2025.12.04
ماذا بعد حرب الإبادة على غزة؟.. الكيان الصهيوني يُشهر سلاح القوانين القاتلة ملفات الأيام

ماذا بعد حرب الإبادة على غزة؟.. الكيان الصهيوني يُشهر سلاح القوانين القاتلة


خالد عز الدين
25 نوفمبر 2025

ماذا بعد حرب الإبادة على غزة؟.. الكيان الصهيوني يُشهر سلاح القوانين القاتلة

بقلم: بن معمر الحاج عيسى

في الوقت الذي تُغلق فيه الأبواب على أجساد مكبّلة، تظل الكلمات تتسلل من بين الجدران لتشهد أن الحرية لا تُقاس بعدد الخطوات، بل بعمق الصمود في وجه الجلاد.

هذا الملف، "صوت الأسير في السجون والمعتقلات الصهيونية"، ليس مجرد وثيقة حقوقية، بل هو سيرة جماعية لأمّة لا تزال تقاوم بلحمها الحي، يجمع شهادات الأمهات، واعترافات الجدران، ورسائل الأسرى، وتقارير المؤسسات الحقوقية التي كشفت كيف تحوّلت السجون الصهيونية إلى مختبر للانتقام والإبادة القانونية.

"معاذ".. النور الذي لم يُطفأ خلف القضبان

قصة الأسير "معاذ أبو تيم" ليست حكاية فردية، بل مرآة لكل بيت فلسطيني ينتظر ابناً غيّبته السجون. أُسر في ريعان شبابه عام 2014، محكوم بثلاثة عشر عاماً ونصف، لكنه في كل عام يخلق من الجدار نوافذ، ومن الليل درسًا في الصبر.

تروي شقيقته "هبة" أن البيت بعده فقد ضوءه، وأن أمّه لا تزال تُعد فنجان قهوته كل صباح، كأنها تُقاوم النسيان بطقسٍ صغيرٍ من الأمل. أما الأب فيستمد فخره من شهادات الأسرى الذين التقوا بابنه "معاذ"، ووصفوه بأنه منارة خُلقٍ وحكمةٍ في سجون الاحتلال.

لكن خلف هذا الصبر الإنساني تتجلى المأساة السياسية: فمعاذ وغيره من آلاف الأسرى يُحتجزون في ظروفٍ تنتهك كل اتفاقيات جنيف. يُمنعون من الزيارات، ويُحرمون من العلاج، وتُمارس ضدهم سياسة التجويع والإذلال الممنهج. ومع ذلك، يتحدى معاذ الظلام بالعلم؛ نال شهادات في العلاقات العامة والخدمة الاجتماعية، وحفظ القرآن كاملاً، وحصل على السند المتصل بالنبي (صلى الله عليه وسلم). في وجه الاحتلال، تبدو هذه الأفعال مقاومة صامتة، وبيانا يقول: "لن تسجنوا النور".

"عمر خرواط".. حين تُستثنى الأرواح من الحرية

من "الخليل" إلى الزنزانة، ومن الانتظار إلى الفقد، يعيش الأسير "عمر خرواط" منذ أكثر من عقدين خلف الأسوار. قصته كما ترويها الدكتورة "منى أبو حمدية"، ليست مأساة زمن طويل فقط خلف القضبان، بل دراما روحية تُعرّي الوجه الحقيقي للسجن "الإسرائيلي".

في كل مرة تُعلَن فيها قوائم التبادل، يترقب أهله الاسم كأنه الفجر، لكن الاسم يُشطب، والفرح يتكسر قبل أن يكتمل. تسأل أمّه: "هل يمكن أن تُستثنى الأرواح من الحرية؟".

إنه السؤال الذي يلخّص المعادلة الجائرة التي يعيشها آلاف الأسرى: أن تتحول الحرية إلى وعدٍ مؤجّل، وأن يصبح الأمل نفسه شكلاً من المقاومة.

القوانين التي تشرعن الجريمة

ما يميّز المرحلة الحالية - كما يوثّق التقرير القانوني في الملف - هو أن الاحتلال لم يعد يخفي جرائمه بل يُقنّنها. فالقوانين التي صادق عليها "الكنيست" منذ 2023 تمثل نقلة خطيرة نحو تحويل السجون إلى ساحات تصفية قانونية.

قانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين"، الذي دفع به وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير"، يُلغي شرط الإجماع القضائي ويتيح الحكم بالموت بالأغلبية. هكذا يتحول القضاء إلى مقصلةٍ سياسية، ويُصبح القانون أداة قمعٍ باسم "الأمن الإسرائيلي".

كما أقرّ الكنيست "قانون قوات النخبة" الذي يُنشئ محاكم خاصة للفلسطينيين، في خرقٍ فاضح لاتفاقيات جنيف ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. وبذلك انتقل الاحتلال من "إدارة الأسر" إلى عقيدة انتقامية مقننة تمارس القتل تحت غطاء القانون.

الجحيم الذي يتكلم

في تقرير "مؤسسة العهد الدولية"، نقرأ شهاداتٍ تُجمّد الدم في العروق. يقول أحد الأسرى المحررين: "كنا نعيش في قطعة من الجحيم، لا نعرف ليلًا من نهار، ولا نعلم إن كنا أحياء أم أموات".

الصحفي "شادي أبو سيدو" اعتُقل لأنه حمل كاميرا بدل سلاح. عُذّب حتى فقد بصره، ومع ذلك قال: "كسروا عينيّ، لكن الضوء ما زال في روحي يفضح ظلامهم". أما الأسير "محمود أبو فول" فخرج من السجن لا يرى شيئًا. يقول: "فقدت بصري من التعذيب، لم أعد أرى سوى صوتهم".

هذه الشهادات ليست استثناءً، بل نظامًا يوميًّا من العقاب الجماعي يطال الأسرى الفلسطينيين، خصوصًا من غزة، الذين يُصنَّفون "كمقاتلين غير شرعيين"، ليُحرموا من كل حماية قانونية.

الأسير المحرر "محمد أبو طبيخ"، الذي قضى 23 عامًا في السجون، وصفها بأنها "مختبر تجارب للجيش الإسرائيلي"، حيث أُلغيت القوانين المدنية واستُبدلت بأنظمة طوارئ عسكرية تسمح بالقتل دون مساءلة. شهادته تؤكد أن "كل ما في السجن صار ضد الإنسان: الجوع، العطش، البرد، والعزلة، حتى الوقت صار سلاحاً للتعذيب".

حين يصبح الإهمال الطبي وجها آخر للإعدام

منذ أكتوبر 2023، ارتقى أكثر من 80 أسيرًا داخل السجون نتيجة التعذيب والإهمال الطبي. هذا الملف يوثق قائمة طويلة من الشهداء الذين حوّلهم الاحتلال إلى أرقام، بينهم الطفل وليد أحمد (17 عامًا) الذي مات بسبب الإهمال الطبي، والطبيب "عدنان البرش" الذي اعتقل من مستشفى الشفاء وسقط شهيدًا تحت التعذيب، والأسير "مصعب هنية" الذي استشهد مطلع 2025 بعد أن حُرم من العلاج لأشهر.

هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقرير حقوقي، بل وجوها لكرامةٍ تُعدم ببطء. الاحتلال لا يقتل الأسرى دفعةً واحدة، بل يتركهم ينزفون في صمت، لتتحول الزنازين إلى غرف إعدام بطيء. والأسوأ أنه يحتجز جثامينهم، كما يحتجز أسماءهم، في مقابر الأرقام، في انتهاك صارخ للمادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى.

حين تكتب الكلمة حرّيتها قبل صاحبها

في قلب هذا الظلام، يبرز وجهٌ آخر للمقاومة: أدب الأسرى. الكتاب النقدي "الأسوار والكلمات" للناقد "فراس حج محمد"، الذي خُصص لدراسة أعمال الأسير المحرر "باسم خندقجي"، يُظهر أن القيد لا يُطفئ الإبداع بل يُعيد تعريفه. فالأسير "خندقجي" كتب من خلف الجدران رواياتٍ مثل: "مسك الكفاية"، و"قناع بلون السماء"، لتتحول الزنزانة إلى فضاءٍ حرٍّ ينتج أدباً يوازي أعظم نصوص الحرية في العالم.

النقد هنا لا يتعامل مع الأسرى كضحايا، بل كمبدعين يصنعون من الألم معنى، ومن العزلة معرفة. وحين يقول الكاتب الفلسطيني: "الحرية تبدأ من الكلمة"، فهو لا يكتب استعارة، بل شهادة حقيقية على أن الحبر يمكن أن يهزم الحديد.

الجزائر.. منارة التضامن وذاكرة المقاومة

لم يكن من المصادفة أن تُطلق الجزائر هذا الملف تحت شعار "الجزائر تضيء الزنازين في فلسطين". فتاريخ ثورة التحرير الجزائرية، المشبع بذاكرة السجون والمعتقلات الاستعمارية، يجعل تضامنها مع الأسرى الفلسطينيين امتدادًا طبيعيًا لذاكرة مشتركة من النضال ضد القهر. حين تتحدث الجزائر عن الأسرى، فإنها تتحدث بلغتها الأصلية: لغة الثورة. فالأسرى في فلسطين هم امتداد لأولئك الذين علقوا أجسادهم على أسلاك المحتل الفرنسي، وظلوا يغنون للوطن رغم القيود.

ما بين الجدار والسماء

اليوم، يقف أكثر من 9500 أسير فلسطيني في مواجهة منظومة احتلالٍ تُمارس القتل باسم القانون، والعزل باسم الأمن، والتجويع باسم الردع. لكن خلف كل رقم، هناك إنسان يحمل قصة لا تنتهي إلا بالحرية.

تقول "أم عمر خرواط": "أنا لا أبكي من الضعف، بل من الوفاء". بهذه العبارة تختصر أم الأسير فلسفة الصمود الفلسطيني: أن تظل تؤمن رغم كل شيء. فالسجن، كما كتب أحد الأسرى: "لا يُقيد من كانت روحه معلقة بالسماء".

خاتمة

ملف "صوت الأسير" ليس نشرة حقوقية، بل شهادة على عصرٍ من الوحشية القانونية. إنه مرآة تعكس كيف يمكن للإنسان أن يُهزم جسدًا وينتصر روحًا، وكيف تتحول الزنزانة إلى منبرٍ للحياة.

من معاذ الذي حفظ القرآن خلف القضبان، إلى عمر خرواط الذي ينتظر اسمه في القوائم، إلى باسم خندقجي الذي كتب أدبه في ظلال السجن.. كلهم يعلنون أن الحرية ليست وعدًا من العالم، بل قرارًا من القلب. والجزائر، إذ ترفع هذا الصوت عاليًا، لا تنحاز لفلسطين فقط، بل للإنسان في جوهره، للكرامة التي لا تُسجن، ولضوءٍ لا ينطفئ مهما طال الليل.

"معاذ".. نصف البيت الغائب ونبضه الحاضر

بقلم: هبة محمد تيم (شقيقة الأسير "معاذ محمد أبو تيم")

البداية التي غيّرت كل شيء

لم يكن "معاذ" مجرّد أخٍ كبير في بيتنا، بل كان روحه ونبضه وعموده. أُسرَ أخي "معاذ محمد أبو تيم" منذ أحد عشر عامًا ونصف، في حرب عام 2014، وحُكم عليه بثلاثة عشر عامًا ونصف العام في سجون الاحتلال، كان حينها في زهرة شبابه، يحمل في قلبه أحلامًا كثيرة عن بيت دافئ، وعائلة صغيرة، وعمل يخدم به الناس. لكن القدر جعله يعيش خلف الأسوار، جسدًا أسيرًا، وروحًا حرّة لا تُقيّدها القضبان.

بيت فقد ضوءه

منذ أن غاب معاذ تغيّر كل شيء في بيتنا. أمي التي كانت تملأ المكان بالحياة والضحك، أصبحت تهمس باسمه كل صباح، كأنها تحاول إيقاظه من بعيد. ما زالت تُعدّ فنجان قهوته كل يوم وتضعه على الطاولة كما كانت تفعل، كأن هذا الطقس الصامت هو الطريقة الوحيدة التي تبقيه قريبًا منها، وتمنحها وهماً صغيراً بعودته.

أما أبي، فكل من كان يخرج من الأسر، كان يحرص على زيارته هو وأمي، ويحدثونه عن معاذ، يصفونه بأنه من خيرة من عرفوه في السجن، خُلُقًا وعطاءً وحكمة. وكان أبي كلما سمع ذلك، تشرق ملامحه بفخرٍ تغشاه دمعة امتنان، كأنّ في كلماتهم تصديقًا لما زرعه في ابنه منذ الصغر. كان يشعر بأنّ معاذ جسّد ما كان يتمناه فيه من رجولة ونُبل، فامتلأ قلبه رضاً وسلامًا رغم الغياب.

في كل زاوية من البيت ظلّ شيءٌ من معاذ؛ ضحكته التي كانت تملأ المكان، صوته الجميل وهو يقرأ القرآن، دعاباته التي كانت تُصلح المزاج في أصعب الأيام.

معاذ لم يكن فقط أسيرًا خلف الجدران، بل كان قلبًا كبيرًا يسكن فينا جميعًا.

قلب لا يعرف إلا العطاء

أخي معاذ كان منذ صغره طيبًا إلى حدّ يجعل القلب يلين. أتذكّر يومًا أعطى مصروفه اليومي لرجل غريب التقاه في الطريق، لم يكن يعرفه، لكنه شعر نحوه بدافع من الرحمة والإيمان، وكأنّ في العطاء تجسيدًا للحب الذي يحمله لله وللناس.

هذا القلب لم يتغيّر حتى في الأسر؛ فعندما سُجّل في برنامجٍ للتحسين الغذائي، كان يهدي جزءًا من طعامه لرفاقه في الزنزانة، وكأنّ الكرم ما زال يتدفّق من قلبه رغم القيود.

معاذ يُستشار في كل أمر، صوته هادئ لكنه واثق، كلمته مسموعة، وحكمته تُشعر من حوله بالأمان. هو الذكي، الطيب، الحنون، الخجول، وصاحب الإرادة الحديدية التي لا تنكسر أمام السجّان.

أما ضحكته فكانت مقاومةً بحدّ ذاتها. ذات مرة، ضحك لرفيقٍ له في السجن، رآه السجَّان فغضب وسحبه إلى التعذيب، فقط لأنّه "ضحك". الضحكة كانت صفعة على وجه من أراد كسر إنسانيته، لكنها ظلّت صامدة، كأنّها تقول: لن تسجنوا النور.

سجين يكتب حريته بالعلم

في سنوات أسره، واصل معاذ طريق العلم. ما أهّله لنيل شهادتين في الخدمة الاجتماعية والعلاقات العامة، لكن المجاهد المثابر لم يكتف بهذا وواصل مسيرة العلم ليحصل على ماجستير في أصول التربية والحضارة.

وعلى درب الصحابة الكرام سار أسيرنا فأكرمه الله بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ليسرَده في تسع ساعات متواصلة كما الصفوة البررة.

ومَن كصاحب الهمّة العالية التي لم تضعف فسار مواصلاً طريق العلم الشرعي إلى أن ختمها بحصوله على السند المتصل بالنبي (صلى الله عليه) في القراءة، وكأنّ الله أراد أن يرفع قدره في زمن القهر.

حرب جديدة.. ووجع يتجدد

في عام 2023، حين اندلعت الحرب على غزة، قُصف منزلنا. استُشهد أخي معتز، وجُرح عدد من عائلتي، وتشرّدنا من مكانٍ إلى آخر. ومعاذ هناك، في سجنه، لا يعرف شيئًا عنّا.

عرف بالخبر بعد فترة طويلة من خلال محامٍ زار أسيرًا آخر في القسم ذاته. تلقّى الخبر بصبر المؤمن، ودعا لنا بالسلامة والثبات، رغم أن قلبه كان ينزف. لكن ما لا يعرفه معاذ حتى هذه اللحظة أن الفقد كان أعمق وأقسى. فقد بعضًا من أبناء عمومته الأبطال الذين رحلوا شهداء، كما توفي جدّه الحبيب خلال الحرب، ولم يُخبره أحدٌ بعد.

ولم يتوقف الألم عند ذلك، إذ استُشهد زوج أخته في بداية الحرب، بعد أيام من استشهاد أخيه معتز. كان زوج أخته صديقه الأقرب، قاسمه همّ الأسر من قبل، وذاق مرارة الزنزانة، ثم ذاق حلاوة الشهادة.

كيف له أن يعلم بكل هذا؟ وكيف سيتحمّل حين يعرف أن من أحبّهم صاروا في رحمة الله؟ في تلك الحرب انقطع كل تواصل بيننا وبينه. لم تعد أمي تعرف عنه شيئًا، ولم يعد هو يسمع صوتنا. كانت أمّي تجلس أمام الصور تبكي بصمت، تحادثه كأنّه أمامها، وتخاطب صورته قائلة: "معاذ، لو تعلم كم نحن بخير، وكم نشتاق إليك". لكن الحقيقة أننا لسنا بخير من دونه.

صفقة الأمل المكسور

حين بدأت صفقة الأسرى، كان الأمل يسكننا كما لم يسكننا من قبل. أمي كانت تتهيأ لاستقبال الحرية كما تتهيأ العروس ليومها المنتظر. رتّبت كل شيء، حتى تفاصيل الورد الذي سيُزين البيت، وملابس معاذ البيضاء التي سيخرج بها.

حتى أبي، لم يكن يقلّ حماسًا عنها، انتظر خروج معاذ كما ينتظر القلب نبضه، وكان يستعدّ له بحبٍّ يفيض من ملامحه. جهّز أكواب ضيافة القهوة بنفسه، واقترح على أمي أن يذهبا معًا إلى السوق ليشتريا لمعاذ ملابس جديدة تليق برجولته وعودته المرتقبة.

لكن حين جاءت الأسماء، لم يكن معاذ بينهم، توقفت الدنيا في بيتنا. أمي لم تتحدث لأحد أيامًا طويلة، كانت الصدمة أكبر من أن تُحتمل. جلست في خيمتنا لا تريد أن ترى أحدًا، حتى أهالي الأسرى المفرج عنهم، ولا أن تسمع أناشيد الفرح التي كانت تملأ الشوارع. كنا نحاول مواساتها، لكن من يُواسي قلبًا أُصيب مرتين؟ مرة حين فُقد الابن، ومرة حين لم يعد الآخر.

معاذ.. حكاية الصبر والكرامة

في الأسر، يستمر معاذ في درسه وصبره، لا يزال مؤمنًا أن الله لن يخذله، وأن الحرية قريبة مهما طال ليلها. أما نحن، فنعيش بين فقدٍ وحنين، نحاول أن نكون أقوياء كما علّمنا هو. فكلما تذكرت كلماته لأمي في آخر رسالة: "كوني قوية يا أمي، سأخرج قريبًا بإذن الله". أدركت أن معاذ لم يربط نفسه بالجدران، بل بالله.

