الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

ما بعد الحرائق.. حين تنطفئ النيران وتبقى آثارها في ذاكرة الأطفال

Author
سارة حمدون 13 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

انطفأت النيران، وعادت العائلات تدريجيا إلى تفاصيل حياتها اليومية، غير أن آثار الكارثة بالنسبة إلى الأطفال قد تبدأ فعليا بعد انتهاء الخطر، فالمشهد الذي عاشه الطفل بين ألسنة اللهب والدخان والخوف وما رافقه من نزوح أو فقدان للمسكن والممتلكات أو أحد أفراد الأسرة، قد يواصل حضوره في نومه وسلوكه وعلاقاته حتى بعد عودة الهدوء.

وفي الوقت الذي تظهر فيه الخسائر المادية بصورة مباشرة ويمكن إحصاؤها وتعويض أصحابها، تبقى التداعيات النفسية أكثر خفاء، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين الذين يعبّرون عن الصدمات بطرق تختلف عن الراشدين. وقد يبدو الطفل في الظاهر مستعيدا لحياته الطبيعية، بينما تكشف الكوابيس أو التعلق المفرط بالوالدين أو الخوف من النار والدخان أو تراجع التركيز أن التجربة ما تزال حاضرة في داخله.

وتثير مرحلة ما بعد الحرائق سؤالا يتجاوز لحظة الإجلاء والسيطرة على النيران: كيف يمكن أن تؤثر الكارثة في الصحة النفسية للأطفال على المدى القريب والبعيد؟ ومتى يمثل الخوف استجابة طبيعية لحدث صادم، ومتى يتحوّل إلى مؤشرات تستدعي تدخلا متخصصا؟ وبين هذين المستويين، تبرز الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي كمساحات أساسية تساعد الطفل على استعادة إحساسه بالأمان والتكيف مع ما عاشه.

الطفل يعيش الكارثة بطريقة مختلفة

حين يواجه الراشد كارثة طبيعية، يمتلك عادة قدرة أكبر على فهم ما يحدث وربطه بسياقه، بينما يعيش الطفل التجربة من خلال الصور والمشاعر والانفعالات المباشرة، فصوت النيران، رائحة الدخان، صراخ المحيطين به، حركة الإجلاء، فقدان المنزل أو رؤية شخص مصاب، كلها تفاصيل يمكن أن تتحوّل إلى ذكريات شديدة الارتباط بالخوف، خصوصا عندما يعجز الطفل عن تفسير ما يجري أو تقدير المدة التي سيستمر فيها الخطر، وتزداد حساسية هذه المرحلة لدى الأطفال الأصغر سنا بحكم اعتمادهم الأكبر على الأسرة في فهم الأحداث وتنظيم مشاعرهم، فيما يدخل المراهقون الكارثة من زاوية مختلفة ترتبط بالاستقلالية والدراسة والعلاقات الاجتماعية وصورتهم عن المستقبل.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاضطرابات النفسية تمس عالميا شخصا واحدا من كل سبعة أشخاص بين 10 و19 عاما، فيما تمتد تداعيات الحالات غير المعالجة إلى مرحلة البلوغ فتؤثر في التعليم والعلاقات والفرص المستقبلية، ولا يعني ذلك أن كل طفل عاش الحريق سيصاب باضطراب نفسي، فالصحة النفسية بعد الكوارث تتحرك ضمن طيف واسع من الاستجابات، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن غالبية الأشخاص الذين يمرون بحالات طوارئ يختبرون ضيقا نفسيا بدرجات مختلفة مثل القلق والحزن واضطرابات النوم والتعب وسرعة الانفعال، ثم تتحسن هذه الأعراض لدى معظمهم مع مرور الوقت، وتكمن أهمية هذه المعطيات في التعامل مع الطفل بوصفه ضحية محتملة تحتاج إلى الفهم والمتابعة، وليس بوصفه مريضا بمجرد ظهوره في حالة خوف أو بكاء بعد تجربة استثنائية.

 تصبح الذكرى جزءا من اليوم

في الأيام الأولى التي تلي الكارثة، قد تظهر لدى الطفل مشاعر الخوف والحزن والبكاء والكوابيس واضطرابات النوم وحتى بعض الآلام الجسدية. وتندرج هذه الاستجابات ضمن ردود الفعل التي قد ترافق تجربة شديدة التوتر، خصوصا إذا ارتبطت الأحداث بالخطر المباشر أو النزوح أو فقدان شخص قريب، لكن الفاصل بين الاستجابة العابرة والمشكلة النفسية التي تستدعي التدخل يرتبط بالمدة وشدة الأعراض ومدى تأثيرها في الحياة اليومية.

