكنولوجي أثّر بعمق في مفهوم الجمال، حتى أصبح في كثير من الأحيان: جمالًا مزيفًا لا يشبه الواقع، وخداعًا بصريًّا يخفي العيوب، وتشويهًا لمفهوم الجمال الطبيعي والفطري. لكن في الوقت نفسه، يمكن للتكنولوجيا أن تُعيد تعريف الجمال بشكل أكثر رحابة واتساعًا إذا أحسن الإنسان توظيفها.
بين الجمال الحسي والجمال المعنوي في المرأة
أولًا: الجمال الحسي (الجمال المادي/ المرئي): هو الجمال الذي تدركه الحواس مباشرة، وخاصة البصر، ويتمثل في الصفات الشكلية التي يمكن ملاحظتها دون جهد.
خصائصه:
- يعتمد على الملامح: كنعومة البشرة، وتناسق الوجه، وإشراق العينين، والابتسامة، والشعر.
- يقوم على التناسق والنِّسب الهندسية المحبّبة، كما تحدّث عنه فلاسفة الجمال.
- تأثيره سريع وآني، لذلك قد يُبهر من اللحظة الأولى.
- قد يتأثر بالزمن، والمرض، والظروف، والتقدّم في العمر.
- يميل إلى التشابه بين البشر بسبب المعايير الجمالية المنتشرة في الإعلام.
- طبيعته: جمال خارجي، ولا يعبّر بالضرورة عن شخصية المرأة أو قيمها.
ثانيًا: الجمال المعنوي (الجمال الروحي/ الداخلي): هو الجمال الذي يتعلق بالنفس والروح والصفات الأخلاقية والسلوك والذكاء العاطفي. لا يُدرك بالكامل بالحواس، بل عبر التجربة والمعايشة.
خصائصه:
- يتمثل في: الرقة والرحمة، والذكاء والوعي، والحياء والوقار، والأخلاق ولطف القول، والثقة بدون غرور، والحكمة وعمق النظرة للحياة، وتأثيره تراكمي؛ يزداد كلما تعرف الشخص أكثر على المرأة، ولا يزول مع الزمن، بل قد يزداد جمالًا مع الخبرة والنضج. وهو جمال فريد لا يُقلّد ولا يصنعه تجميل أو تقنية.
طبيعته:
- جمال داخلي صادق يصدر عن روح سليمة ونفس مطمئنة.
- يمسّ القلب ويؤثّر في العلاقات الإنسانية بعمق.
العلاقة بينهما:
- الجمال الحسي يجذب، لكن الجمال المعنوي هو الذي يبقي.
- الجمال الخارجي قد يكون مدخلًا أوليًّا، لكن الجمال الداخلي هو الذي يصنع الانجذاب الحقيقي والراحة النفسية والاستمرارية.
- الفلاسفة أكدوا أنَّ الروح الجميلة تُضفي جمالًا على الوجه، بينما الجمال الشكلي لا يعوّض قبح السلوك.
- الجمال الحسي: خارجي، ومرئي، وسريع الملاحظة، ولكنه زائل ومتغير.
- الجمال المعنوي: داخلي، وروحي، ويتكشف مع الزمن، وهو الأثبت والأعمق أثرا.
تغير مفهوم الجمال في العقود الأخيرة
لقد تعرّض مفهوم الجمال في العقود الأخيرة إلى قدرٍ من العبث والتحريف نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: الطب التجميلي، والتكنولوجيا الرقمية، والسوشيال ميديا. والنتيجة هي تكوين صورة مُصطنعة للجمال، تكاد تُزاحم الجمال الطبيعي بل تتفوّق عليه في أعين الناس، وتصل أحيانًا إلى حدِّ خداع الإنسان. وفيما يلي تحليل متكامل لهذه الفكرة:
1. العبث بالجمال عبر الطب التجميلي
طب التّجميل اليوم لم يعد يكتفي بمعالجة العيوب، بل أصبح يسعى إلى خلق نماذج جديدة من الوجوه وفق موضة عالمية واحدة: شفاه أكبر وخدود ممتلئة وفك حاد وأنف أقرب إلى قوالب مثالية جاهزة.
وهكذا تحوّل الجمال من تفرّدٍ شخصي إلى قالبٍ موحّد، مما أفقد الملامح روحها الطبيعية.
أنشأ الطب التجميلي "جمالًا مُنتَجًا" لا ينتمي إلى الطبيعة، مما يدفع الناس إلى رؤية الجمال الطبيعي على أنّه "ناقص" أو "يحتاج تعديلًا".
2. العبث بالجمال عبر التكنولوجيا الرقمية
أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي، والفلاتر، وبرامج تعديل الصور قادرة على:
- إزالة العيوب بالكامل، وتنعيم البشرة بدرجة غير ممكنة في الطبيعة، وتحسين الإضاءة والألوان، وإعادة نحت الوجه رقميًّا، وفي بعض الأحيان تنتج صورًا أجمل من الواقع وأكثر إثارة من القدرات التي يملكها الإنسان نفسه.
ارتفعت معايير الجمال إلى مستوى خيالي وغير واقعي، حتى باتت الصور المثالية هي المرجع، بينما الحقيقة تبدو "مخدوعة" أو "ناقصة" أمام الصور المفلترة.
3. الخداع البصري والنفسي
لقد صار الإنسان اليوم يعيش في عالم مؤثّرات لا في عالم الوجوه الطبيعية، فالجمال الذي يراه عبر الشاشات هو جمال: مصنوع ومصقول ومُنتَج ومرتّب بدقة، إلى درجة أنه يخدع العين ويضلل الإدراك، بل إنَّ النفس البشرية صارت تُفضّل "الجمال المصنوع" لأنه بلا عيوب، بينما الجمال الطبيعي ـ بحكم طبيعته ـ يحتوي على شيء من عدم التناسق.
4. فقدان القدرة على تذوّق الجمال الحقيقي
مشكلة هذا التطور أنَّ الإنسان يفقد شيئًا فشيئًا: عين الفيلسوف التي تبحث عن الجمال العميق، وعين الفنان التي تقدّر التفرد والتنوع، وعين الإنسان التي ترى جمال الروح والسلوك، فالجمال أصبح يُقرأ من الشاشة لا من الواقع.
ويمكن القول إنَّ الجمال تعرّض إلى عملية عبث وتشويه، وأنَّ معايير الجمال باتت مصنوعة ومضخَّمة وخارجة عن الطبيعة، إلى درجة أنَّ الإنسان أحيانًا لا يعود قادرًا على تمييز الجمال الحقيقي من الجمال الرقمي أو الجمالي الجراحي، ومع هذا، يبقى الجمال الحقيقي ـ بصفائه وتفرّده وروحه ـ أقوى وأبقى وأكثر صدقًا مهما تقدمت التكنولوجيا.
جوهر العلاقة التاريخية بين الجمال والمرأة في المخيال الإنساني..
1. الجمال الحسي شرطٌ أوليٌّ للتلقي الفني
لم يوجد شاعر - على مدى التاريخ - تغزّل في امرأة يراها غير جميلة حسيًّا، لأن الشعر بطبيعته فنٌّ يقوم على "المرئيّ والمُتخيَّل".
الجمال الحسي هو "مُحرّك الإلهام الأول"؛ إنه الشرارة التي تدفع الشاعر إلى الغناء، واللمحة التي توقظ الخيال. فالعيون - مثلًا - ليست مجرد عضو جسدي، بل تصبح في الشعر: نافذة، لغة، مجرّة، سِحرًا، نورًا، جسرًا إلى الروح. إذًا، المقدّمات حسّية، لكن نتائجها رمزية وروحية وشعرية.
