الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

محطة انتخابية في حضرة الاستقلال

Author
الأيام نيوز 04 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

دخلت الانتخابات التشريعية التي جرت الخميس الماضي دائرة التقييم السياسي والدستوري، بعدما أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن زمن “الكوطة” الانتخابية والمساس بصوت الشعب قد انتهى. وتذهب قراءات محللين وخبراء تحدثوا لـ”الأيام نيوز”، إلى أن هذه المواقف تعكس توجها نحو تكريس مرحلة سياسية جديدة ترتكز على أولوية الإرادة الشعبية وتعزيز شرعية المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع. ويأتي هذا الاستحقاق على وقع الاحتفال بالذكرى الـ64 لعيد الاستقلال، في تزامن يضفي عليه حمولة رمزية ترتبط بتطلع الجزائريين إلى ترسيخ دولة المؤسسات وفتح آفاق جديدة للمسار الديمقراطي والتنمية الوطنية.

وكان رئيس الجمهورية قد أكد، عقب أدائه واجبه الانتخابي بمركز التصويت بالمدرسة الابتدائية “أحمد عروة” ببوشاوي غرب الجزائر العاصمة، أن الاستحقاق التشريعي جرى في ظروف جيدة تبعث على التفاؤل، مشددا على أن الجزائريات والجزائريين باتوا على يقين بأن مرحلة توجيه النتائج أو المساس بأصوات الناخبين أصبحت من الماضي. وأشار أيضا إلى أن أي مترشح أو حزب لم يشتك خلال هذا الاستحقاق من التزوير أو سرقة الأصوات، معتبرا أن تطبيق القانون أرسى قواعد أكثر صرامة في حماية العملية الانتخابية.

وتمنح هذه التصريحات الاستحقاق الانتخابي أبعادا سياسية تتجاوز نتائجه المباشرة، لأنها تطرح تصورا جديدا للعلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتؤكد توجها يرمي إلى ترسيخ الثقة في المسار الديمقراطي وإعادة تعريف موقع البرلمان المقبل داخل المشهد السياسي. وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي عز الدين نميري أن تأكيد رئيس الجمهورية انتهاء مرحلة “الكوطة” والمساس بصوت الشعب يشير إلى دخول الجزائر مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية، ترتكز على الاحتكام الحصري إلى الإرادة الشعبية وترفض منطق المحاصصة أو أي تدخل في توجيه الخيارات التي تفرزها صناديق الاقتراع.

وأوضح المتحدث في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن عبارة “انتهاء مرحلة الكوطة” تعني أن تشكيل المؤسسات المنتخبة أصبح مرتبطا بما يقرره الناخب عبر صندوق الاقتراع، وليس وفق ترتيبات أو توازنات مسبقة، وهو ما يضع صوت المواطن في قلب العملية السياسية ويمنح نتائج الانتخابات مصداقية أكبر. وأشار نميري إلى أن تأكيد رئيس الجمهورية على انتهاء المساس بصوت الشعب يعكس حرص الدولة على ترسيخ نزاهة العملية الانتخابية، وتعزيز دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وتوفير الضمانات القانونية والتنظيمية التي تضمن احترام النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع.

ويرى المحلل السياسي أن ربط هذا اليقين بالانتخابات التشريعية التي جرت الخميس يعود إلى كونها تمثل اختبارا عمليا للإصلاحات السياسية والدستورية التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، وتأتي أيضا لقياس مدى رسوخ القواعد الجديدة المنظمة للعملية الانتخابية. وأضاف أن الرسالة الأساسية التي حملها تصريح رئيس الجمهورية تتمثل في أن المجلس الشعبي الوطني الجديد ينبغي أن يكون ثمرة الاختيار الحر للناخبين، بما يعزز شرعية المؤسسات ويكرس الثقة في المسار الديمقراطي ويؤكد توجه الجزائر نحو بناء مؤسسات تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية ومن التعبير الحر للهيئة الناخبة.

