السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

متحف هيبون الملكي.. واجهة ثقافية محدثة تروي تاريخ عنابة

Author
هارون عمري 03 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يستعد متحف هيبون الملكية، الكائن بولاية عنابة، لافتتاح أبوابه رسميا، ليقدم لزواره تجربة ثقافية وتاريخية غير مسبوقة تضعه في مصاف المؤسسات المتحفية العالمية، وما زال المتحف في هذه اللحظات يضع اللمسات الأخيرة قبيل هذا الافتتاح المرتقب، حيث يرتدي حلة جديدة ومبتكرة جاءت تتويجا لجهود حثيثة من الصيانة والترميم والتحديث التكنولوجي الشامل.

انطلقت الأشغال المكثفة في الرابع والعشرين من شهر أوت لعام 2025، لتشمل تدعيم المقتنيات الأثرية، وتجديد فضاءات العرض، وإدماج أحدث التقنيات الرقمية، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى المحافظة على الممتلكات الثقافية وضمان استمراريتها للأجيال القادمة.

يقدم المتحف في نسخته المحدثة مقاربة متكاملة تتجاوز المفهوم الكلاسيكي لحفظ الآثار، لتصل إلى خلق بيئة تفاعلية تدمج بين أصالة الماضي وتقنيات العرض المعاصرة، وتشمل هذه التحديثات عمليات ترميم دقيقة للوحات الفسيفسائية النادرة، وتنظيفا ميكانيكيا للتماثيل الرخامية، وتطبيق استراتيجيات الرقمنة والواقع الافتراضي التي تتيح للزائرين استكشاف التاريخ بأسلوب بيداغوجي وتفاعلي متطور.

وتتجلى أهمية هذا الافتتاح المرتقب في كونه حدثا مفصليا يعيد تقديم الإرث الفينيقي، النوميدي، الروماني، الوندالي، البيزنطي، والإسلامي بأسلوب علمي رصين يتيح للباحثين وعموم الجمهور قراءة مسارات التاريخ الإنساني من خلال الشواهد المادية الماثلة أمامهم.

كما تأتي هذه الحلة الجديدة لتؤكد التزام المؤسسات الثقافية الجزائرية بتثمين الموروث الحضاري، ووضعه في صميم الحركية التنموية والسياحية لمدينة عنابة، التي لطالما شكلت منارة حضارية مشعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

السياق التاريخي والعمق الحضاري لمدينة هيبون ريجيوس

تكتسب مقتنيات متحف هيبون قيمتها الاستثنائية من العمق التاريخي والجغرافي للمدينة التي أنتجتها، حيث يعكس المتحف التراكم الحضاري المتسلسل لهذه الحاضرة العريقة.

تأسست المدينة في الأصل كمركز تجاري ومستوطنة فينيقية حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد على يد مستعمرين جاؤوا من مدينة صور اللبنانية.

وعُرفت المدينة في المصادر الإغريقية القديمة، مثل كتابات ديودور الصقلي وبطليموس، باسم “هيبو آكرا” (Hippo Acra)، وهو اسم يعود في جذوره إلى اللغة الفينيقية، حيث تعني كلمة “أوب” (Ubbon) الخليج، وتعني كلمة “آكرا” (Hagra) الحصن، مما يشير إلى الأهمية الاستراتيجية للمدينة كـ “حصن الخليج” المحمي طبيعيا.

تحولت المدينة في الفترات اللاحقة لتصبح مقرا رئيسيا للملوك النوميديين، حيث مُنحت لقب “ريجيوس” (Regius) أي “الملكي”، وهو اللقب الذي يعكس الوظيفة السياسية والاقتصادية للمدينة كمركز إقطاعي حيوي مرتبط بالعائلات الملكية الحاكمة.

وقد شهد ميناء المدينة في عهد الملك النوميدي مسيبسا تطورا لافتا، ليصبح أبرز المرافئ التي تدير عمليات تصدير المنتجات الزراعية والثروات المحلية.

ووصف المؤرخ الروماني “سالوست” هذه المدينة بأنها تتميز بموقع جغرافي فريد، محمية بخليج طبيعي يقيها من الرياح الشمالية القوية، ومتصلة بمناطق داخلية زاخرة بالزراعة والمراعي، ومزودة بنهر صالح للملاحة يسهل حركة النقل التجاري.

