الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

ما بعد قانون إعدام الأسرى.. حين تتحوّل العدالة إلى أداة انتقام

Author
رائد ناجي 16 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في لحظات التاريخ الفاصلة، لا تكشف القوانين عن قوتها فحسب، بل تكشف أيضاً عن روح الدولة التي تشرّعها. فالقانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو مرآة أخلاقية وسياسية تعكس طبيعة السلطة، وحدود إنسانيتها، ومدى التزامها بالقيم التي تزعم الدفاع عنها. ومن هنا، فإن ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد إجراء تشريعي عابر، بل هو تحوّل خطير في فلسفة الصراع، وانزلاق واضح نحو منطق الانتقام المقنّن.
لقد كان الأسرى، عبر التاريخ الإنساني، عنواناً لامتحان أخلاقي بالغ الحساسية. فمنذ العصور القديمة وحتى اتفاقيات جنيف الحديثة، ظلّ التعامل مع الأسرى معياراً حضارياً يقاس به رقيّ الأمم. فحتى في أعتى الحروب، وُجدت دائماً مساحة للقيم، وحدودٌ للعنف، وخطوطٌ حمراء لا يجوز تجاوزها. لكن حين يُشرَّع قانون يسمح بإعدام الأسير، فإننا لا نكون أمام تعديل قانوني فحسب، بل أمام انقلاب في المعايير ذاتها.
إن إعدام الأسير يعني ببساطة إلغاء فكرة العدالة لصالح فكرة العقاب المطلق. فالأسير، بحكم القانون الدولي، لم يعد طرفاً في القتال؛ لقد خرج من ساحة المواجهة وأصبح تحت سلطة القانون. وبالتالي فإن قتله ليس إجراءً قضائياً بقدر ما هو امتداد للحرب بوسائل أخرى، أو محاولة لإضفاء شرعية قانونية على فعلٍ كان يُعدّ، حتى وقت قريب، جريمة حرب.
لكن الأخطر من القانون ذاته هو ما سيأتي بعده. فالقوانين، كما هو معروف في علم السياسة، لا تُقاس بموادها المكتوبة فقط، بل بتداعياتها النفسية والسياسية. وما بعد قانون إعدام الأسرى لن يكون كما قبله، لأن هذا التشريع يفتح أبواباً خطيرة على مستوى الصراع، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها كسر كل الضوابط.
أول هذه التداعيات هو انهيار ما تبقى من الثقة في فكرة العدالة الدولية. فحين يصبح الأسير مهدداً بالإعدام، فإن كل الحديث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان يتحول إلى خطابٍ أجوف لا قيمة له في نظر الشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وهنا يبدأ الشعور بأن العالم لا يحمي الضعفاء، بل يبرر القوة حين تمارس أقسى أشكالها.
أما التداعية الثانية فهي تصعيد الصراع نفسه. فالقوانين القاسية لا تُنهي النزاعات، بل غالباً ما تزيدها تعقيداً. حين يشعر الطرف المقابل أن مصير أسراه هو الموت، فإن قواعد الاشتباك تتغير تلقائياً. ويصبح الأسر نفسه بلا معنى، لأن الحياة التي كان من الممكن أن تُنقذ لم تعد مضمونة. وهكذا يتحول الصراع إلى معادلة أكثر دموية، حيث تتراجع كل فرص التهدئة.
ثم هناك البعد الرمزي، وهو الأخطر. فالأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد معتقلين في نظر مجتمعهم؛ إنهم جزء من سردية وطنية كاملة، عنوانها الصمود في مواجهة الاحتلال. لذلك فإن أي مساس بهم يتجاوز البعد القانوني ليصبح مساساً بكرامة جماعية. ومن هنا، فإن محاولة تحويل الأسير إلى مشهد إعدام لن تُنتج الردع الذي يتوقعه البعض، بل ستُنتج ذاكرة جديدة من الغضب والمرارة.
إن ما بعد هذا القانون قد لا يكون قانونياً بقدر ما سيكون تاريخياً. فالتاريخ علمنا أن التشريعات التي تُولد من رحم الخوف والغضب نادراً ما تعيش طويلاً، لأنها تصطدم في النهاية بضمير الإنسانية. ولعلّ أكثر ما يثير القلق في هذا القانون ليس نصه فحسب، بل الرسالة التي يحملها: أن حياة الأسير يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسية في لعبة القوة.
لكن الحقيقة الأعمق أن الشعوب لا تُقاس بما تفعله في لحظات السلم، بل بما تفعله في لحظات القوة. فإذا كانت العدالة تسقط حين يحتدم الصراع، فإنها لم تكن عدالة حقيقية من الأساس.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيُطبَّق قانون إعدام الأسرى؟
بل السؤال الأعمق هو: ماذا سيبقى من فكرة العدالة بعده؟

Author رائد ناجي
أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني