الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

ماكرون يريد وسيطاً مع روسيا غير تركيا.. وكلمة السّر هي الجزائر

Author
محمد ياسين رحمة 04 سبتمبر 2022
X Facebook TikTok Instagram

تسعى أنقرة إلى أن تكون الوسيط الوحيد بين الغرب وروسيا، بينما ترى باريس بأن هذا الأمر لا يجب أن يحدث، على الأقل بسبب العداء التاريخي بين فرنسا وتركيا، إضافة إلى العلاقة “الحرجة” بين رئيسي البلدين، على خلفية تصريحات ماكرون في الجزائر، التي قال فيها بأن بلاده تتعرّض لحملة “تشويه” تقودها شبكات تركية وصينية وروسية، بسبب “انسحابها” من الساحة الإفريقية، وكان الردّ التركيّ قويّا: “نأمل أن تصل فرنسا إلى مرحلة النضج لمواجهة ماضيها الاستعماري دون لوم الدول الأخرى، بما في ذلك بلدنا، في أسرع وقت ممكن”.

نعم لوسيط مع موسكو.. لا لتركيا

“من يريد أن تكون تركيا هي القوة العالمية الوحيدة التي تتحدث مع روسيا؟”، تساؤلٌ ورد في الخطاب الذي توجّه به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السّفراء الذين اجتمعوا في قصر الإليزيه يوم الخميس الماضي، وهو يحيل إلى السؤال: من هي القوة الدولية الأخرى التي في وسعها أن تكون وسيطا بين الغرب وروسيا؟ على أرض الواقع ليس هناك سوى تركيا التي التقى رئيسُها “رجب طيّب أردوغان” مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” والرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”.

يبدو تساؤل الرئيس ماكرون بأنه “استثمار” للعداء التاريخي بين فرنسا وتركيا، ليُبرّر به الانتقادات التي وُجّهت له بسبب مكالمته الهاتفية مع الرئيس الروسي بوتين في التاسع عشر من شهر أوت / أغسطس الماضي. فهو يعتبر تلك “المُكالمة” بأنها تندرج في سياق جهوده الديبلوماسية للإبقاء على “شعرة معاوية” مع روسيا. وقد شكّك، حينها، بعض حلفائه في الناتو، في جدوى تلك المكالمة، لا سيما، وأن ماكرون صرّح بعدها بأنه “لا ينبغي إذلال روسيا”، وهو التّصريح الذي اعتبرته بعض دول أوروبا الشرقية بأن باريس مُستعدّة أن تقدّم تنازلات لموسكو، وهو أمرٌ نفاه الإليزيه في مناسبات عديدة.

تناقض ماكروني

من الصّعب التّسليم بأن رغبة ماكرون في الإبقاء على “شعرة معاوية” مع روسيا، هي فقط، من أجل “إزعاج” تركيا وإفساد خُططها في لعب دور دولي يضمن لها تحقيق مصالح معيّنة مع روسيا ودول الناتو على حدّ سواء، وربما لتضع نفسها بديلا للصين في الحسابات الاقتصادية والعسكرية الروسية. فقد قال ماكرون: “ما قامت به روسيا هو حرب إمبريالية، ولا يُمكن أن نسمح لها بالفوز في هذه الحرب”. وأضاف: “نريد أن نعمل إما من أجل انتصار أوكرانيا، أو التّوصل إلى سلام تفاوضي يتم التوصل إليه بشروط مقبولة لأوكرانيا”، وهذا التّصريح يكشف التناقض “الماكروني” بين الرغبة في عدم إذلال روسيا، والغاية في تحقيق انتصار أوكراني، فلماذا إذاً ينفرد الرئيس الفرنسي دون غيره من “زعماء” حلف الناتو بضرورة التّواصل مع روسيا من خلال وسيط، شريطة ألاّ يكون هذا الوسيط هو تركيا؟

أسئلة تبحث عمّن يطرحُها

لم يكشف ماكرون من هي الدولة التي تربطها علاقة قوية مع روسيا، ويُمكنها أن تحظى بـ “الثقة” الفرنسية، لتكون وسيطا مع روسيا؟ ثم ما هي جدوى هذه الوساطة إذا كان ماكرون قد حسم أمر الأزمة الأوكرانية بأنه لن يسمح لروسيا أن تنتصر، ولن يحدث “تفاوض سلام” إلاّ بالشروط التي تقبلها كييف؟ وهل ستقبل دول الناتو بوساطة “تضمن” التفاوض مستقبلا، إذا كانت معظم هذه الدّول لا تؤيّد الحرب وتدعهما فحسب، بل إنها تُراهن على استمراريتها، حتى ولو كان الثمن هو مزيد من الأزمات لشعوبها؟

تتوالد الأسئلة في هذا الاتجاه تماما كما يتوالد الفطر، ولكن جوابا بسيطا يُمكنه أن يضيء كل العتمة، وهو أن ماكرون يريد وسيطا بين فرنسا وروسيا، وليس بين الاتحاد الأوروبي وموسكو. بمعنى أن الرئيس الفرنسي يتوقّع بأن الدول الأوروبية ستتوجّه فرادى إلى موسكو للبحث عن حلول لأزماتها لا سيما فيما يتعلّق بالغاز، وعليه أن يستبق الأحداث، ويُحقّق أهدافه قبل الوصول إلى تلك النقطة.