في العهد الروماني، وتحديدا منذ عام 46 قبل الميلاد، احتلت هيبون ريجيوس مكانة متميزة في السياق الاقتصادي والسياسي للعالم القديم، وأصبحت واحدة من أغنى مدن إفريقيا الرومانية.

ومثلت المدينة مركزا حيويا في منظومة التموين البحري الروماني المعروفة بجهاز “الأنونة” (Annona)، حيث كانت الميناء الاستراتيجي الرئيسي لتصدير الحبوب وزيت الزيتون والمنتجات الزراعية نحو العاصمة روما.

وتعمق البعد الروحي والثقافي للمدينة في الفترات اللاحقة لتصبح مركزا عالميا للفكر المسيحي، خصوصا خلال فترة تولي القديس أوغسطين أسقفية المدينة بين عامي 396 و430 ميلادية.

وتوثق المقتنيات المعروضة في المتحف تفاصيل هذه الحقب المتتالية، مسجلة أدق تفاصيل الحياة اليومية، التحولات الدينية، الأنماط المعمارية، والتطورات الاقتصادية التي سادت في تلك العصور، وصولا إلى فترات التواجد الوندالي والبيزنطي، ثم الفتح الإسلامي الذي أضفى أبعادا حضارية جديدة على المنطقة.

الرؤية المعمارية وهندسة الفضاء المتحفي المحدث

يعكس التصميم المكاني لمتحف هيبون في حلته الجديدة فلسفة عرض متطورة تهدف إلى توجيه الزائر في رحلة كرونولوجية وموضوعية مدروسة بعناية.

يمتد المتحف على مساحة إجمالية واسعة تقدر بـ 1794 مترا مربعا، وقد تأسس في نواته الأولى عام 1950 وافتتح للجمهور رسميا في عام 1968.

وتتوزع هذه المساحة بذكاء هندسي يخدم أغراض العرض والحفظ، حيث يضم المتحف ثلاث قاعات عرض رئيسية مخصصة للجمهور تغطي مساحة 672 مترا مربعا، إلى جانب صالتين مخصصتين للآثار المحمية التي تتطلب ظروفا بيئية خاصة، ومختبر متقدم لعمليات الترميم والصيانة المستدامة للقطع المكتشفة.

يتميز التصميم الجديد لبهو المتحف وقاعاته بالانسيابية الفراغية التي تسمح للزائر بتأمل القطع الأثرية من زوايا بصرية متعددة، مع توفير منظومة إضاءة حديثة ومدروسة تحافظ على سلامة المواد الحساسة، كالأصباغ والفسيفساء، وتبرز تفاصيلها الفنية والنحتية.

وتتوزع القاعات الثلاث لتغطي الجوانب الأساسية للحضارة المادية القديمة: قاعة الفسيفساء، قاعة التماثيل، وقاعة القطع الأثرية الصغرى، حيث تشكل كل قاعة حقلا دلاليا وعالما قائما بذاته يروي جانبا من الجوانب الحياتية والجمالية للمدينة العريقة.

وقد تم تكليف مكتب دراسات جزائري بمتابعة إنجاز هذا المشروع الثقافي الطموح، لضمان توافق التحديثات مع المعايير الدولية للعرض المتحفي.

حظيت عملية الترميم والصيانة الحالية للمتحف بمتابعة شخصية من وزارة الثقافة والفنون، وبإشراف عام من الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية.

ويشارك في تنفيذ هذه العمليات الدقيقة فريق متكامل يضم خبراء شبابا من ورشة ترميم الفسيفساء بتيبازة، ومختصين من المتحف الوطني العمومي بشرشال، وطاقم الموقع الأثري هيبون، تحت التوجيه العلمي المباشر للمدرسة الوطنية العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها.

وتؤسس هذه المنهجية التشاركية لنموذج وطني متقدم في إدارة المشاريع الثقافية وحماية التراث الأثري على المدى القريب والمتوسط.