قضية إنسان قبل أن تكون رقما

معاذ ليس قصة عائلتنا فقط، بل قصة كل بيت فلسطيني فقدَ حبيبًا خلف القضبان. هو مرآة لقضيةٍ تتجاوز الشخص إلى الإنسان. فيه نرى صبر الأمهات، وإصرار الأسرى، وكرامة الوطن التي لا تنكسر.

وحين يُذكر اسم معاذ، نعلم أن الحرية ليست حلمًا بعيدًا، بل وعدًا مؤجلًا.

"السجن لا يُقيد من كانت روحه معلقة بالسماء"، ومعاذ.. ما زال حرًّا، لأن قلبه هناك، حيث لا تصل الأسوار.

حين تُستثنى الأرواح من الحرية.. قصة "عمر خرواط"

بقلم: د. منى أبو حمدية - أكاديمية وباحثة

الزنزانة وصوت الصمود

في مدينةٍ نامت على جرحها، واستيقظت على اسمٍ يختصر الوطن، يسكن "عمر خرواط" وجعاً عمره عقود. ليس في بيته، بل في حجرةٍ من حديدٍ تعرف نبضه أكثر مما تعرف وجه الشمس. تتنفس الزنزانة من صدره، ويضخّ إليها الحياة كي لا تموت.

الجدران الأربعة تحيط به، لكن قلبه وطنٌ لا أسوار له، وخطوته الصغيرة من الفراش إلى الباب هي مسيرة حريّة كاملة، تُعاد كل يومٍ منذ عام 2002.

لم يتعب من الصبر، بل صار الصبر اسمه الثاني، والأمل غذاءه الذي لا يُقطع في الحصار.

الليل هناك طويل، لكنه لا يخافه؛ يعرف أن الظلمة ليست عدواً، بل صديقة تنصت لسرّه القديم: أنّ الحرية لا تسكن الأبواب المفتوحة، بل فيمن يخلق النور داخل القيد.

الأمل المفقود المفاجئ

ثمّة لحظةٌ تشبه المعجزة.. حين جاء الخبر: "اسم عمر بين الأسماء، سيكون حرّا". ابتسمت الأم، واستبشرت ضاحكة بضحكة خرجت من عمرها.. لا من فمها. بدأ البيت يتهيّأ للقاءٍ مؤجل، حتى الجدران علّقت على نفسها قصائد الشوق. لكن الأمل الذي أطلّ من النافذة، عاد منكسرا. الاسم شُطب من القائمة! والفرح انكسر قبل أن يكتمل.

سقط الخبر كحجرٍ في بئرٍ من الصمت، فاهتزّ البيت كلّه.. وحدها الأم ظلت واقفة، تنظر إلى الفراغ كأنها تسأله: هل يمكن أن تُستثنى الأرواح من الحرية؟

قلب الأم الصابر

يا أم عمر.. يا صانعة الضوء من الرماد، كم مرةٍ وضعتِ الحلم على طاولة الانتظار، وكم مرةٍ خبأتِ الرسائل تحت وسادتك.. كأنها تعاويذ نجاة؟ أنتِ لا تبكين من الضعف، بل من الوفاء، تسكبين دمعك على وجه الوطن وتقولين: "سيعود… لأن الدعاء لا يُسجن، ولأن الحب لا يُقتل".

كم مرّ عامٌ وولدك في الغياب، وكم زهرٍ ذبل في يديك دون أن يشمّه! ومع ذلك، تظلين تطهين الأمل كل صباح، كأنكِ تنتظرينه على الغداء.

صمت الجدران الناطق

عمر لا يتحدث كثيرا، لكن الجدران تنطق نيابة عنه. تعرف كيف يكتب رسائله على الهواء، وكيف يبتسم حين يسمع الأذان من بعيد، وكيف ينصت إلى وقع الأقدام في الممرات الطويلة، وكأنه يسمع هدير بحرٍ لم يره منذ سنين.

كل شيءٍ في الزنزانة صار له ذاكرة: السرير صديقه، والنافذة مرآته، والقيد دفتره الوحيد. وكل يومٍ يمر، يخطّ على الحجارة درساً جديدا في معنى الإنسان: أنّ الحرية ليست أن تخرج من السجن، بل أن يبقى قلبك أكبر من سجّانك.

نور الانتظار المستمر

حين يسدل الليل ستائره، يمدّ عمر يده نحو الضوء البعيد، ذلك الضوء الذي لا يراه، لكنه يؤمن بوجوده. في كل سجنٍ هناك ضوءٌ لا يعرف مصدره، وفي كل قلبٍ أسيرٍ شمعةٌ لا تُطفأ.

الانتظار عنده ليس سكونا بل صلاة طويلة لا تخيب. هو يقينٌ بأن الفجر سيأتي، ولو زحفاً على أكتاف الظلام.

رسالة حب صامتة

إلى أمّه التي لا تنام إلا على صوت ذكراه: "أم عمر، أمنا جميعا كلما ضاق بي الجدار، أتذكّر يديكِ وهما تفتحان باب الصباح. لا تحزني على الصفقة التي لم تأتِ، فالحرية التي في صدرك تكفيني. أنتِ وطني الذي لا يُحتل، وصبرك حريتي التي لا تُقايض. قولي للريح أن تمرّ على نافذتي، فقد اشتقت إلى رائحة البيت".

بريق الحرية القادم

ومع كل فجرٍ جديد، تولد في قلبه زهرة صغيرة من ضوء، تتفتح رغم الإسمنت، وتنادي باسمه من بعيد. "عمر خرواط" ليس أسيراً فقط، هو نبيّ الصبر.. في زمن القسوة، يكتب بوجعه مرثيةً للحياة، ويحوّل كل انتظارٍ إلى فعل مقاومة. حين تُستثنى الأرواح من الحرية، يصبح الصمود شكلاً آخر من الحياة. وحين تبكي الأمهات في الخليل، ينبت من دموعهنّ قوسٌ من الأمل يمتد حتى آخر سجنٍ في الأرض.

الحرية قادمة.. ليس لأن الصفقة وعدت، بل لأن الشمس لا تعرف طريقاً آخر سوى أن تشرق من جديد.

مروان البرغوثي.. القائد الذي لم تغب عنه شمس الوطن

بقلم: سامي إبراهيم فودة

حين يُذكر اسم "مروان البرغوثي"، لا يُذكر سجينٌ خلف القضبان، بل قائدٌ حمل الوطن في عينيه أينما حلّ، وظلّ نبضه يعلو فوق جدران السجن وأسوار العزلة.

مروان ليس ابن زنزانة، بل ابن فكرةٍ وضميرٍ وثورةٍ امتدت منذ بدايات المشروع الوطني الفلسطيني، شارك في صياغتها، وخاض معاركها، ودفَع من عمره أثمن ما يملك لأجلها.

هو سياسي محنّك ومناضل ميداني في آنٍ واحد، جمع بين التجربة التنظيمية والفكر السياسي والقدرة على استشراف المستقبل. لم يأتِ من فراغ، بل من تاريخ ناصع في حركة فتح، ومن ميادين المواجهة التي عرّفت الناس على رجلٍ صلبٍ في الموقف، متزنٍ في القرار، عميقٍ في الرؤية، وواضحٍ في الانتماء.

في زمن ضاعت فيه البوصلة بين المتاجرين بالدم والباحثين عن مجد زائف، ظلّ مروان البرغوثي رمز الاتزان والعقلانية الثورية، لا يُقامر بدم الشهداء، ولا يساوم على الثوابت، ولا يركب موجة الانقسام.

من قلب السجن، ظلّ صوته نداء وحدة، وكلماته خريطة طريق نحو المصالحة والحرية، كأنّه يُدير الوطن من خلف القضبان بعقلية رجل دولة لا تهتزّ.

الحرية لم تكن عند مروان شعارًا، بل سلوكًا وموقفًا. حريته تبدأ من الفكرة، من حقّ الإنسان في العدل والكرامة، ومن واجب القائد أن يكون أوّل الواقفين وأقلّ المتكلمين. لقد خَبِر السجن والزمن والناس، وخرج من كل تجربة أنضج وأعمق، كأنّ الحديد صقل إرادته بدل أن يُقيدها.

ولأنّ القيادة لا تُورّث ولا تُمنح، بل تُكتسب بالوعي والتجربة والثبات، فإنّ مروان البرغوثي هو أحد القلائل الذين يستحقون وصف "رجل الدولة المناضل"، لا بالشعارات، بل بالوعي الوطني والإرث النضالي والقدرة على قراءة اللحظة ومخاطبة المستقبل.

مروان البرغوثي.. قائد لم تُطفئه الزنزانة

إن فلسطين اليوم، بكل ما يعتريها من جراح وانقسام وضياع في البوصلة، تحتاج إلى رجل بحجم مروان البرغوثي؛ رجل يعرف معنى الوحدة لأنه عاش التشرذم، ويقدّر قيمة الحرية لأنه ذاق مرارة القيد، ويفهم السياسة لا كحيلة أو منصب، بل كأداة لبناء الإنسان وصون الكرامة.

مروان لم يكن يومًا أسير جدران أو زمن، بل أسير حلم عظيم اسمه فلسطين، حمله في قلبه كما يحمل الأب طفله الوحيد، ولم يسمح لليأس أن يخدش يقينه. وحين يتحدث الناس عن القيادة، يجب أن يتذكّروا أنّ القائد الحقيقي هو من ينهض بالناس من الرماد، لا من يصنع الرماد فوق رؤوسهم.

من خلف القضبان، ظلّ مروان يُشعل شموع الأمل ويزرع الوعي في العقول، وكأنّه يقول لوطنه: "قد يمنعوني عن الشمس… لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوني من أن أكون نورها."

لهذا.. حين نذكر اسم مروان البرغوثي، فنحن لا نُحيّي شخصًا فحسب، بل نُحيّي فكرة، مدرسة، ورؤية لوطن ممكن رغم المستحيل. هو ابن كل المراحل، وأمل كل المحطات، وسيّد كل المسافات التي تربط بين الثورة والدولة.

ومهما طال الأسر، فإن فجر فلسطين القادم سيحمل وجه مروان، وجه القائد الذي لم تُطفئه الزنزانة، بل أنار بها درب الوطن.

نسخة مختصرة للبوستات ووسائل التواصل الاجتماعي: مروان ليس مجرد سجين خلف القضبان، بل رجل دولة ومناضل وفكر وسياسة. حمل الوطن في قلبه، وعلمنا أنّ القيادة ليست بعدد سنوات الأسر، بل بعمق الرؤية والحنكة والحكمة.

في كل مرحلة، أثبت أنّه قادر على توحيد الشعب، حماية الدم الفلسطيني، وبناء المستقبل، دون أن يساوم على الثوابت أو يغامر بدماء الشهداء. من خلف القضبان، ظلّ نوره يضيء الطريق، وصوته يدعو للوحدة والحرية.

فلسطين تحتاج اليوم إلى قائد مثل مروان، رجل عقل وضمير، لا مجرد رمز للأسير.

"قد يمنعوني عن الشمس… لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوني من أن أكون نورها." مروان البرغوثي: ابن كل المراحل، وأمل كل المحطات، وسيد كل المسافات بين الثورة والدولة

"الأسوار والكلمات".. كتاب نقدي يحتفي بأدب "باسم خندقجي"

تقرير: الرواد للصحافة والإعلام - نابلس

في إطار الاحتفاء الأدبي والإنساني بالكاتب الفلسطيني "باسم خندقجي"، بعد تحرره من سنوات الأسر الطويلة التي قضاها خلف القضبان، صدر كتاب نقدي جديد بعنوان "الأسوار والكلمات: عن أدب باسم خندقجي" للناقد "فراس حج محمد".

يأتي هذا الإصدار (الإلكتروني الصادر عن ناشرون فلسطينيون عام 2025) ليُلقي الضوء على تجربة خندقجي الاستثنائية كأحد أبرز كتّاب الحركة الأسيرة، الذي لم تُعقه مؤبدات السجن عن تحويل زنزانته إلى ورشة إبداعية، منتجاً مجموعة من الأعمال الروائية والشعرية التي أثرت المشهد الثقافي العربي.

لا يقتصر الكتاب على كونه احتفالاً بالحرية، بل هو مساهمة نقدية جادة تسعى إلى تفكيك وتحليل النصوص التي وُلدت من رحم القيد، ما يجعله إضافة مهمة للمكتبة النقدية الفلسطينية والعربية.

يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام، حيث يتناول القسم الأول، المعنون بعتبات تمهيدية، علاقة المؤلف حج محمد بأربعة من الكتاب الأسرى المحررين بصفقات الطوفان وهم: باسم خندقجي، وكميل أبو حنيش، وسامر المحروم، وهيثم جابر، واشتمل هذا القسم على رسالة سبق لباسم خندقجي أن كتبها من سجنه عام 2019، وسيرة ذاتية مختصرة له.

أما القسم النقدي الأساسي من الكتاب فهو العمود الفقري لـ"الأسوار والكلمات"، حيث يغوص فراس حج محمد في أعماق أعمال خندقجي الروائية والشعرية، مُطبقاً أدواته النقدية على نصوص أُبدعت في أصعب الظروف الإنسانية، فيقدم الكتاب دراسات مفصلة لعدد من أعمال خندقجي، محاولاً الكشف عن ملامح الأسلوبية والموضوعية التي تميز هذا الأدب. ومن أبرز هذه الدراسات:

قراءة في الشعر

تحليل لديوان "طقوس المرّة الأولى"، حيث يتوقف الناقد عند جماليات اللغة وقضايا الوجود التي يطرحها الأسير الشاعر من وراء القضبان، وكيف تتشابك التجربة الذاتية مع القضايا الوطنية والإنسانية الكبرى.

دراسات في الرواية

يتناول الكتاب بالشرح والتحليل أعمال روائية مهمة مثل "مسك الكفاية - سيرة سيدة الظلال الحرة"، فيُسلط الضوء على بناء الشخصيات والمعمار السردي للرواية التي تتقاطع فيها الذات مع الذاكرة والتاريخ. كما يخصص دراسة لرواية "نرجس العزلة" مركّزاً على مساءلة الذات ومواجهتها كإحدى الثيمات الرئيسية في أدب السجن، في حين يقدم دراسة تتناول المعمار الفني لرواية "أنفاس امرأة مخذولة"، محللاً المعمار الفني والتقنيات السردية التي اعتمدها خندقجي، وكيف أمكنه التعبير عن قضايا المجتمع وشخوصه رغم العزلة القسرية. وتُناقش الوقفة الرابعة رواية "محنة المهبولين"، إذ تتناول سؤال العقلانية والعبثية في ظل واقع الاحتلال والقيد. وتشكل هذه الدراسات النقدية دليلاً على أن أدب باسم خندقجي أدب أصيل ومكتمل الأركان الفنية يستحق الدراسة المعمقة والمقارنة بأعمال الأدب العالمي.

يخرج الكتاب في "القسم الثالث: آراء وقضايا" من نطاق النص الأدبي المباشر ليناقش قضايا ثقافية وفكرية أكثر عمومية، لكنها تظل مرتبطة بسياق تجربة خندقجي وتأثيره الثقافي، ومن أهم الموضوعات التي يتطرق إليها هذا القسم: جائزة البوكر 2024، فيقدم الكاتب ملاحظات أولية وتحليلاً لخطاب فوز باسم خندقجي بجائزة البوكر للرواية العربية عن روايته "قناع بلون السماء"، وهو الفوز الذي شكل علامة فارقة في تاريخ الجائزة وشهادة عالمية لأدب السجون، وفي القضايا المحلية يتطرق الكاتب إلى مقالات تتناول صورة مدينة رام الله وبعض الأنشطة الثقافية التي تخص أدب الأسرى (أدب الحرية).

يُعد كتاب "الأسوار والكلمات" وثيقة نقدية تسجل محاولة جادة لفك شيفرات أدب المقاومة، ويثبت أن القلم أقوى من أسوار السجن وظلامه، وينجح "فراس حج محمد" في تقديم كتاب شامل يجمع بين النقد الأكاديمي والروح الصحفية، مؤكداً أن مكانة باسم خندقجي كقوة إبداعية لا يمكن تجاهلها في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي.

وتم نشر الكتاب في موقع المؤلف الإلكتروني، وفي موقع مكتبة كتوباتي الإلكترونية، وفي موقع مكتبة نور الإلكترونية، ومتاح للتحميل المجاني.

من التشريع إلى الانتقام.. تصاعد القوانين الإسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

يشهد المشهد القانوني الإسرائيلي، في مرحلة ما بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، تصعيدا تشريعيا غير مسبوق يستهدف الأسرى الفلسطينيين على نحو مباشر ومنهجي، في إطار سياسة انتقامية تتخذ من القانون غطاء للجرائم المنظمة.

فقد تحولت مؤسسات التشريع الإسرائيلية، وعلى رأسها الكنيست ولجنة الأمن القومي، إلى أدوات تقنين لسياسات البطش داخل السجون ما ينذر بتحول السجون الإسرائيلية إلى ساحات صراع يومي عنوانه القهر والإعدام البطيء.

منذ إعلان حالة الطوارئ، في السابع من أكتوبر 2023، استغلت الحكومة الإسرائيلية الغطاء القانوني الذي توفره هذه الحالة لتوسيع نطاق الاعتقالات وتكريس سياسة "الاحتجاز إلى أجل غير مسمّى" عبر قانون المقاتل غير الشرعي، وإعادة تفعيل مشاريع تشريعية متطرفة، أبرزها قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي صادقت عليه لجنة الأمن القومي في سبتمبر 2025 تمهيدًا لطرحه للتصويت العام في الكنيست.

ويمثل هذا المشروع امتدادا لتوجه سياسي متجذر في الفكر الصهيوني المتطرف يتزعمه وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" الذي جعل من استهداف الأسرى أداة لفرض عقيدته العنصرية تحت شعار "الأمن الإسرائيلي".

القانون المقترح لا يقتصر على فرض عقوبة الموت وإنما يلغي شرط الإجماع بين القضاة ويتيح الحكم بالأغلبية، ما يجعله سابقة قانونية خطيرة تمهد لتحويل القضاء الإسرائيلي إلى محكمة إعدام جماعي بحق الفلسطينيين.

وقد نص القانون على أن "من يتسبب بموت إسرائيلي بدافع قومي أو كراهية يعاقب بالإعدام"، وهو نص صمم سياسيا لاستثناء المستوطنين والجنود من المساءلة وحصر العقوبة بالفلسطينيين وحدهم.

في السياق ذاته، أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع "قانون قوات النخبة"، الذي ينص على إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الفلسطينيين الذين شاركوا في أحداث 7 أكتوبر فيما يشبه محاكم استثنائية عسكرية تدمج بين القضاء والسياسة وتجرد المعتقلين من صفة أسرى الحرب.

