الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

ما وراء طلاق “سكاي نيوز” من المشروع الإماراتي.. دارفور تكشف المستور

Author
الأيام نيوز 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد الجدل المحيط بقناة “سكاي نيوز عربية”، يقتصر على انتقادات تتعلق بالانحياز أو اختلال التوازن في التغطية، بل تحول إلى أزمة أعمق تمسّ طبيعة العلاقة بين التمويل والسياسة والتحرير الإعلامي. وفي تطور لافت، أعلنت شبكة سكاي البريطانية انسحابها من الإدارة التشغيلية للمشروع الإعلامي المشترك مع الجانب الإماراتي، بعد سنوات من تصاعد الاتهامات للقناة بتبني سرديات مخلة بأبسط شروط المهنية. ويطرح هذا القرار، وفق القراءة التي يتفق بشأنها خبيران تحدثا إلى “الأيام نيوز”، احتمال أن يكون انسحاب سكاي البريطانية محاولة للتبرؤ من التداعيات المهنية والأخلاقية التي خلّفتها تغطية القناة لبعض الملفات الحساسة، وفي مقدمتها الحرب في السودان، حيث تتهمها جهات حقوقية وإعلامية بالانحياز الكامل للرواية التي تخدم المصالح الخفية للإمارات على حساب شرف المهنة.

وبالفعل، أعلنت شبكة سكاي عن انسحابها من مشروعها التلفزيوني الإخباري المشترك مع الجانب الإماراتي، المتمثل في قناة سكاي نيوز عربية، في خطوة تُعد من أبرز التحولات في بنية الإعلام الإخباري العابر للحدود في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التطور في سياق انتقادات حادة طالت القناة، تجاوزت مسألة الانحياز في تغطية الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أفريل 2023، لتصل إلى اتهامات مباشرة بالتورط في تبرير انتهاكات وجرائم ارتكبتها قوات الدعم السريع، عبر طريقة عرض الأحداث وصياغة السرديات، وهو ما اعتُبر مؤشرا على انحراف فاضح في التناول الإعلامي لصالح سردية طرف من أطراف النزاع على حساب إبراز حجم الانتهاكات الموثقة.

وفق الإعلان المشترك، توصلت شبكة سكاي وشريكتها الاستثمارية الإماراتية “آي إم آي” – الذراع التابعة لمجموعة استثمارية خاضعة لسيطرة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة الإماراتية ومالك نادي مانشستر سيتي – إلى اتفاق جديد يقضي بتخلي سكاي عن جميع حقوقها التشغيلية والاستراتيجية المتعلقة بالقناة العربية، مع الإبقاء فقط على اتفاق ترخيص العلامة التجارية. وبموجب هذا الترتيب، ستواصل القناة العمل تحت اسمها الحالي، رغم خروج الشريك البريطاني من الإدارة الفعلية للمحتوى والسياسات التحريرية.

اختطاف الرواية

تعود جذور المشروع إلى تأسيس قناة إخبارية ناطقة بالعربية في أبوظبي عام 2010، قبل أن يبدأ البث الفعلي عام 2012، بهدف تقديم نموذج منافس للقنوات الإخبارية العربية والدولية، بما فيها شبكة الجزيرة وبي بي سي. ومنذ انطلاقها، قامت القناة على شراكة تجمع بين الخبرة التحريرية البريطانية والدعم الاستثماري الإقليمي، غير أن هذه المعادلة سرعان ما انحرفت عن أهدافها المعلنة، مع تصاعد اتهامات باستخدام اسم القناة لترويج خطاب إعلامي تضليلي، وُصف من قبل منتقدين بأنه يمسّ بالمعايير المهنية للممارسة الصحفية.

الرئيس التنفيذي لمجموعة سكاي نيوز، ديفيد رودس، صرح بأن الشراكة مع “آي إم آي” أسهمت في بناء حضور إعلامي قوي في المنطقة، مؤكدا أن المرحلة الجديدة تمثل إعادة ضبط للعلاقة دون إنهاء كامل للتعاون القائم على ترخيص العلامة. إلا أن التطور الأبرز يتمثل في انتقال الملكية التشغيلية بالكامل إلى الشريك الإماراتي، ما يعني عمليا خروج سكاي من التأثير المباشر على الخط التحريري.