ومن زاوية أخرى، أكد المحلل السياسي نور الدين شعباني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تزامن الانتخابات التشريعية مع إحياء الذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال يكتسي دلالة وطنية وسياسية عميقة، لأنه يربط بين معركة استرجاع السيادة الوطنية ومسار ترسيخ دولة المؤسسات وتدعيم الممارسة الديمقراطية في الجزائر. وأوضح أن عيد الاستقلال يرمز إلى التضحيات الجسيمة التي قدمها الجزائريون من أجل تحرير الوطن واستعادة القرار الوطني، في حين تمثل الانتخابات إحدى أبرز آليات تجسيد هذه السيادة، لأنها تمنح المواطن حق اختيار ممثليه والمساهمة بصورة مباشرة في تشكيل المؤسسات التي تتولى تسيير الشأن العام.

وأشار شعباني إلى أن هذا التزامن يبعث برسالة مفادها أن صون الاستقلال لا يقتصر على استحضار الذاكرة الوطنية، بل يقتضي تعزيز المشاركة السياسية وتكريس الاحتكام إلى الإرادة الشعبية بوصفها المصدر الذي تستمد منه المؤسسات شرعيتها. وأضاف أن الانتخابات تتيح للمواطن فرصة التعبير عن خياراته بحرية، وتدعم ارتباطه بالمؤسسات المنتخبة وتعزز ثقته في المسار السياسي. واعتبر المتحدث أن الجزائر تواصل، من خلال هذا المسار، بناء مؤسساتها على قواعد دستورية تستلهم قيم ثورة التحرير وتترجم أهدافها في السيادة الشعبية والمشاركة السياسية، بما ينسجم مع تطلعات الأجيال الجديدة إلى دولة أكثر استقرارا وقدرة على تحقيق التنمية وتعزيز التماسك الوطني.

الاحتكام للإرادة الشعبية عنوان المرحلة

وبالعودة إلى انتخابات يوم الخميس، اعتبر المحلل السياسي أيوب عرفي أن الانتخابات التشريعية تمثل محطة سياسية مفصلية في مسار بناء المؤسسات الدستورية في الجزائر، ليس فقط لأنها تفضي إلى انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، بل لأنها تشكل أيضا اختبارا حقيقيا لمستوى الثقة التي يمنحها المواطن للعملية الانتخابية وللمؤسسات المنبثقة عنها، ومدى اقتناعه بسلامة آليات التمثيل الديمقراطي. وأوضح عرفي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن تشريعيات هذا العام اكتسبت أهمية خاصة في ضوء التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية، حين أكد أن مرحلة الكوطة والمساس بصوت الشعب انتهت، معتبرا أن هذه الرسالة السياسية تعكس إرادة واضحة للقطع مع ممارسات ارتبطت لسنوات طويلة بالتشكيك في نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، وأثرت بصورة مباشرة في مستوى الثقة الشعبية.

أيوب عرفي، محلّل سياسي

وأشار المتحدث إلى أن أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة ظلت أحد أبرز التحديات التي واجهت الحياة السياسية في الجزائر، إذ ارتبط البرلمان في نظر شريحة واسعة من الرأي العام بصورة المؤسسة التي لا تعكس دائما الإرادة الشعبية، نتيجة اتهامات طالت نزاهة بعض الاستحقاقات السابقة وهيمنة منطق المحاصصة والتوازنات السياسية على حساب التمثيل الحقيقي للناخبين، وعلى حساب الدور المنتظر من المؤسسة التشريعية.

وأكد أن أي انتخابات لا تقاس بنسبة المشاركة وحدها، بل بقدرتها على إقناع المواطن بأن صوته أصبح مؤثرا، وأن نتائج الصندوق وحدها هي التي تحدد الفائزين. وأضاف أن تصريحات رئيس الجمهورية تمثل تأكيدا رسميا على أن الدولة تراهن على مرحلة سياسية جديدة يكون فيها الاحتكام إلى الإرادة الشعبية المعيار الأساسي في تشكيل المؤسسات، وترسيخ شرعيتها داخل المجتمع.

ويرى عرفي أن نجاح الانتخابات في تكريس هذا المبدأ على أرض الواقع سيسهم تدريجيا في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، لأن هذه الثقة لا تستعاد بالشعارات، وإنما عبر الممارسة والشفافية واحترام نتائج الصندوق. وأبرز أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على تنظيم انتخابات نزيهة، بل يمتد إلى طبيعة البرلمان الذي أفرزته صناديق الاقتراع، مشددا على أن المجلس الشعبي الوطني مطالب بأن يتحول إلى فضاء فعلي للنقاش والتشريع والرقابة على العمل الحكومي، بما يعزز التوازن بين السلطات ويكرس الممارسة الديمقراطية ويرفع جودة الأداء المؤسساتي.