قاعة الفسيفساء: السجل المادي للحياة اليومية والاقتصادية

تعتبر قاعة الفسيفساء بمثابة الدرة التاجية في متحف هيبون، حيث تضم مجموعة من أروع اللوحات الأرضية التي تم اكتشافها ونقلها بعناية فائقة من المواقع الأثرية المحيطة، وتحديدا من حي الفيلات الفاخرة الذي كان يقطنه النخبة من أثرياء المدينة.

وتخضع هذه اللوحات حاليا لعمليات تدعيم وتنظيف ميكانيكي دقيق يحافظ على أصالة التشكيل اللوني وحساسية المواد المكونة لها، استعدادا لاستقبال الزوار الأسبوع القادم.

وتمثل لوحة الواجهة البحرية وثيقة تاريخية وعمرانية فريدة تعود إلى الفترة الممتدة بين 210 و260 ميلادية، وتم اكتشافها في مطلع القرن العشرين عند سفح “تل غرف العتران”.

تبرز هذه اللوحة بدقة كارتوغرافية متناهية التفاصيل المعمارية لميناء هيبون قديما، وتقدم مشهدا بانوراميا يجمع بين الدقة الواقعية والبعد الرمزي للنشاط الاقتصادي المينائي.

تشير التحليلات الأيقونوغرافية العميقة لهذه الفسيفساء إلى احتوائها على مشهدين رئيسيين يعكسان نمطين من أنماط الحياة والاقتصاد، حيث يجسد المشهد الأول نشاط الصيد البحري الذي كان يمثل ركيزة غذائية واقتصادية حيوية للمدينة وللإمبراطورية.

ويقدم المشهد الثاني عرضا بانوراميا للملامح المعمارية والطبوغرافية للواجهة البحرية، وتظهر فيه منشآت ضخمة بثلاثة مداخل تمثل المخازن التجارية الكبرى (Horrea) التي كانت تستخدم لحفظ الحبوب والمواد التموينية.

كما تصور اللوحة رصيفا بحريا معمدا (Molo) يبدو وكأنه مغروس في المياه، وجسرا معماريا (Pons) مزودا بدرابزينات دقيقة تعكس تطور الهندسة المدنية الرومانية، وتجسد هذه الفسيفساء بشكل مباشر وظيفة هيبون المركزية في تأمين الإمدادات ضمن جهاز الأنونة الروماني.

فسيفساء الصيد الكبرى

إلى جانب مشهد الواجهة البحرية، تفرد القاعة مساحة واسعة لعرض فسيفساء الصيد الكبرى، والتي تصور تقنيات الإيقاع بالحيوانات البرية حية.

يوثق هذا العمل الفني نشاطا اقتصاديا وتجاريا بالغ الأهمية في تلك الحقبة التاريخية، حيث كانت حيوانات المنطقة المتميزة بتنوعها البيولوجي تُصطاد بعناية لتُرسل بحرا إلى مدينة قرطاج والعاصمة روما ومختلف المدن الكبرى في الإمبراطورية.

وكان الهدف من هذا الصيد هو استخدام الحيوانات المفترسة في العروض القتالية ومدرجات الألعاب (Venationes) التي كانت تقام في المدرجات الرومانية كالكولوسيوم.

تظهر الفسيفساء تفاصيل دقيقة لطرق أسر الأسود والنمور والفهود حية باستخدام طعوم من الماشية لجذبها إلى مناطق محددة، ليقوم الصيادون بعد ذلك بترويعها باستخدام المشاعل المشتعلة ودفعها نحو شباك متينة معدة مسبقا لإتمام عملية الأسر.

وتتضمن اللوحة مشاهد تصويرية دقيقة للخدم والمرافقين وهم يعدون الطعام للمشاركين في رحلة الصيد، ومشاهد للفرسان الذين يشبهون في هيئتهم فرسان المور (Moor cavalrymen) المصورين في عمود تراجان بروما.

وتوفر هذه اللوحة الفنية نافذة سوسيو-تاريخية نادرة للتعرف على التركيبة الاجتماعية، التقنيات الحرفية، والأنشطة الاقتصادية الاحترافية لسكان المنطقة.

لوحة عملية جمع العنب والميثولوجيا البحرية

كما حظيت لوحة “عملية جمع العنب”، المكتشفة عام 1945، باهتمام بالغ وعناية فائقة ضمن خطة الصيانة الحالية للمتحف في حلته الجديدة.

