يبدو أنّ الانبهار العربي بالغرب وصل إلى مرحلة يمكن وصفها طبيًّا بـ"فقدان التوازن الحضاري"، وهو مرض موسمي يبدأ عادة عند شروق أيّ خبر تقني جديد في أوروبا أو أمريكا، وينتهي بعد دقائق.. حين نكتشف أن الأمر لا يعدو عن جهاز يشبه ما نملكه، لكن بشعار تفاحة مقضومة. ومع ذلك، يصرّ كثيرون على أن الغرب هو "العالم"، وكل ما عداه - نحن مثلاً - مجرد كواكب قزمية تدور في مداره الثقافي والفكري، كأنّ مصيرنا هو أن نكون امتدادًا لجاذبيته، لا لأنفسنا.
ولكن، دعونا نسأل بكل براءة الطفل الذي يعرف الحقيقة لكنه يخشى صدمة الكبار: ما هو هذا الغرب بالضبط؟ هل هو مكان جغرافي تشرق فيه الشمس بطريقة أكثر حداثة؟ أم هو المنطقة الصناعية التي أنتجت الرأسمالية ثم صدّرتها لنا معبّأة كعلب السردين؟ أم هو مجرد "فكرة" هبطت على العقل العربي، فأصابته بحالة انبهار مزمن جعلته يتسامح مع كل شيء، حتى مع تقلّبات الفصول الفكرية؟
الغرب بالنسبة إلى كثيرين ليس مكانًا، بل "وضعية"، موديل تفكير جاهز مع دليل استعمال: افتح عقلك، أزل كل ما يُشبه التراث، ضَع قليلًا من التكنولوجيا في الواجهة، أضِف كلمات أعجمية للتزيين، ثمّ حرّك جيدًا، (voilà!) أنت الآن "متغرّب مع مرتبة الشرف".
لكن المشكلة ليست في الغرب بحد ذاته؛ هذا الكائن الحضاري لا ينام الليل من أجل تطوير تكنولوجيا جديدة، ولا يمكن لومه إن قرّر تصديرها مع قليل من فلسفته وقيمه. المشكلة الحقيقية تكمن في القابلية المفتوحة لدينا لشراء كل شيء، حتى الأفكار المُعلّبة، مع أنّ تاريخنا قادر على إنتاج ما هو أعمق من ذلك بكثير.
لقد احتكر الغرب التكنولوجيا وبدأ بتوظيفها لنشر قيمه وفلسفاته: هذا أمرٌ طبيعي في لعبة القوى. لكن غير الطبيعي أن نحتكر نحن دور المتلقّي فقط، أو أن نمارس دور "المستهلك الحضاري" الذي يُصفّق لأيّ تطبيق جديد كأنه اكتشاف كوني. أما حين يتعلّق الأمر بتراثنا، فسرعان ما نصبح خبراء في التشكيك، ومتخصّصين في الحرج الثقافي.
فهل نحن متّجهون فعلاً نحو التغريب الكامل؟ ربما! فالعالم اليوم يعيش حالة "تغريب جماعي"، وآسيا وإفريقيا تحديدًا في حالة اختبار يومي لهويتهما. لكن السؤال الأهم: أين يقف المثقف العربي في هذا المسار؟ هل هو مشاهد في مسرحية لم تُمنح له فيها أيّ جملة؟ أم عليه أن يستعيد دوره التاريخي وأدواته، لا ليحارب الغرب، بل ليحرر العقل من "تقديس" الغرب؟
المشكلة ليست في التواصل مع الغرب، بل في أن يكون هذا التواصل أحادي الاتجاه: نحن ننظر إليه بانبهار، وهو ينظر إلينا كتجربة إثنوغرافية لطيفة. المثقف العربي اليوم مطالب بأن يكون "مصفاة" للأفكار، لا إسفنجة لها. عليه أن يفتح النوافذ، لكن دون أن يترك الريح تقلع السقف. أن يمنح الأجيال القادمة القدرة على التفاعل النقدي، لا التقليد الذائب في الآخر.
ثمّة احتمال آخر، غير متوقّع، لكنه أكثر إثارة: قد تنشأ في الغرب نفسه أجيال جديدة ترفض هذا الاتجاه نحو "تغريب العالم". شباب غربيّون بدأوا يفتشون عن المعنى خارج الاستهلاك، ويبحثون عن صوتٍ إنساني يتجاوز ضجيج التقنية. إنهم يشكّلون تيارًا صغيرًا اليوم، لكنه واعد، وقد يصبح يومًا ما شريكًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الشرق والغرب على أساس الاحترام المتبادل والتنوع الحقيقي.
الكرة الآن في ملعب المثقف العربي، لكن المطلوب منه ليس كتابة المزيد من الرثائيات عن الماضي، ولا إلقاء خطب تحذيرية عن ضياع الهوية. المطلوب ببساطة أن يقدّم "بديلًا فكريًّا"، مشروعًا معرفيًّا قادرًا على التفاعل مع التكنولوجيا دون الذوبان فيها، وعلى بناء ذائقة فكرية وعاطفية لدى الأجيال الشابّة تجعلهم يفكّرون قبل أن يصفّقوا، وينقدون قبل أن يتبنّوا، ويختارون قبل أن يقلّدوا.
قد لا نوقف التغريب، لكن يمكننا على الأقل أن نتوقّف عن اعتباره "آخر صيحات الموضة". وربما، فقط ربما، حين نستعيد ثقتنا بعقلنا وهويتنا، سنكتشف أن الحداثة ليست ملكًا لأحد، ولا الغرب هو العالم.. وأن العالم الحقيقي هو ذاك الذي نصنعه بأيدينا.