2. الجمال المعنوي يظهر لاحقًا في طبقات التعبير
حتى عندما يتحدث الشعراء عن جمال الروح أو الشخصية، فإن ذلك لا يعني انفصالًا عن الجمال الحسي، بل امتدادًا له. الجمال المعنوي يعمّق التجربة، لكنه نادرًا ما يكون منطلقًا أوليًا للإعجاب الشعري. فالشاعر يحتاج إلى مركز بصري يُعلّق عليه صوره: ابتسامة أو نظرة أو مشية أو رقّة الأصابع أو ظلّ الوجه أو انعكاس النور على الشعر. ومن خلال هذا الملمح الحسي يبني رموزه الوجودية والروحية.
3. المفارقة: الجميع يمجّد الجمال المعنوي لكنهم يختارون بالحسّي
هذه مفارقة إنسانية لا تخص الشعراء وحدهم، بل البشر جميعًا. عند الحديث: الجميع يمدح الروح والأخلاق والعمق، وعند الاختيار الواقعي للزواج أو الحب: يبرز الجمال الحسي أولًا بوصفه بوابة القبول. وليس هذا تناقضًا تافهًا، بل له أسباب نفسية وأنثروبولوجية:
- الحواس أقدم من الفكر، فالإنسان كائن حسي قبل أن يكون كائنًا أخلاقيًّا أو فلسفيًّا، والحواس هي أول أدوات التقييم الفطرية.
- الجمال الحسي يختصر الزمن، بينما الجمال الروحي يحتاج إلى معايشة ووقت طويل لفهمه واستكشافه.
- اختيار الشريك فعل احتكاك يومي، ولذلك يفضّل الناس تناغمًا بصريًا يجعل الوجود قريبًا ومريحًا.
4. الشعراء يضفون على الجمال الحسي معنى أكبر من ماديته
الأدب لا يحتفي بالأنوثة بوصفها جسدًا فحسب؛ بل يحوّل الجسد إلى علامة ورمز ومعنى، فعندما يقول الشاعر: "عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر". أو: وجهكِ شمسٌ والمساءُ يذوبُ في فمكِ. فهو لا يصف الجمال الجسدي، بل يخلق جمالًا روحانيًا من مادته.
الجمال الحسي هنا مجرد مدخل إلى رؤية شعرية تتجاوز الجسد إلى: الحياة، والحرية، والخصب، والشفافية، والمطلق.
فالجمال الحسي في المرأة كان - وسيظل - البوابة والشّرارة؛ أما الجمال الروحي فهو العمق والاستمرار، ولهذا يتغنّى الشعراء بالوجه والقوام، لكنهم في عمق النص يكتبون عن: الروح التي تشرق منه، والحضور الذي لا يُرى، والجمال الذي يتجاوز العين إلى القلب.
فلسفة الجمال عند مصطفى صادق الرافعي
يُعدّ "مصطفى صادق الرافعي" (1880 - 1937) أحد أبرز أعلام البيان العربي في العصر الحديث، وأحد القلائل الذين جمعوا بين قوة الحس الفني، وعمق الرؤية الفلسفية، وبراعة الصياغة اللغوية، وقد شغلت قضية الجمال - بمستوياتها الحسية والروحية واللغوية والوجودية - حيّزًا كبيرًا في كتابات "الرافعي"، حتى غدت جزءًا من مشروعه الأدبي والفكري، ومفتاحًا لفهم إبداعه وذائقته وتجاربه الوجدانية.
أولًا: الجمال كقيمة روحية تتجاوز الحسَّ
يرى "الرافعي" أن الجمال ليس مجرد صورة تُبصر، أو منظَر يُلتقط بالعين، بل هو قيمة روحية تتجاوز ظاهر الأشياء لتبلغ أعماق الإنسان، ولهذا كان يؤمن بأن "البصر منفذٌ إلى الجمال، ولكن البصيرة هي التي تُدرك حقيقته". فالظاهر عنده ليس سوى مرآة باهتة لجوهر أعمق، وكل جمال حسّي يظل ناقصًا ما لم تتحوّل لذّته إلى مشاعر وإشراقات نفسية.
وفي كتبه مثل "رسائل الأحزان" و"أوراق الورد" تتجلَّى هذه النظرة بوضوح؛ إذ نجد الجمال مقرونًا بالشفافية الروحية، والتطهير الوجداني، وسمو القلب فوق هوى المادة.
ثانيًا: الجمال لغةُ الروح وقانونُ الانسجام في الكون
اعتبر "الرافعي" أنَّ الكون مبني على نظام جمالي محكم، وأنَّ كل شيء فيه - من حركة الموج حتى نبض القلب - يخضع لقانون الانسجام، وهذا الانسجام هو أصل الجمال، ومنه تستمدّ الأشياء قيمتها. وفي هذا التصور تأثّر "الرافعي" بفلسفات الجمال الإسلامية التي ترى الجمال انعكاسًا لصفة من صفات الخالق "الجميل يحب الجمال".
ولهذا لم يكن الجمال عنده نزوةً عابرة، بل سُنّة كونية تتجلّى في الطبيعة، والأخلاق، والعمل، وحتى في طريقة الإنسان في حبّه وكراهيته.
ثالثًا: الجمال في لغة الرافعي.. بوصفه بيانًا
تميّز "الرافعي" بنثرٍ يُعدّ من أجمل ما كُتب بالعربية في العصر الحديث، حتى غدا أسلوبه نفسه تجسيدًا لفلسفته الجمالية. فقد كان يؤمن بأن "اللغة الجميلة" ليست زخرفًا لفظيًّا، بل روحًا تنبض بالمعنى وتهتزّ بالشعور.
ومن هنا يظهر مفهوم "الجمال البياني" عنده، حيث لا يكون الجمال في الكلمة وحدها، بل في علاقتها بما قبلها وما بعدها، وفي الصورة التي تصنعها، وفي الإيقاع الذي تتركه في النفس، ولذا نجد كتابته قائمة على: التشبيه الاستعاري العميق والموسيقى الداخلية والإيقاع الهادئ الذي يعكس نبضًا وجدانيًا ومزج الفكرة بالعاطفة. إنَّ جمال الأسلوب عند "الرافعي" جزء لا يتجزأ من جمال الفكرة.
رابعًا: الجمال والحب: الرافعي وتجربة الوجدان
لا يمكن تناول فلسفة الجمال عند "الرافعي" دون الحديث عن الحب، فهو في نظره أعلى أشكال الجمال. في "أوراق الورد"، يرسم "الرافعي" صورة إنسان يرى في الحب خلاصًا روحيًّا، وشكلًا من أشكال الاتصال بالجمال المطلق.
الحب عنده يتجاوز الجسد ليصبح ظاهرة جمالية تهذّب الروح، وتوقظ الشعور، وتفتح للإنسان بابًا لفهم نفسه والعالم، وهو يربط بين الجمال والحزن، إذ يرى أنَّ الحزن يرقّق الحس ويجعل الروح قابلة لإدراك الجمال الذي تخفيه الحياة.
خامسًا: الجمال بين الأخلاق والإيمان
آمن "الرافعي" بأنَّ الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الأخلاق، وأنه لا يمكن لشيء أن يكون قبيحًا في جوهره ثم يُعدُّ جميلًا. الجمال عنده اهتداءٌ إلى الحق والخير، وهو قريب من تصوّر الفلاسفة المسلمين الذين جعلوا الجمال تجليًا من تجليات الخير.
كما ربط بين الجمال والإيمان؛ فكل جمال في الكون عنده أثر من آثار الخالق، وكل ميلٍ إلى الجمال هو ميلٌ فطري إلى الكمال الإلهي.
سادسًا: الجمال كقوة مقاومة للقبح الاجتماعي
لم يكن "الرافعي" حبيس الرومانسية الجمالية، بل انتقل بفكره إلى الواقع الاجتماعي، ففي بعض مقالاته ينتقد المظاهر القبيحة في الأخلاق والسلوك والمجتمع، ويرى أنَّ نشر الجمال في السلوك واللغة والتربية هو سبيل مقاومة الفساد. فالجمال عنده ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية.