في الخلفية، برزت تغطية الحرب في السودان كعامل رئيسي في إعادة تقييم الشراكة، بعد أن واجهت القناة انتقادات متكررة من جهات حقوقية وإعلامية دولية اتهمتها بتقديم محتوى يميل إلى تبرير أو التخفيف من حدة الانتهاكات التي ترتكبها قوات الدعم السريع. وتشير تقارير إعلامية وتحقيقات دولية إلى تعقّد المشهد الميداني ووجود شبكات دعم لوجستي وعسكري متعددة الأطراف، ما جعل الملف السوداني من أكثر الملفات حساسية في التغطية الإعلامية وأشدها خضوعا للتدقيق والجدل.

في هذا السياق، قال الدكتور خالد فاروق، خبير النزاعات وشؤون الإرهاب، إن قرار شبكة سكاي البريطانية يعكس إدراكا متزايدا للكلفة المهنية المترتبة على الارتباط بمشروع إعلامي أصبحت توجهاته التحريرية مرتبطة بصورة متزايدة بأجندة الممول الإماراتي ومصالحه السياسية في المنطقة. وأوضح أن الخطوة لا يمكن قراءتها كإجراء إداري أو استثماري فحسب، بل تأتي في ظل جدل واسع أثارته تغطية القناة لعدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب في السودان، حيث وُجهت إليها انتقادات بسبب تبني مقاربات إعلامية بدت أقرب إلى تبرير مواقف الجهات المدعومة من أبوظبي أو التقليل من خطورة الانتهاكات المنسوبة إليها، الأمر الذي أضر بصورة القناة وأثار تساؤلات متزايدة بشأن استقلالية قرارها التحريري.

وأضاف فاروق – في تصريحات خصّ بها إلى “الأيام نيوز” – أن الفجوة بين الخطاب المهني الذي ترفعه المؤسسات الإعلامية البريطانية وبين الممارسة الفعلية لقناة عربية أصبحت معالجاتها الإعلامية أكثر تشددا وانحيازا من الخطاب السياسي الذي تدافع عنه القوى الغربية نفسها، خصوصا في ما يتعلق بالحرب في السودان. وأوضح أن الانتقادات لم تعد تقتصر على اختلال التوازن في التغطية، بل تطورت إلى اتهامات بتوظيف المنصة الإعلامية لخدمة أولويات سياسية تتماهى مع توجهات الداعم الإماراتي، عبر تقديم سرديات تقلل من حجم الانتهاكات المنسوبة إلى الجهات المدعومة من أبوظبي، أو إعادة تأطير الوقائع بطريقة تخفف من وقعها أمام الرأي العام وتحجب جانبا مهما من مسؤولية الأطراف المتورطة فيها.

نهاية الشراكة وبداية الأسئلة

ويرى فاروق أن قرار الانسحاب يرتبط أيضا بمحاولة شبكة سكاي حماية سمعتها الدولية من التداعيات المتزايدة لهذا الجدل، خاصة بعدما بات اسم القناة يقترن في عدد من الملفات الحساسة باتهامات تتعلق بتغليب الحسابات السياسية على الاعتبارات المهنية. وأشار إلى أن انتقال السيطرة التشغيلية الكاملة إلى الطرف الإماراتي يكشف حجم التأثير الذي أصبح يمارسه الممول على التوجه التحريري، ويؤكد أن الخلاف لم يكن حول إدارة تجارية أو ترتيبات استثمارية، بقدر ما كان مرتبطا بطبيعة الخطاب الإعلامي الذي أضعف صورة القناة كمنصة إخبارية مستقلة وأثار شكوكا متزايدة بشأن التزامها بمعايير التغطية المتوازنة.

من جانبه، اعتبر الدكتور محمد دنقس، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في السودان، أن انسحاب شبكة سكاي من الإدارة التشغيلية للقناة لا يمكن فصله عن الجدل الواسع الذي رافق أداءها التحريري خلال الحرب السودانية، مشيرا إلى أن الشريك البريطاني وجد نفسه أمام انتقادات متصاعدة طالت مصداقية المنصة بسبب الطريقة التي عالجت بها بعض الملفات المرتبطة بالنزاع.

وأوضح دنقس أن احتفاظ سكاي بالعلامة التجارية مقابل التخلي عن الدور التحريري والتنفيذي يكشف وجود تباين في الرؤية بين الطرفين، خاصة بعدما تحولت القناة، وفق منتقديها، إلى منصة تعكس بصورة متزايدة أولويات السياسة الإماراتية في المنطقة. وأضاف أن تغطية الحرب في السودان كانت من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث وُجهت للقناة اتهامات بتبني سرديات خففت من وقع الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع وتجنبت تسليط الضوء عليها بالقدر الذي تفرضه المعايير المهنية.