ويهدف هذا القانون إلى إعادة صياغة الرواية الإسرائيلية، بتصوير الفلسطينيين كـ"نازيين جدد"، وتبرير العقوبات المفرطة والإعدامات السياسية تحت مظلة قانون "منع الإبادة الجماعية لعام 1950" في محاولة لتحويل الضحية إلى الجاني.

إلى جانب ذلك أعادت الحكومة الإسرائيلية تفعيل سياسات الاكتظاظ والحرمان الغذائي، حيث أقر "بن غفير" علنًا أن "الأسرى لن يحصلوا إلا على الحد الأدنى من الشروط التي يفرضها القانون". في حين كشفت أحكام صادرة عن المحكمة العليا الإسرائيلية أن آلاف الأسرى يحرمون عمدا من كميات الطعام الكافية للبقاء على قيد الحياة، فيما يعد انتهاكا صارخا للمادة (3) من اتفاقية جنيف الرابعة.

ومع تمديد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2025، أصبح القانون الإسرائيلي يسمح بتجاوز السلطة القضائية العادية ومنح الحكومة صلاحيات استثنائية في إصدار أنظمة تتعلق بالاعتقال، والاحتجاز، وتقييد الزيارات، وحرمان الأسرى من الرعاية الطبية والحقوق الأساسية.

وقد أدت هذه الإجراءات إلى تحول السجون الإسرائيلية إلى بيئة حرب مغلقة، حيث تمارس ضد الأسرى عمليات انتقام منظم، وتعذيب مبرمج وإخفاء قسري طال المئات من أسرى غزة الذين اعتقلوا بعد 7 أكتوبر ولا يعرف مصيرهم حتى اليوم.

من الناحية القانونية، تشكل هذه القوانين والسياسات منظومة متكاملة لتقنين الجريمة، في انتهاك واضح لالتزامات "إسرائيل" الدولية، ولا سيما اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يجرم الحرمان المتعمد من المحاكمة العادلة والإعدام خارج نطاق القضاء.

إن إنشاء محاكم استثنائية، وتطبيق قانون الإعدام، وربط العقوبة بالهوية القومية كلها تشريعات تقع في صميم مفهوم التمييز العنصري والاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية.

يسعى الاحتلال الصهيوني من خلال هذه التشريعات إلى:

شرعنة سياسة القتل تحت غطاء قانوني.

تحويل القضاء إلى أداة انتقام سياسي.

تجريد الأسرى الفلسطينيين من الحماية القانونية كأسرى حرب.

خلق بيئة قانونية تتيح استمرار الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري دون محاسبة.

إن هذا التحول التشريعي يعبّر عن "عقيدة انتقامية مقننة"، تحول القانون إلى سلاح حرب، وتؤسس لمرحلة جديدة من الانتهاكات التي تمتد من ساحات القتال إلى زنازين الأسر.

تحذر مؤسسة العهد الدولية من خطورة هذا المسار التشريعي الذي يهدد حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين، وتدعو:

- الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى فتح تحقيق دولي عاجل في القوانين الإسرائيلية الأخيرة بوصفها تشريعات تمكينية لجرائم الحرب.

- المحكمة الجنائية الدولية إلى إدراج هذه القوانين ضمن ملفات التحقيق المفتوحة ضد "إسرائيل" باعتبارها دليلًا على نية مسبقة في القتل والتصفية الجماعية.

بعد حرب الإبادة على غزة عام 2023، لم تُبق "إسرائيل" سجونها أماكن احتجاز، لقد حولتها إلى ساحات حرب قانونية وأمنية تمارَس فيها الإبادة بأدوات تشريعية. فما يجري اليوم داخل المعتقلات والسجون هو تجريب لقوانين إبادة مميتة تصاغ في الكنيست وتنفذ في السجون.

إن صمت العالم على هذا التحول يجعل من كل أسير فلسطيني شاهدا حيا على سقوط المنظومة القانونية الدولية أمام جبروت الاستعمار.

بيان صحفي .. "تضامن": "بن غفير" يدعو إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين

تقرير: تضامن - إسطنبول

تُدين المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) بأشدّ العبارات المشاهد والتصريحات الصادمة التي نُشرت منذ أيام، والتي يظهر فيها وزير الأمن القومي الإسرائيلي "إيتمار بن غفير" وهو يقف فوق أسرى فلسطينيين عُزّل، ممدّدين على الأرض ومكبّلين من الخلف، قبل أن يعلن صراحةً أنّ "الخطوة المتبقية" هي إعدامهم.

إن هذا التصريح العلني لا يُعد مجرّد خطاب كراهية، بل تحريضًا مباشرًا على القتل خارج نطاق القضاء بحق أشخاصٍ محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، بما يُشكّل دعوة صريحة لتنفيذ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويمثّل خطرًا فوريًا على حياة الأسرى الفلسطينيين.

وتشدد "تضامن" على أنّ التحريض العلني على القتل يُعدّ جريمة قائمة بذاتها في القانون الدولي، حتى في حال عدم تنفيذها مباشرة، ويكتسب خطورته القصوى عندما يصدر عن مسؤول حكومي يسيطر على منظومة الاحتجاز ويملك سلطة إصدار الأوامر.

انتهاكات صريحة للقانون الدولي

تؤكّد "تضامن" أنّ تصريحات "بن غفير" تُخالف نصًا وروحًا أحكام القانون الدولي، وعلى رأسها:

أولًا: اتفاقيات جنيف

المادة 3 المشتركة: تحظر القتل، والتعذيب، والمعاملة القاسية والمهينة بحق المحتجزين، وتُلزم أطراف النزاع بمعاملة جميع الأشخاص المحتجزين معاملة إنسانية في جميع الظروف.

اتفاقية جنيف الرابعة (1949):

المادة 27: حماية الأشخاص المحميين وصون كرامتهم وشرفهم.

المادة 32: حظر القتل والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية وغير الإنسانية.

المادة 33: حظر العقاب الجماعي.

المادة 147: القتل العمد، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية تعتبر انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب.

ثانيًا: نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية

المادة 7(1)(a) و(ه): القتل والاضطهاد المرتكبين في سياق هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين يشكّلان جرائم ضد الإنسانية.

المادة 8(2)(a)(i)(ii)(iii): تشمل جرائم الحرب:

•    القتل العمد؛

•    التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية؛

•    التسبب عمدًا بمعاناة شديدة أو أذى جسدي خطير.

المادة 25 (3): المسؤولية الجنائية الفردية عن التحريض والمساهمة في ارتكاب الجرائم الدولية.

تجدر الإشارة إلى أن تكرار الدعوات العلنية من قبل مسؤول حكومي لإعدام الأسرى، كما فعل "بن غفير" في أكثر من مناسبة، يدخل ضمن نطاق المسؤولية الجنائية الفردية عن التحريض والمشاركة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفقًا لهذه المادة.

ثالثًا: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

المادة 6: الحق في الحياة وعدم جواز حرمان أي شخص منه تعسفا.

المادة 7: حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

ليس حادثا منفصلا بل نهجٌ رسمي متكرر

وترى "تضامن" أنّ هذه التصريحات ليست حالة استثنائية، بل تأتي ضمن سياق رسمي متصاعد من التحريض والسياسات العقابية التي يقودها بن غفير منذ توليه منصبه، وتشمل:

•  الدفع داخل الكنيست باتجاه قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين.

•  تصريحات متكررة تدعو لإطلاق النار على الأسرى وتعذيبهم وتشديد ظروف اعتقالهم.

•  إشراف مباشر منذ 7 أكتوبر 2023 على إجراءات عقابية ممنهجة تضمنت:

التجويع، العزل القاسي، الحرمان من العلاج، الاعتداءات الجسدية والنفسية، التفتيش العاري، الإذلال، والإخفاء القسري المؤقت.

وتؤكّد تضامن أنّ هذه السياسات تشكّل جزءًا من محاولة ممنهجة لنزع الحماية القانونية عن الأسرى الفلسطينيين وتهيئة بيئة سياسية وشعبية تُسهّل ارتكاب جرائم واسعة النطاق، وفي هذا السياق تدعو المؤسسة إلى ما يلي:

1. فتح تحقيق دولي عاجل وإحالة الملف للمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية.

2.  محاسبة بن غفير وكل من يشارك في التحريض أو إصدار الأوامر أو تنفيذها.

3.  فرض عقوبات دولية فردية وفق أنظمة ماغنيتسكي العالمية.

4.  تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول الفوري وغير المقيّد إلى أماكن الاحتجاز كافة.

5.  تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة جرائم التعذيب والتحريض على القتل.

رسالة إلى المجتمع الدولي

تحذر "تضامن" من أنّ التقاعس الدولي عن مواجهة هذا التحريض العلني على قتل الأسرى المحميين يهدد الركائز الأساسية للقانون الدولي ويشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والتصفية داخل السجون. وتؤكد أن المساءلة الجنائية فردية ولا تسقط بالتقادم أو المناصب السياسية، وأن الصمت الدولي يشكل تواطؤًا يسمح باستمرار الجرائم ويضاعف معاناة الأسرى الفلسطينيين.

حين تتسلق الكلمات الأسوار نحو الحرية قبل صاحبها

بقلم: قمر عبد الرحمن

هناك كتبٌ تُقرأ... تترك فيك أثرًا أعلى من أثر القراءة، وكتاب "الأسوار والكلمات" للناقد "فراس حاج محمد" واحد من تلك الكتب، يخرج من بين صفحاته صدى المفاتيح والبوابات، لكنه لا يُسمعنا أنين الأسرى، بل إرادة أرواحهم وهي تتسلّق الجدران نحو الضوء. صدر الكتاب عن منصة "ناشرون فلسطينيون" عام 2025.

يتحدث فيه الناقد بشكل رئيسي عن أدب الأسير المحرر "باسم خندقجي"، ويقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام تتكامل كأضلاع نصّ واحد: في "العتبات التمهيدية" يضع الناقد حجر الأساس لفهم أدب السجون بوصفه فعلًا معرفيًا وإنسانيًا، وفي "القراءات النقدية" يعبر بنا إلى نصوص الأسرى الكتّاب بعيون محبّة ويقظة، أما "القضايا والآراء" فتمثل تأملات فكرية تتجاوز حدود القراءة إلى طرح أسئلة الحرية والجمال والكتابة نفسها.

لكن هذا العمل ليس دراسة نقدية باردة، بل شهادة حياة على انتصار الكلمة على السجن. هنا يتحوّل الأسر إلى مختبرٍ للروح، وتتحول العزلة إلى نبعٍ للمعنى. تجربة "باسم خندقجي"، الذي كتب من خلف الجدران كما يكتب شاعرٌ من أعالي جبل، رأى من سجنه ما لا يراه الأحرار. كلماته كانت له حرية مؤقتة، وعتبة عبور إلى إنسانيته قبل أن يعانق هواء الوطن.

وليس "خندقجي وحده، فثمّة أصوات أخرى لا تقل بهاءً: كميل أبو حنيش، وهيثم "جابر، وغيرهم الذين جعلوا من السجن فضاءً للتأمل والإبداع. كلٌّ منهم حمل قيده بكرامة الكلمة، وصاغ من ليله الطويل نجمًا يُضيء لغيره الطريق. واليوم بعدما تحرروا، تبقى نصوصهم دليلًا على أن الكلمة كانت الأسبق نحو الحرية.

ويمتاز "فراس حج محمد" في هذا العمل بنقده الصادق مع النص أكثر من صدقه مع الأسماء. نقده لا يتزيّن ببلاغة مجانية، بل يتكئ على وعي جمالي يلمس جوهر التجربة. وقد قرأ فراس تجربة خندقجي قراءة مبكرة، حتى قبل أن تحصد روايته "قناع بلون السماء" جائزة البوكر العربية. ومع إشادته بعمقها الرمزي، رأى بموضوعية أنها أقل فنيًا من رواياته السابقة، مؤكّدًا أن القيمة الفنية لا تُقاس بالجوائز، بل بما تُحدثه الكلمة من أثر في الوجدان والفكر. رأيه ذاك لا يقلّل من الإنجاز، بل يمنحه بعده الحقيقي: أن الحرية الإبداعية لا تعرف سقفًا ولا تتوقف عند محطة واحدة.

وفي موازاة هذا الجهد النقدي، لا يمكن تجاهل الدور النبيل الذي يؤديه المحامي "حسن عبادي"، الذي جعل من صوته جسرًا تعبر عليه كلمات الأسرى من عتمة الزنازين إلى فضاء الحرية. لم يكن ناقلًا لرسائلهم فحسب، بل كان صوتًا يحمل أصواتهم، ونافذةً يفتحها على العالم الأدبي. بجهده الحثيث في التواصل مع النقاد والمؤسسات الثقافية، منح نصوص الأسرى فرصة أن تُقرأ بجدّية، وأن تُناقش كأدبٍ له مكانته وقيمته، لا كرسائل من داخل القيد. لقد كان حسن عبادي، في صمته وفعله، شريكًا في صناعة حريتهم المعنوية، جعلهم يشعرون بأن الكلمة ما زالت قادرة على الحركة، وأنهم ما زالوا أحياء في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي.

ويُختتم الكتاب بمقالات نقدية وفكرية تشبه ممرات ضوء في نهاية النفق، يتأمل فيها الناقد معنى الكتابة في زمن القيد، ومعنى الحرية حين تُصبح فعلًا لغويًا قبل أن تكون واقعًا. إنها مقالات تمنح القارئ يقينًا بأن الأدب الفلسطيني، لا سيما أدب الحركة الأسيرة، لا يُكتب بالحبر فقط، بل بنبضٍ عاش التجربة وشهد خلاصها.

في النهاية، يذكّرنا كتاب "الأسوار والكلمات" أن الحرية لا تبدأ من المفتاح بل من الكلمة. وأن هناك حبرًا إن لامس الجدار جعله نافذة. فالكلمات تتسلق الأسوار نحو الحرية قبل صاحبها.

من خلف القضبان.. حين صار للجحيم صوت يتكلم

تقرير: مؤسسة العهد الدولية

هل سمعتم عن الجحيم وهو يتكلم؟ نعم، يتكلم حين يخرج الأسرى من السجون والزنازين، بأجساد أنهكها العذاب وأرواح نجت من الموت بأعجوبة. في صفقة "طوفان الأحرار" الثالثة خرجوا كمن خرج من تحت الركام، ليس ركام البيوت، وإنما ركام القهر والعتمة والجوع. خرجوا بأقدام مبتورة، بعيون مطفأة، بذاكرة مثخنة بالعذاب، يحكون ما لا تجرؤ الكاميرات على التقاطه، وما لا يصدّقه عقل إلا إذا سمعه من فم من عاشه. قال أحدهم: "كنا نعيش في قطعة من الجحيم، لا نعرف ليلا من نهار، ولا نعرف إن كنا أحياء أم أمواتا".

"شادي أبو سيدو".. حين تُكسر العدسة ويظل الضوء حيا

هل سمعتم عن صحفي اعتقل لأنه حمل الكاميرا بدل السلاح؟ يقول شادي أبو سيدو، الذي اعتقل من داخل مجمع الشفاء الطبي، بصوت متعب كأنه خارج من باطن الأرض: "جردونا من ملابسنا وضربونا حتى تكسرت عظامي، ثم رموني في الشاحنات. في معتقل سديه تيمان كنت أجثو على ركبتيّ عاما كاملا، مقيّد اليدين، مغمض العينين. الطعام لا يكفي لطفل، والماء كأنه سم. كانوا يعاقبوننا إن تأخرنا عن الحمام، وإن تحركت شفاهنا في الصمت، يشبحوننا مئة يوم على الجدار"، ثم يهمس وكأنه يخشى أن يسمع صوته أحد: "قال لي أحدهم أثناء التحقيق: نحن قتلنا كل الصحفيين ولم نقتل عدستك، لذلك سنكسر عينيك"، وفعلوا، لكن الضوء ظل في روحه يفضح ظلامهم.

"محمود أبو فول".. الظلام الذي أطفأ البصر

وهذا "محمود" من شمال غزة، خرج لا يرى شيئا. "فقدت بصري من شدة التعذيب، لم أعد أرى سوى صوتهم، ثمانية أشهر من الضرب والإهانة، وأنا عاجز على قدم مبتورة. كانوا يضربونني حتى أغيب عن الوعي، ثم يعيدونني لأعيش الموت من جديد"، من يسمع صوته لا يعرف إن كان يبكي أم يروي، كأن البكاء صار جزءا من الحكاية.

"ثابت الفقعاوي".. الوقت المعلق بين القيد والعتمة

"ستة أشهر لم أرَ فيها الضوء، كنت مغمض العينين طوال الوقت. من يتحرك يُضرب، من يتنفس يُعاقب، كنا ننام على الأرض بلا فراش، الطعام رديء، والماء ملوث، والهواء مليء بالخوف"، هكذا وصف ثابت أيامه في السجن، يقول إن الجوع كان وسيلة لإذلالهم، والوقت كان سلاحا ضد عقولهم.

"أحمد التلباني".. حين يصبح الليل أداة تعذيب

"عام من التعذيب أنساني وجوه أطفالي، كانوا يطلقون الكلاب فوق أجسادنا، طوال الليل، حتى صارت أصوات النباح تختلط بصراخنا"، ثم يسكت قليلا، كأنه يعود إلى الزنزانة في ذاكرته، قبل أن يهمس: "كنا نعيش الموت البطيء كل لحظة."

"منصور ريان".. حين يجبر الأسير على ضرب رفيقه

خرج "منصور ريان" من جحيم السجون وهو يحمل ذكرى لا تحتمل: "أجبرونا أن نضرب بعضنا بالأحذية لإذلالنا، ومن يرفض يُعاقب بالكهرباء. كانوا يمنعوننا من الصلاة، يسرقون بطانياتنا، ويجعلوننا ننام على الأرض الباردة، كنت أسمع كل ليلة صراخا يشق الجدار، كأنه صوت الأرض حين تجلد"، خرج منصور ليجد أن ابنه عبادة استشهد، "حتى الوداع سرقوه منا" قالها، فبدت كأنها خلاصة الحكاية كلها.

"إسلام أحمد".. حين يُغتصب الجسد ويُسحق الإنسان

"ما حدث في سديه تيمان يفوق الخيال، جردونا من ملابسنا، أدخلوا العصي في أجسادنا، رأيت زملائي تكسر أيديهم عمدا. كانوا يخبروننا أن عائلاتنا استشهدت ليموت الأمل فينا، رأيت رجالا حاولوا الانتحار من شدة الإهانة"، يقولها كمن خرج من عالم لا يشبه البشر.

هذا مجرد غيض من فيض، فهناك حكايات لم تُروَ بعد، وروايات تفوق الخيال قسوة ووجعا. لكن في النهاية...

من يصغي إليهم لا يسمع قصصا، بل يسمع أنين وطن بأكمله عالق خلف القضبان. كل أسير خرج من الصفقة لم يخرج حرا تماما، لقد خرج شاهدا على جريمة ما زالت مستمرة.