إنَّ فلسفة الجمال عند "مصطفى صادق الرافعي" فلسفة متكاملة، تجمع بين الحس والروح، بين اللغة والفكرة، بين الفن والأخلاق، وهي رؤية ترى الجمال قيمةً تُهذّب الإنسان وترتقي به، لا مجرد بهجة عابرة للعين، ولعلّ سرّ خلود "الرافعي" في الأدب العربي أنه جعل من الجمال رسالة، ومن اللغة معبدًا لهذا الجمال، ومن الإنسان غايةً له.
فلسفة الجمال عند الأديب والمفكر الإسلامي د. مصطفى محمود
يُعدّ الدكتور "مصطفى محمود" (1921 - 2009) أحد أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين، وقد تميّز بمشروع فكري واسع يتراوح بين الفلسفة، والدين، والعلم، والأدب، والفن. ومن بين القضايا التي تناولها بعمق قضية الجمال؛ ليس بوصفه قيمة حسيّة فحسب، بل باعتباره معنى روحيًّا وكونيًّا يرتبط بفهم الإنسان للعالم، ورحلته في البحث عن الحقيقة.
أولًا: الجمال كدليل على الحكمة الإلهية
ينطلق "مصطفى محمود" من رؤية إيمانية ترى أنَّ الجمال في الكون ليس مصادفة، بل هو علامة على وجود الخالق وحكمته، فالزهرة، والفراشة، والسماء، والبحر، والترتيب الدقيق في الكائنات؛ كلها في نظره دلائل على أنَّ العالم مصنوع "بيدٍ تعرف الجمال". وهو يرى أنَّ الحس الجمالي فطرة مودعة في الإنسان ليدرك من خلالها أثر الجمال المطلق، فيقترب من سؤال الوجود والغاية.
ثانيًا: الجمال انسجامٌ ودقة وغاية
يذهب "مصطفى محمود" إلى أنَّ الجمال ليس في اللون والشكل وحدهما، بل في الانسجام الداخلي للأشياء، فالكون في نظره لوحةٌ كبرى تتحقق فيها الدقة والنظام، من حركة المجرة حتى عمل الخلية، وكلما كان النظام أوضح، كان الجمال أتمّ.
وفي كتاباته العلمية مثل "رحلتي من الشك إلى الإيمان" و"لغز الحياة"، يؤكّد أنَّ الجمال هو الوجه الآخر للحكمة، وأنَّ "العلم الذي يكتشف الدقة هو علم يكتشف الجمال".
ثالثًا: الجمال طريقٌ إلى الإيمان
يربط "مصطفى محمود" بين الجمال والإيمان ربطًا وجوديًّا، فقوة الشعور الجمالي عنده ليست مجرد إحساس، بل هي نافذة روحية تدفع الإنسان إلى التأمل، والدهشة، والبحث عن معنى أعمق للحياة. ولهذا كان يرى أنَّ أعظم لحظات الإنسان الجمالية هي تلك التي يتجاوز فيها ذاته، ويقف أمام جمال البحر أو السماء أو الموسيقى، ليشعر بأنَّ وراء هذا الجمال سرًا أكبر.
رابعًا: الجمال في الطبيعة مصدر للطهارة الروحية
أولى "مصطفى محمود" الطبيعة مكانة مركزية في فهم الجمال؛ فاختلاط الإنسان بضجيج الحضارة الحديثة حرمه من حسّ الجمال، بينما تعود إليه صفاء الروح إذا وقف أمام مشاهد الطبيعة. كان يقول إنَّ الطبيعة "تعيد الإنسان إلى براءته الأولى"، لأنها تجعله يرى الجمال دون زيف، وتحرِّره من القبح الحضاري: الإسمنت، والآلات، والصخب، والاستهلاك.
جوانب الجمال في الطبيعة عنده:
- البساطة: الجمال الحقيقي بسيط غير متكلّف.
- الحركة: الموج والسحاب والرياح تعلّم الإنسان فلسفة التغيّر.
- الحرية: الجمال يجعل الإنسان يشعر باتساع الوجود، لا بضيق المادة.
خامسًا: الجمال والأخلاق.. الجمال الحقيقي منبعُه القلب
يرى "مصطفى محمود" أنَّ الجمال الأخلاقي أعلى مرتبة من الجمال الحسي، فالطيبة، والصدق، والنقاء، والعدل، والمحبة؛ كلها عنده أشكال من الجمال الذي يرقّي الإنسان أكثر من جمال الوجه أو الألوان.
كما يؤكّد أنَّ القبح الخُلقي يمكن أن يُفسد أيَّ جمال شكلي، لأنَّ الجمال الذي لا يدعمه السلوك إنما هو "زينة على سطح معدن خاسر".
سادسًا: الفن والجمال: بين الحقيقة والزيف
تناول "مصطفى محمود" الفن بشجاعة نقدية، فرأى أنَّ الفن الذي ينفصل عن الحقيقة والقيم يتحوّل إلى قبح مُقَنَّع، أما الفن العظيم فهو الذي: يكشف جوهر الحياة ويخفف آلام الإنسان ويعمّق وعيه ويربطه بالحقيقة العليا. وكان ينتقد "الفن المزوّر" الذي يخدع الناس بالضجيج والابتذال والشكل السطحي.
سابعًا: الجمال كقوة للشفاء النفسي
في كثير من كتاباته، يشير "مصطفى محمود" إلى أن الجمال يملك قدرة على "مداواة الروح". فالنظر إلى الطبيعة، والاستماع إلى الموسيقى الراقية، والتأمل في الوجود؛ كلها علاجات وجدانية للهمّ والقلق. وهو يرى أنَّ الجمال يُعيد للإنسان توازنه، لأنه يعيد ربطه بالكون، ويذكّره بأنه جزء من كلٍّ أكبر.
إنَّ فلسفة الجمال عند الدكتور "مصطفى محمود" فلسفة متعدّدة الأبعاد، تجمع بين العلم والإيمان، وبين الفلسفة والأدب، وبين التأمل الوجودي والرؤية الأخلاقية. فالجمال عنده:
- أثر إلهي وقانون كوني وطريق إلى الإيمان وقيمة أخلاقية ومصدرٌ للطمأنينة والصفاء ووسيلة لفهم سرّ الوجود.
- الجمال في فكره ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية وروحية تكشف للإنسان معنى الحياة.
ومنذ تسعة أعوام كتبت بعنوان "هل من وصال؟"، فقلت:
أنعم وأكرم بالجمــال -- فجمالها فوق الخيال
كالشمس في كبد السمـا -- ألقت ضياها للهـــلال
راح الهـــــــــلال مهللا -- بهر الهلال من الجمال
فبه استتم كمالــــــــه -- بلغ الهلال ذرى الكمال
عكست عليه بهاءهـــا -- منحته أطياف الظـلال
يا من رأى حسن المها -- زادت مهاتي بالـــــدلال
بنت الأمـــــاجيد التــي -- أهفو لها في كل حــــال
أرنو لرؤيتها كمـــــــا -- يستطلع المفتي الهلال
مهما مددت بخطوتي -- لا أستبين سوى الرمال
يهفو إليها خافقــــــي -- هل لي إليها من وصال؟!
وقد وصفت "المرأة المثال" منذ أيام فقلت:
لأنت البدر في أفقي اكتمالا -- وغير حبيبتي عندي الهلال
أرى كل النساء سواك ملحا -- وأنت حبيبتي العذب الزلال
بحثت عن المثال فعز مرأى -- وكنت حبيبتي أنت المثال
لأنت الشمس غب الغيث تغري -- ومنك الفيء لو عزت ظلال
وأنت الكل في عيني اكتمالا -- ومثلك في الجمال لها الكمال
ومنك الوصل يمنحني حياة -- بمثل هواك يمتحن الرجال!
وسيظل الجدال حول موضوع الجمال ثائرًا ما دام الإنسان على ظهر البسيطة تهفو نفسه إلى الجمال في الطبيعة والكون والإنسان، وسيتغيّر مفهوم الجمال بتقلب الأزمان، فتلك سُنّة الله في خلقه، والله جميل يحب الجمال!