وفي سياق متصل، أوضح رئيس الجمهورية أن التعديلات التي عرفتها الترسانة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية جاءت بعد تسجيل اختلالات في تطبيق القوانين السابقة، معتبرا أن العملية الانتخابية تسير في اتجاه التطور التدريجي إلى غاية بلوغ الأهداف المرجوة. وأشاد رئيس الجمهورية بالدور الذي تضطلع به السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي تشرف على جميع مراحل العملية الانتخابية إلى غاية الإعلان عن النتائج الأولية، مؤكدا أن الجزائر بلغت مرحلة متقدمة في ما يتعلق بمصداقية مؤسساتها الدستورية. وأشار أيضا إلى أن المجلس الشعبي الوطني المقبل سيكون خاليا من الشبهات، وأن البرلمان بغرفتيه يعد من بين المؤسسات الدستورية والجمهورية التي تواكب مسيرة الدولة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، وترافق مسار الإصلاحات الوطنية.

وذكّر رئيس الجمهورية بأن البرلمان الحالي اقترح لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة قانونا ومرره، في إشارة إلى قانون تجريم الاستعمار الذي جاء بمبادرة من نواب المجلس الشعبي الوطني، معربا عن أمله في أن يقدم البرلمان الجديد مبادرات أخرى تسهم في تطوير الأداء التشريعي وتوسيع دائرة المبادرة البرلمانية. وتوقف رئيس الجمهورية أيضا عند طبيعة النظام الدستوري الجزائري، مشيرا إلى أنه من بين الدساتير القليلة التي تسمح بحالتين مختلفتين داخل السلطة التنفيذية، تتمثل الأولى في اختيار رئيس حكومة منبثق عن الأغلبية البرلمانية إذا فازت المعارضة، وتتمثل الثانية في تعيين وزير أول عندما تحقق الأغلبية الرئاسية الفوز في الانتخابات.

الرئاسة والأغلبية البرلمانية.. معادلة دستورية قابلة للتكيف

وفي سياق ذي صلة، نوه رئيس الجمهورية بالروح الوطنية التي استعادها الشباب الجزائري خلال السنوات الأخيرة، مؤكدا أنه استشعرها شخصيا في العديد من المناسبات واللقاءات الميدانية، وأن هذه المؤشرات تدعو إلى الاطمئنان بشأن مستقبل البلاد. ولفت أيضا إلى المكاسب التي تواصل الجزائر تحقيقها على الصعيد الاقتصادي، مذكرا بالتحاليل والتقارير الصادرة عن مؤسسات اقتصادية دولية كبرى، والتي رصدت مؤشرات إيجابية للاقتصاد الوطني وأكدت أن الجزائر تسير في الطريق الصحيح. وجدد في هذا الإطار التزامه بمواصلة الجهود الرامية إلى خدمة مصالح المواطن وتحسين قدرته الشرائية وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية للبلاد ورفع مستوى التنمية الوطنية.

وفي تفسيره لهذا الطرح، أكد المحلل السياسي نميري عز الدين أن حديث رئيس الجمهورية بشأن “النظرة البعيدة” للدستور الجزائري يعكس فهما دقيقا لفلسفة النظام الدستوري في الجزائر، موضحا أن الدستور لم يحدد شكلا جامدا للسلطة التنفيذية، بل تبنى نموذجا مرنا يسمح بالتكيف مع مختلف المخرجات السياسية والانتخابية التي قد تفرزها الانتخابات التشريعية في كل مرحلة سياسية.

وأوضح أن المؤسس الدستوري انطلق من حقيقة مفادها أن الحياة السياسية تعرف تغيرات مستمرة، وأن موازين القوى داخل البرلمان قد تتبدل من استحقاق انتخابي إلى آخر، لذلك وضع آليتين دستوريتين لتنظيم العلاقة بين رئيس الجمهورية والأغلبية البرلمانية بما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة ويحافظ على الاستقرار السياسي ويجنب البلاد أي انسداد مؤسساتي محتمل.

