الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

مجانية التعليم العالي بالأرقام.. كم توفر الدولة على الأسرة الجزائرية؟

Author
بثينة صايفي 04 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تُعدّ مجانية التعليم العالي في الجزائر من أبرز أوجه الدعم الاجتماعي الذي يستفيد منه ملايين الطلبة، غير أن هذه المجانية غالبا ما تجعل التكلفة الحقيقية للتكوين الجامعي بعيدة عن حسابات الأسر والطلبة.

فماذا لو تحمّل الطالب بنفسه تكاليف الدراسة والسكن والإطعام والنقل؟ وكم كانت ستبلغ الفاتورة السنوية التي تدفعها الأسرة مقابل مقعد جامعي واحد؟ أرقام يطرحها الأستاذ عبد الحفيظ ميلاط، رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي، تكشف أن ما يبدو “مجانا” للطالب يخفي تكلفة مالية معتبرة تتحملها الدولة.

 

مجانية التعليم العالي.. تكلفة تتجاوز ما يظهر في الواقع

يرى الأستاذ عبد الحفيظ ميلاط، رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي، أن مجانية التعليم العالي والخدمات الجامعية في الجزائر أصبحت من الأمور التي يتعامل معها المواطن باعتبارها معطى بديهيا ومكسبا اجتماعيا راسخا، دون التوقف كثيرا عند التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة سنويا لضمان استمرار هذه المنظومة وتمكين الطلبة من مواصلة دراستهم في ظروف ملائمة.

ويوضح ميلاط أن الحديث عن مجانية الجامعة لا يعني بالضرورة غياب التكلفة، وإنما يعني أن الجزء الأكبر منها لا يقع مباشرة على عاتق الطالب أو أسرته، بل تتكفل به الدولة من خلال تمويل مختلف جوانب الحياة الجامعية، بداية من التكوين والتعليم، وصولا إلى الإقامة والإطعام والنقل وغيرها من الخدمات التي يستفيد منها الطالب خلال مساره الجامعي.

ومن هذا المنظور، يدعو إلى النظر إلى مجانية التعليم العالي بلغة الأرقام، والوقوف عند القيمة الفعلية للخدمات التي يحصل عليها الطالب، خاصة أن الفاتورة لا تقتصر على رسوم التسجيل والدراسة، وإنما تشمل أيضا تكاليف الإقامة والإطعام والنقل، وهي نفقات قد تشكل عبئا كبيرا على الأسرة لو اضطرت إلى تحملها بأسعارها الحقيقية.

ويشير إلى أن تكلفة تمدرس طالب جامعي واحد، عند جمع مختلف هذه العناصر، تفوق بكثير ما قد تتصوره الأسرة، لاسيما بالنسبة للطلبة المقيمين الذين يستفيدون من الإيواء والإطعام والنقل إلى جانب التكوين الأكاديمي، وبذلك، فإن ما يظهر للطالب باعتباره خدمة مجانية، يمثل في الواقع إنفاقا عموميا متواصلا تتحمل الدولة تكلفته.

ويطرح ميلاط، في هذا السياق، فرضية تخيلية تقوم على حساب المبلغ الذي كانت الأسرة ستدفعه سنويا لو لم تكن هذه الخدمات مدعومة، معتبرا أن هذا التمرين يكشف حجم العبء المالي الذي تم رفعه عن الأسر الجزائرية بفضل مجانية التعليم والدعم الموجه للخدمات الجامعية.

 

لو تحمّل الطالب تكلفة دراسته بنفسه

ويطرح ميلاط فرضية التخلي عن مجانية التعليم العالي من زاوية مختلفة، تقوم على احتساب ما يمكن أن يدفعه الطالب أو أسرته لو أصبحت تكاليف التكوين الجامعي تقع مباشرة على عاتقهم، مؤكدا أن الفاتورة لن تقتصر على رسوم التسجيل الرمزية المعمول بها حاليا، وإنما سترتبط بطبيعة التخصص والتكاليف الفعلية للتكوين.