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)
الجمال الحق.. عندما تلتقي الأرض بالسماء في لحظة حبٍّ مطلق!
لا تبدأ الحكاية من تأمّل زهرةٍ أو بزوغ فجرٍ كما تبدأ قصص الجمال عادة، بل تبدأ من فصلٍ دراسيٍّ اختلّ فيه ميزان العدل. أستاذٌ ضاق صدره لأنّ طلّابه لم يحضروا جميعهم، فترك انزعاجه يقوده بدل أن يقود هو نفسه، وانتقى لهم درسًا خارج نطاق المطلوب ليُدرجه في الامتحان. وحين واجه التلاميذ الامتحان، فوجئ الجميع، تجمّدت الأقلام إلا أقلام من حضروا ذلك اليوم. ثم جاء التصريح القاطع: "لن ينجح من لم يحضر، فقد طُبّق هذا السؤال أمام أعين من كان موجودًا".
ظاهريًّا، الأمر مجرّد مفاجأة امتحانية، لكن في العمق هو قبح فعلٍ تنكشف معه المعادن، ويتّضح به أنّ الجمال ليس زينة وجه ولا أناقة مظهر، بل سلوكا وضميرا.
وقد تستغربون هذه القصة، فالملف يتحدّث عن الجمال، وما وقع فيها يبدو بعيدًا عن آفاقه الرّحبة. وربّما يشكّ بعضكم في صدق أحداثها، لكنّ النفس الأمّارة بالسوء إن تُركت بلا تهذيبٍ فعلت فعلتها، وأخرجت من القُبح ما يشتهي الانتقام لا ما يقتضيه العقل. ولا أدري هنا أيّ نوعٍ من الأخلاق قد سقى الأستاذ فيها نفوس الحاضرين، ذلك الذي يُفترض أن يكون رسولًا للأخلاق!
قد يستغرب البعض منكم لِمَ أتحدّث عن شيء هو أبعد ما يكون عن الجمال، لكن أليس القبح هو الذي يعلّمنا قيمة الجمال؟ وهل يعرف عافية الجسد إلّا من لزم الفراش عليلًا؟ وهل يقدّر طعم الحرية إلّا من ذاق مرارة السجن؟
هكذا هي القيم، لا تُقدَّر إلا بنقائضها، ولا يتجلّى نورها إلّا حين تعبر من نفق الظلال.
ومن هنا يبدأ الحديث عن الجمال، الجمال الحقيقي الذي لا يُقاس بالملامح الخارجية بل بالملامح الأخلاقية، ولا يسطع على البشرة وإنما يشعّ من القلب. فمع التطور الطبّي، بإمكان الجميع أن يمتلك وجهًا يُضاهي "يوسف" جمالًا وحُسنا، لكن هل من طبيبٍ يستطيع زرع بذور الروح النقية في النفوس الخبيثة؟!
إنّ جمال الوجه قد يجذبك لحظة، لكنه لا يقنعك إن خلا من لطف الروح. قد تتألّق الملامح، وتنساب الثياب بأناقة، غير أنّ كل هذا لا يصمد أمام قسوة فعل، أو ظلّ ظلمٍ يقع على أحد. المظهر قد يخدع العين، لكنه لا يخدع التجربة، ولا يخدع القلب الذي يملك حسًّا خفيًّا يميّز الصادق من المزيّف.
في المقابل، هناك جمالٌ لا يحتاج إلى تزيين، يشبه جمال الطبيعة حين تُشرق دون أن تطلب تصفيقًا، زهرةٌ صغيرة على حافة الطريق، أو موجة تُقبّل الرمل ثم تعود إلى البحر ببراءة مكتفية، فراشة ترقص على أنغام شذى الزهر، وعصفورٌ يزقزق أحلى الألحان على وقع وتر القلب...
هذا الجمال الصّافي هو نفسه جمال الروح: جمال المرأة حين يضيء قلبها قبل وجهها، وحين ينعكس صدقها وحياؤها ورفقها على قسمات لا تشيخ.
فكم من ملامح فاتنة سقطت أمام فعل واحد قبيح، وكم من ملامح عادية اكتسبت هالة من نور الأخلاق فغدت أجمل من كل زينة.
العين قد ترى الانسجام في الخطوط والظلال والألوان، لكنها لا ترى النوايا. والأذن قد تسمع الكلمات، لكنها لا تسمع صدقها إلّا حين يختبرها القلب. أمّا الروح، فهي وحدها التي تميّز الجمال الحقّ من الزيف، والنقاء من الادّعاء.
وهكذا تعلّمنا تلك الحادثة - رغم قبحها - أنّ الجمال الحقيقي ليس في أن أكون مُعجبًا بك، بل في أن أكون مُطمئنًا إلى داخلك. الجمال ليس في أن تُدهش من يراك، بل في أن تُحبّ من يعرفك. وليس في أن تحمل وجهًا حسنًا، بل أن تحمل قلبًا حسنا.
والجمال في الأرض ليس إلّا ظلًّا خافتًا من نور التجلي الإلهي، تنعكس ملامحه في المخلوقات، فتراه في رقة الزهرة، وفي رقصة الفراشة، وفي عيون امرأة مُحبة، وفي زرقة البحر وهمس النهر... إنه فيضٌ من الجمال الإلهي، إشراقة من جمال الخالق، يسكبه في كائناته لتدلّ عليه.
وأسمى مراتب هذا الجمال هو الحب، نعم الحبّ الصادق، ذاك الذي يسمو عن المنفعة، ويتطهّر من شوائب المقابل. حبٌّ لا يُقاس ولا يُطال، لا يسكن إلّا في صدرين: قلب أمٍّ جعلت من جسدها مهدًا ومن روحها ظلًا، تُؤثرك على نفسها كلّ حين، وقلب شهيدٍ لم يتردد أن يقدّم دمه قربانًا للحرية، فذاب عشقًا في فجر وطنه، وفي لقاء وجه محبوبه. ذلك هو الجمال الحقّ… حيث تلتقي الأرض بالسماء في لحظة حبٍّ مطلق.
لذا يا أعزّائي، يجب أن نقتنع أنّ الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى مناسبة ليظهر، ولا إلى مرآة ليدافع عن حضوره. إنّه ينفذ من بين الشقوق الضيّقة لحياةٍ قد تمتلئ قبحًا، ليذكّرنا أنّ النور موجود ولو اختنق في زوايا التجربة. فالجمال رسالة للإنسان: أن يكون نقيًّا حين يتعسّر النقاء، مُنصفًا حين يغري الظلم، رحيمًا حين يعلو الصخب، ثابتًا حين يتهاوى كلّ ما حوله. ومهما تعدّدت الوجوه، وتغيّرت الأزمنة، يبقى جمال الرّوح هو الجمال الوحيد الذي لا يصدأ، ولا يشيخ، ولا يخون. إنّه الجمال الذي يظلّ واقفًا عندما تسقط كلّ الأقنعة.

أ.د. صبري فوزي أبو حسين (أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات - مصر)
الجمال في الخطابين: الإسلامي والشعري
(الجمال) صفة تُدرك في الأشياء أو المعاني، وتسبب سرورًا ورضا للنفس، ويُمكن أن يكون حسيًّا (مثل الشكل واللون) أو معنويًّا (مثل الأخلاق وصفات الشخصية). إن (الجمال) كلمة يتداولها الناس في يومياتهم للتعبير عن مدى تذوّقهم للأشياء أو المعاني التي تثير في أعماقهم متعةً ما. وقد اختلف الفلاسفة والأدباء والمبدعون حول معاني الجمال عبر العصور، ولعل الاختلاف الأكبر كان بين أهل اللغة العربية، لأن لغتهم تتيح لهم قدرة سحرية للتفريق أو الدمج بين ما هو مادي وما هو معنوي، كما تتيح لهم التعبير عن مستويات متعددة حول لون واحد مثلا، فالجمال قد يأخذ معنى: الحُسن والنّظارة والبهاء.. وهذا ما تفتقده معظم اللغات الإنسانية الأخرى إن لم تكن جميعها!
