الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

ما لا تنقله الصورة.. عائد من جيجل

Author
عبد القادر جمعة 07 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

دخلنا جيجل صباح الجمعة من جهة الميلية.. لم نكن قد قطعنا سوى دقائق قليلة داخل حدود الولاية، حتى اختفت الخضرة.. أصبحت الجبال رمادية وسوداء..

قبلها كانت الجبال خضراء، والحقول ممتدة على جانبي الطريق، والطبيعة في صورتها التي نعرفها عن جيجل.. كثيفة، رطبة، غارقة في الخضرة.

الآن، ومدى البصر، كانت مساحات هائلة من الأرض تبدو كأنها خرجت لتوها من فرن ضخم. أشجار اختفت، وأخرى لم يبق منها سوى جذوع سوداء، وأشجار ثالثة ظلت واقفة، نصف محترقة.. كأنها لم تفهم بعد أنها نجت.

وكان ذلك أول لقاء لنا مع جيجل بعد الحريق.. ولم يكن منظرا يمكن المرور أمامه بسهولة.

كنت أعرف، مثل الجميع، ما حدث من خلال الصور ومقاطع الفيديو التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية.

لكن هناك فرقا هائلا بين أن ترى الكارثة على شاشة هاتفك وأن تقف داخلها.. ليس من رأى كمن سمع.. فالصورة يمكن أن تنقل النار، لكنها لا تنقل اتساع المكان.. يمكن للفيديو أن يظهر شجرة مشتعلة، لكنه لا يستطيع أن يجعلك تشعر بأنك محاط بجبال كاملة تلتهب..

في «عين المكان» فقط تفهم المسافة التي قطعتها النار.. وتفهم، ربما للمرة الأولى، أبعاد الكارثة.

كانت وجهتنا الجمعة بني حبيبي..

بلدية جبلية، كثيفة الغابات (قبل الكارثة طبعا..)، وقد اشتهر اسمها خلال الكارثة باعتبارها أكثر المناطق التي شاهدت سقوط ضحايا.. لا أملك هنا أرقاما نهائية عن حجم الخسائر البشرية والمادية، ولا أريد أن أقدم أرقاما لم تثبت رسميا..

لكن في بعض الأحيان لا تحتاج إلى الأرقام لكي تدرك حجم المصيبة.. ولتدرك ذلك، يكفي أن تصعد الجبل.

فكلما ارتفعنا، كانت كثافة الجذوع المحترقة تزداد.

عشرات هنا.. عشرات هناك.. ثم مئات، ثم مئات أخرى وآلاف.. حتى بدا المشهد كله «غابة» من الأشجار السوداء..

كنت أنظر إلى تلك الجذوع وأحاول أن أتخيل المكان قبل أيام.

غابة حقيقية.. ظل.. رائحة أشجار.. نسمات هواء منعشة.. طيور وحيوانات وحركة وحياة.. وبشر..

ثم أتطلع أمامي فلا أرى إلا الرماد.. والسكون..

لم أكن وحدي في هذه الجولة.. فقد جئنا بدعوة من الصديقين عبد الرزاق بوكبة وسعيد عياشي، وكنا مع عدد من الكتاب والمثقفين والجامعيين والمهتمين بالشأن الثقافي.

كان معنا الدكتور فيصل حصيد، والصديق الدكتور اليامين بن تومي، والأستاذ الأديب إدريس بوديبة، والشاعر عبد الرحمن بوزربة، ابن المنطقة، والكاتب والروائي والجامعي عيسى لحليلح، والأستاذة نجاة – المرأة الوحيدة في المجموعة – والمشاعر سفيان مخناش، والملك العجوز.. وغيرها.

وكان عيسى قائد الرحلة.. يقول لنا، مازحا: «استمتعوا بالرحلة ودعوا القيادة».. وكنا نفعل.. كنت أتبع سيارته، ثم يتوقف فجأة.

ينزل.. يشير إلى مكان ما.. بقعة باهتة على صفحة جبل بعيد.

يشرح.. يستعيد اسم قرية، أو حكاية رجل، أو معلومة عن جبل، أو تاريخ منطقة..

كان يعرف المكان كما يعرف المرء بيت طفولته.. كان يقودنا في مكان يعرفه جيدا، لكن هذه المرة أصبح فجأة مكانا آخر.

كان عيسى دليلا ممتازا.. وكان للأسف دليلا أيضا على حجم المأساة.

في الطريق، لم يكن حديثنا، ولا حديث أغلب من التقيناهم، تكرار القصص المنتشرة، ولم يكن هناك ذلك الاندفاع الذي رأيناه على مواقع التواصل الاجتماعي.

كان الناس يتحدثون عما رأوه.. بهدوء كبير.. دون انفعال.. يروون ما عاشوه.. عن النار.. عن سرعتها.. عن الطريقة التي تحركت بها.

عن لحظات بدت فيها، كما وصفها أحدهم، وكأنها لا تتحرك بطريقة مألوفة.. تصعد.. تهبط.. تقفز.. تنتقل من مكان إلى آخر.. تغير اتجاهها.. تلتهم مساحة ثم تتجه إلى أخرى.