ويوضح أن الرسوم السنوية بالنسبة للتخصصات الأدبية والقانونية والإنسانية قد تتراوح، وفق هذا التصور، بين 15 و25 مليون سنتيم للطالب الواحد، وهي تكلفة ترتبط بالتكوين الأكاديمي فقط، دون احتساب باقي الخدمات الجامعية التي يحتاجها الطالب خلال السنة الدراسية وأيضا المنحة التي يستفيد منها أغلب الطلبة الجامعيون.

أما بالنسبة إلى تخصصات العلوم الدقيقة والتكنولوجيا والهندسة، فيشير إلى أن تكلفة الدراسة قد ترتفع بشكل أكبر، لتتراوح بين 30 و45 مليون سنتيم سنويا، بالنظر إلى طبيعة هذه التخصصات وما تتطلبه من تجهيزات ومخابر ووسائل تقنية وتكوينية.

وتصل الفاتورة، حسب ميلاط، إلى مستويات أعلى في العلوم الطبية والصيدلة، حيث يمكن أن تتجاوز تكلفة التكوين 60 إلى 75 مليون سنتيم سنويا، ما يعكس، حسبه، حجم الموارد والإمكانات التي يتطلبها هذا النوع من التكوين، مقارنة بالتخصصات الأخرى.

وباحتساب مختلف التخصصات، يقدر ميلاط أن المتوسط العام لتكلفة التسجيل والتكوين الأكاديمي وحدهما يمكن أن يصل إلى حوالي 25 مليون سنتيم سنويا لكل طالب، غير أن هذا الرقم، كما يوضح، لا يمثل سوى الجزء الأول من الفاتورة، لأن الطالب يحتاج إلى خدمات أخرى مرافقة لمساره الجامعي، خصوصا إذا كان مقيما بعيدا عن مقر سكن عائلته.

وبالتالي، فإن احتساب تكلفة الدراسة وحدها يكشف أن مجانية التعليم العالي لا تعني غياب النفقات، وإنما تعني بالدرجة الأولى انتقال عبء هذه النفقات من الأسرة إلى الدولة، التي تتحمل الجزء الأكبر من تكلفة التكوين الجامعي وتوفير الظروف الضرورية لاستمرار الطالب في دراسته.

 

السكن الجامعي.. تكلفة إضافية تتحملها الدولة

ولا تتوقف التكلفة عند حدود الدراسة، إذ يوضح ميلاط أن الإقامة الجامعية لمدة عشرة أشهر تشمل جملة من الخدمات، من الإيواء والصيانة إلى الماء والكهرباء والحراسة والإنترنت.

وفي حال احتساب هذه الخدمات بأسعار غير مدعومة، فإن تكلفة السكن قد تتراوح بين 12 و15 ألف دينار شهريا، أي ما يقارب 13 إلى 15 مليون سنتيم سنويا بالنسبة للطالب المقيم.

 

الإطعام والنقل يرفعان الفاتورة

ويضيف أن الإطعام الجامعي يمثل بدوره جزءا مهما من التكلفة التي تتحملها الدولة، إذ إن توفير ثلاث وجبات يوميا، باحتساب سعر الوجبة المتكاملة في السوق، قد يصل إلى ما بين 700 و900 دينار يوميا، وهو ما يعادل قرابة 20 مليون سنتيم خلال فترة الدراسة الممتدة بين تسعة وعشرة أشهر.

أما النقل، فيشير إلى أن اعتماد الطالب على خطوط واشتراكات النقل العمومي العادية قد يكلفه ما بين 2.5 و3.5 مليون سنتيم سنويا.

 

أكثر من 60 مليون سنتيم للطالب المقيم

وبجمع مختلف هذه التكاليف، يقدر ميلاط أن الطالب المقيم في الإقامة الجامعية قد يجد نفسه أمام فاتورة سنوية تقارب 60 إلى 65 مليون سنتيم، في حال تحمّل تكاليف الدراسة والسكن والإطعام والنقل.

أما الطالب غير المقيم، الذي يتحمل تكاليف الدراسة والنقل ووجبة الغداء فقط، فقد تصل الفاتورة السنوية، وفق هذا التقدير، إلى حوالي 30 إلى 35 مليون سنتيم.