خرجوا ليقولوا للعالم: "الحرية ما كانت هدية، والألم ما كان صدفة، نحن شهود على زمن سقطت فيه إنسانية العالم، وبقينا نحن أحياء فقط لأننا تمسكنا بالكرامة".

هذه هي حكايات من خرجوا أحياء من الجحيم رووا لنا ما استطاعت الكلمات أن تحتمل، وما لم تستطع الصمت أن يخفيه. لكن إن كانت هذه روايات من عادوا، فماذا عن أولئك الذين ما زالوا هناك؟!

ماذا عن قادة الحركة الأسيرة الذين يواجهون العزل والحرمان بصبر أسطوري منذ عقود؟! عن الأسرى الذين يتوقع أن يحكموا بالمؤبدات، وعن أسرى النخبة أولئك الذين لم يروا الضوء منذ عامين كاملين؟! عن أسرى غزة الذين اعتقلوا قبل السابع من أكتوبر، وانتهت محكومياتهم، لكنهم لا يزالون غائبين في دهاليز الزنازين والمعتقلات، لا يعرف عنهم شيء منذ ذلك اليوم؟! عن الأطفال والنساء، وعن المخفيين قسرا الذين لا يعرف مصيرهم، ولا حتى تذكر أسماؤهم؟! عن كل من صار رقما في ملفات مغلقة، أو ظلا في الذاكرة؟! عمن خطفوا بعد الحرب، ولم تعلن أسماؤهم، ولم ترسل عنهم رسالة واحدة؟! عن المرضى الذين تتآكل أجسادهم ببطء، من دون دواء، من دون نوم، من دون صوت يسمع أنينهم؟

أسئلة تتكاثر، وصمت ثقيل يبتلع الإجابات، ما مصيرهم؟ ما شكل وجوههم الآن؟ هل ما زالوا قادرين على الحلم؟ هل يعرف العالم أن خلف كل جدارٍ هناك إنسان ينتظر أن يُعاد إليه اسمه؟

مؤسسات الأسرى.. تحديث لأعداد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025

تستند هذه المعطيات إلى ما ورد عن مؤسسات الأسرى وما أعلنته إدارة سجون الاحتلال حتى شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

- بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 9250 أسيرًا ومعتقلًا، غالبيتهم من الموقوفين والمعتقلين الإداريين. ويُشار إلى أن هذا الرقم لا يشمل المعتقلين المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.

- وبحسب ما أعلنته إدارة سجون الاحتلال حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بلغ عدد الأسرى المحكومين 1242 أسيرا.

- أما عدد الأسيرات فبلغ حتى تاريخه 49 أسيرة، بينهن أسيرة واحدة من غزة.

- في حين بلغ عدد الأطفال الأسرى حتى تاريخه 350 طفلًا، محتجزين في سجني عوفر ومجدو.

- كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3368 معتقلا.

وبلغ عدد المعتقلين المصنّفين "كمقاتلين غير شرعيين" 1205 معتقلا، علمًا أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال والمصنّفين ضمن هذه الفئة. ويُذكر أن هذا التصنيف يشمل أيضًا معتقلين عربًا من لبنان وسوريا.

بينهم 8 نساء و39 طفلاً واستشهاد ثلاثة أسرى.. مركز فلسطين: 540 حالة اعتقال خلال شهر أكتوبر

أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن سلطات الاحتلال واصلت خلال الشهر الماضي حملات الاعتقال بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس المحتلتين، حيث رصد المركز (540) حالة اعتقال خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر.

وأوضح "مركز فلسطين" أن إجمالي حالات الاعتقال التي نفذتها سلطات الاحتلال، بعد السابع من أكتوبر وحتى نهايته في الضفة الغربية والقدس، وصلت إلى أكثر من (19300) حالة اعتقال، طالت (600) امرأة وفتاة، وحوالي (1540) طفلا، وآلاف من الأسرى المحررين، وعدد من نواب المجلس التشريعي، بينما اعتقلت قوات الاحتلال خلال اكتوبر الماضي (540) مواطناً بينهم (8) سيدات و(39) قاصراً، وارتقى 3 شهداء في سجون الاحتلال.  

وأعادت خلال الشهر الماضي اعتقال القيادي "جمال الطويل" بعد مداهمه منزله في البيرة، ولم يمض على الافراج عنه، من آخر اعتقال، سوى عدة شهور، وكان قد أمضى أكثر من 18 عاما في سجون الاحتلال.

اعتقال النساء والأطفال

وبيَّن "مركز فلسطين" إن الاحتلال واصل خلال الشهر الماضي استهداف الأطفال والنساء بالاعتقال، حيث وصل عدد المعتقلين القاصرين خلال شهر اكتوبر الماضي (39) طفلاً أصغرهم الطفل "محمد احمد خروب" 13 عاما من مخيم الجلزون شمال رام الله، والطفل "محمود شادى مليطات" 13 عاما من بلدة بيت فوريك بنابلس.

بينما عمل الاحتلال على استهداف النساء والفتيات الفلسطينيات، حيث وصلت حالات الاعتقال بينهم إلى (8) حالات بينهم أمهات شهداء مطلوبين للضغط عليهم لتسليم أنفسهم، حيث اعتقلت والدة الشهيد "محمد اشتيه" من رام الله، ووالده الشهد "عيد مرعى" من جنين، ووالده منفذ عملية قدوميم من قلقيلية.

بينما اعتقلت الشابة "فرح حنايشه" من قباطية بجنين، واعتقلت الفتاة "ألاء غريب" من الخليل، والمصورة الصحفية "إسراء خمايسه" من الخليل.

استشهاد ثلاثة أسرى

وكشف "مركز فلسطين" أن عدد شهداء الحركة الأسيرة ارتفع خلال اكتوبر الماضي ليصل إلى (317) اسيراً شهيداً، منهم (80) شهيداً من المعلومة هوياتهم منذ بدء حرب الإبادة على القطاع في السابع من أكتوبر 2023، وحتى نهاية أكتوبر، وذلك بارتقاء ثلاثة شهداء جُدد خلال الشهر وهم: الأسير المسن "كامل محمد العجرمى" 69 عاماً من غزة وكان اعتقل في أكتوبر من العام 2024 وتعرض لتعذيب قاس رغم كبر سنه، مما أدى إلى تدهور وضعه الصحي مؤخراً بشكل كبير ونقل إلى مستشفى سوركا وأعلن عن وفاته.

بينما استشهد الأسير "محمود طلال عبد الله" 49 عاماً من سكان جنين وكان اعتقل في فبراير الماضي، وطرأ تدهور على وضعه الصحي وبعد اجراء فحوصات تبين اصابته بمرض السرطان في مراحل متقدمة ورفض الاحتلال إطلاق سراحه أو تقديم علاج مناسب له، وتم نقله إلى سجن مستشفى الرملة، وبعد تردي وضعه الصحي بشكل كبير نُقل إلى مستشفى "اساف هاروفيه" حيث أعلن عن وفاته هناك.

كذلك استشهد الأسير الإداري "أحمد حاتم خضيرات" 22 عاماً من سكان الخليل، وكان اعتقل في مايو الماضي رغم أنه يعاني من مرض السكرى، وتم تحويله إلى الاعتقال الإداري، وقد تراجعت صحته بشكل كبير في الآونة الأخيرة في سجن النقب، وأصيب بمرض سكابيوس، وتشجنات، وعدم القدرة على الحركة، واضطر الاحتلال لنقله إلى مستشفى سوروكا ولكن بعد فوات الأوان حتى ارتقى شهيدا.

بينما ارتفع العدد خلال الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر إلى (318) أسيراً بارتقاء الأسير "محمد حسين غوادره" من جنين نتيجة الإهمال الطبي.

الأوامر الإدارية

وأشار "مركز فلسطين" إلى أن سلطات الاحتلال صعَّدت بشكل واضح، خلال الشهر الماضي، من جريمة الاعتقال الإداري بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث أصدرت ما يزيد من (809) قرارا إداريا ما بين جديد وتجديد دون أي تهمه، منها (4) قرارات صدرت بحق الأسيرات.

وقد صعّد الاحتلال من إصدار الأوامر الإدارية بحق الاسرى منذ حرب الإبادة، حيث وصلت أعداد الإداريين إلى أكثر من (3500) أسير، وهو ما يشكل أكثر من ثلث عدد الأسرى في سجون الاحتلال البالغ عددهم (9500) أسير.

صفقة التبادل

وأشار "مركز فلسطين" إلى أن المقاومة استطاعت، خلال الشهر الماضي، تنفيذ صفقة تبادل مع الاحتلال في إطار اتفاق على وقف العدوان على قطاع غزة، أفرج بموجبها عن (1968) أسيراً، منهم (250) من أسرى المؤبدات والاحكام العالية، وتم إبعاد (154) أسيراً منهم، و(1718) أسيراً من قطاع غزة اعتقلوا خلال حرب الإبادة على القطاع.

 ومن بين أسري المؤبدات الذين أفرج عنهم (137) اسيراً من عمداء الأسرى وهم الذين امضوا ما يزيد عن 20 عاماً متواصلة في سجون الاحتلال، وبذلك بلغت نسبة عمداء الأسرى الذين أفرج عنهم في إطار صفقات التبادل الثلاثة مع المقاومة (80%) من إجمالي عمداء الأسرى في سجون الاحتلال، كذلك بلغت نسبة المفرج عنهم من الأسرى المحكومين بالمؤبد (87%) من إجمالي المحكومين بالمؤبد، مما يشكل انجاز حقيقي للمقاومة الفلسطينية.

أسرى غزة

 وكشف "مركز فلسطين" أن قوات الاحتلال واصلت خلال شهر أكتوبر الاعتقالات من قطاع غزة في إطار استمرار العدوان على القطاع، حيث اعتقلت (5) صيادين خلال عملهم في صيد الأسمال مقابل شواطئ القطاع، بينما اعتقلت (9) مواطنين من حي النصر شرق مدينة رفح جنوب القطاع، واعتقلت (15) مواطناً من منطقة الفخاري شرق خانيونس خلال عودتهم لتفقد منازلهم.

ورغم الإفراج عن (1718) أسيرا من قطاع غزة خلال صفقة التبادل الثالثة، لا يزال الاحتلال يعتقل حوالي (1800) أسير من قطاع غزة، يتعرضون لكل صنوف الانتهاك والتعذيب الممنهج، ويحرمون من كل مقومات الحياة، ويمارس الاحتلال بحقهم التعذيب وسياسة التجويع والإهمال الطبي، وخاصة الأسرى المعتقلين في سجن "ركيفت" الذي أقيم حديثاً تحت الأرض حيث يصنفهم الاحتلال بالخطيرين جدا.

بينما أكدت عمليات تسليم جثث الشهداء ضمن صفقة التبادل ما تحدثنا عنه سابقاً من ارتكاب جرائم إعدام بشعة بحق الأسرى، حيث وُجدث جثث الشهداء مقيدة ومعصوبة الأعين، وبعضهم تم شنقه بالحبال والآخرين تم إطلاق الرصاص عليهم من مسافات قريبة، وآخرين تم قتلهم بالضرب والتعذيب، كذلك يوجد شكوك كبيرة في تنفيذ الاحتلال عمليات سرقة أعضاء من أجساد الشهداء حيث وجد العشرات منها فارغة من الداخل ومحشوة بالقطن.

(المصدر: مركز فلسطين لدراسات الأسرى)

شهادة الأسير المحرر "محمد أبو طبيخ".. انهيار المنظومة القانونية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي

تقرير/ إعلام الأسرى

كشفت شهادة الأسير المحرر "محمد صبحي محمد أبو طبيخ"، من محافظة جنين، الذي أفرج عنه مؤخرًا ضمن صفقة "طوفان الأحرار" الثالثة بعد 23 عامًا من الاعتقال (2002 - 2025)، عن واقعٍ بالغ القسوة داخل السجون الإسرائيلية. وهي شهادة يوثّق انهيار المنظومة القانونية والرقابية التي يفترض أن تنظم معاملة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

أولا: إخضاع السجون للسيطرة العسكرية المباشرة

أفاد الأسير المحرر بأن إدارة السجون الإسرائيلية باتت خاضعة بشكل مباشر لسيطرة الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وهو ما شكّل تحولًا خطيرًا في طبيعة التعامل مع الأسرى، إذ تم تعليق القوانين المدنية واللوائح التنظيمية الخاصة بمصلحة السجون، واستبدالها بما يسمّى بـ"قوانين الطوارئ العسكرية".

هذا الإجراء، بحسب الشهادة، سمح للجنود والسجانين باستخدام القوة المميتة دون مساءلة، بما في ذلك إطلاق النار على الأسرى أو الاعتداء عليهم جسديًا ونفسيًا دون أي تحقيق أو محاسبة.

ثانيا: انتهاك ممنهج لحقوق الإنسان الأساسية

أكد "أبو طبيخ" أن الأسرى سُلبوا معظم حقوقهم الأساسية التي تكفلها اتفاقيات جنيف الرابعة، والقواعد الأنموذجية لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، بما في ذلك:

- الحق في الغذاء الكافي: تم تقليص الوجبات إلى الحد الأدنى وتجويع الأسرى كأداة عقاب جماعي.

- الحق في النظافة الشخصية: سُمح للأسير بالاستحمام لمدة لا تتجاوز ثلاث دقائق يوميًا، ومنعوا من استخدام مواد التنظيف.

- الحق في الملبس والأغطية: صودرت البطانيات والملابس الشتوية خلال فترات البرد الشديد.

- الحق في الاتصال بالعالم الخارجي: تم وقف الزيارات العائلية والاتصال بالمحامين لأشهر طويلة.

ثالثا: التعذيب والمعاملة القاسية

بحسب شهادة "أبو طبيخ"، تحوّلت ممارسات القمع إلى روتين يومي، حيث تقوم وحدات القمع الإسرائيلية باقتحام الأقسام ليلًا، وإلقاء قنابل الصوت والغاز والفلفل داخل الغرف بهدف الإيذاء والترويع، في مخالفة صريحة للمادة (3) من اتفاقيات جنيف التي تحظر المعاملة القاسية أو المهينة.

وأشار إلى أن الأسرى يتعرضون أيضًا للتعذيب النفسي والإذلال المتعمد، مثل إجبار بعضهم على تنفيذ أوضاع مهينة أو أعمال حاطة بالكرامة تحت التهديد والضرب.

رابعا: أوضاع مأساوية لأسرى قطاع غزة

قدّم "أبو طبيخ" شهادة مقلقة حول أوضاع أسرى قطاع غزة المحتجزين في سجن نفحة الصحراوي، مؤكدًا أنهم يعيشون في ظروف غير إنسانية أشبه بمعتقلات الحرب:

- يُمنعون من الأغطية والملابس لفترات طويلة.

- يُجبرون على الجلوس مكبّلين لأيام دون طعام أو ماء.

- تُسحب الفرشات صباحًا وتُعاد مساءً.

- تنتشر بينهم الأمراض الجلدية مثل السكابيوس (الجرب) دون علاج أو متابعة طبية.

ووفقًا للشهادة تُمارس بحقهم عقوبات جماعية وتمييز عنصري في توزيع الطعام والعلاج، ويُستخدم الضرب المبرح كوسيلة انتقامية.

خامسا: تعطيل الرقابة القضائية والإدارية

أكد الأسير المحرر أن محاولات الأسرى اللجوء إلى المحاكم أو لجان المراقبة الداخلية لتحسين أوضاعهم لم تجدِ نفعًا، إذ ترفض السلطات تنفيذ حتى القرارات القضائية الملزِمة.

وأشار إلى أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي "إيتمار بن غفير" يشرف شخصيًا على تقييد صلاحيات القضاء المدني داخل السجون، ويزوّر البيانات والتقارير المقدمة للجهات الرقابية لتبرير الانتهاكات.

سادسا: انتهاك منهجي للقانون الدولي

تُظهر هذه الشهادة نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى جرائم حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك:

- التعذيب والمعاملة اللاإنسانية (المادة 8/2/أ/2).

- الحرمان التعسفي من المحاكمة العادلة (المادة 8/2/أ/6).

- العقوبات الجماعية ضد المدنيين (المادة 8/2/ب/13).

- التمييز القائم على الأصل القومي (المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة).

سابعا: دعوة للتحقيق الدولي

يطالب "مكتب إعلام الأسرى" المجتمع الدولي والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتالي:

1. فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023.

2. إيفاد لجان دولية محايدة لزيارة السجون، خصوصًا سجن نفحة وريمون ومجدو.

3. ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قضائيًّا أمام المحكمة الجنائية الدولية عن جرائم التعذيب والمعاملة القاسية.

4. توفير الحماية القانونية والطبية العاجلة للأسرى الفلسطينيين، خاصة أسرى قطاع غزة الذين يواجهون ظروفًا تهدد حياتهم.

شهداء القيد: حين تتحول الزنازين إلى غرف إعدام بطيء

تقرير/ إعلام الأسرى

في عمق السجون الإسرائيلية حيث يحتجز الأمل خلف القضبان، تدور حرب صامتة ضد أجساد الأسرى وأرواحهم. منذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة التنكيل الممنهج، وتحولت الزنازين إلى ساحات انتقام تمارس فيها أبشع صنوف القمع والإهمال الطبي. ليس الحديث هنا عن تجاوزات فردية وإنما عن سياسة متعمدة لتفريغ الجسد الفلسطيني من الحياة رويدا رويدا.

يرتفع عدد الشهداء من الأسرى والمعتقلين منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر إلى 81 شهيدًا على الأقل، بينهم 47 شهيدًا من غزة، فيما ارتفع العدد الإجمالي لشهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 318 شهيدًا موثقين، في ظل استمرار الاحتلال باحتجاز جثامين الشهداء، والتكتّم على ظروف استشهادهم.

هذا التقرير يوثّق حكايات أسرى لم يغادروا سجنهم أحياء بل ارتقوا شهداء تحت وطأة القيد والإهمال، ليصبحوا أيقونات جديدة في مسيرة النضال الفلسطيني:

• الأسير الشهيد عمر دراغمة: 58 عاما، من مدينة طوباس لم يمر سوى يومين على اعتقاله في سجن مجدو حتى استُشهد تحت التعذيب بتاريخ 23 /10/ 2023، كان سليمًا معافى قبل اعتقاله، ليرتقي سريعًا ضحية للضرب المبرح والإهمال. 

• الأسير الشهيد ثائر أبو عصب: 38 عاما من مدينة قلقيلية، استشهد تحت التعذيب بتاريخ 18 /11 /2023. 

• الأسير الشهيد خالد الشاويش: 53 عاما من مدينة طوباس، استشهد بسبب الإهمال الطبي المتعمد بتاريخ 19 /2/ 2024. 