وأضاف أن الفرق بين رئيس الحكومة والوزير الأول لا يرتبط بالتسمية فقط، وإنما بطبيعة الشرعية السياسية التي يستند إليها كل منهما وبكيفية توزيع المسؤولية داخل السلطة التنفيذية. وعندما تفرز الانتخابات أغلبية برلمانية معارضة لرئيس الجمهورية، فإن الدستور يمنح هذه الأغلبية حق تشكيل الحكومة عن طريق تعيين رئيس حكومة منبثق عنها، وهو ما يجسد احترام الإرادة الشعبية ونتائج الاقتراع ويكرس مبدأ التمثيل السياسي.

وأشار إلى أن الحكومة تكتسب في هذه الحالة شرعية برلمانية مباشرة، ويستمد برنامجها السياسي من الأغلبية التي منحها الناخبون ثقتهم، في حين يمارس رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية بصفته رئيس الدولة والضامن لاحترام الدستور واستمرارية المؤسسات وحسن سيرها.

أما عندما تكون الأغلبية البرلمانية منسجمة مع التوجه السياسي لرئيس الجمهورية، فإن الدستور ينص على تعيين وزير أول يتولى تنفيذ البرنامج الرئاسي الذي صادق عليه الشعب بصورة مباشرة من خلال انتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما يمنح السلطة التنفيذية قدرة أكبر على تنفيذ السياسات العمومية ويحد من احتمالات التعطيل أو التنازع بين المؤسسات ويعزز الانسجام في العمل الحكومي.

وخلص نميري عز الدين إلى أن أهمية هذا التصور تكمن في أنه يمنح السلطة التنفيذية قدرة على التكيف مع نتائج العملية الديمقراطية دون الحاجة إلى تعديلات دستورية أو الدخول في أزمات مؤسساتية، ويؤكد في الوقت نفسه أن الدستور الجزائري وضع لاستيعاب مختلف السيناريوهات السياسية المستقبلية، سواء تعلق الأمر بتعددية سياسية واسعة أو بتغير موازين القوى الحزبية أو بتداول الأغلبية داخل البرلمان، بما يحافظ على استقرار الدولة ويضمن نجاعة مؤسساتها الدستورية وقدرتها على مواصلة أداء وظائفها بانتظام.

تنافس 10286 مترشحا على 407 مقاعد برلمانية

وعلى صعيد مجريات الاستحقاق، أغلقت مكاتب الاقتراع عبر مختلف ولايات الوطن أبوابها عند الساعة الثامنة من مساء الخميس بعد انتهاء عملية التصويت، لتنطلق مباشرة عملية فرز الأصوات بحضور ممثلي المترشحين المشاركين في هذا الاستحقاق وممثلي القوائم المستقلة والأحزاب السياسية المعتمدة. وكانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات قد قررت تمديد فترة الاقتراع بساعة إضافية، من السابعة إلى الثامنة مساء، بهدف تمكين أكبر عدد من المواطنين من ممارسة حقهم الانتخابي ومنح المتأخرين عن مكاتب التصويت فرصة إضافية للإدلاء بأصواتهم.

وينص القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات على أن عملية الفرز تنطلق مباشرة بعد اختتام الاقتراع وتستمر دون انقطاع إلى غاية الانتهاء منها، وتجري بصورة علنية داخل مكاتب التصويت، مع اعتماد ترتيبات خاصة بالنسبة لمكاتب التصويت المتنقلة. ويحرص القانون أيضا على ضبط مختلف الإجراءات المتعلقة بإحصاء الأصوات وتدوين النتائج داخل المحاضر الرسمية.

وتتم عملية الفرز تحت رقابة أعضاء مكاتب التصويت وبحضور ممثلي المترشحين أو القوائم الانتخابية، في حين يتولى رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الإعلان عن النتائج المؤقتة خلال الآجال القانونية المحددة بعد استلام محاضر الفرز وتركيز النتائج وتجميع البيانات الواردة من مختلف الدوائر الانتخابية.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية عبر كامل التراب الوطني 20.79 بالمائة عند اختتام عملية التصويت، بحسب ما كشف عنه رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان. ووصل عدد المصوتين داخل الوطن إلى 4.962.433 ناخبا، في حين بلغت نسبة المشاركة خارج الوطن 10.67 بالمائة، بعد تسجيل مشاركة 91.170 ناخبا من أفراد الجالية الوطنية المقيمة بالخارج، الذين أدلوا بأصواتهم عبر المراكز والمكاتب المفتوحة في عدد من الدول.