حربٌ مُعلنةٌ و”معارك ظلّ”

إن أقرب دولة يُمكنها أن تقوم بالوساطة، وتتوفّر فيها كل شروط “ميثاق الشرف السياسي” هي الجزائر، ويُمكن القول بأن من بين أهمّ أهداف زيارة ماكرون إلى الجزائر هو تحقيق هذه الغاية، ليس فقط، بحكم العلاقات القوية بين موسكو والجزائر، بل لأن الحرب الروسية الاوكرانية – رغم أنها حربٌ مُعلنة – فإن لها “معارك ظلّ” من أهمّها معارك الطاقة، التي يُدرك ماكرون بأن الجزائر لن تكون بعيدة عنها، والغاز الجزائري قد يكون ثمنه أكبر ممّا تُحدّده البورصات الاقتصادية، وقد تُصاب أنابيب الوصل بين الجزائر وأوروبا بأعطاب يطول إصلاحها. كما يُدرك ماكرون بأن ما قدّمته وتقدّمه روسيا إلى الجزائر، لن تستطيع فرنسا تقديمه، لا سيما، وأن العلاقة الجزائرية الفرنسية استثنائية بطبيعتها، ولا يستطيع الرئيس الفرنسي أن يفصل في كثير من شؤونها.

أمريكا حليفٌ لا يُعتمد عليه

يكشف ماكرون بأنه من أهداف الأزمة الأوكرانية هو تقسيم أوروبا وإضعاف اتّحادها، وقد حذّر من ظهور الانقسامات بين أعضاء الاتحاد الأوروبي في “مواجهة” روسيا، وتحت تأثير تداعيات أزمة الطاقة وارتفاع التّضخّم. ولم يُعلن الرئيس الفرنسي من هو الطّرف الذي يسعى إلى ذلك التقسيم أو يخدمه إذا ما حدث، ولكنه أطلق إشارة بقوله: “الولايات المتحدة حلفاؤنا، لكننا لا نريد الاعتماد عليهم”. ويُمكن أن نفهم من هذه التصريحات بأن ماكرون يعني بالانقسام هو التوجّه الفردي لكل دولة في الاتحاد الاوروبي لتجد حلولا لأزماتها، ولا يُمكن الوثوق بالولايات المتحّدة الأمريكية، فهي لم تستطع أن تُوفي بوعدها في تعويض الغاز الروسي الذي كانت تتغذّى به أوروبا. وإذاً من هو الطّرف الذي ستعتمد عليه فرنسا لتتجاوز أزماتها؟ في الحقيقة، لم يتبّق إلاّ روسيا، و”الدخول” إليها يكون من بوابة الجزائر. وما أعلن عنه ماكرون من تحذيرات عن انقسامات أوروبية، إنّما هو إعلان ضمني بأن فرنسا هي أوّل المبادرين به.

أوروبا رهينة لحروب الظّلّ

ولعلّ أبلغ ما قاله ماكرون: “لم نعتمد أبدًا على أي قوة عالمية. لقد حافظنا دائما على استقلالنا. ولكن الآن هل سنضطر للاختيار؟” إن النفي الجازم يُمكنه أن يُقرأ بأنه تأكيدٌ جازم بأن فرنسا هي “مُجرّد” تابع لقوة عالمية، وتعمل ضد قناعاتها وخياراتها السياسية، على الأقلّ، في الحرب الروسية الأوكرانية. وفيما يُشبه الاعتراف بأن الاتحاد الأوروبي هو رهينة لحروب الظّل بين أمريكا والصين، قال ماكرون: “يجب الحفاظ على (الاستقلال) الفرنسي والأوروبي في المواجهة بين الولايات المتحدة والصين”، ونترك للقارئ أن يفهم، كيفما يشاء، هذا التصريح الأخير للرئيس الفرنسي، لعلّ “حروب الظّل” تتكشّف ملامحها، فقد تكون الحرب الروسية الأوكرانية هي “الغطاء” الذي يمنع من انكشافها.