• الأسير الشهيد عاصف الرفاعي: 21 عاما من مدينة رام الله، استشهد بسبب الإهمال الطبي المتعمد بتاريخ 29/2 /2024. 

• الأسير الشهيد محمد وليد علي: 45 عاما من مخيم نور شمس في مدينة طولكرم، استشهد بتاريخ 4/ 12/ 2024 بعد مرور أسبوع على اعتقاله ونقله للتحقيق في مركز تحقيق الجلمة، لم يعاني من أي مشاكل صحية. استشهد في مستشفى رمبام بسبب التحقيق القاس والتعذيب من قبل إدارة الاحتلال. 

• الأسير الشهيد عز الدين عبد البنا: 40 عاما، من مدينة غزة، رغم إعاقته الحركية، لم يُوفَّر له العلاج داخل سجن الرملة، فكان الإهمال الطبي سببًا مباشرًا في استشهاده بتاريخ 24 / 2/ 2024. 

• الأسير الشهيد عدنان البرش: رئيس قسم العظام في مشفى الشفاء، من سكان مدينة غزة، اعتقل في ديسمبر 2023 خلال تواجده في مستشفى العودة في جباليا، تحمل التعذيب حتى سقط شهيدًا داخل سجن عوفر بتاريخ 19/ 4/ 2024. 

• الأسير الشهيد مصعب هنية: 35 عاما من مدينة غزة، اعتقل من مدينة حمد بتاريخ 3/ 3/ 2024، لم يكن يعاني من أي مشاكل صحية، استشهد في 5/ 1/ 2025 تحت وطأة التعذيب المتواصل والإهمال الطبي. 

• الأسير الشهيد مصطفى أبو عرة: 63 عاما من مدينة طوباس، مسن تُرك يصارع المرض دون أدنى رعاية حتى استشهد بسبب الإهمال الطبي بتاريخ 25 /7/ 2024، رغم اعتقاله الإداري. 

• الأسير الشهيد رأفت أبو فنونة: 33 عاما من مدينة دير البلح في قطاع غزة، جُرح خلال اعتقاله بعد السابع من أكتوبر، ولم يُكشف عن تفاصيل وضعه الصحي حتى الإعلان عن استشهاده في سجن عوفر بتاريخ 26 /2 /2025. 

• الأسير الشهيد علي البطش: أسير مسن من غزة، توفي في سجن النقب في مارس 2025 بسبب الإهمال الطبي، بعدما قضى سنوات من العذاب بين الجدران. 

• الأسير الشهيد خالد عبد الله: 40 عاما من مدينة جنين، استشهد تحت التعذيب الممنهج بتاريخ 23/ 2 / 2024 

• الأسير الشهيد وليد أحمد: 17 عاما من مدينة رام الله، طفل أسير قُتل بالإهمال الطبي في سجن النقب بتاريخ 23 / 3 /2025، جريمة بشعة بحق طفولة سُجنت وقُتلت دون ذنب. 

• الأسير الشهيد مصعب عديلي: 20 عاما من أوصرين في نابلس، استشهد نتيجة التعذيب والإهمال بتاريخ 17 / 4 / 2025، قبل أيام من انتهاء محكوميته داخل سجن الاحتلال. 

• الأسير الشهيد ناصر ردايدة: 49 عاما من مدينة بيت لحم، اعتُقل في سبتمبر 2023، ونُقل إلى مستشفى هداسا حيث استُشهد في أبريل 2025 وسط ظروف صحية غامضة.

• الأسير الشهيد محيي الدين نجم: 60 عاما من مدينة جنين استشهد بعد معاناة صحية حادة وحرمان تام من العلاج داخل سجون الاحتلال، حيث ارتقى في مستشفى "سوروكا" الإسرائيلي، وهو معتقل إداريا منذ 8 أغسطس 2023، وقد أمضى ما مجموعه 19 عاما في سجون الاحتلال.

• الشهيد الأسير أيمن عبد الهادي قديح: (56) عامًا، اعتقل في 7 أكتوبر 2023 واستشهد داخل سجون الاحتلال بعد 5 أيام فقط من اعتقاله في واحدة من أسرع حالات الاستشهاد بعد الاعتقال خلال العدوان بتاريخ 12 أكتوبر 2023.

• الشهيد الأسير بلال طلال سلامة: (24) عامًا، اعتقل خلال نزوحه من محافظة خانيونس في مارس 2024، مكث خمسة أشهر في سجون الاحتلال واستشهد في تاريخ 11 أغسطس 2024، من ضحايا استهداف المدنيين أثناء النزوح، ولم تُعرف تفاصيل استشهاده سوى من خلال رد الاحتلال.

•  الشهيد الأسير محمد إسماعيل الأسطل: (46) عامًا، اعتقل في 7 فبراير 2024، مكث قرابة 3 أشهر في السجون واستشهد في تاريخ 2 مايو 2025، ارتقى خلال الشهر الجاري، ولم يُفصح الاحتلال عن أي تفاصيل تتعلق بظروف استشهاده

•  استشهاد المعتقل عمرو حاتم عودة: (33 عاما) من غزة، في تاريخ 13/12/2023 في معسكر (سديه تيمان)، تعرض للاعتقال هو وأفراد عائلته من منزلهم في بداية الاجتياح البريّ لغزة في السابع من ديسمبر 2023، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال

•  استشهاد المعتقل الإداري لؤي فيصل محمد نصر الله: (22 عاما) من جنين، في مستشفى (سوروكا) الإسرائيلي بعد نقله من سجن (النقب)، دون توفر أي تفاصيل أخرى عن ظروف استشهاده، وهو معتقل منذ تاريخ 26/3/2024 إداريا، ليضاف إلى سجل شهداء الحركة الأسيرة، الذين ارتقوا نتيجة للجرائم المنظمة التي تمارسها منظومة سجون الاحتلال الإسرائيلي بشكل غير مسبوق منذ بدء الإبادة الجماعية المستمرة وأبرزها التّعذيب، والجرائم الطبيّة، والتّجويع

•  استشهاد المعتقل سمير محمد يوسف الرفاعي: (53 عامًا)، بتاريخ 17/7/2025 من بلدة رمانة غرب جنين، بعد سبعة أيام من اعتقاله على يد قوات الاحتلال، وكان من المفترض أن تُعقد له أولى جلسات محاكمته في محكمة "سالم" العسكرية في يوم استشهاده

•  استشهد فراس صبح: (47 عامًا)، من مدينة طوباس، بعد إصابته واعتقاله على يد قوات الاحتلال خلال اقتحام مخيم الفارعة فجر الخميس 17/7/2025.

• استشهاد المعتقل الغزي صايل رجب أبو نصر: (60 عامًا) من قطاع غزة، داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بتاريخ 21 كانون الثاني/ جانفي 2025، بعد قرابة شهرين على اعتقاله في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.

• استشهاد المعتقل الإداري أحمد سعيد صالح طزازعة: (20 عامًا) من بلدة قباطية قضاء جنين، داخل سجن "مجدو" الإسرائيلي، بعد نحو ثلاثة أشهر من اعتقاله إداريًا دون تهمة.

• المعتقل الجريح مصعب عبد المنعم العيدة: (20 عاماً) من مدينة الخليل، الذي ارتقى شهيداً بتاريخ 25/8/2025 في مستشفى "شعاري تصيدق" الإسرائيلي، بعد إصابته برصاص قوات الاحتلال يوم الخميس الموافق 21 آب/ أوت 2025 في منطقة تل الرميدة – الخليل.

• الشهيد المعتقل الإداري أحمد حاتم محمد خضيرات: (22 عاما) من بلدة الظاهرية جنوب الخليل، والذي ارتقى صباح اليوم الإثنين 7/10/2025، في مستشفى "سوروكا" الإسرائيلي، بعد جريمة إهمال طبي متعمد ارتكبها الاحتلال بحقه.

• استشهاد المعتقل محمود طلال عبد الله: (49 عامًا) من مخيم جنين، 19/10/2025، في مستشفى "أساف هروفيه" الإسرائيلي، بعد تدهورٍ حاد في حالته الصحية جراء الإهمال الطبي.

• استشهاد المعتقل كامل محمد محمود العجرمي: (69 عامًا) من قطاع غزة داخل سجون الاحتلال، بعد نقله من سجن النقب إلى مستشفى سوروكا الإسرائيلي، حيث استشهد في 10 أكتوبر 2025، وأعلن عن استشهاده في 20/10/2025.

• استشهاد الأسير محمد حسين غوادرة: (63 عامًا) من بلدة بُرقين قضاء جنين في سجون الاحتلال بتاريخ 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

قيد بلا قانون: قراءة قانونية في جرائم الاحتلال بحق الأسرى

بالرغم من وضوح القوانين الدولية التي تضمن حقوق الأسرى، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنتهك بشكل ممنهج تلك المواثيق ضاربة بعرض الحائط كل الأعراف الإنسانية والشرائع القانونية.

فوفقا لاتفاقيات جنيف، يعتبر الأسير شخصا محميا، له الحق في تلقّي الرعاية الطبية والمعاملة الإنسانية، والحق في المحاكمة العادلة وعدم التعرض للتعذيب أو العقوبات الجماعية.

غير أن ما يحدث في سجون الاحتلال يمثل انتهاكا صارخا لتلك المواثيق، حيث تتعمّد مصلحة السجون حرمان الأسرى من العلاج، وتفرض عليهم العزل الانفرادي لفترات طويلة، وتمنع زيارات المحامين والأهالي، وتلجأ للتنكيل الجسدي والنفسي كأدوات ضغط ممنهجة.

أما جريمة احتجاز جثامين الشهداء الأسرى، فهي تمثل انتهاكا مزدوجا يمس كرامة الميت وحقوق ذويه، وتخالف بوضوح المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى التي تلزم الدول باحترام جثامين الموتى وتسليمها لأقاربهم ودفنها بما يليق. كما أن استمرار هذه السياسات يُصنّف، حسب خبراء في القانون الدولي، ضمن إطار "جرائم الحرب" و"القتل خارج القانون"، ويعكس حالة إفلات كامل من العقاب في ظل صمت دولي مريب. 

فالقضية لم تعد فقط مسألة حقوق مهضومة بل جريمة متكاملة الأركان تُمارس في وضح النهار، تجعل من كل زنزانة مسرحا لانتهاك القانون وتحويل العدالة إلى شاهد عاجز على موت بطيء محمي بقوة السلاح والصمت الدولي. 

احتجاز الجثامين جريمة مستمرة 

لم يكتفِ الاحتلال بإزهاق أرواح الأسرى، وإنما واصل جريمته باحتجاز جثامين (89) شهيدا منهم (78) منذ بدء حرب الإبادة، فيما لا يزال عشرات الشهداء من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري. لا تزال رهينة في مقابر الأرقام أو أماكن مجهولة، محرومة من الوداع والدفن اللائق، واستُشهد 318 أسيرا فلسطيني داخل سجون منذ عام 1967. 

لكل شهيد خلف القضبان حكاية كفاح لم تروَ بالكامل، وصرخة أُخفيت بين الجدران. دماؤهم شهادة على أن الاحتلال لا يخشى القانون لأنه يحيا خارجه، وأن الأسرى ليسوا مجرد معتقلين، بل مقاومين صامدين حتى الرمق الأخير. ستبقى أسماؤهم محفورة في ذاكرة النضال الفلسطيني، منارة لأجيال لن تنسى من قاوم وقُتل في صمت.

"تضامن" تدين تسريبا يوثّق جريمة اغتصاب أسير فلسطيني

أثار مقطع فيديو مسرَّب من داخل معسكر الاعتقال الإسرائيلي في سجن "سديه تيمان" صدمةً واسعة، بعدما وثّق تعرّض أسير فلسطيني لاعتداء جنسي وتعذيب على أيدي عناصر أمن الاحتلال، في واقعة تُعدّ من أخطر الانتهاكات الموثوقة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وقالت المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) إن ما ظهر في التسجيل "يمثل دليلًا مباشرًا وقاطعًا على ارتكاب جريمة اغتصاب وتعذيب داخل منشأة احتجاز رسمية"، مؤكدة أن توثيق الجريمة بالفيديو داخل منشأة عسكرية إسرائيلية "ينسف الرواية الرسمية التي أنكرت سابقًا وقوع مثل هذه الجرائم بحق المعتقلين الفلسطينيين".

وأضافت "تضامن" أن هذه الجريمة ليست حادثة فردية، بل تأتي ضمن سياق ممنهج من الانتهاكات الموثقة بحق الأسرى الفلسطينيين منذ بدء العدوان على غزة، بما يشمل التعذيب الجسدي والنفسي، الإهانات المهينة، الإخفاء القسري، الحرمان من الزيارات القانونية والرعاية الطبية، والعزل في معسكرات عسكرية مغلقة أمام الرقابة الدولية.

وكانت منظمات حقوقية دولية، بينها "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش"، قد حذّرت خلال الأشهر الماضية من سياسة اعتقال وتعذيب ممنهجة تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، في ظل ظروف احتجاز قاسية وحرمان من الضمانات القانونية الأساسية.

وطالبت "تضامن" بفتح تحقيق دولي مستقل وإحالة المسؤولين عن هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب السماح الفوري للجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية بالدخول إلى مراكز الاعتقال العسكرية، وضمان حماية الضحايا والشهود ومنع طمس الأدلة.

وحذّرت المؤسسة من أن "استمرار صمت المجتمع الدولي وعدم اتخاذ إجراءات رادعة يشجّع الاحتلال على مواصلة هذه الجرائم، ويهدد بارتكاب انتهاكات أوسع بحق الأسرى الفلسطينيين".

أيدي مكبلة وأرواح معلّقة.. شهادات الجثث الفلسطينية على وحشية السجون

بقلم: هبة محمد تيم

وصلت إلى غزة دفعات من الجثث الفلسطينية، تحمل معها أكثر من الموت؛ كانت تحمل شهادات دامية على التعذيب الوحشي والإعدام الميداني، قصصًا صامتة عن آلامٍ لا توصف عاشها الأسرى منذ السابع من أكتوبر وحتى آخر لحظة في حياتهم.

أيدٍ مكبلة، أرجل مشدودة، ووجوه مشوّهة بالضرب والصدمات. أجساد نحيلة محفورة بالكدمات والجروح والحروق، وأخرى مثقوبة برصاصاتٍ مباشرة في الرأس والصدر والبطن، استُهدفت عن قصد لإزهاق الحياة، في إعداماتٍ متعمدة لا علاقة لها بساحة القتال. كل جثة كانت تحمل شهادة صامتة على وحشيةٍ لم يُترك لها هامش للنجاة.

بعض الجثث احتوت أكثر من عشر طلقات نارية، وأخرى فُقدت ملامحها تمامًا بعد أن سُحقت تحت جنازير الدبابات أو أُحرقت بالنار، في مشاهد تعجز اللغة عن وصفها. كانت كل جثة وثيقة إدانة حيّة، تحمل تفاصيل الجريمة: آثار القيود على الأيدي والأرجل، كسور في العظام، جلد متفحم، ووجوه غابت عنها الملامح الإنسانية.

قبل أن يُسمح للأهالي برؤية أبنائهم، تُعرَض عليهم صور الجثث أولًا. كل نظرة إلى الصورة مزيج من الصدمة والرعب والحزن. كل تفصيلة -عين مطفأة، يد متيبسة، أثر رصاصة أو حرق - تروي قصة عذابٍ لا تحتاج إلى كلمات. ثم تأتي اللحظة الأصعب: أن يواجهوا الحقيقة بأعينهم، أن يلمسوا أجساد أبنائهم التي لم تعد تشبههم، وأن يحاولوا رغم كل شيء أن يتعرفوا عليهم من بقايا ملامح أو قطعة من الثياب.

الدموع لا تتوقف، أمهات يصرخن أمام الجثث المحروقة والممزقة، وآباء يمدون أيديهم المرتجفة نحو أبنائهم، يبحثون عن أي علامة تبقيهم على قيد الأمل. الأطفال يقفون صامتين، ينظرون بذهول إلى الأجساد المسجاة، لا يفهمون معنى كل هذه الثقوب والدماء، فقط يدركون أن شيئًا فظيعًا حدث، وأن الغياب أصبح أبديا.

كل دمعة، كل صرخة، كل قلب انكسر، هو شهادة على الإعدام البطيء الذي مورس داخل السجون والمواقع العسكرية. الجثث الفلسطينية ليست أرقامًا ولا مجرد بقايا بشر؛ إنها رسائل صامتة للعالم، تحكي عن وحشية التعذيب، عن الإهانة، عن الحرمان من الحياة والكرامة حتى بعد الموت.

أكد بعض الأهالي أن أبناءهم أُعدموا من مسافة قريبة، وأن الرصاصات استقرت في الرأس أو القلب بدقة متعمدة، فيما رأى آخرون آثار حروق وصدمات كهربائية وقيودًا لم تُنزع حتى بعد الموت، كأن القيد كان جزءًا من المشهد النهائي.

وفي مشهد لا يقل قسوة، دُفنت عشرات الجثث كمجهولة الهوية، بعدما مُسحت ملامحها بفعل التعذيب أو الحرق، ولم يتمكن ذووها من التعرف عليها. كُتبت على شواهدها أرقام بدل الأسماء، وبقيت تنتظر العدالة لتعيد لها هويتها المسلوبة. هناك، في قبورٍ بلا أسماء، تستمر الحكاية بصمتٍ موجع، وكأن الموت نفسه لم يكن نهاية الألم.

ورغم هذا كله، يبقى الأمل أن يرى العالم الحقيقة كما هي، دون تبرير أو تجاهل، وأن يفهم أن العدالة ليست خيارًا بل واجب إنساني.

كل جثة فلسطينية هي شاهد على جريمة، وصوت صامت يصرخ بالحق. لن تُمحى هذه الأرواح من ذاكرة شعبها، ولن يُنسى ما عاشوه من ظلم، لأن الإنسانية تُختبر في أكثر لحظات الألم قسوةً، وهنا، في وجوههم المحروقة وأجسادهم الممزقة، يتجلى معنى الإنسانية المسلوبة بأبشع صورها.

تدهور الحالة الصحية للأسير "رجائي عبد القادر" المصاب بالسرطان

 أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، في أحد تقاريرها الأخيرة، أن محاميها زار سجن "جانوت"، واطّلع على أوضاع الأسرى هناك خاصة المرضى منهم، حيث رصدت الهيئة استمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد بحق عدد من الأسرى، وفي مقدمتهم الأسير "رجائي حسين عبد القادر" (43 عام) من بلدة دير عمار/ رام الله.

ووفقًا لتقرير الهيئة، فإن الأسير عبد القادر معتقل إداري منذ 28 /11/2023، وتم تمديد اعتقاله الإداري أربع مرات متتالية لمدة ستة أشهر في كل مرة. ويعد هذا الاعتقال الثاني له، حيث سبق أن أمضى 45 شهرا في سجون الاحتلال بين عامي 2015 و2019. وخلال فترة اعتقاله السابقة، أُصيب الأسير بمرض السرطان عام 2017، حيث تبيّن إصابته في الرئة والكبد والخصية. وقد خضع للعلاج في مستشفى سيروكا أثناء وجوده في سجن النقب، وتم استئصال خصيته اليسرى، وتلقى 24 جلسة علاج كيميائي.