وأوضح خلفان أن هذه الأرقام تبقى مؤقتة بالنظر إلى استمرار عملية التصويت في بعض الدول والعواصم، مشيرا إلى أن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات واصلت المتابعة الميدانية بالتنسيق مع المنسقين الولائيين وممثليها في الخارج إلى غاية استكمال مختلف العمليات الانتخابية والتأكد من وصول جميع المحاضر والبيانات المتعلقة بالاقتراع.

وأكد المتحدث أن النتائج المؤقتة ستعلن فور وصول آخر محضر من داخل الوطن وخارجه، مع احترام الآجال القانونية المنصوص عليها، قبل إحالة جميع الوثائق الانتخابية والطعنات على المحكمة الدستورية للفصل فيها وإعلان النتائج النهائية لهذا الاستحقاق وفق المقتضيات الدستورية والقانونية المعمول بها.

وجرت عملية الاقتراع، وفق المعطيات التي قدمتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، في هدوء وتنظيم محكم، باستثناء بعض التجاوزات المحدودة داخل الوطن وخارجه. وسجلت مراكز التصويت ارتفاعا تدريجيا في إقبال الناخبين خلال الفترة المسائية، خاصة في عدد من البلديات والمراكز الحضرية التي عرفت حركية أكبر قبيل غلق مكاتب الاقتراع.

وعرفت هذه الانتخابات تنافس 793 قائمة انتخابية تضم 9854 مترشحا عبر مختلف الدوائر الانتخابية داخل الوطن، إضافة إلى 54 قائمة انتخابية تضم 432 مترشحا بالنسبة للدائرة الانتخابية الخاصة بالجالية الوطنية بالخارج، وذلك من أجل الظفر بـ407 مقاعد يتشكل منها المجلس الشعبي الوطني، في مشهد انتخابي اتسم بتنوع الانتماءات السياسية وحضور القوائم المستقلة.

وبالعودة إلى المحلل السياسي نميري عز الدين، فقد أكد أن نجاح العملية الانتخابية من حيث التنظيم وسيرها في ظروف عادية وآمنة يؤكد مرة أخرى قدرة الدولة الجزائرية على إدارة الاستحقاقات الانتخابية وفق قواعد قانونية وإجرائية تضمن الاستقرار وتحافظ على السير المنتظم للمؤسسات، الأمر الذي يعزز مكانة الجزائر كدولة تواصل بناء مؤسساتها الدستورية في مناخ يتسم بالهدوء والانتظام ويكرس مبدأ استمرارية المؤسسات الدستورية.

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تشهد منذ سنوات مسارا إصلاحيا متواصلا شمل مراجعة الدستور، وتعزيز صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وتوسيع الضمانات القانونية المرتبطة بنزاهة الاقتراع وشفافيته. واعتبر أن هذه الإصلاحات أرست قاعدة مهمة لتطوير الحياة السياسية، غير أن نتائجها تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تنعكس بصورة أوسع على مستويات المشاركة الشعبية وعلى درجة تفاعل المواطنين مع الاستحقاقات الانتخابية.

وأضاف نميري عز الدين أن نسبة المشاركة المسجلة في هذه الانتخابات تكشف، بالدرجة الأولى، أن الأحزاب السياسية لم تنجح في مواكبة الإصلاحات بالقدر المطلوب، وأن حملاتها الانتخابية اعتمدت أساليب تقليدية لم تعد قادرة على استقطاب الناخبين وإقناعهم. وأوضح أن تشديد القوانين المتعلقة بالممارسات الانتخابية غير المشروعة فرض على الأحزاب البحث عن أدوات جديدة للتواصل السياسي، غير أن جزءا كبيرا منها لم يطور بعد وسائل الدعاية والتأطير الميداني بما يتناسب مع التحولات التي تعرفها الساحة السياسية وتغير أولويات الناخبين وانتظاراتهم.

ورأى المتحدث أن المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب تجديد نخبها السياسية، وصياغة برامج أكثر ارتباطا بانشغالات المجتمع، والعمل على استعادة ثقة الناخبين من خلال حضور فعلي ودائم في الميدان، بدل حصر نشاطها في الفترات الانتخابية. وأكد أن نجاح أي حزب سياسي مستقبلا سيبقى مرتبطا بقدرته على تقديم حلول عملية للمشكلات اليومية للمواطن، وإثبات حضوره كشريك حقيقي في تحقيق التنمية الوطنية وتعزيز المشاركة السياسية بصورة أكثر استدامة.

