الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

مؤتمر سمرقند: الجزائر تعزز دور الشباب البرلماني في صناعة القرار

Author
ربيعة خطاب 04 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تأتي مشاركة وفد عن المجلس الشعبي الوطني في المؤتمر العالمي الثاني عشر للشباب البرلمانيين للاتحاد البرلماني الدولي،  اليوم ، في ظرف دولي يتسم بتعقد الأزمات وتزايد التحديات التي تواجه فئة الشباب، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الرقمي. فالشباب لم يعد مجرد فئة تنتظر دورها في الحياة العامة، بل أصبح عنصرا أساسيا في صياغة السياسات العمومية والمساهمة في صناعة القرار، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم وتداعيات الأزمات المتعددة التي باتت تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الأجيال الجديدة.

ويكتسب المؤتمر، المنعقد بمدينة سمرقند الأوزبكية، أهمية خاصة بالنظر إلى الشعار الذي اختاره لهذا الموعد، والمتمثل في إعادة التأكيد على حقوق الإنسان والعدالة والكرامة للجميع في أوقات الأزمات، وهو شعار يضع قضية الشباب في صلب النقاش الدولي حول مستقبل المجتمعات وقدرتها على مواجهة الأزمات مع الحفاظ على الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.

كما تشكل مشاركة النواب الجزائريين فرصة لتبادل التجارب والخبرات مع برلمانيين شباب من مختلف دول العالم، وطرح التجربة الجزائرية في مجال تمكين الشباب وتعزيز مشاركته في المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية. وتبرز أهمية هذا الحضور أيضا في ظل الحاجة إلى تجديد الممارسة البرلمانية وإعطاء الأجيال الشابة مساحة أكبر للمساهمة في معالجة القضايا التي تمس مستقبلها، لا سيما في مجالات التحوّل الرقمي والعدالة المناخية والحقوق السياسية والاقتصادية.

ومن جهة أخرى، يفتح المؤتمر نقاشا أوسع حول مدى قدرة المؤسسات البرلمانية على الاستجابة لتطلعات الشباب، وتحويل مشاركتهم السياسية من مجرد حضور رمزي إلى مساهمة فعلية في صناعة التشريعات والقرارات. كما يطرح تساؤلات حول الآليات التي يمكن اعتمادها لتعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات المنتخبة، وإشراكهم في مواجهة الأزمات والتحديات العالمية التي تتجاوز الحدود الوطنية.

وفي هذا السياق، يصرح الباحث السياسي عربي بومدين لـ”الأيام نيوز”، أن تنظيم مثل هذه اللقاءات الدولية يعكس التحول الذي طرأ على النظرة إلى دور الشباب، بعدما أصبحوا طرفا أساسيا في النقاش السياسي وصناعة السياسات العامة، وليس مجرد فئة تنتظر الوصول إلى مواقع المسؤولية بعد سنوات طويلة.

ويؤكد الباحث السياسي عربي بومدين أن الشباب أصبحوا اليوم في قلب العديد من التحولات التي تعيد تشكيل العالم، سواء تعلق الأمر بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أو بالتغيرات المناخية، أو بأزمات التشغيل والتعليم والهجرة، فضلا عن تداعيات النزاعات والأزمات الاقتصادية. ويضيف أن القرارات التي تتخذها المؤسسات السياسية في الوقت الراهن لن تكون آثارها مؤقتة، بل ستمتد لسنوات طويلة، وهو ما يجعل إشراك الأجيال الجديدة في النقاش السياسي والتشريعي ضرورة وليس خيارا، لأن الشباب هم الفئة التي ستتحمل الجزء الأكبر من نتائج هذه الخيارات مستقبلا.

ويرى عربي بومدين أن مشاركة الشباب في البرلمانات يمكن أن تساهم بشكل مباشر في تجديد الممارسة السياسية، لأنها تسمح بإدخال أفكار جديدة وأساليب مختلفة في معالجة الملفات الوطنية. ويشير إلى أن وجود جيل شاب داخل المؤسسة التشريعية يمكن أن يجعل النقاش أكثر التصاقا بالقضايا التي تشغل المجتمع، خاصة تلك المرتبطة بالتعليم والتكوين والتشغيل وريادة الأعمال والابتكار والرقمنة، وهي ملفات أصبحت تحتل موقعا مركزيا في حياة الشباب وفي خياراتهم المستقبلية.

غير أن الباحث السياسي عربي بومدين يشدد على أن رفع نسبة تمثيل الشباب داخل البرلمان لا ينبغي أن يتحول إلى هدف شكلي أو رقمي فقط، لأن وجود عدد أكبر من النواب الشباب لا يعني تلقائيا أن هؤلاء يمتلكون القدرة على التأثير في القرار. ويؤكد أن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من التمثيل العددي إلى المشاركة النوعية، من خلال منح النواب الشباب أدوارا فعلية في اللجان البرلمانية، وتمكينهم من المشاركة في إعداد مشاريع القوانين ومناقشتها، والمساهمة في مراقبة أداء الحكومة والسياسات العمومية، فضلا عن حضورهم في الوفود والمنتديات البرلمانية الدولية.

