الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

مجلس الأمن الدولي.. الإجماع غائب والأزمة السودانية تتفاقم

X Facebook TikTok Instagram

كشفت الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي في مدينة نيويورك عن استمرار التباين الواضح في مواقف الأطراف الإقليمية والدولية تجاه الأزمة السودانية، بما يعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني وصعوبة التوصل إلى رؤية موحدة لإنهاء الأزمة. ففي الوقت الذي جدد فيه مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الدكتور الحارث إدريس، تمسك الحكومة السودانية بخيار السلام عبر مبادرات وطنية وإقليمية تنطلق من الإرادة السودانية، شدد على أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تحترم سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وأن تبدأ بانسحاب المليشيات من ولايات دارفور وكردفان، مع توفير الحماية الكاملة للمدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وأضاف أن أي مسار سياسي ينبغي أن يقوم على إشراك مختلف القوى الوطنية في عملية شاملة تفضي إلى حلول ناجعة، من بينها عقد مؤتمر للمصالحات الوطنية يعزز العدالة الانتقالية ويؤسس لمرحلة جديدة يسودها الاستقرار والتنمية. وتؤكد هذه الرؤية أن الحكومة السودانية ترى الحل في مسار وطني يحظى بدعم إقليمي ودولي، بعيدا عن أي تدخلات أو إملاءات خارجية لا تراعي خصوصية الأزمة السودانية أو طبيعة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد.

في المقابل، برزت خلال الجلسة مواقف داعمة لوحدة السودان ومؤسساته الرسمية، حيث أكد مندوب المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة، السفير الدكتور عبد العزيز الواصل، أن وقف تدفق وتهريب السلاح إلى السودان يجب أن يتم بصورة فورية ودون أي شروط، موضحا أن استمرار الدعم العسكري يسهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة. كما شدد على رفض المملكة لأي خطوات تتم خارج الأطر الدستورية والمؤسسية الرسمية، بما في ذلك محاولات تشكيل حكومة موازية في بعض المناطق التي تحتلها مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها السياسيون.

ومن جانبه، أكد مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير إيهاب عوض، أن وحدة السودان تمثل خطا أحمر لا يمكن المساس به، وأن أي حلول تفرض على السودانيين من الخارج لن تحقق السلام المنشود، مشيرا إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى مساعدة السودان على المضي قدما نحو وقف الحرب، ومؤكدا أن استقرار السودان يمثل جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة بأكملها.

وعلى الجانب الآخر، جاء رد الحكومة السودانية سريعا على ما ورد في إفادة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، إذ أوضحت وزارة الخارجية والتعاون الدولي أن ما تم تداوله بشأن رفض مجلس السيادة الانتقالي للمقترح الأمريكي لا يعكس الحقيقة، مؤكدة أنها قدمت ردا تفصيليا يتضمن ملاحظاتها ورؤيتها بشأن المبادرة المطروحة.

كما شددت الوزارة على أن استمرار تدفق السلاح والمرتزقة إلى المليشيا يمثل العقبة الأساسية أمام أي جهود لتحقيق السلام، داعية المجتمعين الإقليمي والدولي إلى التعامل مع الوقائع الميدانية بقدر أكبر من الواقعية والموضوعية، وممارسة الضغوط على الجهات التي توفر الدعم العسكري واللوجستي للمليشيا، باعتبار أن وقف مصادر التمويل والتسليح يمثل خطوة أساسية لإنهاء الحرب وتهيئة الأجواء لأي عملية سياسية جادة تحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار.

ومن خلال قراءة مجمل المواقف التي طُرحت داخل مجلس الأمن وخارجه، يتضح للمراقبين أن الأزمة السودانية لا تزال رهينة تضارب الرؤى والمصالح الدولية والإقليمية، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرا يحتاج إلى توافق سياسي أكبر وإرادة دولية أكثر توازنا. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي، يشكل محورا استراتيجيا يربط بين القرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، الأمر الذي يجعل استقراره قضية تتجاوز حدوده الوطنية إلى الأمن الإقليمي والدولي.

ومن ثم، فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالاستماع إلى الرواية الرسمية للدولة السودانية والتعامل مع الحقائق بعيدا عن التقارير المتناقضة أو السياسات القائمة على الضغوط والعقوبات وحدها، والتي أصابت السودانيين بخيبة أمل تجاه عدالة العالم في التعاطي مع أزمتهم المتفاقمة. كما ينبغي دعم كل الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار، وحماية المدنيين، وإنهاء وجود الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة وتجفيف منابع تمويلها، بما يمهد الطريق لبناء سودان آمن ومستقر وموحد، قادر على تجاوز آثار الحرب والانطلاق نحو مشاريع التنمية والديمقراطية والسلام المستدام.