برلمان جديد أمام اختبار الإصلاح والتنمية

وفي حديثه عن المرحلة المقبلة، شدد نميري عز الدين على أن المجلس الشعبي الوطني الجديد سيكون أمام مسؤوليات كبيرة، تتقدمها مواكبة الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقتها الدولة، عبر سن تشريعات تسهم في تشجيع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ودعم المؤسسات الناشئة وتوسيع فرص المبادرة الاقتصادية. وأضاف أن البرلمان مطالب أيضا بتوفير الأطر القانونية التي تساعد على تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات، انسجاما مع الرؤية الاقتصادية الجديدة التي تتبناها الجزائر وتوجهاتها الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على خلق الثروة وفرص العمل وتحقيق تنمية مستدامة تشمل مختلف مناطق البلاد.

عبد الرحمان بوثلجة، أستاذ وباحث في الشؤون الوطنية والدولية

ومن جانبه، أكد الباحث في الشؤون الوطنية عبد الرحمان بوثلجة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الخميس شكلت محطة سياسية ودستورية بالغة الأهمية في مسار الجزائر، بالنظر إلى أنها أفضت إلى انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، باعتباره الهيئة الدستورية التي تمثل السلطة التشريعية وأحد أهم مؤسسات الدولة المكلفة بصناعة التشريع ومراقبة عمل الحكومة وصياغة التوجهات القانونية المؤطرة للسياسات العمومية.

وأوضح المتحدث أن أهمية هذه الانتخابات تنبع أيضا من آثارها المباشرة على مستقبل البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، لأن البرلمان الجديد سيكون شريكا أساسيا في رسم السياسات العمومية ومرافقة الإصلاحات التي تشهدها الجزائر في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، الأمر الذي يجعل حسن اختيار ممثلي الشعب مسؤولية وطنية تنعكس على حاضر البلاد ومستقبلها وعلى نوعية القرارات التي ستؤثر في مسار التنمية الوطنية.

وأكد بوثلجة أن انتخاب نواب يتمتعون بالكفاءة والخبرة والقدرة على أداء مهامهم الدستورية من شأنه أن يمنح دفعا أكبر للإصلاحات التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن البرلمان يؤدي دورا محوريا في إنجاح هذه الإصلاحات من خلال دراسة مشاريع القوانين وإثرائها والمصادقة عليها بما يضمن مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد وتسريع وتيرة التنمية وتعزيز فعالية الأداء المؤسساتي.

وأضاف أن دور أعضاء المجلس الشعبي الوطني لا يقتصر على الوظيفة التشريعية، بل يشمل أيضا الرقابة على عمل الحكومة ومتابعة تنفيذ البرامج والسياسات العمومية، بما يسهم في تحسين الأداء الحكومي ومعالجة الاختلالات عند الاقتضاء، وهو ما يجعل المؤسسة التشريعية شريكا أساسيا إلى جانب السلطة التنفيذية في تحقيق التنمية وتعزيز فعالية مؤسسات الدولة وتطوير آليات الحوكمة العمومية.

وأشار بوثلجة إلى أن النواب، عبر أدوارهم التشريعية والرقابية، يستطيعون الإسهام في تسريع إنجاز المشاريع الاقتصادية الكبرى، ودعم الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، ومواصلة تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية التي اعتمدتها الدولة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين ورفع جاذبية الاقتصاد الوطني.

وأبرز الباحث أن الشعب الجزائري يتطلع إلى برلمان يضم نوابا يتحلون بالكفاءة والنزاهة والمصداقية، ويضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويتمتعون برؤية واضحة وخبرة تؤهلهم للتعامل مع مختلف الملفات الوطنية بعيدا عن الحسابات الضيقة، بما يعيد ثقة المواطن في المؤسسة التشريعية ويجعلها أكثر حضورا وفاعلية في معالجة انشغالاته والاستجابة لتطلعاته المتزايدة.

وأضاف أن المواطنين ينتظرون من النواب الجدد أن يكونوا صوتا حقيقيا لهم تحت قبة البرلمان، وأن ينقلوا انشغالاتهم اليومية بصدق ومسؤولية، وأن يعملوا على اقتراح تشريعات تستجيب لتطلعات المجتمع، خاصة في القضايا المرتبطة بتحسين القدرة الشرائية، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتعزيز التنمية المحلية، والاهتمام بالمرافق الأساسية، وتوفير الظروف الكفيلة بتحسين نوعية الحياة وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.