وفي هذا الإطار، يوضح عربي بومدين أن الشباب يحتاجون إلى مساحة حقيقية للتعبير عن رؤاهم داخل المؤسسات، وليس مجرد حضور رمزي يهدف إلى إظهار التنوع العمري في تركيبة البرلمان. فالنائب الشاب، حسب الباحث، ينبغي أن يكون قادرا على الدفاع عن الملفات التي ترتبط بمستقبل جيله، وأن يساهم في اقتراح الحلول والتشريعات، وأن يمارس دوره الرقابي بكل استقلالية ومسؤولية. ويعتبر أن هذا النوع من المشاركة هو الذي يمكن أن يعطي للعمل البرلماني نفسا جديدا ويقرب المؤسسات المنتخبة من المجتمع.

ويربط عربي بومدين بين المشاركة السياسية للشباب ومسألة استعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة، موضحا أن أزمة الثقة لا تعالج بمجرد رفع شعارات حول أهمية الشباب، وإنما من خلال جعلهم يشعرون بأن المؤسسات قادرة فعلا على الاستماع إلى انشغالاتهم وتحويلها إلى سياسات وقرارات ملموسة. ويضيف أن الشاب عندما يرى أن قضايا العمل والتعليم والسكن والابتكار والحقوق الرقمية تجد طريقها إلى النقاش التشريعي، فإنه يصبح أكثر استعدادا للانخراط في الحياة السياسية وأكثر اقتناعا بجدوى المؤسسات المنتخبة.

ويؤكد الباحث السياسي عربي بومدين أن المؤتمر العالمي للشباب البرلمانيين يكتسب أهمية خاصة أيضا بالنظر إلى تركيزه على حقوق الإنسان والعدالة والكرامة للجميع في أوقات الأزمات، وهي قضايا أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بمستقبل الشباب. فالأزمات الاقتصادية والسياسية والنزاعات والتغيرات المناخية لا تؤثر على المجتمعات بصورة متساوية، وغالبا ما تكون فئة الشباب من بين الأكثر عرضة لتداعياتها، سواء من خلال ارتفاع البطالة أو تراجع فرص التعليم أو صعوبة الولوج إلى سوق العمل أو اتساع الفجوة الرقمية.

وفي حديثه عن الحقوق الرقمية، يرى عربي بومدين أن التحوّل التكنولوجي فرض على البرلمانات مسؤوليات جديدة، لأن الفضاء الرقمي أصبح جزءا أساسيا من الحياة اليومية والسياسية والاقتصادية. ويشير إلى أن حماية البيانات الشخصية والخصوصية، ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل والمعلومات المضللة، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، كلها قضايا تحتاج إلى تشريعات متطورة وقادرة على مواكبة سرعة التطور التكنولوجي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق والحريات الأساسية.

ويضيف عربي بومدين أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب يتمثل في الفجوة بين سرعة التطور التكنولوجي وقدرة المجتمعات والمؤسسات على مواكبته. ولذلك، فإن البرلمان مطالب، حسب الباحث، بإعداد إطار قانوني يضمن استفادة الشباب من فرص الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع حمايتهم من مخاطرهما. كما يجب أن ترافق التشريعات سياسات عمومية تستثمر في التعليم والتكوين الرقمي حتى لا يتحول التطور التكنولوجي إلى عامل جديد من عوامل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي.

ويشدد عربي بومدين كذلك على أن دور البرلمان يجب ألا يتوقف عند سن القوانين، وإنما ينبغي أن يمتد إلى مراقبة تنفيذها وتقييم أثرها على حياة المواطنين، وخاصة الشباب. فالقانون، حسب تصوره، لا تكون قيمته في النص الذي تتم المصادقة عليه فقط، وإنما في قدرته على إحداث تغيير حقيقي في الواقع. ومن هنا تأتي أهمية الأدوات الرقابية التي تتيح للنواب متابعة تنفيذ البرامج الحكومية ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة، خصوصا في الملفات المتعلقة بالتشغيل والتعليم والتكوين ودعم المؤسسات الناشئة والاقتصاد الرقمي.

ويرى الباحث السياسي عربي بومدين أن إشراك الشباب في صناعة السياسات ينبغي ألا يقتصر على النواب المنتخبين، بل يجب أن يمتد إلى مختلف الفئات الشبابية، بما فيها الطلبة والباحثون ورواد الأعمال وأصحاب المشاريع والمنظمات الشبابية. ويعتبر أن المؤسسات البرلمانية تستطيع إنشاء آليات دائمة للحوار والاستشارة مع هذه الفئات، حتى تكون التشريعات أكثر ارتباطا بالواقع وأكثر قدرة على معالجة المشكلات الحقيقية، لأن الشباب أنفسهم يملكون معرفة مباشرة بالعديد من التحديات التي تواجههم.