وبعد الإفراج عنه، واصل متابعة العلاج في مستشفى النجاح ومستشفى رام الله، إلا أن حالته الصحية تدهورت مجددا منذ إعادة اعتقاله، لعدم تلقيه الرعاية الطبية اللازمة، فقد نُقل بتاريخ 05/05/2024 إلى عيادة سجن الرملة، وأُجري له فحص روتيني سطحي فقط، ثم نُقل مؤخرًا إلى سجن إيشل، وخضع لفحص "التراساوند" لكامل جسده دون أن يتلقى نتائج الفحص حتى الآن.

وأكدت الهيئة أن الأسير عبد القادر بحاجة عاجلة لإجراء فحص (CT Scan)، وسط مخاوف حقيقية من عودة انتشار المرض في جسده، محملة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تدهور في وضعه الصحي نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

في زمن "بن غفير".. تُصفّد الكرامة ويُعدَم الضمير

بقلم: د. منى أبو حمدية

في مشهدٍ يجسّد انحدار القيم الإنسانية وتوحّش السلطة، نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي "إيتمار بن غفير" مقطعاً مصوراً يُظهر أسرى فلسطينيين مكبّلين بالأصفاد، يفترشون الأرض بأجسادٍ مرهقة ووجوهٍ مثقلة بالغبار والمهانة، بينما يقف الوزير شامخاً متباهياً قائلاً: "هكذا نعاملهم، وبقي علينا فقط إعدامهم".

هكذا يُختصر المشهد السياسي الإسرائيلي في زمن "بن غفير"، حيث تُصفّد الكرامة ويُعدَم الضمير، ويُقدَّم الإذلال كسياسة، والتنكيل كعنوانٍ للأمن، والوحشية كقيمةٍ وطنيةٍ جديدة.

حين تصبح الإهانة منهجا

لا تكمن خطورة المقطع في صورته فقط، بل في رمزيته وموقعه السياسي؛ إذ يصدر عن وزيرٍ في الحكومة، مسؤولٍ عن إدارة السجون. فحين يوثّق صاحب القرار فعله ويعرضه للعالم، فإنّنا أمام سياسةٍ رسميةٍ للإذلال، لا تصرفٍ فرديٍّ طائش. إظهار الأسرى مكبّلين على الأرض ليس سوى رسالة متعمّدة لتكريس صورة الفلسطيني كمهزومٍ بلا حقّ ولا كرامة، ولتعزيز الخطاب القومي المتطرّف القائم على الإلغاء لا على التعايش.

هذا الفعل، من منظور القانون الدولي الإنساني، يشكّل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف التي تضمن معاملة الأسرى بكرامة، وتحظر التشهير أو إذلالهم أو تصويرهم في أوضاع مهينة.

من التنكيل إلى التحريض: "لغة تُشَرْعِن الجريمة"

عبارة "بن غفير": "بقي علينا فقط إعدامهم" ليست مجرّد انفعال لفظي، بل تحريض علني على القتل خارج إطار القانون، يعيد إلى الأذهان أكثر مراحل التاريخ ظلاماً، حيث تُلغى العدالة باسم الانتقام.

إنّ تحويل الأسرى إلى مادةٍ سياسيةٍ ودعائيةٍ يعكس خللاً أخلاقيا عميقاً في بنية السلطة الإسرائيلية التي باتت تتغذّى من خطاب الكراهية. فالمعتقل في القانون الإنساني ليس عدواً ميتاً مؤجلاً، بل إنسانٌ له حقوقٌ تكفلها المواثيق والضمائر.

والمفارقة أن الدعوة إلى الإعدام تصدر في "دولةٍ" تدّعي الديمقراطية، وتستمدّ شرعيتها من "سيادة القانون"، في حين أنّ الوزير ذاته يقف فوق القانون، مُلغياً فكرته وجوهره.

 جرائم الاحتلال بحق الأسرى: سياسة ممنهجة لا حالات معزولة

لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن سلسلة طويلة من الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية:

- الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، الذي يُمارَس على آلاف الفلسطينيين.

- التعذيب الجسدي والنفسي، وسوء المعاملة، والعزل الانفرادي، وحرمان الأسرى من العلاج والتعليم والزيارة.

- تسريب تقارير توثّق تعذيباً ممنهجاً، واعتداءاتٍ جسيمة، وصلت حدَّ القتل تحت التعذيب في بعض الحالات.


كلّ ذلك يشكّل نمطاً منظماً من العقوبات الجماعية التي تُمارس بحقّ الفلسطينيين، مخالفةً للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر المعاقبة الجماعية لأيّ شعبٍ واقعٍ تحت الاحتلال.

"بن غفير" وحكومة التطرف: حين تتحوّل السلطة إلى أداة انتقام

يشكّل "بن غفير" صورةً مكثّفةً للتطرّف الذي تسلّل إلى مؤسسات الحكم الإسرائيلية. فهو لا يكتفي بخرق القانون، بل يجعل من خرقه شعاراً سياسيا.

إنّ حكومة تتباهى بالإذلال تُعلن عمليا نهاية مفهوم الدولة القانونية، وتؤسس لشرعية العنف والإفلات من العقاب.

وحين يُروَّج للتعذيب بوصفه (ردعا) وللقسوة بوصفها (أمنا)، تتحول العدالة إلى أداةٍ للبطش، ويُستبدَل الضمير الإنساني بآلة سلطوية تشرعن القهر وتغذّي الكراهية.

مناشدة إلى العالم: إنقاذ ما تبقّى من إنسانيتنا

أمام هذا المشهد الذي يُجرِّد الإنسان من كرامته ويُعلّق العدالة على مشهد الإذلال، تتوجّه هذه المقالة بنداءٍ إلى:

- الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان لفتح تحقيقٍ دوليٍّ عاجل في انتهاكات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين.

- اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمطالبة "إسرائيل" بوقف الانتهاكات وإتاحة الزيارات الإنسانية والطبية للمعتقلين.

- المنظمات القانونية والإنسانية كالعفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" لتوثيق الجريمة وملاحقة المسؤولين عنها في المحاكم الدولية.

- المجتمع الدولي بأن لا يصمت أمام العار؛ فالصمت على الظلم مشاركةٌ فيه، والحياد أمام الجريمة تواطؤٌ باردٌ يقتل الضحية مرتين.

وفي الختام؛ في زمنٍ تُقيَّد فيه الأيدي وتُكسر الأقلام، تظلّ الكرامة الفلسطينية آخر الأسوار التي لم تُهزم. فإن كان "بن غفير" ومن معه يفاخرون بالأصفاد، فإنّ التاريخ سيفكّ قيود الذاكرة ويكتب الحقيقة من جديد:

مَن صفّدوا الأجساد لم يقدروا على تقييد الروح

- إنّ من أعدموا الضمير، تركوا لنا واجب إحيائه في وجه هذا الظلام.

- إنّ ما جرى لا يمكن اعتباره حادثة عابرة أو تجاوزا فرديا، بل هو جرحٌ مفتوح في ضمير الإنسانية جمعاء.

- إنّ تصوير الأسرى الفلسطينيين وهم مكبّلون، والتفاخر بإذلالهم، ليس مجرّد انتهاكٍ للقانون الدولي، بل نكوصٌ عن أبسط معاني الإنسانية.

ومن هنا، فإنّنا نطالب المجتمع الدولي، ومؤسسات العدالة، والمنظمات الحقوقية بأن تتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية في ملاحقة كل من يحرّض على القتل أو يمارس الإهانة بحقّ الإنسان الفلسطيني.

فإنّ الصمت على الجريمة جريمةٌ أخرى، وإنّ الدفاع عن الكرامة ليس انحيازاً سياسياً، بل هو انتماءٌ فطريّ إلى جوهر الإنسان.

عصام زين الدين.. رحلة عمر بين زنازين العتمة والصمود

بقلم: ثورة ياسر عرفات

في قريةٍ صغيرةٍ تتربّع على سفوح الجبال جنوب شرق نابلس، وُلد "عصام أحمد محمود زين الدين" في بلدة مجدل بني فاضل، ابن الأرض التي تعلّم منها عناد الزيتون وصلابة الصخر. نشأ عصام في بيتٍ فلسطيني بسيط، تحيطه قيم الكرامة والوطن، وتُغذّيه الحكايات عن الشهداء والمقاومة. منذ شبابه المبكر، كان يرى الاحتلال يقتحم البيوت ويعتقل الجيران، فكبر بداخله سؤال واحد: إلى متى يبقى هذا الظلم بلا رد؟

لم يكن يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عن وطنٍ مكلوم، فاختار طريق المقاومة، مؤمنًا بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. في السابع من آذار/ مارس عام 2006، اعتقلته قوات الاحتلال في مدينة أريحا، ولم تدم المطاردة طويلاً، وكانت الليلة بداية رحلةٍ امتدت لسنواتٍ من القيد والمعاناة. بعد عامين من اعتقاله، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد مدى الحياة، بتهمة تنفيذ عملية أدت إلى مقتل مستوطن. لم تهتز ملامحه عند النطق بالحكم، فقد رفع رأسه عاليًا، وكأنه يقول: سجنوا الجسد، لكنّ الروح باقية في الوطن.

عام 2014، أعيد عصام إلى التحقيق مرة أخرى بتهمة مزعومة، وهي التخطيط مع آخرين لتنفيذ عملية من داخل السجن ضد أهداف محددة. بناءً على ذلك، حكم عليه الاحتلال سبع سنوات إضافية إلى جانب المؤبد، ثم تم عزله انفرادياً لفترة امتدت عامين ونصف.

داخل الزنازين، خاض عصام معارك أخرى لا تقل قسوة عن السجن نفسه. العزل الانفرادي كان أحد أشدّها، فقد أمضى فترات طويلة في زنزانةٍ ضيقة، لا يدخلها الضوء إلا خلسة، ولا يسمع فيها سوى صدى أنفاسه. هناك، قاوم بصمته، كتب على جدران الوحدة حكاية صمودٍ جديدة.

رغم الإهمال الطبي، أصيب عصام بأمراض عديدة، من حساسية جلدية مزمنة إلى آلام في المعدة والعظام، ومع ذلك لم يتوقف عن رفع صوته من خلف القضبان مطالبًا بالحرية والكرامة. وفي خضم هذه الظروف القاسية، أتمّ دراسته داخل السجن، وحصل على شهادة البكالوريوس في خدمة اجتماعية، مؤكدًا أن العلم والمعرفة هما أحد أسلحة الصمود.

في سجن نفحة الصحراوي، حيث القيظ يحرق الجسد والليل يطول، واصل عصام صموده. تعلّم من الألم كيف يصنع الصبر، ومن الحرمان كيف يبقى متمسكًا بالحياة.

وعلى الرغم من كل المعاناة، تحقق له أخيرًا حلم الحرية، إذ تم تحريره في 14 أكتوبر 2025 ضمن صفقة تبادل أسرى، وتم إبعاده إلى مصر، حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته بعيدًا عن وطنه.

ورغم فرحة التحرر، لم يكن الطريق إلى الحرية مطمئنًا، فحالة المفرج عنهم في مصر لا تزال مجهولة المصير، يعيشون بين الغربة والانتظار، كل يوم يحمل شعورًا بالقلق وعدم اليقين، بعيدًا عن أهلهم ووطنهم. عصام وكل رفاقه يعيشون لحظةً من الحرية الجسدية، لكنها حرية ناقصة، تُذكّر العالم بأن قضية الأسرى الفلسطينيين لم تنته، وأنهم لا يزالون بحاجة إلى دعمٍ ومساندة، حتى تتحقق لهم الحرية الحقيقية ويعودوا إلى أرضهم وأهليهم.

تغريبة المؤبدات الفلسطينية في السجون الإسرائيلية.. محمود العارضة الذي كسر أمواج المستحيل

بقلم: الأسير المحرر الأديب وليد الهودلي

نقف اليوم مع قائد فذّ بقي على صهوة جواده رغم أنف سجّانه، لم يفتّ في عضده أن يصبح معتقلا في سجون الاحتلال بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمليات الفدائية التي أثخنت جسد المحتل، ولم ينحن أمام عاصفة السجون السوداء التي ألقت عليه كل قضّها وحديدها. بقي هناك في أعماق رأسه عقل متّقد يشع تخصيبا عاليا مع الفكرة، وما يعتمل في قلبه من عنفوان روحي يصنع إرادة وهمّة عالية تناطح كل حديد السجن.

كان قائدا قبل السجن، وبقي قائدا في السجن. قادته الفكرة العظيمة إلى عليائها، فزادها صقلا وعظّم من عنفوانها. فهم وحفظ القرآن في زنزانته، فزاد ذلك اشتعالا ورغبة في تحطيم كل مستحيلات الحياة. لم يعد يرى أن هناك ما يستحق أن يعتبر ذا شأن أمام شكيمة روحه، ومضى في طريقه ليذلل عقبات السجن فيجعل منه ليس فرصة ذهبية فحسب، وإنما عدة فرص. فكان السجن لمحمود أكاديمية عسكرية تنتج الثورة وأفكار الثورة وتصنع رجال الثورة، وكان السجن متابعة للبناء الثوري ليستوي على سوقه في أصعب الظروف وأحلك الأماكن.

طال عزله في زنازين انفرادية عدة مرات، وكانت له فرصة لسبر غور الذات المؤمنة وإعادة ترتيب أوضاعها وشحنها من الداخل بكل قدرات الوقود الإيماني المخصب. ازداد صلابة في الفكر والروح والأدب، وحلّق عاليا في ميادين العلم والمعرفة، فتعلّم وعلّم وألّف العديد من الكتب التي ينبغي أن نقف عند كل واحد منها طويلا لنرى عمق ما وصل إليه، منها: الرواحل، وفقه الجهاد، وتأثير الشيخ الغزالي على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

وكانت الفرصة التي بلغت عنان السماء وترجمت ذروة سنام الثورة إلى معركة خالدة غير متكافئة، بل شاسعة الهوة في الإمكانات، من عمق ترسانة أمنية استخدم الأعداء في تشييدها كل تقنيات العالم المتطور وأحاطوها بكل ما وصل إليه العقل البشري من تحويطات إلكترونية وكهربائية وبشرية؛ الجدار تلو الجدار، والتدبير الأمني المكين تلو التدبير. كانت فخرا ورمز التفوق الأمني الرهيب.

وقف أمامها شخص معتقل مجرد من كل الأسباب، لا حول له ولا قوة إلا من إيمان بالله راسخ وثقة بنصره وتوفيقه، مع عقل ثاقب يشتعل بقدرات بشرية عالية، يلتحم بقلب تقوده إرادة لا يرد أمامها ولو خاطر سريع يشي بالانكسار.

والتقى الجمعان: جمع مزود ومحاط بكل الإمكانات والقدرات، وجمع متمثل بشخص واحد لا يملك إلا نفسه وثقة عالية بربه. وهنا يقف السؤال: كيف تدار هذه المعركة؟ وكيف تسير خطواتها؟

مصلحة سجون بفِرق وأجهزة أمنية توظَف فيها كفاءات مهنية عالية وخبرات لا حدود لها، مع توفير كل ما يلزم من إمكانات بشرية ومادية. أما الفريق الثاني، فيوظف عقله وروحه، وتتوافر له من الأدوات ملعقة وبعض المعدات اليدوية، التي لو قيل عنها لأحد قبل أن تُثبت ذاتها في المعركة وتحقق ما حققت من نجاح وانتصار، لمات من الضحك ولسخر منها أيّما سخرية.

ومن الموارد البشرية وظّف محمود خمسة كانوا في بيئة السجن الأمنية التي تبدو تحت مجاهر لا تترك شاردة ولا واردة، حيث التنصت السمعي والبصري الإلكتروني في كل زاوية، في الغرف والزنازين والفورة، بالإضافة إلى التجسس البشري.

لم تكن عملية التحرر عنوة من سجن يعتبر خزنة الأمن الصهيوني؛ مجرد عملية هروب من سجن تضاف إلى محاولات الهرب العالمية التي صدمت العقل البشري بعبقريتها وقدرتها على تحقيق النجاح، بل كانت عملية تحمل من الرسائل ما تحمل. لقد كسر أسطورة الأمن الصهيوني المحاطة برعاية العقل الغربي بكل إمكاناته، وأثبت للعالمين أن هذه المنظومة العاتية هزيمتها ممكنة، وأثبت للفلسطيني بالذات، الذي وضعوه في حالة من الاستجداء السياسي الفاشل دون تحقيق أي جدوى مع هذا المحتل الفاشي المتغطرس بقوته وقوة الإمبريالية التي تقف خلفه ومعه، أن هزيمة هذا المارد الشرير ممكنة وبأقل الإمكانات المتاحة. فإذا كان هذا المعتقل المقيّد قد تمكن من هزيمته، فما بال من هم خارج هذه السجون؟!

لقد نجح محمود في تحريك الطوفان في نفوس الفلسطينيين الأحرار، ولعل هذا من عوامل تحريك مكامن طوفان الأقصى الذي انطلق بعد هذه المعركة الخالدة بوقت قصير.

لقد وصلت رسائلك يا محمود، وأدرك كل من يقيم وزنا للحرية ولو مثقال ذرة أن الحرية ليست مطلبا إنسانيا فطريا فحسب، بل هي ضرورة حياة كضرورة الأكسجين لكل حي. يا عاشق الحرية، لقد أوصلت للناس معنى الحرية وأعدت توصيفها ومنحت الإحساس بجلالة قدرها.

ولعلنا نستذكر مقولة "علي شريعتي": "إن الإحساس بالفكرة لا يقل أهمية عن الفكرة نفسها". لقد نجح محمود أيّما نجاح في إيصال هذا الإحساس العظيم للناس، الإحساس بقيمة الحرية. فمن يحفر نفقا بملعقة ويتحدى أسطورة الأمن الصهيوني وينجح في اختراقها من أجل الحرية، ويجعل الناس يتابعون المعركة لعدة أيام وقلوبهم معلّقة مع الروح التي شقت حريتها من الصخر، فإن في ذلك ما فيه من توليد الإحساس بالحرية والتحليق عاليا في سماء هذه القيمة العظيمة في الحياة، القيمة الأعظم والأجمل والأروع والأهم والأخطر.

لقد علّم عمر (رضي الله عنه) البشرية معنى الحرية بما عمل مع القبطي، وفي قوله الخالد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ولقد علم تلميذ عمر، "محمود العارضة"، البشرية معنى الحرية من خلال ما صنع في معركة خلدت في سفر التاريخ.