وأشار دنقس إلى أن الإعلام في أوقات النزاعات لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يساهم في تشكيل التصورات العامة وتوثيق الوقائع التاريخية، ما يجعل أي انحراف في المعالجة التحريرية ذا آثار تتجاوز المجال الإعلامي إلى التأثير في فهم الرأي العام لطبيعة الصراع ومسؤوليات أطرافه. واعتبر أن ما جرى يمثل دليلا على الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الإعلامية الدولية عندما تصبح الاعتبارات السياسية للداعمين والممولين عاملا مؤثرا في صناعة المحتوى وتحديد أولويات التغطية.

دارفور تكشف المستور

وفي سياق متصل، كان السودان قد اتخذ في نوفمبر الماضي قرارا بحظر نشاط قناة سكاي نيوز عربية داخل أراضيه، على خلفية تقرير بُث من مدينة الفاشر في شمال دارفور، وصف الأوضاع بأنها تسير نحو الاستقرار، في وقت كانت تشهد المدينة موجة من العنف الممنهج والتهجير القسري. كما أثارت العلاقة المهنية لبعض العاملين في القناة مع أطراف مرتبطة بالنزاع تساؤلات إضافية حول مدى استقلالية التغطية، ما عمّق أزمة الثقة بين القناة والسلطات السودانية. وتبيّن لاحقا أن المراسلة التي أوفدتها القناة إلى الفاشر متزوجة من مسؤول رفيع في قوات الدعم السريع.

وذهبت القناة أبعد من ذلك، إذ نشرت على موقعها الإلكتروني مقالات وصفت فيها الأدلة المستقاة من صور الأقمار الاصطناعية بأنها “أخبار مزيفة”، وذلك حتى بعد أن خلصت بعثة أممية لتقصي الحقائق في فيفري إلى أن تلك الصور تشير إلى ارتكاب إبادة جماعية. وقالت البعثة الأممية إن حصار الفاشر واحتلالها طوال 18 شهرا يحمل “سمات الإبادة الجماعية”، مؤكدة أن النية الإجرامية كانت “الاستنتاج الوحيد المعقول”.

وتزامن ذلك مع استمرار نفي دولة الإمارات أي علاقة لها بالدعم الموجه لقوات الدعم السريع أو بالانتهاكات المنسوبة إليها، غير أن هذا النفي لم يضع حدا للجدل الدولي المتصاعد بشأن طبيعة الدور الإماراتي في الملف السوداني. وفي هذا المناخ المشحون، وجدت التغطية الإعلامية المرتبطة بالمؤسسات المدعومة إماراتيا نفسها تحت تدقيق متزايد، خاصة عندما بدت بعض معالجاتها الإخبارية منسجمة مع روايات سياسية محل خلاف واسع.

ومن الناحية المؤسسية، تعود جذور المشروع إلى مرحلة كانت فيها شبكة سكاي جزءا من منظومة إعلامية تقودها شركة “نيوز كوربوريشن” التابعة لروبرت مردوخ، قبل انتقال ملكيتها إلى شركة “كومكاست” الأمريكية عام 2018. ومنذ ذلك الحين، شرعت الإدارة الجديدة في مراجعة عدد من الشراكات والترتيبات الدولية، سعيا إلى تقليص المخاطر المرتبطة بالعلامة التجارية وإعادة ضبط العلاقة مع المشاريع الإعلامية الخارجية.

كما ألغت “كومكاست” في عام 2020 مشروعا طموحا لإطلاق قناة إخبارية عالمية تحمل اسم “إن بي سي سكاي وورلد نيوز”، كان يُفترض أن تجمع بين إمكانات شبكتي “إن بي سي” و”سكاي نيوز” لمنافسة القنوات الإخبارية الدولية الكبرى. وقد عُدّ القرار آنذاك مؤشرا على توجه الإدارة الجديدة نحو تشديد الرقابة على المشاريع الإعلامية العابرة للحدود وإعادة تقييم أبعادها التحريرية والاستثمارية.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو انسحاب سكاي من مشروعها العربي تتويجا لأزمة متراكمة تتجاوز الاعتبارات الإدارية والاستثمارية، لتلامس جوهر العلاقة بين رأس المال والنفوذ السياسي وصناعة المحتوى الإعلامي. كما يكشف حجم المخاطر التي تواجهها المؤسسات الإعلامية عندما تصبح سمعتها الدولية رهينة لخطاب تحيط به الشبهات المخزية من كل جانب.