وتوضح الدكتورة ليلى إسعد، المختصة في الصحة النفسية، في تصريح خصت به “الأيام نيوز“، أن الطفل قد يعبر عن تأثره بالحرائق من خلال الخوف الشديد، والكوابيس، واضطرابات النوم، والتعلق الزائد بأحد الوالدين، إلى جانب الانعزال وسرعة الانفعال والبكاء، وقد تظهر لدى بعض الأطفال مظاهر تراجع في مهارات سبق أن اكتسبوها، مثل الاعتماد على النفس أو التحكم الليلي في التبول. أما لدى المراهقين، فتبرز مؤشرات أخرى، بينها نوبات الغضب، والعزلة، وضعف التركيز، وفقدان الاهتمام بالدراسة أو الأنشطة التي كانت تشكل جزءا من حياتهم.

وتلفت المختصة إلى أن بعض الأعراض قد تظهر بعد مرور فترة من انتهاء الخطر، إذ ينشغل الطفل أثناء الكارثة بمحاولة النجاة والاستجابة لما يحدث حوله، ثم تبدأ المشاعر بالظهور عندما تهدأ الظروف المحيطة. وهنا تصبح مقارنة سلوك الطفل الحالي بسلوكه السابق وسيلة مهمة للأسرة لاكتشاف التغيرات.

وتكتسب المتابعة أهمية أكبر عندما تتكرر الكوابيس، أو يعيد الطفل تمثيل الحريق بصورة متكررة أثناء اللعب، أو يُظهر خوفا شديدا من الدخان والنار، أو تتغير علاقته بالدراسة والنوم واللعب والتواصل مع الآخرين. فهذه المؤشرات تتجاوز مجرد الخوف الطبيعي المرتبط بحدث صادم، وقد تحتاج إلى تقييم نفسي مبكر.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن آثار الكوارث على الصحة النفسية قد تستمر لدى بعض الفئات، فيما تشير مراجعات علمية نشرتها المنظمة إلى أن أعراض ما بعد الصدمة تميل إلى التحسن لدى كثير من المتضررين، بينما يمكن أن تبقى أعراض القلق والاكتئاب مرتفعة لفترات أطول، مع تسجيل مستويات أكثر إثارة للقلق لدى الأطفال والمراهقين.

فقدان البيت والفقد الإنساني.. جرحان بمسارين مختلفين

لا تحمل كل تجربة عاشها الأطفال خلال الحرائق المعنى نفسه. فقدان المنزل والممتلكات يفرض تغييرا مفاجئا في المكان والعادات والتفاصيل اليومية التي تمنح الطفل شعورا بالاستقرار، بينما يفتح فقدان أحد أفراد الأسرة مسارا نفسيا أكثر تعقيدا يرتبط بالحزن والفقد والتعلق والبحث عن تفسير لما حدث.

فالطفل الذي يعود إلى منزل متضرر أو ينتقل مؤقتا إلى مكان آخر قد يواجه سلسلة من التغيرات المتلاحقة: غرفة مختلفة، محيط جديد، اضطراب في النوم، تغير في المدرسة أو طريقة التنقل، وانشغال الوالدين بإعادة ترتيب الحياة المادية. وكل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يزيد الضغط النفسي إذا تراكم مع غير، أما في حالات الوفاة، فتأخذ التجربة بعدا مختلفا، خصوصا عندما يكون الشخص المتوفى قريبا جدا من الطفل، وقد يتأخر التعبير عن الحزن لدى الصغار، أو يظهر بصورة غير مباشرة من خلال التعلق الزائد، الغضب، الصمت، اضطراب النوم أو تغيّر السلوك.

وتشدد المختصة على أهمية منح الطفل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، سواء بالكلام أو الرسم أو اللعب، مع احترام رغبته في الحديث من دون إجباره على استعادة تفاصيل التجربة قبل أن يكون مستعدا لذلك. فالتعامل مع الخوف باعتباره شعورا مفهوما يساعد الطفل على استيعاب ما عاشه، بينما السخرية من مخاوفه أو مطالبتُه بتجاوزها بسرعة قد تدفع المشاعر إلى الظهور في أشكال أخرى.

وهنا تصبح الأسرة جزءا من عملية التعافي، وليس مجرد جهة تراقب الأعراض، انتظام مواعيد النوم والطعام والدراسة واللعب، وعودة الأنشطة المعتادة تدريجيا، إلى جانب وجود شخص بالغ قادر على الاستماع والطمأنة، كلها عناصر تساعد الطفل على استعادة توازنه بعد الاضطراب.