تباشر فرق الترميم المتخصصة أعمال تدعيم مكعباتها وإعادة تثبيتها باستخدام تقنيات حديثة ومواد متطورة لضمان تماسكها المستقبلي، وتترافق هذه الخطوات مع تنظيف ميكانيكي دقيق يضمن إزالة الشوائب المتراكمة عبر الزمن، ويحافظ على درجة التباين اللوني وحساسية هذه التحفة التي توثق الأنشطة الفلاحية المرتبطة بزراعة الكروم.

وتتضمن القاعة أيضا لوحات تجسد الأبعاد الميثولوجية العميقة لثقافة المدينة، ومن أبرزها فسيفساء “بنات البحر الأربعة” التي تضفي بعدا زخرفيا يجسد ارتباط سكان هيبون بالأساطير البحرية.

وتعرض القاعة لوحة “فسيفساء إله النهر” التي تظهر الإله الأسطوري نبتون ممسكا بمرساة بحرية، مما يؤكد على هيمنة البحر والنشاط الملاحي على المخيال الثقافي والديني لسكان المدينة القديمة.

قاعة التماثيل: تجسيد السلطة والميثولوجيا في الرخام والبرونز

تُخصص القاعة الثانية في المتحف للتماثيل الكبرى والجداريات المنحوتة، وتمثل فضاء مهيبا يعج بالشخوص الإمبراطورية، الآلهة القديمة، والرموز الثقافية المصنوعة من الرخام الأبيض الخالص ومعادن البرونز.

وقد خضعت هذه القاعة لتدخلات ترميمية واسعة استعدادا للافتتاح المرتقب، حيث تم تنظيف التماثيل الرخامية وفق معايير علمية دقيقة ومدروسة تزيل الرواسب وتعيد للمادة الأثرية بريقها وأصالتها الأولى، مع الحفاظ على السمات النحتية الأصلية.

قناع غورغون: أسطورة الرخام وقصة الاسترجاع التاريخي

يتصدر قناع “غورغون” المشهد في قاعة التماثيل، ويمثل أحد أهم الانتصارات المتزامنة في مجال حماية التراث الثقافي الجزائري ومكافحة تهريب الآثار.

يجسد هذا القناع المصنوع من الرخام الأبيض وجه شخصية “ميدوسا” الأسطورية، وهي الشخصية التي تروي الأساطير الإغريقية أنها أغضبت الإلهة أثينا فحوّلتها إلى امرأة ذات ملامح قاسية بشعر مشكل من الثعابين الملتفة، والتي يُزعم أن نظرتها تحول من يحدق فيها إلى حجر.

وتتميز هذه التحفة الهائلة بوزن يقارب 320 كيلوغراما، بطول يبلغ نحو المتر وعرض يصل إلى 80 سنتيمترا، مما يجعلها عملا فنيا استثنائيا بجميع المقاييس النحتية.

يحمل هذا القناع تاريخا دراميا معاصرا يوازي في أهميته الأبعاد الأثرية والتاريخية، وقد تم اكتشافه في عام 1930 خلال سلسلة من الحفريات قادها الآثاري الفرنسي بيير شوبو بالقرب من الموقع الأثري هيبون (المدينة الرومانية).

وفي عام 1996، وخلال الفترة التي كانت فيها الدولة الجزائرية تواجه التحديات الأمنية ومكافحة الإرهاب، تعرض القناع للسرقة من موقعه في ظروف استثنائية، ليتم تهريبه خارج الحدود الوطنية كجزء من نشاط الشبكات الدولية للمتاجرة غير المشروعة بالممتلكات الثقافية.

تواصلت مسيرة البحث عن هذه التحفة النادرة، ليتم العثور عليها لاحقا داخل بيت صخر الماطري، صهر الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، في أعقاب الأحداث السياسية التي شهدتها تونس.

وبفضل الجهود الدبلوماسية والقانونية الحثيثة، والتنسيق عالي المستوى بين سلطات البلدين، تم تسليم القناع بصفة رسمية للسلطات الجزائرية في شهر أفريل من عام 2014 في حفل أقيم بمتحف قرطاج.