وأكد بوثلجة أن الرهان لا يقتصر على سن القوانين، بل يشمل أيضا تفعيل الدور الرقابي للمجلس الشعبي الوطني من خلال متابعة أداء الحكومة وتقييم تنفيذ البرامج التنموية وتقديم الملاحظات في إطار الصلاحيات التي يحددها الدستور والقانون، بما يعزز تكامل عمل المؤسسات ويرفع مستوى الفعالية في تسيير الشأن العام ويقوي الثقة في الأداء العمومي.

واعتبر أن المرحلة الحالية تفرض وجود برلمان قوي وفاعل، قادر على مواكبة التحولات الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية، والإسهام في ترسيخ الاستقرار السياسي ودعم التنمية المستدامة، بما ينسجم مع طموحات الدولة الجزائرية وتطلعات المواطنين نحو مستقبل أكثر ازدهارا وأكثر قدرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد بوثلجة على أن الجزائريين يتطلعون إلى إحداث تغيير حقيقي نحو الأفضل في مختلف جوانب حياتهم، ويأملون أن يكون البرلمان المقبل في مستوى هذه التطلعات وأن يضطلع بدوره كاملا في خدمة الوطن والمواطن، بما يدعم مسار التنمية ويعزز مكانة الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي خلال السنوات المقبلة ويكرس حضورا مؤسساتيا أكثر فاعلية وتأثيرا.

الانتخابات بين الحق الدستوري والواجب الوطني

وبينما انصب جانب من النقاش السياسي على تركيبة البرلمان المقبل وأدواره المنتظرة في مواكبة الإصلاحات، برزت مقاربة قانونية ركزت على طبيعة الانتخابات باعتبارها إحدى أبرز صور ممارسة السيادة الشعبية، وعلى المسؤولية المشتركة التي يتحملها جميع المتدخلين في حماية نزاهة الاقتراع وصون مصداقية المؤسسات المنبثقة عنه. واهتم هذا الطرح أيضا بالضمانات القانونية التي تحكم العملية الانتخابية منذ بدايتها إلى غاية إعلان نتائجها النهائية، وبالأدوار التي يؤديها كل طرف داخل هذا المسار المؤسسي.

الدكتور موسى بودهان، أستاذ في القانون الدستوري

وفي هذا السياق، أكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور موسى بودهان، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الانتخابات تجمع بين بعدين متلازمين، فهي حق دستوري يكفله الدستور للمواطن، وواجب وطني يقتضي المشاركة الواعية واحترام القواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية. وأوضح أن الدستور الجزائري يضمن حق الانتخاب والترشح وفق الشروط التي يحددها القانون، في حين ينص قانون الانتخابات على أن ممارسة السيادة الوطنية تتم عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة ودورية، الأمر الذي يجعل احترام قواعد الاقتراع مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق هيئة واحدة. وأضاف أن هذه المسؤولية تفرض على الجميع التحلي بروح المواطنة والالتزام بأحكام القانون خلال جميع مراحل الاستحقاق.

وأشار المتحدث إلى أن الانتخابات تشكل إحدى أهم الآليات التي يمارس الشعب من خلالها سيادته، عبر اختيار ممثليه لتسيير الشأن العام على المستويين الوطني والمحلي. وأكد أن أي إخلال بقواعد العملية الانتخابية لا يقتصر أثره على الجانب الإجرائي، بل ينعكس بصورة مباشرة على الثقة في المؤسسات المنتخبة وفي المسار الديمقراطي برمته. ولفت إلى أن سلامة العملية الانتخابية تمثل شرطا أساسيا لترسيخ الشرعية وتعزيز علاقة المواطن بالمؤسسات الدستورية.