حررت المقاومة الفلسطينية فيمن حررت من أسرى الحرية؛ هذا القائد الفذّ للحرية الذي دق بابها بيد وهبت قلوب الناس أجمعين إحساسا عميقا بالحرية، وعزفت لحنا لا يغادرها أبدا. وهكذا تتعانق قلوب العاشقين في سماء الحرية العظيمة.

تحط رحال هذه التغريبة للمؤبد الفلسطيني في مصر الكنانة لتواصل شق الطريق، ولكن هذه المرة ليس بملعقة، وإنما بعقول ثاقبة وإرادات لا تلين.

الخارجية الفلسطينية: قانون إعدام الأسرى جريمة حرب واستفحال للتطرف الاسرائيلي برقابة عالمية

تؤكد وزارة الخارجية والمغتربين بأن مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ما هو إلا شكلا جديدا من استفحال التطرف والاجرام الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

وأشارت إلى أن النظام القضائي الإسرائيلي، وما يسمى بالكنيست، ما هي إلا أدوات إضافية للاحتلال لتشريع الجرائم، والافلات من العقاب، وتؤكد بذلك أن قانون إعدام الأسرى هو قرار بإعدام ميداني خارج نطاق القانون ونوايا لارتكاب جريمة تضاف إلى جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت في قطاع غزة وتمتد اليوم إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، وتلقي بظلالها على الأسرى.

وتدين وزارة الخارجية والمغتربين بشدة هذا المشروع الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى، والقاضي بفرض عقوبة الإعدام الإلزامية على الأسرى الفلسطينيين.

وترى الوزارة في هذا المشروع خطوة خطيرة تهدف إلى استمرار الإبادة والتطهير العرقي بمظهر من الشرعية، وهو إعلان رسمي عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بتشريع من الكنيست.

وتشدد الخارجية إن هذا القانون المقترح يفضح مسار التطرف العنصري والفاشية داخل الإطار القانوني الإسرائيلي، رغم انه انتهاك واضح لكل الاتفاقيات والاعراف الدولية والقانون الدولي بما فيه اتفاقيات جنيف الأربعة.

وتؤكد الوزارة أن الشعب الفلسطيني وقيادته سيواجه هذا المشروع بكافة الوسائل القانونية والسياسية، وأن أيّ إقرار لهذا القانون دون اتخاذ الدول خطوات عملية لمحاسبة كل من أقره أو اقترحه أو صوت له، سيكون وصمة عار على جبين الإنسانية وتواطؤ في جرائم الإعدام خارج نطاق القانون.

وتدعو وزارة الخارجية والمغتربين المجتمع الدولي والمؤسسات القانونية للتحرك فورًا لتسليط الضوء على هذا المسار الخطير الذي تتبعه دولة الاحتلال، وضرورة مجابهته، وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة، ووضع أعضاء الكنسيت الذين يدعمون هذا التوجه على لوائح الإرهاب، ومقاطعتهم ومقاطعة هذه المؤسسة العنصرية.

إضاءة حول البيان الختامي.. الملتقى الدولي لنصرة غزة والأسرى في العاصمة الإسبانية

خاص: مدريد (إسبانيا)

اختتمت في العاصمة الإسبانية مدريد أعمال الملتقى الدولي لنصرة غزة والأسرى بمشاركة واسعة من شخصيات فلسطينية وأوروبية ومؤسسات حقوقية وإنسانية، من بينها سفارة دولة فلسطين في مدريد، ونادي الأسير الفلسطيني، والهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى، وجمعية سنابل العودة، وممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وأمناء سر أقاليم فتح الخارجية وعدد من المؤسسات الأوروبية العاملة في ميدان حقوق الإنسان.

وقد عُقدت أعمال الملتقى في قاعة مدرسة التدريب النقابي التابعة للاتحاد العام للعمال الإسبان، التي تحمل اسم المناضل العمالي "جوليان بيستيرو"، والذي حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثين عامًا وتوفي في سجن "كرمونا" نتيجة الإهمال الطبي، تخليدًا لذكراه ونضاله من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.

خلال جلسات الملتقى، قدّم المشاركون شهادات حية وتقارير ووثائق ميدانية تتعلق بأوضاع المدنيين والأسرى في قطاع غزة، حيث تبيّن بما لا يدع مجالًا للشك أن ما جرى ويجري هو جريمة إبادة جماعية ممنهجة تستهدف الشعب الفلسطيني بأسره، مدنيين وأسرى.

وقد تم عرض شهادات مؤلمة من أسرى وأسرى محررين، من بينهم أسيرة محررة اعتُقلت سبع سنوات وعاشت عامين من حرب الإبادة، تحدّثت عن فظائع وجرائم ارتُكبت بحق الأسيرات من تعذيبٍ جسدي ونفسي وتنكيلٍ ممنهج وانتهاكٍ لكرامتهنّ الإنسانية. كما أدلى عدد من الأسرى المحررين بشهادات حيّة عن عمليات إعدام ميداني نفّذتها قوات الاحتلال بحق الأسرى والمعتقلين من مسافة صفر، بعد تقييدهم وتكبيل أيديهم، في مشهدٍ يوثّق حجم الجريمة المنظّمة التي تُرتكب بحق الأسرى الفلسطينيين.

وأكدت شهادات متطابقة وتقارير ميدانية أن الاحتلال يحتجز مئات الجثامين داخل ثلاجات المستشفيات والمرافق الطبية، في ظروف تشكل انتهاكًا فاضحًا لحرمة الجثامين وكرامة الضحايا، وأن معظم هذه الجثامين مشوّهة وتحمل آثار إطلاق نار مباشر من مسافات قريبة، في أدلة واضحة على تنفيذ عمليات إعدام خارج القانون.

وأدان الملتقى بصورة قاطعة ما يلي:

- استمرار حرب الإبادة الجماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في غزة، بما في ذلك القصف العشوائي المدمّر، والتجويع الممنهج، واستهداف البنية التحتية الحيوية التي تحرم المدنيين من الماء والغذاء والدواء.

- وقوع عمليات قتل واسعة وإعدامات ميدانية بحق الأسرى والمدنيين، بحسب شهادات ناجين ومحررين وفرق طبية، وهو ما يستوجب فتح تحقيقات جنائية دولية مستقلة.

- احتجاز الجثامين وانتهاك حرمتها داخل الثلاجات والمرافق الطبية، ومنع ذوي الضحايا من استلامها أو دفنها وفق الأعراف الإنسانية والدينية، وهو ما يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني.

- ممارسات التعذيب الإهمال الطبي المتعمّد، العقوبات الجماعية، واستهداف الأطفال والنساء والمرضى، في انتهاك واضح لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وجّه المشاركون إدانة شاملة لهذه الجرائم، مؤكدين أن الشهادات والوثائق التي عُرضت تُبرز ضرورة التحرك الفوري على المستويات القانونية والإنسانية، وأن توثيق الانتهاكات وحماية الأدلة شرط أساسي لتحقيق العدالة وملاحقة المسؤولين أمام المحاكم الوطنية والدولية.

التوصيات القانونية والإنسانية العاجلة:

- دعوة فورية لإرسال لجنة تقصي حقائق دولية مستقلة تملك صلاحيات الوصول الكامل إلى مواقع الانتهاكات والمستشفيات والمقابر ومرافق حفظ الجثامين، وتقديم تقرير شامل إلى مجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة.

- العمل على ضمان الوصول الإنساني الفوري للقوافل الطبية والغذائية والوقود والإمدادات، وفتح ممرات آمنة لإجلاء الجرحى والمصابين.

- تجميع الوثائق والأدلة الجنائية والطبية وحفظها وفق معايير السلسلة الجنائية (chain of custody) لاستخدامها في الملاحقات القضائية الدولية.

- المطالبة بفتح تحقيقات جنائية فورية في جرائم الإعدام الميداني والتعذيب واحتجاز الجثامين، وملاحقة المسؤولين المدنيين والعسكريين أمام المحاكم المختصة.

- الضغط على الدول الأوروبية والأمم المتحدة لفرض تدابير تحفظية وعقوبات مؤقتة على الأفراد والكيانات المتورطة، إلى حين انتهاء التحقيقات المستقلة.

- توفير دعم قانوني وطبي ونفسي للأسر المتضررة، وضمان وصول الخبراء في الطب الشرعي لتوثيق الجرائم وتحديد أسباب الوفاة.

- دعوة المجتمع الدولي للضغط من أجل إعادة الجثامين إلى ذويها، وفتح تحقيقات في حالات احتجازها أو إخفائها، مع احترام المعايير الإنسانية في الدفن والمعاملة.

التوصيات الإستراتيجية واستمرارية العمل:

- تدويل قضية الأسرى والقضية الإنسانية في غزة عبر مؤسسات دولية ومحاكم وطنية في الدول الأوروبية، باستخدام آليات الولاية القضائية العالمية.

- تعزيز التعاون مع المنظمات الحقوقية الأوروبية والأممية لتوسيع حملات التوثيق والمناصرة، وضمان إيصال صوت الضحايا إلى الرأي العام العالمي.

- إطلاق حملة إعلامية دولية موحدة بعنوان "أسرى فلسطين: حقوق - عدالة - كرامة"، لتسليط الضوء على شهادات الضحايا وأسرهم.

- تشكيل لجنة متابعة دولية من منظمات حقوق الإنسان واللجان القانونية والهيئات المشاركة في الملتقى لمتابعة تنفيذ التوصيات وتنسيق الجهود القانونية.

- تأكيد استمرار دعم الفريق القانوني الدولي وتغذيته بالتقارير والشهادات والأدلة الميدانية بشكل دوري لضمان استمرارية الملاحقات القضائية.

- الاتفاق على عقد المؤتمر القادم في دولة السويد خلال شهر حزيران/ جوان 2027، والتوافق على استمرار عقده سنويا لضمان بقاء قضية الأسرى والأسيرات حاضرة في المحافل الدولية.

الختام

يؤكد المشاركون أن تحقيق العدالة لن يتم دون وصول مستقل للخبراء والفرق الطبية والقانونية، ودون محاسبة المجرمين المسؤولين عن الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ويُجدّد الملتقى تحيته لأسرى الحرية وعائلات الشهداء في غزة، مؤكّدًا العهد بمواصلة الكفاح القانوني والإنساني والإعلامي حتى يتحقق الإفراج عن الأسرى، وإعادة الجثامين إلى ذويها، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، واستعادة كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

متنفَّس عبرَ القضبان (139)

حسن عبادي - حيفا

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

أواكب حرائر الدامون وأصغي لآهاتهن وآمالهن، وألمس رائحة الخذلان وأدوّن بعضاً من معاناتهن.

أعمل على زيارة جميع الأسيرات، كما فعلت قبل السابع من أكتوبر وبعده؛

حين أغادر بوابة السجن أتصل مباشرة بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات، وأهتم بإطلاع أهالي من تم التنكيل بهن بشكل خاص منعاً للتقوّلات؛ 

أحاول قدر استطاعتي إيصال صوتهن لكلّ بقاع العالم عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين" وناشطين أوروبيين.

عقّب الصديق نزار سرطاوي: "لكل واحدة أو واحد من أسرانا قصة ترويها أنت صديقي. قصص فيها الكثير من الوجع والمعاناة. ومن حين لآخر ترسم ابتسامه فرح صغيرة على شفتيه او شفتيها وتبعث فيها أو فيه شيئا من الأمل. الحرية للأسرى!"؟

عقّب الصديق سعيد أبو لبن من الشتات: "دمت نصيرا ومناصرا للأسرى والأسيرات ومدافعا عنهم وناطقا ومعبرا عن أمانيهم وأمنياتهم".

وعقّبت الصديقة رشا الزغيبي: "ربنا يفرجها ويهونها عليها وعلى جميع حرائر الدامون جميع قصص الأسيرات توجع القلب. بارك الله فيك أستاذنا العظيم على سردك لأدق تفاصيل الزيارة".

وعقّبت الصديقة فاطمة جوهر من الشتات: "أحزنني جدا وضع الأسيرات لا أدرى لماذا يعتقلوهن؟ هل من أسباب عالية الخطورة لا أرى شيئا بستحق كل هذا التنكيل والاستبداد ما هذا الإجرام يا رب لطفك وعفوك ورضاك. إن حكامنا يلهثون خلف التطبيع ألا يعلمون أنه أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

اللهم نور البصر والبصيرة، اللهم الفرج العاجل لحرائر فلسطين السجينات، وللأستاذ المحامي كل الإكبار والتحايا والتقدير على هذه الرسالة الجليلة والمهمة الوطنية التي يقوم بها خدمة لأبناء وطنه".

وعقّبت أم رامي السلايمة: "فرج الله كربهن، ولك ألف تحية استاذنا الفاضل لجهودك الجبارة واصرارك لزيارتهن رغم كل المضايقات والعقبات التي تتعرض لها دون اجر ولا ثمن، في ظل غياب جميع المحامين لمساندتك. فليشهد التاريخ وسنشهد معه أنك كنت نصيرا لأسيراتنا واسرانا بعد الله دون مقابل. سيشهد التاريخ وسنشهد معه بمن استغل اهالي الأسرى من المحامين بزيارة أبناءهم مقابل اسعار خياليه دون رحمة. يوما ما سينعم أسرانا واسيراتنا بالحرية وعساها تكون قريبه بإذن الله ".

وعقّبت هبة الخمايسة: "يبدو أنك القشة التي يتعلق بها الغريق في بحر الظلمات، جزاك الله خير الجزاء على هذا المجهود العظيم والرائع. أتابعك من فترة وجيزة ورأيت فيك الجبل أمام عتمة الظلم، تختفي الظلمة ويبقى الجبل شامخاً صامداً".

بدنا نروِّح

زرت صباح اليوم الأحد (20 - 7 - 2025) سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، لألتقي بالأسيرة "رهام رياض موسى" (مواليد: 5/ 5/ 1974) من كفر عبّوش/ منطقة الكفريات/ طولكرم، تشتغل في شركة دواجن فلسطين.

"شحطوني شحط مع فاطمة ومعصّبات، إحنا مش مناح أبداً، انذبحنا، بهدلة وإهانة مش طبيعي، مجنّدات ثنتين جارّاتنا مع صياح ومسبات، إحكوا عنّا، مُتنا، من شهر 5 لا محامي ولا محكمة. على شو موجودين هون؟"، هكذا استقبلتني رهام.

حوامل ميكلات هوا، مريضات سرطان بدون علاج، بيجوا بنصّ الليل مع ضوّ وبهدلة، مش عارفات نتحرّك، ليش مرميّات وبدون زيارات محامين؟

بنات غرفة 6 معزولات من أسبوع بسبب كتابة ع الحيط من قبل.

بدنا نروّح، مشان الله!

حدّثتني عن الاعتقال، يوم (15/ 3/ 2025)، الساعة 3 الفجر، 20 سيّارة جيش، كتيبة مجنّدين، والله لو رفعوا تليفون بروح، أخذوني إلى أريئيل وليلة في الشارون مع إباء الأغبر وفضيلة. لحالي. بدّيش أواعي ترويحة، المهم نطلع.

الكل ببارك لأخوي محمد ع شان البنت، اسم لميس بجنّن، البنات بدهن الحلوان.

رهام بغرفة 3؛ برفقة المرضى والحوامل؛ رماء بلوي، زهراء كوازبة، تهاني أبو سمحان، وحنين جابر وفداء عساف، قايمة فيهن.

القمعات مستمرة، بفوتوا بنفّلوا الدنيا وبكبّوا الكيس بالغرفة، جمّعت حبّات زتون أسبّح فيهن – أخذوهن وزتّوهن. الوضع سيئ، الأكل سيئ، ملابس داخلية شحيحة.

أخذوا منّا 3 غرف (11،12،13) وحطّوا حاجز.

بالله عليك تخلّي أختي رناد تجهّز الدي. جي. لحفة استقبال إلي ولإمّي الحاجّة، وبدّي غنّاية (وِحنا كبار البلد-سامر الفلسطيني). أبوي شاطر بالغناني، كان معلم وتقاعد وبلعب شطرنج.

مبارح كنت (خوليا).

سلّم ع الجميع، وما ينسونا من دعواتهم.

سلّم على مديرنا أمجد أبو نبعة وكلّ طاقم الشركة وخاصة عزمي خلف.

بالله عليك تسلّم ع زوجتك سميرة باسمي وباسم كل صبايا الدامون.

نفِسنا نلفّ بحيفا قبل الترويحة

بعد لقائي بـ "رهام"، أطلّت الأسيرة "فاطمة حسن سلمان الجسراوي" (مواليد: 1/ 11/ 1995)، محامية، السموع/ الخليل.

أوصلتها بداية سلامات والدها فبدأت بالنحيب "أكثر شي اشتقت لأبوي. لازم تحكي معو صوت وطمّنه عليّ"، خبّرتها حسّون صار يحكي "فطوم"!، علي أنهى امتحاناته ودعواتك إله بمعدل فوق 98 وعثمان أنهى امتحاناته ومروح ان شاء الله بـ (29/ 7/ 2025).

أكثر شي ضغطوا الكلبشات على إيديّ وإجريّ، بالقمعة الكبيرة قال مدير القسم للكلب: "هاي فاطمة، اهجم عليها"، إيدي انخلعت من شدّ الكلبشات، الدم نزل من الإيدين، إيدي نمّلت، طلبت مشدّ لإيدي ورفضوا، صار لي شهر بطلب عيادة أسنان وما طلّعوني.

بنادوني "الشيخة المتديّنة الكبيرة"، نقص يانس صلاة، فش حرامات، ما بعطونا ملابس داخليّة كفاية، ومحرومين من الساعة.

بلّشت أحفظ قرآن، بنقيم الليل 8 ركعات.

أخذوا منّا 3 غرف (11،12،13)، وغالبية الأكل.

حدّثتني عن الاعتقال، يوم (1/ 4/ 2025)، الساعة 11:30 نص ليل، يا ريت حبستي كذبة أول نيسان. المعسكر، الشارون، ومنها للدامون.

فاطمة بغرفة 7؛ برفقة دلال الحلبي وكرم موسى.

طلبت إيصال رسائل لينا مسك، لينا المحتسب، تهاني أبو سمحان، تسنيم عودة، أسيل حماد، إسلام (بدها صور أولادها على التليفون يوم المحكمة)، وسالي صدقة (قهوة بنات الدامون ع دار صدقة).

سلّم ع الكلّ؛ بدّي أول ما أطلع تحضّر لي أسماء كيكة الأناناس، وبستنّا بكاسة الشاي مع أبوي الساعة السادسة صباحاً، وحنين مع المكدوس، ودعواتهم.

خلّي محمد ييجي ع الاستقبال مع حسّون بإيد وفنجان قهوة بإيد، مع عيّوش (أكيد نايمة ع تختي، كل شي بالدار إلها، بدّي إياها أول المستقبلين) وإمي وأبوي.

 حين افترقنا قالت "نفِسنا نلفّ بحيفا قبل الترويحة".