وبعد أن ظلت التحفة محفوظة لفترة في المتحف الوطني للآثار بالجزائر العاصمة، تم اتخاذ القرار بإرجاعها إلى موطنها الأصلي في مدينة عنابة في شهر أوت من عام 2020، ويشكل عرض هذا القناع في الحلة الجديدة للمتحف رمزا لصمود الذاكرة الوطنية، وتثمينا لعمل المؤسسات في صون الهوية الثقافية.

الوجوه الإمبراطورية والتماثيل الأسطورية

تضم الجهة اليسرى من قاعة التماثيل مجموعة غنية من الرؤوس المنحوتة ببراعة فائقة، والتي تعود لشخصيات تاريخية وأسطورية أثرت في مسار المدينة وإدارتها.

يتوسط القاعة أيضا تابوت رخامي مزخرف يصور مشهد الأمازونيات في معاركهن الأسطورية، ويعكس هذا العمل المهارة الفائقة للحرفيين والنحاتين في تحويل الكتل الصخرية الأصمة إلى سرديات بصرية تنبض بالحياة والديناميكية، وتتوافق تفاصيل هذه المنحوتات مع الاتجاهات الفنية التي كانت سائدة في الحواضر الكبرى الممتدة على طول حوض البحر الأبيض المتوسط.

من أبرز القطع التي يستضيفها المتحف باعتزاز هي تحفة التروفيه العسكرية البرونزية، والتي تتخذ شكل درع أو عتاد حربي معلق بمهارة على عمود متين، ويعود تاريخ تأسيس هذه القطعة الفريدة إلى عام 46 قبل الميلاد، وترتبط بشكل وثيق بانتصارات يوليوس قيصر وتثبيت النفوذ الروماني في شمال إفريقيا.

وتمثل هذه التحفة وثيقة مادية دقيقة لتاريخ التكتيكات العسكرية، الأزياء، والتجهيزات الحربية للفيالق الرومانية التي تواجدت في المنطقة، وتقدم صورة واضحة لأساليب الاحتفاء بالانتصارات وإقامة النصب التذكارية في الساحات العمومية.

قاعة القطع الأثرية الصغرى: توثيق تفصيلي لأدوات الحياة اليومية

تنتقل الرحلة المتحفية من السرديات الكبرى والميثولوجيا ومظاهر السلطة السياسية إلى التفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان هيبون من خلال قاعة القطع الأثرية الصغرى.

تكتنز هذه القاعة كميات هائلة من أدوات الحياة اليومية التي تعكس مستوى الرفاهية، التطور التقني، وأنماط الاستهلاك لسكان المدينة عبر حقب تاريخية متعاقبة شملت الرومان، الوندال، البيزنطيين، والعرب المسلمين.

تشتمل المعروضات بعناية في هذه القاعة على أوانٍ زجاجية رقيقة ذات تصاميم هندسية معقدة تبرز التطور المذهل في صناعة الزجاج وتقنيات النفخ المتبعة آنذاك.

وتتوزع قطع فخارية متعددة الأشكال والأحجام، كانت تستخدم لأغراض متنوعة تتراوح بين تخزين السوائل والحبوب في المخازن التجارية الكبرى، وصولا إلى الاستخدام المنزلي والموائد اليومية.

وتوفر المصابيح الزيتية المعروضة، والمزينة بنقوش بارزة لحيوانات، آلهة، وزخارف نباتية متداخلة، قراءة معمقة لأساليب الإضاءة، الطقوس المنزلية، وأنماط التفكير الشعبي السائد في تلك الفترات.

تكتمل أهمية هذه القاعة من خلال المجموعات النمية (النقود والعملات البرونزية والذهبية) التي ترسم خرائط التبادل التجاري وتوثق الحكام والأباطرة الذين صُكت بأسمائهم وتواريخ إصدارها.

وتبرز هذه القطع النقدية كيف تفاعلت أسواق هيبون ريجيوس مع الأسواق الممتدة عبر الأقاليم المجاورة، وتعد دليلا ماديا حاسما على السيولة النقدية والتعاملات المالية التي ميزت الاقتصاد القديم للمدينة.