و(الجميل) من أسماء الله تعالى الحسنى؛ فهو اسم له سبحانه من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له سبحانه من هذا الوصف هو الحسن التام والجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإن جمال هذه الموجودات على كثرة ألوانه وتعدد فنونه هو من بعض آثار جماله، فيكون هو سبحانه أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإن واهب الجمال للموجودات لا بد أن يكون بالغًا من هذا الوصف أعلى الغايات، وهو المحسّن لكل شيء خلقه، ويحب الجمال في عباده، ويُعطي الأرزاق والأفعال الجميلة، ويرزق عباده الحُسن والجمال.
وهو، سبحانه وتعالى، الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبين ذلك علماء العقيدة بقولهم:
"أما (جمال الذات الإلهية)؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أن يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم، وودّوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالا إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته، حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحا تكاد تطير له القلوب. وأما جمال الأسماء؛ فإنها كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال، ليس فيها أبدا ما ليس بحسن ولا جميل.
وأما (جمال الصفات الإلهية)؛ فإن صفاته كلها صفات كمال ومجد، ونعوت ثناء وحمد، بل هي أوسع الصفات وأعمّها، وأكملها آثارا وتعلقات، لا سيما صفات الرحمة والبر والكرم والجود والإحسان والإنعام.
وأما (جمال الأفعال الإلهية)؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر، وأفعاله كلها، عز وجل، حكمة ورحمة وعدل.
وجاء الوصف بالجميل في القرآن الكريم للمعنويات فجاء للصبر في قول الله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُون﴾ (يوسف: 18)، كما جاء وصفًا للصفح في قول الله تعالى: ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85)، كما جاء وصفًا للتسريح في قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب:28)، كما جاء وصفًا للهجر في قول الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل:10)، وجاء الجميل وصفًا للكائنات المحسوسة في قول الله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل:6)، فـ"الجمال" لا يرتبط بما هو مادي مثل المخلوقات والموجودات في الطبيعة من أشجار وأزهار وأنهار وجبال ورمال.. بل يتعدّى ذلك إلى الارتباط بأمور معنوية كامنة في الذات الإنسانية، فيصير الجمال كامنا في العين التي ترى، والقلب الذي يشعر، أكثر ما هو كامن في الشيء أو الكائن الذي نصفه بالجمال.
وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: "إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ"، أي: يُحِبُّ الحَسَنَ منَ الأشياءِ؛ فبيَّنَ أنَّ الهيئةَ الحسنةَ منَ النَّظافةِ والجَمالِ الذي يُحِبُّه اللهُ ولا يُبغِضُه ما دامَ لم يُورِث في القلبِ تَرفُّعًا على النَّاسِ، وإنَّما هو من بَيانِ نِعمةِ اللهِ عليهِ. وقد مدح سيدنا "حسان" رسولنا الخاتم بالجمال الخلْقي والخُلُقي:
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني -- وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ -- كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ
وقد قسم الإمام "ابن القيم" الجمال فقال: اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر وباطن، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته. ويرى الإمام "الغزالي" أن المدركات تنقسم إلى قسمين: مدركات بالحواس ومدركات بالقلب، والقلب أشد إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار.
ومن رؤيتي الخاصة أعتقد بأن الجمال قد تعرّض إلى عملية عبث من خلال تطوّر الطب والعمليات التجميلية، والتكنولوجية الرقمية التي صارت تُبدع صورا وفيديوهات مُذهلة تكاد أن تتفوّق على الطبيعة بل لعلها تخدع الإنسان! والجمال نوعان: حسي ومعنوي، والجمع بينهما هو الكمال والتمام في مرتبة الحمال. وقد أسهم التطوّر التكنولوجي في إحداث نوع من الخداع وتشويهه للجمال نفسه، وكم لذلك الخداع من ضحايا، وكم حدث بسببه من جرائم وفتن وصراعات؟!
ومعروف اجتماعيًّا وتربويًّا أن الإنسان ابن بيئته، وأن الإنسان يتفاعل مع المكان الذي وُلد وعاش فيه: تأثرًا وتأثيرًا، وأنه ما من إنسان إلا له علاقة متنوعة بالريف والمدينة: حُبًّا وبُغضًا، قبولاً ورفضًا، وذلك راجع إلى ميول كل إنسان ومعارفه وحركته مع الحياة والأحياء! فبعضهم يرى (الجمال في الريف) حيث يُذكر أو يُتَذَكَّر ويُستَدْعَى الزمنُ الجميلُ، وكأن (الريف) ما زال يحتفظ ببعض أسرار الزمن الجميل! وكأن (المدينة) جنَت على الزّمن الجميل! إن (الريف) هو الطبيعة البسيطة الساحرة، الناجية من التلوث والزحف العمراني، وهو منبع الأصالة، والجِدِّية والجَلَد والصبر في التعامل مع قسوة الحياة وشدائدها، و(الريف) كذلك موطن منظومة القيم المجتمعية والعلاقات الطيبة الفاعلة بين الناس، وأساس هويتنا الإنسانية! وقد جاء في الحديث النبوي الشريف ما يدل على أن الفرار إلى (الريف) إذا فسدت الحياة في (المدينة) خير، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يَتبَعَ بها شعفَ الجبالِ ومواقعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدينه من الفتن"! إن (الريف) ما زال المكان الآمن المستقر، وما زال أرضًا تخرج المذاقات الطبيعية في عصر تكاد حتى الفواكه أن تفقد مذاقاتها ونكهاتها.. والأطعمة على تعدّد أصنافها وألوانها، لا تكاد تُقارن بأطعمة الزمن الجميل رغم بساطة مكوّناتها و"بدائية" طُرق تحضيرها وإعدادها!
وبعضهم يرى (الجمال في المدينة) حيث التطور والرقي والتحضّر والتمدين، والاطلاع على أحدث مخترعات الإنسان في كل مناحي الحياة، بسبب ما أتاحته التكنولوجيا من وسائل سهّلَت شؤون الحياة اليومية في التنقّل والمواصلات، والاتصال والتواصل والمواصلات، والاقتصاد في الجهد والوقت في كل الأعمال: من التعليم والبحوث والدراسات إلى الفلاحة والبناء.. وصولا إلى الطبخ وشؤون البيت.. وهكذا دواليك!
وقد قلت في مقالة سابقة: إن (الريف/ القرية) مكان مفتوح، فيه فطرة وبراءة وسذاجة، وفيها دفء اجتماعي وتواصل أجيال وعائلات لا ينتهي، حيث يعرف الناس بعضهم، ويتكاتفون في أفراحهم ومآسيهم، ويتزاورون ويتعاونون، فيرسمون أجمل صور التكافل الاجتماعي الذي يعوّض نقص المؤسسات الخِدْماتيّة فيها، وفي القرية يتجلّى جمال الطبيعة حيث السهول الخضراء، يعانق بعضها بعضًا، فيما تزيينها الورود الملوّنة، وتنتشر فيها المواشي والطيور...ومن هنا ينشأ الإنسان الفتي الصبور الجلُد، المسلح بمجموعة عادات وتقاليد متوارثة، والقادر على التعامل مع الحياة والأحياء بفطرة ونُبْل وصدق!
وإن (المدينة/ الحاضرة) مكان مغلق مقيد، فيها وحدة وعزلة، وفيها صناعة وثقافة وتطور في الوسائل والملهيات! ومن ثم ينشأ الإنسان فيها لينًا رَخِيًّا مُرَفَّهًا، وعنده قلق وضجر وهلع وحِدَّة في تحركاته وتعاملاته!