لكما عزيزتيَّ رهام وفاطمة أحلى التحيّات، والحريّة لكما ولجميع أسرى الحريّة.

الدامون/ حيفا – تموز/ جويلية 2025

شهادات حية من خلف القضبان: سلسلة توثيقية تسلط الضوء على معاناة الأسرى في سجون الاحتلال

تقرير مكتب: إعلام الأسرى

أولا: مقدمة

تُعدّ قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية التي تستدعي التوثيق والمتابعة، إذ يعيش آلاف الأسرى، ومن بينهم مئات النساء والأطفال، في ظروف اعتقالية قاسية تتّسم بالإهمال الطبي والعزل الانفرادي وأحكام المؤبد المتكررة. ومن هنا، جاءت فكرة "سلسلة شهادات من خلف القضبان" الصادرة عن مكتب إعلام الأسرى، لتوثيق الروايات الحية التي يرويها ذوو الأسرى ومحاموهم، وإبراز معاناة الأسرى وأثر الاعتقال والعزل على حياتهم اليومية ومسيرتهم النضالية. هذه السلسلة هي جهد إعلامي توثيقي يهدف إلى كسر العزلة المفروضة على الأسرى وإيصال صوتهم إلى العالم.

ثانيا: رؤية السلسلة

نحو كشف حقيقة العزل والانتهاكات داخل سجون الاحتلال وتدويل معاناة الأسرى الفلسطينيين.

ثالثا: رسالة السلسلة

تسعى سلسلة "شهادات من خلف القضبان" إلى جعل صوت الأسرى حاضرا في الإعلام والرأي العام من خلال الاعتماد على روايات مباشرة من عائلاتهم ونشرها عبر قوالب توثيقية قابلة للانتشار.

رابعا: أهداف السلسلة

1 - التوثيق: تسجيل الانتهاكات بحق الأسرى المعزولين وأصحاب المؤبدات والأحكام العالية، وتقديم مادة موثوقة توضح تفاصيل حياتهم داخل السجون.

2 - التوعية: إيصال صورة دقيقة إلى الرأي العام المحلي والدولي حول واقع السجون وما يجري فيها بعيدا عن أعين الإعلام.

3 - الدعم المعنوي: إبراز صمود الأسرى ونقل رسائلهم من خلال عائلاتهم بما يخفف من وطأة العزلة المفروضة عليهم.

4 - المناصرة: تعزيز الحملات الحقوقية والإعلامية المطالبة بإنهاء سياسة العزل الانفرادي وممارسات الاحتلال القمعية.

5 - الحفاظ على الرمزية الوطنية: تأكيد أن الأسرى هم عمود أساسي في القضية الفلسطينية، وأن نضالهم لا يمكن فصله عن مسيرة الشعب نحو الحرية.

الأسير "محمود زيدات".. بين المؤبد والمرض وحرمان العائلة من اللقاء

الأسير "محمود علي سالم زيدات" (46 عامًا) من بلدة بني نعيم قضاء الخليل، محكوم بالسجن المؤبد و60 عامًا، ولا تعرف عائلته شكله أو أخباره منذ اعتقاله، إذ تفصله عنهم جدران السجن وأحكام لا تنتهي.

يترك الأسرى أصحاب الأحكام المؤبدة خلفهم جنديات صبرٍ مجهولات المعالم، معروفاتٍ بالجلد والمكابدة. أكل الصبر من جلودهن ومن ذاكرتِهن الشيءَ الكثير. تعرف جدران البيوت جيدًا ساعات السهر التي تهاجم عقولهن حين ينام الجميع.

رفاهية الانهيار ليست متاحة لهن؛ فعليهن أن يصبرن حتى يملّ الصبر من صبرهن، وأن يتابعن المحامين علّهن يعرفن خبراً عن أزواجهن خلف القضبان، أو ينتظرن بصمتٍ خبراً من أسيرٍ محررٍ مرّ من ذات الزنزانة، لعلّه يحمل لهن نافذةً صغيرة نحو الطمأنينة.

بصبرٍ وجَلدٍ تقف زوجة الأسير "محمود زيدات" شامخة في وجه الغياب، تحسب الأيام على أمل الحرية، ولا يغادرها الإيمان بأن الحرية قريبة مهما طال الحكم. تعيش رفقة أبنائها السبعة، وقد أصبحت الأم والأب معًا في بيتٍ فقد ركنه وسنده منذ لحظة اعتقال الزوج وتفجير الاحتلال منزل العائلة.

ورغم الفقد والحرمان من الزيارة، لا تزال الزوجة مثال المرأة الحديدية التي تقف على قدميها رغم كل الانكسارات.

تؤكد زوجة الأسير أن أكثر ما يقلقها هو انقطاع الأخبار تمامًا عن زوجها؛ لم يزوروه منذ اعتقاله، ولا تعرف كيف أصبح شكله اليوم. كانت آخر مرة رأته خلالها أثناء محاكمته الأخيرة.

تقول لمكتب إعلام الأسرى: "يعاني محمود من حساسية في الدم تتأثر بالبرد كثيرًا، وتسبب له حكة مزمنة وانتشار حبوب في جسده، ولم يُقدَّم له أي علاج، سوى الأكامول، وهو أقصى ما يُعطى للأسرى."

الأسير بحاجة ماسة إلى متابعة طبية، لكن العائلة لا تعرف شيئًا عن طريقة تعامله مع مرضه منذ اعتقاله. هي تعلم فقط أن الأسرى محرومون من العلاج الحقيقي، وأن الأكامول هو الدواء الوحيد الذي يتكرر اسمه في كل شهادة.

ومنذ حرب الإبادة على غزة، توقفت الزيارات والمحامون عن الدخول إلى سجن نفحة، وباتت العائلة تعتمد على روايات الأسرى المحررين التي تصلهم كهمساتٍ مقتضبة لا تُطفئ نار الشوق.

تؤكد العائلة أن آخر ما وصلهم من أخبار، عبر أحد الأسرى المحررين في يوليو/ جويلية الماضي، يشير إلى أن الأسير فقد الكثير من وزنه، وأصبح هزيلاً لا يتجاوز وزنه 52 كيلوغرامًا، ومنذ ذلك الحين لا يعلمون شيئًا عن وضعه الصحي أو وزنه الحالي.

في سجن "نفحة" يقف "محمود زيدات" شامخًا، يقاوم السجن وذكريات العائلة التي تركها خلفه. اعتُقل بتاريخ 15/1/2024 مع ابن أخيه "أحمد زيدات" بتهمة تنفيذ عملية في الداخل المحتل، وبعد عامٍ من الاعتقال صدر بحقهما حكمٌ بالسجن المؤبد و60 عامًا وغرامة مالية قدرها مليونَي شيكل.

ستّ بناتٍ وابن واحد وزوجة حُرموا من والدهم، ومن رأس العائلة، ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل فجّر منزلهم بالكامل في عقابٍ جماعيٍّ مضاعف.

تقول زوجته: "منذ اعتقاله نعيش على أمل رؤيته قريبًا. كنا ننتظر اسمه في الصفقة الماضية لكن لم يُدرج. عانينا كثيرًا بغيابه؛ تزوّجت ابنتُه الكبرى دون وجوده، ونجحت الصغرى في الثانوية العامة، ولم يكن حاضرًا. نحن نعلم أن أيامه تمضي في الشوق والحنين إلينا، وأصبر كما تصبر كل امرأةٍ فلسطينيةٍ تفقد زوجها خلف القضبان."

تصف زوجة الأسير لحظات اقتناصها لأخبار الحرية من الآخرين قائلةً: "في كل مرة يخرج فيها أسيرٌ من الزنزانة التي كان فيها محمود، أتشبث بأي كلمةٍ عنه، نحرم من الزيارة ومن الهاتف، لكننا نحتسب صبره لله، ونعلم أن عزمه لا يلين، وأن أبواب السجن مهما أُغلقت، لا بد أن تُفتح يومًا."

الآية الكريمة "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا" تظل حاضرةً في وجدان العائلة، يردّدونها كلما اشتدّ الحنين أو طال الغياب.

عائلة "زيدات" عائلةٌ من الأسرى؛ فإلى جانب محمود، يعتقل الاحتلال شقيقيه سالم ومحمد زيدات، وابنَي شقيقه طارق وأحمد، لتغدو العائلة رمزًا للأسْر والصبر الفلسطيني، ونساؤها مثالاً للثبات والحكمة في وجه الفقد والانتظار الطويل.

حين أخبره السجّان أن المقاومة تخلّت عنه.. الأسير القائد "مهند شريم": من كان يعتصم بالله فإن الله باقٍ وهو ناصره

يحارب الاحتلال في سجونه معنويات الأسرى في واحدةٍ من أبشع أساليب الحرب النفسية، إذ تتعمّد إدارة السجون الإسرائيلية في الآونة الأخيرة، خصوصًا عقب انتهاء المرحلة الأخيرة من صفقة طوفان الأحرار، إبلاغ الأسرى بأن المقاومة قد تخلّت عنهم.

وفيما لا تزال زيارات المحامين نادرة، يعيش كثير من الأسرى عزلاً داخل عزلهم، منقطعين عن أخبار العالم الخارجي. بعضهم يظن أن مراحل الصفقة لم تنته بعد، فيما يوقن جميعهم أن لله شؤونه وحكمته، وأن قدر الحرية قادم لا محالة، مهما طال البلاء.

يواصل مكتب إعلام الأسرى طرق أبواب الخزان، ويسعى عبر سلسلة أسبوعية لتوثيق قصص الأسرى المحكومين بالمؤبدات، لبثّ أرواحهم في الوعي العام، ولإبقاء سيرهم وتضحياتهم حاضرة في ذاكرة شعبهم والعالم، رغم محاولات طمسها وإخفائها.

تعيش عائلات الأسرى المحكومين بالمؤبد منذ أسابيع في دوامةٍ من القلق والألم، يتكبّدون فيها أثقال الانتظار والخذلان. بعض العائلات تبذل الغالي لتوكيل محامٍ يخبر أبناءها أن الصفقة قد انتهت، وأن أسماءهم لم تُدرج في قوائم الحرية. الألم في تلك اللحظة ينهش البيوت بصمت، فهناك زوجةٌ تحاول أن تصوغ كلمات صبرٍ ترسلها إلى حبيبها خلف القضبان، وأمٌّ ترجُو المحامي أن يبلّغ الخبر بأقل ما يمكن من الأذى النفسي، فيما يبقى المحامي نفسه ممزقًا بين مهنته وإنسانيته وهو يرى الدموع في عيون الجميع.

من بين تلك العائلات، عائلة الأسير "مهند طلال منصور شريم" (50 عامًا) من طولكرم، التي عاشت هذه التجربة القاسية ثلاث مرات، منذ صفقة وفاء الأحرار الأولى، ثم طوفان الأحرار 2، وأخيرًا طوفان الأحرار 3.

والدة "مهند" مثالٌ نادرٌ لصبر الأم الفلسطينية، في كل مرة كانت تتهيأ لاحتمال فرحةٍ قادمة، تتجهز للسفر إلى مصر تحسبًا لإبعاده المحتمل بعد الإفراج، لكنها كانت تعود في كل مرة بخيبةٍ جديدة، ومع ذلك تبقى مؤمنة أن الله لا يُضيع أجر الصابرين.

أما "مهند"، الأسير القائد المؤمن، فيحمل فوق حكمه بالمؤبد المكرر 29 مرة إضافة إلى 20 عامًا أخرى، عذاب العزل الانفرادي والتجويع والإهمال الطبي. ومع كل ذلك، يتجرّأ السجّان ليقول له بوقاحة: "حركتك تخلّت عنك".

بعد زيارة المحامي له في 20 أكتوبر 2025، علم "مهند" أن الصفقة قد انتهت، وأن اسمه لم يُدرج بين المفرج عنهم. حينها قال كلمته الخالدة لمحاميه: "من كان ينتظر الجنود فإن الجنود قد ذهبوا، ومن كان يعتصم بالله فإن الله باقٍ وهو ناصره".

تؤكد شقيقته أن إدارة السجن تتعمّد إذلال الأسرى بهذه العبارات، لكن "مهند" يواجههم بإيمانٍ ثابت لا تهزّه العواصف. يعيش حاليًا في عزل سجن "جانوت"، بعد تنقله بين عزل جلبوع ومجدو، ويعاني من الدسك وآلام الظهر والهزال الشديد بعد خسارته نحو 45 كيلوغرامًا من وزنه نتيجة سياسة التجويع، كما أُصيب سابقًا بمرض السكابيوس قبل أن يتعافى منه بفضل الله.

ولد "مهند" في طولكرم لأسرةٍ محافظة، ودرس في جامعة القدس المفتوحة، قبل أن يلتحق بصفوف كتائب القسام مع اندلاع انتفاضة الأقصى. شارك في عملية "فندق باراك" في "نتانيا" التي نفذها الشهيد "عبد الباسط عودة" عام 2002، والتي أسفرت عن مقتل نحو 30 مستوطنًا وإصابة آخرين. وفي 5 مايو 2002 اعتقله الاحتلال وحكم عليه بالمؤبدات المتكررة.

لم يتوقف "مهند" عن التعلم خلف القضبان، فأنهى درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية، وتابع دراسته حتى نال هذا العام درجة الماجستير في الدراسات الإقليمية من جامعة القدس بتقديرٍ عالٍ.

ورغم قسوة العزل، يظلّ "مهند شريم" ثابتًا كالجبال، يقارع سجّانه بالإيمان والأمل، مؤمنًا أن الحرية وعدٌ لا يسقط بالتقادم، وأن الله الذي يراه في سجنه لن يخذله في يوم الفرج.

الأسير الكاتب "أمجد عبيدي".. بين جدران السجن لا يعلم أن أمّه رحلت منذ 5 أشهر

الأسير الكاتب "أمجد أحمد عيسى عبيدي" (56 عامًا) من بلدة زبوبا غرب جنين، يعيش عامه الثاني والعشرين في سجون الاحتلال، دون أن يدري أن أمّه التي انتظرته طوال تلك السنوات قد غابت عن الدنيا بصمتٍ في الأول من حزيران/ جوان 2025، بعد رحلة صبرٍ امتدت حتى آخر أنفاسها، علّها تراه حرًّا قبل الرحيل.

حين تواصل أحد الأسرى المحررين مع عائلة "أمجد"، عقب صفقة طوفان الأحرار، كان أول ما سأل عنه أمجد هو والدته: "كيف حالها؟".

سؤالٌ بسيط، لكنه وقع كالصاعقة على شقيقته التي كانت تتلقى المكالمة، إذ لم تكن تتخيل أن تمر خمسة أشهرٍ كاملة دون أن يصله نبأ وفاة أمّه. تمسّكت بصوتها المتماسك، تخشى عليه من البعيد، تخاف أن تنكسر روحه عندما يعرف.

تقول شقيقته: "آخر ما علمناه عنه كان في يوم الصفقة، حين أخبرنا أحد الأسرى المحررين أنه لا يعلم بعد بوفاة والدته. حاول أن يطمئننا بأنه بخير حتى لا نزيد قلقًا. نعلم أنه في سجن ريمون، وأنه فقد الكثير من وزنه بسبب التجويع، لكنه بقي قوي المعنويات كما عهدناه دائمًا."

الأسير "عبيدي" يعاني من مشاكل حادة في الظهر (ديسك) ازدادت سوءًا بعد السابع من أكتوبر، ولم يزره محاميه منذ عامٍ كامل، وسط انقطاعٍ تامٍ لأخباره إلا عبر الأسرى المحررين.

سجنٌ طويل وألمٌ متوارث

اعتُقل "أمجد عبيدي" في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، وتعرّض خلال مسيرته للاعتقال مراتٍ عدة منذ عام 1985. هدم الاحتلال منزله بعد اعتقاله، واعتقل زوجته لبضع ساعات، فيما كبر أبناؤه الثلاثة في غيابه، وكان أكبرهم حينها في الرابعة من عمره، وأصغرهم لم يُكمل عامه الأول. واليوم، وقد صاروا في أعمارٍ تقارب سنوات أسر والدهم، لا يزالون ينتظرون لقاءً مؤجلًا منذ 22 عاما.

يقبع "أمجد" تحت حكمٍ بالسجن المؤبد 23 مرة، إضافة إلى 50 عامًا أخرى، بتهمة المشاركة في عملياتٍ أدت إلى مقتل عددٍ من جنود الاحتلال. وخلال هذه العقود، توالت على عائلته الفواجع: وفاة والده، وجدته، وعمه، واعتقال إخوته وأزواج شقيقاته، وخطبة ابنه دون أن يكون الأب حاضرًا في أيٍ من تفاصيل الحياة التي يمضيها خلف القضبان.

الكاتب الذي تحدّى الجدران بالعلم

رغم القيد، لم يتوقف "أمجد" عن التعلّم والكتابة. حصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى، ثم ماجستير في الدراسات الإسلامية من داخل الأسر، وأصدر نحو 14 مؤلفًا تناولت الفكر والسياسة والمجتمع، منها: غريب في وطنه (أربعة أجزاء)، اكتشاف الوطن، التحول الفلسطيني، فلسطين والأسرى، الحرية في الإسلام، الحركة الإسلامية في الأسر الصهيوني، بين الفنادق والخنادق، على شاطئ غزة، الخطاب السياسي الفلسطيني، وتطور الفكر السياسي.

تصفه شقيقته قائلة: "أمجد أحنّ وأغلى إخوتي، قلبه كبير، يفكر بنا قبل نفسه. هو إنسان قوي وطيب في آنٍ واحد، يحب العلم والكتب، ويعيش في الأسر كما لو أنه في مكتبةٍ كبيرة. حُرم من الزيارة مرتين، وتعرض للتحقيق القاسي والمطاردة لسنوات، لكنه بقي كما عهدناه، صلبًا لا ينكسر."

العزلة والحرمان.. وجدران تمنع حتى الحزن

ليست مأساة "أمجد" وحده، فالأسرى اليوم يعيشون عزلةً غير مسبوقة منذ حرب الإبادة على غزة، كما تؤكد شهادات المحررين. باتت المعلومة إليهم تمرّ مشوّهة أو لا تصل أصلًا، وأحيانًا يُبلّغ الأسير بوفاة والده وهو لا يزال حيًّا، أو يُحرم آخر من معرفة موت أمّه كما حدث مع "أمجد". إنها جريمة عزلٍ إنساني تضاف إلى جرائم التجويع والتنكيل التي يواجهونها يوميًّا.

ويواصل مكتب إعلام الأسرى تسليط الضوء على معاناة الأسرى المحكومين بالمؤبد، في محاولةٍ لإبقاء قصصهم حيّة، وللتذكير بأن خلف كل رقمٍ أسير، إنسانٌ وعائلةٌ تتجرع الفقد كل يوم.

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، هناك من يعيش خلف القضبان لا يزال ينتظر خبرًا واحدًا لم يصل بعد: أن أمّه رحلت.