وبخصوص الأزمات الدولية المتلاحقة، يؤكد عربي بومدين أن البرلمانيين الشباب يستطيعون لعب دور مهم في صياغة سياسات أكثر عدالة واستدامة، بالنظر إلى أن قضايا المستقبل تقع في صلب اهتماماتهم. ويشير إلى أن النزاعات والأزمات الاقتصادية والتغير المناخي والتحول الرقمي ليست ملفات منفصلة، بل أصبحت مترابطة، ويمكن لأي أزمة في أحد هذه المجالات أن تؤثر بشكل مباشر في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وفرص العمل ومستوى المعيشة.

ويعتبر عربي بومدين أن البرلمانيين الشباب قادرون على الدفع باتجاه سياسات تراعي حقوق الأجيال القادمة، خصوصا في مجالات البيئة والطاقة والتعليم والتكنولوجيا. ويشدد على أن التنمية المستدامة لا تعني فقط حماية البيئة، وإنما تعني أيضا بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل وضمان العدالة الاجتماعية وتطوير التعليم وتشجيع الابتكار، مع عدم تحميل الأجيال القادمة نتائج القرارات قصيرة المدى.

وفي هذا السياق، يلفت عربي بومدين إلى أهمية الاستثمار في التعليم والتكوين والبحث العلمي باعتبارها أدوات أساسية لتمكين الشباب من مواجهة التحولات العالمية. فالشاب الذي يمتلك المعرفة والمهارات الرقمية والعلمية يكون أكثر قدرة على الاندماج في سوق العمل الجديد وأكثر قدرة على خلق فرص اقتصادية لنفسه ولغيره، وهو ما يجعل سياسات التعليم والتكوين جزءا أساسيا من أي استراتيجية وطنية لتمكين الشباب.

أما عن المشاركة الجزائرية في المؤتمر، فيرى الباحث السياسي عربي بومدين أنها تشكل فرصة لعرض التجربة الجزائرية في مجال تمكين الشباب وتعزيز حضورهم في المؤسسات المنتخبة، إلى جانب الاستفادة من تجارب برلمانيين شباب من مختلف دول العالم. ويعتبر أن اللقاءات الدولية من هذا النوع تسمح بتبادل الخبرات حول أفضل الممارسات التشريعية والسياسات العمومية التي تستهدف الشباب، كما تمنح الوفد الجزائري فرصة للمساهمة في النقاشات المتعلقة بالقضايا التي تهم المنطقة العربية والإفريقية.

ويؤكد عربي بومدين أن أهمية الحضور الجزائري ينبغي ألا تقتصر على المشاركة البروتوكولية، بل يجب أن تتحول إلى فرصة لطرح قضايا الشباب الجزائري والإفريقي داخل النقاش الدولي، خاصة ما تعلق بالتنمية والتعليم والعمل والابتكار والتحول الرقمي والمشاركة السياسية. ويرى أن الجزائر تستطيع من خلال هذا الحضور إبراز أهمية الاستثمار في الشباب باعتباره استثمارا في استقرار المجتمع وقدرته على تحقيق التنمية ومواجهة الأزمات المستقبلية.

كما يرى عربي بومدين أن مشاركة البرلمانيين الجزائريين في مثل هذه المحافل تفتح المجال أمام بناء شبكات تعاون برلمانية دولية بين الأجيال الجديدة، وهو ما يمكن أن يساهم في تبادل التجارب والتنسيق بشأن القضايا المشتركة. ويشير إلى أن التحديات التي تواجه الشباب أصبحت عابرة للحدود، وبالتالي فإن مواجهتها تتطلب أيضا تعاونا دوليا في مجالات التكنولوجيا والتعليم والمناخ والتشغيل وحماية الحقوق الرقمية.

ويشدد الباحث السياسي عربي بومدين على أن المرحلة المقبلة ستفرض على المؤسسات المنتخبة إعادة التفكير في علاقتها بالشباب، خصوصا في ظل التحولات العميقة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وتغير طبيعة سوق العمل. فالشباب لم يعد يتلقى المعلومة بالطريقة التقليدية، وأصبح أكثر قدرة على التعبير والتنظيم والوصول إلى مصادر المعلومات، وهو ما يجعل المؤسسات مطالبة بتطوير أدوات التواصل معه وعدم الاكتفاء بالآليات التقليدية.

ويؤكد عربي بومدين أن الرهان الحقيقي لا يتمثل في أن يكون الشباب حاضرا داخل البرلمان فقط، وإنما أن يكون حاضرا في صناعة القرار وصياغة التشريعات ومراقبة السياسات وتحديد الأولويات الوطنية. ويعتبر أن الانتقال من مجرد تمثيل الشباب إلى تمكينهم من التأثير الفعلي هو الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على التجدد ومواكبة المجتمع، لأن الشباب ينبغي ألا يكونوا مجرد جيل ينتظر دوره، بل شريكا حقيقيا في رسم السياسات التي تحدد مستقبل البلاد.

 

↑