وأظن أن الأديب وكل مبدع غالبًا ما ينطلق من (الريف والقرية) حيث التأسيس البدني والعقلي والنفسي إلى (المدينة/ الحاضرة) حيث الإبداع والإنتاج والتعمير والاستثمار، وأن (أديب القرية) أكثر إبهاجًا وإمتاعًا، وأكثر جمهورًا، من (أديب المدينة)، وفي كلٍّ خير! والجمال الطبيعي والبشري والصناعي موجود في (الريف والمدينة) معًا، ويمكن للزمن الجميل أن يستقر فيهما، بشرط أن يوجد الإنسان القوي الذي يحقق الجمال ويحافظ عليه ويطوره، ويتمتع به التمتع الواعي النبيل! والحنين إلى الزمان الجميل في الريف أو المدينة، موجود عند أهالي الريف وأهالي المدينة بمختلف فئاتهم العمرية! فكل طبقة تحنّ إلى ما عند الطبقة الأخرى! طبقة الريفيين يَحنون إلى الجمال الصناعي عند طبقة (المَدِينِيِّين)، و(المَدِينِيُّون) يَحِنُّون إلى الجمال الفطري عند الريفيين!
الجمال في الخطاب الشعري
و(الجمال) قضية كل مفكر ومبدع، وكثيرا ما يربط المبدعون - الشعراء على الخصوص - بين الجمال والمرأة، وكأنهما مترادفان، ويذهب كل مبدع إلى تقديم رؤيته ومفهومه للجمال، فمنهم من يراه في الوجه والقوام وما تبصره العين، ومنهم من يراه في أعماق المرأة.. مع الإشارة إلى أنه لم يُوجد الشاعر أو الفنان الذي تغزّل في امرأة تفتقد إلى عناصر الجمال الحسيّة التي تُرى بالعين.. بل إن طالبي الزواج - مثلا - يركزون على الجانب الحسي في المرأة حتى وإن كانوا من أكثر المدافعين على الجمال المعنوي في المرأة!
فهذا الإمام "ابن القيم" في قصيدته "النونية" ينحو منحًى ساميًا، فينسب (الجمال) إلى الله تعالى قائلا:
وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا -- وجــمَــالُ سَــائــِرِ هــذهِ الأكْوَانِ
مِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا -- أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ -- ـــأفعَالِ وَالأسماء بالبُرهَانِ
لا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ -- سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذي البهتان
ولعل من أبرز الشعراء المعنيين بذلك الشاعر المهجري "إيليا أبو ماضي"، في قصيدته الخفيفية اللامية، التي تحلل تلك النماذج القبيحة المتشائمة، التي تعيش في أمراض روحية وجسدية كثيرة، وتقدم حلولا عملية لها وعلاجات لأمراضها، ففي مطلعها، يخاطب كل شاك قنوط:
أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ -- كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا
إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ -- تَتَوَقّى قَبلَ الرَحيلِ الرَحيلا
وَتَرى الشَوكَ في الوُرودِ وَتَعمى -- أَن تَرى فَوقَها النَدى إِكليلا
إنه شخص يائس داخليا وحسيا، ولذا يشكو من أدواء نفسية شديدة الألم!
إن هذا الأنموذج البشري السلبي يجمع بين اللسان الشاكي، والنفس السوداوية، وقد نال منه الشاعر بقوله:
هُوَ عِبءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ -- مَن يَظُنُّ الحَياةَ عِبءً ثَقيلا
و(الجمال النفسي) هو ما ينقص هذا الأنموذج البشري السلبي، وهو الحل له، يقول:
وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ -- لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلا
لَيسَ أَشقى مِمَّن يَرى العَيشَ مُرًّا -- وَيَظُنُّ اللَذاتِ فيهِ فُضولا
أَحكَمُ الناسِ في الحَياةِ أُناسٌ -- عَلَّلوها فَأَحسَنوا التَعليلا
ولا بد من الاستعانة بجمال الكون، ذلك الجمال الحي الفاعل والمؤثر، جمال الطبيعة وما فيها من مخلوقات، يقول آمرا إياه:
فَتَمَتَّع بِالصُبحِ ما دُمتَ فيهِ -- لا تَخَف أَن يَزولَ حَتّى يَزولا
وَإِذا ما أَظَلَّ رَأسَكَ هَمٌّ -- قَصِّرِ البَحثَ فيهِ كَيلا يَطولا
أَدرَكَت كُنهَها طُيورُ الرَوابي -- فَمِنَ العارِ أَن تَظَلَّ جَهولا
ما تَراها وَالحَقلُ مِلكُ سِواها -- تَخِذَت فيهِ مَسرَحاً وَمَقيلا
تَتَغَنّى وَالصَقرُ قَد مَلَكَ الجَوَّ -- عَلَيها وَالصائِدونَ السَبيلا
تَتَغَنّى وَرَأَت بَعضَها يُؤ -- خَذُ حَيّاً وَالبَعضَ يَقضي قَتيلا
تَتَغَنّى وَعُمرُها بَعضُ عامٍ -- أَفَتَبكي وَقَد تَعيشُ طَويلا
فَهيَ فَوقَ الغُصونِ في الفَجرِ تَتلو -- سُوَرَ الوَجدِ وَالهَوى تَرتيلا
وَهيَ طَوراً عَلى الثَرى واقِعاتٌ -- تَلقُطُ الحَبَّ أَو تُجَرُّ الذُيولا
كُلَّما أَمسَكَ الغُصونَ سُكونٌ -- صَفَّقَت لِلغُصونِ حَتّى تَميلا
فَاِذا ذَهَّبَ الأَصيلُ الرَوابي -- وَقَفَت فَوقَها تُناجي الأَصيلا
والاندماج مع الطبيعة أساس التمتع بجمالها، يقول:
فَاِطلُبِ اللَهوَ مِثلَما تَطلُبُ الأَطـــ -- ـــيارُ عِندَ الهَجيرَ ظِلّاً ظَليلا
وَتَعَلَّم حُبَّ الطَبيعَةِ مِنها -- وَاِترُكِ القالَ لِلوَرى وَالقيلا
فَالَّذي يَتَّقي العَواذِلَ يَلقى -- كُلَّ حينٍ في كُلِّ شَخصٍ عَذولا
أَنتَ لِلأَرضِ أَوَّلاً وَأَخيراً -- كُنتَ مَلكاً أَو كُنتَ عَبداً ذَليلا
لا خُلودٌ تَحتَ السَماءِ لِحَيٍّ -- فَلِماذا تُراوِدُ المُستَحيلا
كُلُّ نَجمٍ إِلى الأُفولِ وَلَكِن -- آفَةُ النَجمِ أَن يَخافَ الأُفولا
غايَةُ الوَردِ في الرِياضِ ذُبولٌ -- كُن حَكيماً وَاِسبِق إِلَيهِ الذُبولا
وَإِذا ما وَجَدتَ في الأَرضِ ظِلّاً -- فَتَفَيَّء بِهِ إِلى أَن يَحولا
وَتَوَقَّع إِذا السَماءُ اِكفَهَرَّت -- مَطَراً في السُهولِ يُحيِ السُهولا
وما أجمل حواره مع هؤلاء البكائين المغمومين:
قُل لِقَومٍ يَستَنزِفونَ المَآقي -- هَل شُفيتُم مَعَ البُكاءِ غَليلا
ما أَتَينا إِلى الحَياةِ لِنَشقى -- فَأَريحوا أَهل العُقولِ العُقولا
كُلُّ مَن يَجمَعُ الهُمومَ عَلَيهِ -- أَخَذَتهُ الهُمومُ أَخذاً وَبيلا
ويرجع ثانية إلى الدعوة إلى الاندماج مع الطبيعة، بقوله:
كُن هَزاراً في عُشِّهِ يَتَغَنّى -- وَمَع الكَبلِ لا يُبالي الكُبولا
لا غُراباً يُطارِدُ الدودَ في الأَر -- ضِ وَبوماً في اللَيلِ يَبكي الطُلولا
كُن غَديراً يَسيرُ في الأَرضِ رَقرا -- قاً فَيَسقي مِن جانِبَيهِ الحُقولا
تَستَحِمُّ النُجومُ فيهِ وَيَلقى -- كُلُّ شَخصٍ وَكُلُّ شَيءٍ مَثيلا
لا وِعاءً يُقَيِّدُ الماءَ حَتّى -- تَستَحيلَ المِياهُ فيهِ وُحولا
كُن مَعَ الفَجرِ نَسمَةً توسِعُ الأَز -- هارَ شَمساً وَتارَةً تَقبيلا
لا سُموماً مِنَ السَوافي اللَواتي -- تَملَأ الأَرضَ في الظَلامِ عَويلا
وَمَعَ اللَيلِ كَوكَباً يُؤنِسُ الغا -- باتِ وَالنَهرَ وَالرُبى وَالسُهولا
لا دُجى يَكرَهُ العَوالِمَ وَالنا -- سَ فَيُلقي عَلى الجَميعِ سُدولا
ويأتي بيت الختام رسالة تنويرية لكل شاك قانط:
أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ -- كُن جَميلاً تَرَ الوُجودَ جَميلا
فالشاكي قبيح مريض، وعلاجه (الجمال) حتى يرى الوجود جميلا، ويتعامل معه بجمال، فتنتشر ثقافة الجمال، ويقبل على الأحياء بجمال بدلا من سلوكه المتشنج المأزوم!