(وهذه شهادات ينبغي أن تُسمع وتُوثق وتُدرس، لا أن تتحول تلقائيا إلى استنتاجات..) وأنا لا أتحدث هنا عن مؤامرة.. ولا أملك معطيات تسمح لي بذلك.. وإنما أتحدث فقط عما سمعناه ورأيناه.

وأتحدث عن حقيقة أكثر بساطة وأهمية.. لقد كانت الحرائق هائلة..

هائلة إلى درجة أن الإنسان، وهو يقف أمام آثارها، يفهم كم يمكن للطبيعة أن تصبح قوة لا يمكن التحكم فيها بسهولة.

قال عيسى لحليلح، في وصف مجازي، إن النار كانت «عاقلة».

وكأنها تعرف أين تذهب.. وماذا تفعل..

قد يكون ذلك مجرد وصف شاعري، لكنه كان قريبا جدا من الإحساس الذي انتابنا جميعا ونحن نشاهد آثارها.. ونسمع من الذين عاشوا وشاهدوا ما حدث..

ولعل من أكثر ما آلمني – شخصيا – بعد فجيعة فقد الضحايا، حجم ما فقدناه في زمن أو وقت.. لأن الغابة ليست أشجارا فقط.. الغابة ذاكرة.. هي طريق يعرفه الناس.. مكان لعب الأطفال.. ظل في يوم صيفي.. مصدر رزق.. مشهد اعتاده السكان طوال حياتهم.

وهي أيضا جزء من شخصية المكان.. وتراث بيولوجي متراكم على امتداد قرون..

وحين تحترق، لا تختفي الأشجار وحدها.. يتغير المكان.. تندرس معالمه.. تتغير رائحته.. لونه.. صوته.. حتى الأفق يصبح مختلفا.

وهذا ما شعرت به في جيجل..

كنت أبحث بعيني عن الخضرة التي أعرفها، فلا أجدها.. كنت أبحث عن المشهد الذي رأيته مرات كثيرة في الصور والرحلات، فإذا به قد اختفى.. ولعله ذهب غير رجعة..

كانت أعمال الإغاثة والمساعدة مستمرة، بإيقاع أكثر هدوءا.. ومما لفت انتباهي وجود سيارات من ولايات بعيدة، تركبها «عائلات» أب وأم وأطفال.. جاؤوا في نوع من السياحة الإنسانية.. جلبوا ما استطاعوا من مؤن وألبسة يوزعونها على سكان المنطقة بشكل مباشر.. ربما يكون هذا نوعا من السياحة الخيرية أو الإنسانية..

وبالمناسبة، في أماكن عديدة كنا نشاهد أكواما من الألبسة والأغطية موضوعة على حافة الطريق، ويبدو أنها تركت هناك بعد أن اكتفى الناس من هذا النوع من المساعدات.. وربما يكون من الجيد التفكير في جمعها وتخزينها من قبل الجمعيات أو الهيئات المختصة..

 

***

في طريق العودة، ظلت الجبال السوداء تلاحقنا..

كنت أنظر من نافذة السيارة وأفكر في المسافة الهائلة بين ما كان هنا وما أصبح هنا. قبل أيام كانت هذه الجبال غابة.. واليوم هي أثر لغابة.

وما بين الحالتين ساعات قليلة من النار.. ربما ستعود الخضرة يوما.

ربما ستنبت الأشجار من جديد.. ربما إن الأمر سيحتاج إلى وقت طويل.

أما ذاكرة الذين عاشوا تلك الساعات، فلا تحتاج إلى وقت كي تعود.. هم لا يحتاجون إلى صورة أو فيديو كي يتذكروا.

لقد كانوا هناك.. رأوا النار.. سمعوا صوتها.. رأوا الحياة تحترق أمامهم.

وعرفوا، في تلك الساعات، شيئا لا يمكن للصورة أن تنقله..

كانت الصورة ناقصة!.. كانت تنقل النار.. لكنها لم تنقل المسافة.. لم تنقل الرائحة.. لم تنقل الصوت ولا الصمت.

لم تنقل ذلك الإحساس الغريب وأنت تقف تحت جبل كامل وقد تحول إلى رماد.. لهذا ظل القول القديم يرافقني طوال الرحلة..

ليس من رأى كمن سمع..

أعتقد أنني ذهبت إلى جيجل لأرى آثار الحريق.. لكنني عدت بشيء آخر.. عدت بفكرة بسيطة وثقيلة في الوقت نفسه..

الكارثة لا تُفهم من بعيد.. عليك أن تقف في المكان الذي حدثت فيه.

أن ترى الجذع المحترق.. أن تصعد الجبل.. أن تنظر إلى الغابة التي لم تعد غابة.

وعندها فقط، ربما، تبدأ في فهم ما حدث.. مع أنك في الحقيقة لن تفهمها أبدا كما فهمها من عاشها وكان هناك ساعة ضربت «القارعة».. غادرنا الجبال التي كانت خضراء.. وهي اليوم مقبرة جذوع سوداء.

وما بين الصورتين.. جحيم من النار..

غادرناها وفي قلوبنا أن على الإنسان أمام هذه الأهوال أن يتعلم قليلا من التواضع.

↑