 

مجانية الجامعة كرافعة للعدالة الاجتماعية

ويرى رئيس المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي أن الأرقام المتعلقة بتكلفة الدراسة والخدمات الجامعية تسمح بفهم الجانب الاجتماعي لمجانية التعليم العالي بصورة أوضح، فالمسألة، حسبه، لا تتعلق فقط بإعفاء الطالب من دفع رسوم دراسية، وإنما بمنظومة متكاملة من الدعم تسمح له بمواصلة تعليمه دون أن تتحول تكاليف الجامعة إلى عائق أمام مستقبله الأكاديمي.

ويشير إلى أن رفع الدعم عن التعليم والخدمات الجامعية سيعني، في المقابل، انتقال جزء كبير من هذه التكاليف مباشرة إلى الأسر، وهو ما قد يفرض عليها تخصيص مبالغ معتبرة سنويا لتغطية دراسة أبنائها، خاصة عندما يتعلق الأمر بطلبة يقيمون بعيدا عن ولاياتهم ويحتاجون إلى السكن والإطعام والنقل إلى جانب الدراسة.

ويبرز في هذا السياق البعد الاجتماعي لمجانية الجامعة، باعتبارها آلية تتيح للطالب اختيار مساره الجامعي على أساس ميوله وقدراته ونتائجه الدراسية، وليس بالضرورة بناء على الإمكانات المالية لعائلته، فالطالب القادم من أسرة محدودة الدخل يمكنه، في ظل وجود التعليم والخدمات الجامعية المدعومة، الالتحاق بالجامعة ومواصلة تكوينه دون أن تكون تكلفة الدراسة والسكن والإطعام سببا في التخلي عن مساره.

كما أن هذا الدعم، حسب ميلاط، يخفف عن الأسر أعباء مالية كانت ستضاف إلى نفقات الحياة اليومية، خصوصا بالنسبة للعائلات التي لديها أكثر من ابن في سن الدراسة الجامعية. فحين تتزامن تكاليف التعليم مع مصاريف السكن والإطعام والنقل، يمكن أن تتحول الفاتورة إلى عبء سنوي كبير، وهو ما يجعل طبيعة تمويل التعليم العالي قضية مرتبطة أيضا بتكافؤ الفرص داخل المجتمع.

ومن هذا المنظور، يعتبر ميلاط أن مجانية التعليم العالي والخدمات الجامعية تساهم في إبقاء الجامعة فضاء مفتوحا أمام شرائح اجتماعية واسعة، بدل أن يصبح الوصول إليها مرتبطا بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للأسرة، فكلما ارتفعت تكلفة التكوين والخدمات التي ترافقه، زادت أهمية الدعم العمومي بالنسبة للطلبة القادمين من أسر لا تملك القدرة على تحمل هذه النفقات.

ويؤكد أن قيمة هذه السياسة لا تظهر فقط في الرقم الذي يدفعه الطالب فعليا، وإنما أيضا في الفرق بين ما يدفعه الطالب وما تتكفل به الدولة، فالطالب قد لا يشعر بحجم الإنفاق العمومي لأنه لا يراه في فاتورته اليومية، غير أن جمع تكاليف الدراسة والإقامة والإطعام والنقل يكشف أن مجانية الجامعة تقوم على تحمل الدولة لجزء معتبر من تكلفة المسار الجامعي.

 

“الجزائر دولة اجتماعية”

وفي ختام حديثه، يؤكد ميلاط أن هذه السياسة تعكس، في نظره، طبيعة الجزائر كدولة اجتماعية، قائلا: “الحمد لله على الجزائر… إنها دولة اجتماعية”، ومضيفا أن الجزائر، منذ الاستقلال، وفّرت لأبنائها منظومة من الخدمات والدعم في مجال التعليم العالي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أمرا عاديا أو أمرا مضمونا دون الالتفات إلى تكلفتها الحقيقية.

وينتقد في السياق ذاته ما يصفه بـ”النكران” لما تقدمه الدولة، معتبرا أن الاستفادة من هذه الخدمات تستدعي أيضا إدراك حجم الإنفاق العمومي الذي يقف وراءها.

↑