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)
الجمال ليس ما نراه على الشاشة بل ما نجرؤ على رؤيته بلا خوف ولا فلتر
كان الجمال يومًا ما حدثًا طبيعيًّا لا يحتاج إلى إعلان مسبق ولا تصاريح مرور. كان يكفي أن تنظر إلى شجرة لوز في آذار/ مارس أو إلى نبع يتدلّى على صخرة ليقع قلبك في الأسر. أمّا الإنسان فكان يكتفي بأن يكون نفسه، بعيونه التي لم تُمسّ بـ"تنعيم"، وبشعره الذي لم يذق "فيلر"، وبوجهه الذي لم يُعدّل مساره إلا الزمن. كان الجمال جزءًا من حكاية طويلة اسمها الحياة؛ اختلافات صغيرة هنا وهناك، أنف كبير، شامة غريبة، ضحكة غير متناسقة، وكل ذلك كان يكفي لتكوين شخصية كاملة، لا تحتاج إلى حملة إعلانية لشرحها.
لكن يبدو أن الحكاية لم تُرضِ البشر، فقصّوا منها صفحات كاملة، واستبدلوها بتطبيقات أكثر سخاء بالوعود، أقلّ وفاء بالحقيقة. صار الجمال الإلكتروني نسخة محسّنة ومفلترة لوجوهنا، حتى صرنا نتساءل: من فينا الحقيقي؟ ومن هذه النسخة التي تطلّ علينا من شاشة الهاتف كأنها قادمة من كوكب آخر؟ لقد انقلبت المعادلة؛ لم يعد الإنسان يحاول اللحاق بالجمال، بل صار الجمال يطارده كإشعار مزعج: "حدّث وجهك من فضلك".
وعندما يصبح الضغط الاجتماعي أكثر حضورًا من الشمس، يبدأ الناس يبحثون عن نوع جديد من الجمال، جمال افتراضي لا يشبه شيئًا مما نعرفه. في الطبيعة هناك جمال الفصول، الضوء، الظلال، التناقضات، الرائحة، الفوضى، العيوب. أما في عالمنا الجديد فهناك جمال "النسخة المطابقة"، أنف يشبه أنف الجميع، عينان تستحقّان وسام "النسق العام"، شفتان ملتصقتان بذاكرة جهاز تجميل لا يعرف معنى التفرّد. كل شيء صار يأتي "ستاندرد" مثل قطع الأثاث الحديثة: جميل، نَعِم، لكن بلا روح، بلا تاريخ، بلا غيمة مرت صدفة فغيّرت المزاج.
ولأن كل هذا لا يكفي، دخلت عُقَد النقص لتشعل الحفلة. في السابق كان الناس يخفون عيوبهم بابتسامة أو طرفة أو ثقة زائدة، أما اليوم فالعُقد لا تُخفى؛ تُعلَن، تُحتفى، وتُصنع لها حلول عاجلة. يكفي أن يُخبرك التطبيق بأنك "بحاجة إلى تحسين" حتى تبدأ رحلة طويلة مع المقص والإبرة والإضاءة الخلفية. صارت العُقد جزءًا من هويتنا الجديدة؛ نرتديها كأوسمة، لا نخجل منها بل نبني حولها حملات تحسين جماعي. والنتيجة؟ لا أحد مرتاح، ولا أحد مكتفٍ، لأن المقارنة المستمرة أصبحت رياضة شعبية.
والطريف في الأمر أن التكنولوجيا، التي وعدتنا بتحرير الجمال من قوالبه القديمة، صنعت قوالب جديدة أكثر صلابة وصرامة. بدل أن نتحرر من الأحكام، أصبحنا نعيش داخل استوديو تصوير دائم. حتى الطبيعة لم تفلت من هذا السجن؛ صورة غروب الشمس لا تُنشر قبل "التعديل"، والبحر يحتاج إلى "زيادة تشبّع"، والغيمة إلى "تنعيم الحوّاف". وكأننا نخشى أن نرى العالم كما هو، نخشى أن نعترف بأن جماله يكمن في العشوائية، في تلك الزاوية غير المتوقعة، في الظل الذي لم يتقن الوقوف في مكانه.
الجمال، بكل أنواعه - الإنساني، الطبيعي، العفوي - لم يمت بعد، لكنه يختبئ في مكان بعيد، ينتظر أن نتوقف عن مطاردته بواسطة الإشعارات. ربما علينا أن نعترف بأننا لسنا مضطرين أن نكون نسخًا معدّلة لنشعر بأننا موجودون. فالجمال ليس مشروعًا هندسيًا ولا خطة جهنمية للجسد. هو لحظة تصالح بين المرآة والقلب، بين ما نريده وما نحن عليه فعلاً. ولعل أكبر سخرية في زمن الفلاتر أنّنا نبحث عن الجمال بينما نهرب من أنفسنا، نعدّل ملامحنا بينما تبقى عُقَد النقص ثابتة، تُطلّ علينا من خلف الصور، ساخرة من كل تلك المساحيق الرقمية.
ربما يكون الحل بسيطًا: إرجاع الحياة إلى صيغتها الأولى، أو على الأقل تخفيض مستوى التجميل إلى درجة تسمح للروح أن تظهر. أن نرى الجمال في وجهٍ متعب بعد يوم طويل، في يدٍ متجعّدة تحمل خبرة عمر، في زهرة بلا مرشّح لوني، في غيمة لم تُعدَّل حوّافها. عندها فقط يمكن أن نتصالح مع الفكرة الأصل: أن الجمال ليس ما نراه على الشاشة، بل ما نجرؤ على رؤيته بلا خوف.. وبلا فلتر.

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)
الجمال تعبير عن البساطة
يُمكنك أن ترى الجمال في كُحلِ العينِ، أو في ابتسامة شاردة على ثغرِ طفلٍ، أو غمّازةٍ متكبّرة في وجه امرأةٍ متمرّدة معك في الحبِّ. ولكن دعني أقول لك: "الجمال يُدرَكُ في القلب وليس يُرى" يمكن لأيّ شخصٍ أن يحكم عليكَ من مظهركَ الخارجي، لكن تأكّد بأنَّ الذي يملكُ حدسهُ يرى الجمال في روحكَ حينما تنطفئ أنوارُ العالم... ليس الجمال بخطٍّ ملوَّنٍ في العين، وليس ثوبًا برَّاقًا يدهشنا لحظةً ثمَّ يصبحُ عاديًا مع الوقت... الجمال في ذواتنا، في أرواحنا، في كلامنا وطريقة نظرتنا للحياة، وكلَّما كنَّا صادقين تعتّق هذا الجمال وازداد رونقًا.