المدرسة تراقب ما قد تخفيه الذاكرة

قد تكون المدرسة إحدى أهم المساحات التي تكشف التغيرات التي يصعب على الأسرة ملاحظتها، فالطفل الذي كان نشيطا في القسم ثم أصبح قليل التركيز، أو الذي اعتاد المشاركة في اللعب ثم اتجه إلى العزلة، يقدم من خلال سلوكه اليومي مؤشرات تستحق الانتباه.

وتزداد أهمية المدرسة في مرحلة ما بعد الكوارث لأنها تعيد للطفل جزءا من الروتين والعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء. العودة إلى القسم تعني استعادة موعد محدد للاستيقاظ، لقاء الزملاء، ممارسة الأنشطة، والانتقال من أجواء الكارثة إلى فضاء أكثر انتظاما.

وتشير اليونيسف إلى أن الكوارث والمخاطر المناخية يمكن أن تضرب في الوقت نفسه الصحة والتعليم والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال. ويعرض تقريرها حول مخاطر المناخ لعام 2026 تعرض 1.1 مليار طفل حول العالم لثلاثة أخطار مناخية متداخلة على الأقل، ضمن ثمانية أخطار تشمل الحرائق.

في هذا الجانب، ترى الدكتورة ليلى إسعد أن دور المدرسة يتجاوز استئناف الدروس، ليشمل توفير بيئة هادئة تقلل الضغط عن الأطفال، وتشجيع الأنشطة الجماعية والرياضية والفنية والموسيقية التي تمنحهم مساحات طبيعية للتعبير والتفاعل.

فالطفل الذي يجد حوله بيئة مدرسية مستقرة وأسرة حاضرة ومحيطا اجتماعيا متماسكا يحصل على عوامل حماية يمكن أن تساعده على تجاوز آثار التجربة. أما استمرار الاضطراب في البيت والمدرسة معا، فيزيد احتمال بقاء الأعراض وتحولها إلى عائق أمام التعلم والتفاعل.

من التعويض المادي إلى التعافي النفسي

تضع مرحلة ما بعد الحرائق المجتمع أمام مسؤولية تتجاوز إصلاح الطرق والمساكن وتعويض الخسائر المادية. فإعادة بناء المكان تعالج جزءا مرئيا من آثار الكارثة، بينما يحتاج الطفل إلى مسار آخر لاستعادة قدرته على النوم والدراسة واللعب والتفاعل بصورة طبيعية.

وتكتسب هذه المسألة بعدا أكبر حين يتعلق الأمر بالمراهقين، لأن سنوات الدراسة والتكوين تشكل مرحلة تأسيسية للمستقبل. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الاضطرابات النفسية خلال المراهقة، عندما تبقى من دون دعم، يمكن أن تؤثر في التحصيل الدراسي والعمل والعلاقات لاحقا. كما تشير إلى أن الاستثمار المبكر في الصحة النفسية للمراهقين يحمل مردودا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تتزايد فيه المخاطر المناخية التي يتعرض لها الأطفال عالميا. وتقدر اليونيسف أن عدد الأطفال المعرّضين للحرائق الشديدة في خمسينيات هذا القرن قد يقترب من ضعف العدد المسجل خلال العقد الأول من القرن الحالي، ما يجعل حماية الصحة النفسية جزءا من الاستعداد للكوارث، وليس استجابة مؤجلة لما بعدها. 

ومن هنا، يصبح إدماج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن مراحل التعافي بعد الكوارث مسألة عملية وليست ترفا. فالمتابعة المبكرة للأطفال الأكثر تأثرا، وتوعية الأولياء بالعلامات التي تستدعي الاستشارة، وتكوين العاملين في المدارس على رصد التغيرات السلوكية، وتوفير مسارات واضحة للإحالة إلى المختصين، كلها خطوات يمكن أن تمنع تحوّل تجربة عابرة إلى معاناة طويلة.

فالحرائق تنتهي حين تنطفئ ألسنتها، لكن آثارها لدى الطفل تخضع لمسار مختلف. بعض الأطفال سيستعيدون حياتهم تدريجيا مع عودة الروتين والدعم الأسري والاجتماعي، بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول ومرافقة متخصصة حتى تستعيد الذاكرة حجمها الطبيعي داخل حياتهم. وبين إعادة بناء ما احترق ومداواة ما خلفته التجربة في النفوس، تبرز صحة الأطفال النفسية كجزء أساسي من مفهوم التعافي نفسه، لأن عودة الحياة إلى الشوارع والمنازل تظل ناقصة حين يبقى الخوف حاضرا في ذاكرة الصغار.

Author سارة حمدون
صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي
↑