ما الذي قدّمه حلف “الناتو” للإنسانية؟

الغرب لا يعني التكنولوجيا والتّحضر فقط، بل هو أيضا، “الإمبريالية” التي يجب محاربتها، ولكن قبل ذلك، من الضروري تعريتها وفضحها. وتماما مثل أيّ أغنية بلا معنى، سوف ينسى العالم، عاجلا أو آجلا، الأحداث التالية:

  • دمرت الولايات المتحدة العراق، وتسببت في سلسلة كوارث راح ضحيتها مليون شخص.
  • عشرون عاما من الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان، نتج عنه سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، وتقسيم وتدمير هذه البلاد، ثم عادت طالبان إلى السلطة.
  • ستون عاما من الحصار غير القانوني لكوبا، حيث حاولت أمريكا تدمير هذا البلد الصغير، من خلال حرمانه من الإمدادات، بما في ذلك رفض محكمتها العليا أن تفتح المجال أمام المواد والمستلزمات الطبية حتى تصل إلى الناس، خلال أزمة جائحة كورونا العالمية.
  • دمر “الناتو” صربيا لتأمين انفصال كوسوفو غير الشرعي.
  • أدّى تسليم الأسلحة والدعم الغربي لقوى العدوان على اليمن، إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
  • أدى الحظر الغربي على فنزويلا، ومنع حتى الدواء بالدخول، إلى مقتل آلاف الأطفال.
  • أعدّت الولايات المتحدة وموّلت الانقلاب اليميني المتطرف ضد “إيفو موراليس في بوليفيا”.
  • ساعدت شركة “تامبر سيكامور”، بقيادة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، على تدمير سوريا، من خلال توفير مليارات الدولارات للإرهابيين.
  • العقوبات والاحتلال للأراضي السورية يطيلان معاناة شعب بأكمله.
  • “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” (الكيان الصهيوني المُتحلّ لفلسطين)، نموذج هذه “الفضيلة” الغربية، يعذب آلاف المعتقلين السياسيين، ويُسقط المئات من المتظاهرين العُزّل.
  • قصف الناتو، بالتنسيق مع هجوم الميليشيات المتطرفة، دمّر ليبيا، وعزّز تقسيم البلاد، و”أعاد” العبودية.
  • فعل الاستعمار الفرنسي “الجديد” كل ما في وسعه لإبقاء بلدان الساحل في حالة بؤس وتبعية وفساد.
  • دعّمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الصراع في أوكرانيا، من خلال رعاية النازية الجديدة.

بالتأكيد هذه القائمة ليست شاملة! على مقياس ريختر للذبح الجماعي، حطّمت الديمقراطية الغربية جميع الأرقام القياسية منذ فترة طويلة، وهي بحاجة إلى عكس مسارها. وحان الوقت لكسر الوثن “المعبود”، قبل نثر قطعه، حتى لا يرى وجهه البشع مرة أخرى.

محاربة الإمبريالية تعني تسميتها وإظهار المسؤولين عنها، فهي ليست الأخطبوط المجهول، أو الوحش اللاّمع بلا نار أو مكان، أو كيانًا غامضًا يختبئ في الظل ويتآمر للسيطرة على العالم.

الإمبريالية تتصرف علانية أمام أعيننا: إنها سياسة الهيمنة للثالوث الأمريكي – الأوروبي – الياباني، بقيادة الأوليغارشية المالية التي تسيطر على مراكز القوة. وهذا هو مشروع الهيمنة العالمية لعالم غربي تابع لواشنطن، تُديرُه دولةٌ عميقةٌ، حيث الشركات مُتعددة الجنسيات في المُجمّع الصناعي العسكري، لها الكلمة الفصل والأخيرة.

وكما أظهر أحد المُفكّرين في أربعينيات القرن الماضي، فقد بلغت الرأسمالية الغربية “مرحلتها العليا”، في أوائل القرن العشرين. وبعد محاولة عبثية للسيطرة على العالم في القرن الماضي، وصلت إلى ذروتها مع انهيار الاتحاد السوفيتي.

للتحايل على مصيره، يواصل الغرب، الذي تقوده واشنطن، إيقاد شعلة تفوّقه الأخلاقي المزعوم، كما لو أن هذه الغطرسة يمكن أن تجعلنا ننسى الجوهر: لم يعد العالم يطيع هذا الغرب فحسب، بل توقّف عن اعتباره مثالا “حضاريا”.

“القيم” الرائعة التي ستكون الوصاية عليها من طرف الغرب، وعالمية “الديمقراطية” التي يفتخر بها، والمثال الذي لا غنى عنه لـ “مجتمع مفتوح”.. لا يملك سوى الأوروبيين صولجانه: فهل ما زال في العالم إنسانٌ يؤمن بمثل هذا “التحضّر” أو التدمير؟

بما أنه لا أحد يُحبّ طعم الهزيمة، فإن هذا الغرب المتدهور يأخذ رغباته على أنها حقيقة. غير قادر على التحكم في مجرى الأمور، يهرب إلى الخيال. لا يستطيع أن يفرض إملاءه على بقية العالم، لذا فهو يستخدم حملاته الدعائية.

اليوم، أولئك الذين يتحدّثون أكثر عن حقوق الإنسان، هم أولئك الذين ينتهكونها بشكل يومي. وأولئك الذين يتحدثون عن القانون الدولي، هم الذين يدوسون عليه. ويزعمون أنهم يمثلون المجتمع الدولي، ومع ذلك، فهم يمثلون الأوليغارشية الفاسدة للعالم الغربي المنجرف. وموطنهم الطبيعي هو مستنقعات الجريمة المُنظمة، وأقبية ممارسة “الدّجل” الدولي.

الكاتب: برونو جويج، مسؤول سابق بوزارة الداخلية الفرنسية، مُحلّل سياسي، وأستاذ العلاقات الدولية والفلسفة.