افتح عينيك قليلاً، وانظر إلى الجمالِ من حولكَ. دعِ الطُّيور تغرِّدُ لكَ أنشودتها وافتحْ أذنيكَ جيِّدًا للرِّيحِ عندما تعزفُ لحنها. افتح عينيك قليلاً وتأمَّل شعاع الشَّمس وهو يرتمي ببلادةٍ فوق الأسطحِ والجدرانِ المتساقِطَة ألوانُها. هناك على جذعِ شجرةٍ تحارب الموت، غطّى عصفورٌ مشاكسٌ كثير الألوان، وخلسةً اقترب من حبَّةِ الرّمان المحمرّةِ الجبينِ، المشقّقةِ في وجنتيها، يغرس منقاره الصَّغير يمتصُّ رحيقها وكأنَّهُ فاز!
- لا... لا... انظر إلى المطرِ وهو يتدحرج بحريَّةٍ فوق زجاج غرفتكَ، هل بإمكانكَ منعُه؟
- أو تلك الغمامة البليدة، المُتخمة... أيمكنكَ إبعادها؟
لماذا نرفض هذا الكمّ الهائل من الجمال من حولنا، لنطلبَ من آلةٍ قمنا باختراعها نحن البشر أن تصنع لنا الجمال؟ لم تعُدِ الأشياء البسيطة بعيوبها تلفتُ نظرنا، بل أصبحنا نبحث عن الكمال المطلَق حتى افتقدنا المعنى الحقيقيّ للجمال! فالتّكنولوجيا، الذّكاء الاصطناعي، برامج تحسين الصُّور وعمليات التّجميل... أنسَتنا أنّ الجمال لا يكمن في الوجه الخالي من خربشات الزَّمن، والشَّعر المصبوغ، والشَّامة المصطنعة عند الذَّقن... أنسَتنا أنّه خَلقٌ وأخلاق والعين ترى ما تودُّ النَّفس رؤيته من رونقٍ وبهاءٍ.
بات البحث عن الكمال هوسٌ ومرض في نفوسنا واختفى الجمال من وهج العيونِ البسيطة... لم نعد نستطيع أن نرى إلّا نقطة غبائنا ونحن ندور حولها متسائلين: أينَ يكمن جمالُ هيئتنا!!.

الشاعر: إيليا أبو ماضي
كن جميلا تر الوجود جميلا
ظلت هذه القصيدة تتردّد في الوجدان العربي منذ أبدعها الشاعر اللبناني "إيليا أبو ماضي" (1889 - 1957). وقد أعاد "أبو ماضي" نشرها في مجلات ودوريات عديدة، منها دورية "المعرض"، التي كان يُصدرها "ميشال زكور" (من 1921 إلى 1936) في لبنان، فقد نشرت القصيدة في الأول نوفمبر 1931، واخترنا إعادة نشرها كما هي، مع التقديم الذي كتبه الشاعر. ونشير إلى أن القارئ سيجد اختلافا في ترتيب بعض الأبيات والمقاطع، بل وغياب مقطع كامل منشور في مصادر أخرى.
قال "إيليا أبو ماضي" حول إعادة نشر هذه القصيدة: تُنشر هذه القصيدة نزولا عند رغبة بعض الأنصار الذين يعتقدون أنها خير علاج لمرض الشكوى السّاري، أو مرض النظر إلى الحياة من وراء زجاجة سوداء. فلكي تستفيد منها عليك أن تقرأها على مهل بيتًا بيتًا، وتقف عند كل بيت قليلاً، تجادل نفسك في معناه، ونحن نكفل لك الانتصار على كآبتك أخيرا.
لا نزعم أن هذه القصيدة رُقية من رقيات السّحر، ولكنها على سذاجتها قد بدّلت أطوار عددٍ كبير من المتشائمين الذين كانوا لا يرون الجمال وهو يتألق بين أيديهم، فصاروا بعد معالجتها يلمحونه ولو كان تحت ألف نقاب.
أيُّها ذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ -- كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا
إِنّ شَرّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ -- تَتَوَقّى قَبلَ الرّحيلِ الرّحيلا
وَتَرى الشّوكَ في الوُرودِ وَتَعمى -- أَن تَرى فَوقَها النّدى إِكليلا
هُوَ عِبءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ -- مَن يَظُنُّ الحَياةَ عِبئًا ثَقيلا
والذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ -- لا يَرى في الوُجودِ شَيئًا جَميلا
ليسَ أَشقى مِمّن يَرى العَيشَ مُرّا -- وَيَظُنّ اللَذاتِ فيهِ فُضولا
أَحكَمُ الناسِ في الحَياةِ أُناسٌ -- عَلَّلوها فَأَحسَنوا التّعليلا
فَتَمَتّع بِالصُّبحِ ما دُمتَ فيهِ -- لا تَخَف أَن يَزولَ حَتّى يَزولا
وَإِذا ما أَظَلّ رَأسَكَ هَمٌّ -- قَصِّرِ البَحثَ فيهِ كَيْلا يَطولا
أَدرَكَتْ كُنهَها طُيورُ الرَّوابي -- فَمِنَ العارِ أَن تَظَلّ جَهولا
ما تَراها، وَالحَقلُ مِلكُ سِواها -- تَخِذَت فيهِ مَسرَحًا وَمَقيلا
تَتَغَنّى، وَالصَقرُ قَد مَلَكَ الجَوّ – عليها، والصائِدون السَّبيلا
تَتَغَنّى وَعُمرُها بَعضُ عامٍ -- أَفَتَبكي وَقَد تَعيشُ طَويلا
تَتَغَنّى وَرَأَت بَعضَها يُؤ -- خَذُ حَيًّا وَالبَعضَ يَقضي قَتيلا
.....
أَنتَ لِلأَرضِ أوّلاً وَأخيرًا -- كُنتَ مَلكًا أَو كُنتَ عَبدًا ذَليلا
كُلُّ نَجمٍ إِلى الأُفولِ ولكن -- آفَةُ النَجمِ أن يَخافَ الأفولا
غايَةُ الوَردِ في الرِياضِ ذُبولٌ -- كُن حَكيمًا وَاِسبِق إليه الذّبولا
وإذا ما وجدتَ في الأَرضِ ظِلًّا -- فتفَيّأ به إلى أن يَحولا
وَتَوَقّع إِذا السَماءُ اِكفَهَرّت -- مطرًا في السّهولِ يُحيي السُّهولا
قُل لِقَومٍ يَستَنزِفونَ المَآقي -- هَل شُفيتُم من البُكاءِ غَليلا
ما أَتَينا إِلى الحياةِ لِنَشقى -- فَأَريحوا أَهل العُقولِ العُقولا
كلُّ مَن يجمعُ الهُمومَ عليه -- أَخَذَتهُ الهمومُ أَخذًا وَبيلا
....
كُن هَزارًا في عُشِّهِ يَتَغَنّى -- وَمَع الكَبلِ لا يُبالي الكُبولا
لا غُرابًا يُطارِدُ الدودَ في الأَر -- ض وبومًا في الليل يبكي الطُّلولا
...
كُن غَديرًا يَسيرُ في الأَرض رَقرا -- قًا فَيَسقي عن جانِبَيهِ الحُقولا
تَستَحِمُّ النُجومُ فيهِ، وَيَلقى -- كلُّ شخصٍ وَكلُّ شيءٍ مَثيلا
لا وِعاءً يُقَيِّدُ الماءَ حتى -- تَستَحيلَ المِياهُ فيهِ وُحولا
...
كُن مَعَ الفَجرِ نَسمَةً توسِعُ الأَز -- هارَ شَمًّا وَتارَةً تَقبيلا
لا سُمومًا مِنَ السّوافي اللّواتي -- تَملَءُ الأَرضَ في الظَلامِ عَويلا
وَمَعَ اللَيلِ كَوكَبًا يُؤنِسُ الغا -- باتِ وَالنَهرَ وَالرُّبى وَالسُّهولا
لا دُجى يَكرَهُ العَوالِمَ وَالنا -- سَ فَيُلقي عَلى الجَميعِ سُدولا
أَيُّهَا ذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ -- كُن جَميلاً تَرَ الوُجودَ جَميلا