وتعكس هذه التحف بمجملها مسارات انتقال التكنولوجيا الحرفية وتطور الأذواق الاستهلاكية عبر الزمن.

تهيئة وتنظيف الحمامات الكبرى والمسار السياحي الأثري

شهد الموقع الأثري المحيط بالمتحف حملة واسعة لتنظيف ورد الاعتبار للمعالم المعمارية الكبرى، استعداداً للافتتاح المرتقب، شملت هذه الأشغال “الحمامات الشمالية الكبرى”، وهي من أضخم المنشآت المائية الرومانية في المنطقة، حيث تم نفض الغبار عن جدرانها الضخمة وإزالة الأتربة المتراكمة والأعشاب الضارة.

تطلبت هذه العملية تدخلات تقنية لإصلاح تسربات المياه وصيانة شبكات صرف مياه الأمطار لضمان حماية الهياكل الحجرية من التآكل والرطوبة، وتقع هذه الحمامات في الجهة الشمالية للموقع، ويمكن الوصول إليها عبر طريق مخصص يربط بين البازيليكا الكبيرة وحي الواجهة البحرية.

رافق عمليات تنظيف الحمامات تهيئة “المسار السياحي الأثري” الذي يربط بين المتحف المغلق والمعالم المفتوحة في الهواء الطلق. تم تمهيد مسالك جديدة لزوار الموقع تتيح لهم التجول بين الفوروم الروماني (الساحة العمومية)، والمسرح، والحي المسيحي، وصولاً إلى صهاريج هيبون الضخمة.

تهدف هذه التهيئة إلى تنظيم تدفق الزوار وتوجيههم نحو النقاط التاريخية الأكثر أهمية، مع توفير لوحات إرشادية توضح الوظيفة المعمارية لكل معلم. تم تعزيز حراسة هذه المسارات بنقاط مراقبة دائمة لضمان سلامة السياح وحماية الآثار من أي تدخلات عشوائية.

يمتد هذا المسار السياحي ليشكل جسراً يربط بين التاريخ الأثري والمدينة العتيقة لعنابة (بلاص دارم)، في إطار رؤية تهدف إلى دمج التراث في الحركية الحضرية. تتضمن خطة التهيئة استحداث أنشطة مرافقة على طول المسلك تشمل خدمات الإرشاد السياحي المتخصص وتوفير فضاءات للاستراحة تتماشى مع الطابع الجمالي للموقع.

كما يتيح هذا التكامل للزائر فرصة اكتشاف التخطيط العمراني لمدينة هيبون، وفهم كيفية توزيع المرافق العامة والخدمية في العصور القديمة، مما يضاعف من القيمة السياحية للجولة الميدانية.

المكتبة العلمية ومركز البحث الأكاديمي

يتجاوز متحف هيبون بتركيبته الشاملة الحالية دوره كمنصة للعرض البصري ليرتقي إلى مصاف المؤسسات البحثية والأكاديمية الرائدة المتخصصة في إنتاج المعرفة التاريخية.

ويحتضن المتحف ضمن فضاءاته مكتبة علمية ثرية جدا، تعد مرجعا أساسيا وتوثيقيا للباحثين، الأكاديميين، والطلبة في مجالات التاريخ القديم، علم الآثار، الأنثروبولوجيا، والعمارة الكلاسيكية.

تضم رفوف هذه المكتبة المتخصصة ما يزيد عن 3300 كتاب ومجلد علمي، تشمل بدورها 640 عنوانا يندرج العديد منها تحت خانة المراجع النادرة والفريدة التي يصعب العثور عليها في المكتبات العامة الأخرى.

وقد تم تجهيز المكتبة بقاعة مطالعة حديثة ومتكاملة توفر الأجواء العلمية المثلى والمريحة للغوص في السجلات التاريخية، تحليل البيانات الأثرية، ومراجعة تقارير الحفريات المستمرة في منطقة عنابة والمواقع المحيطة بها.

ويشكل هذا الجناح المعرفي ركيزة أساسية في سياسة المتحف الهادفة إلى دعم البحث العلمي المستدام، ويوفر بنية تحتية أكاديمية تدعم الحفريات الجارية، ما يرسخ مكانة هيبون كمركز إشعاع فكري يواكب المجهودات الميدانية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"