وشدد بودهان على أن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تضطلع بدور محوري في ضمان تنظيم الاقتراع من خلال توفير الظروف المادية واللوجستية والسهر على احترام الإجراءات القانونية، غير أن نجاح العملية يرتبط أيضا بمدى التزام مختلف الفاعلين السياسيين والإداريين والأمنيين والإعلاميين بأحكام القانون. وأضاف أن الانتخابات لا تمثل مسؤولية السلطة المستقلة وحدها، بل تشكل مسؤولية مشتركة تبدأ بالمترشح الذي يلتزم بقواعد المنافسة النزيهة، وتشمل مؤطري مكاتب التصويت الذين يحرصون على سلامة الإجراءات، وتصل إلى المواطن الذي يمارس حقه الانتخابي بحرية واستقلالية. وأبرز أن احترام القانون من قبل كل طرف يسهم في حماية شرعية المؤسسات المنتخبة ويحد من أسباب التشكيك في نتائج الاقتراع.

وأوضح بودهان أن المشرع الجزائري وضع، من خلال القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، منظومة قانونية تنظم جميع مراحل العملية الانتخابية، ابتداء من مراجعة القوائم الانتخابية، مرورا بالحملة الانتخابية ويوم الاقتراع، وصولا إلى إعلان النتائج والفصل في الطعون. وأشار إلى أن هذا التنظيم الدقيق يهدف إلى إرساء قواعد موحدة تضمن المساواة بين المترشحين وتحمي حقوق الناخبين وتؤمن السير المنتظم للعملية الانتخابية. وأكد أن البيانات والتعليمات التي تصدرها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تهدف إلى تذكير مختلف المتدخلين بواجباتهم القانونية، لأن كل مترشح أو حزب سياسي أو قائمة مستقلة مطالب بالإحاطة بالنصوص التي تنظم الاستحقاقات الانتخابية والالتزام بأحكامها.

وأشار إلى أن احترام القانون لا يقتصر على قانون الانتخابات، بل يشمل أيضا أحكام الدستور والقوانين المنظمة للأحزاب السياسية والنصوص المتعلقة بالتجمعات، إضافة إلى ميثاق أخلاقيات العمل السياسي الذي وقعت عليه الأحزاب السياسية والقوائم الحرة ووسائل الإعلام، باعتباره إطارا أخلاقيا يرسخ المنافسة النزيهة واحترام قواعد العمل السياسي. وأكد أن المعرفة الدقيقة بهذه الأحكام تساعد على تفادي المخالفات وتعزز ثقافة الاحتكام إلى القانون.

ولفت المتحدث إلى أن القانون لم يقتصر على وضع قواعد تنظيمية، بل تضمن أيضا أحكاما زجرية لمواجهة كل الأفعال التي قد تؤثر في نزاهة الانتخابات أو تمس بحرية اختيار الناخبين. وأوضح أن قانون الانتخابات خصص بابا كاملا للجرائم الانتخابية، يتضمن عقوبات تتفاوت بحسب طبيعة المخالفة وخطورتها، انطلاقا من مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. وأضاف أن هذه الأحكام تهدف إلى حماية العملية الانتخابية من أي ممارسات قد تخل بمبدأ المساواة بين المتنافسين أو تؤثر في سلامة النتائج.

وأكد أن أي محاولة للتأثير غير المشروع على إرادة الناخب، أو المساس بصناديق الاقتراع، أو تزوير الوثائق الانتخابية، أو عرقلة السير العادي للعملية الانتخابية، تعد أفعالا يعاقب عليها القانون، لأن الغاية الأساسية تتمثل في حماية الإرادة الشعبية وضمان أن تعكس النتائج الاختيار الحقيقي للناخبين. وأضاف أن المشرع لم يترك مجالا للتهاون في هذا الجانب، استنادا إلى قاعدة قانونية مستقرة مفادها أن “لا أحد يعذر بجهله للقانون”، وهو ما يفرض على جميع المتدخلين في العملية الانتخابية الاطلاع على الأحكام القانونية المنظمة للاستحقاقات الانتخابية والتقيد بها. واعتبر أن الالتزام بهذه القواعد يمثل ضمانة أساسية لصيانة الثقة العامة في المؤسسات المنتخبة.

وأشار الدكتور موسى بودهان إلى أن نجاح أي استحقاق انتخابي يرتبط أيضا بوجود رقابة مجتمعية وإعلامية واعية. وأوضح أن الإعلام المهني لا يقتصر دوره على نقل وقائع الحملات الانتخابية وإعلان النتائج، بل يسهم أيضا في نشر الثقافة القانونية، وتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وكشف التجاوزات عند وقوعها، مع الالتزام بالحياد وأخلاقيات المهنة. وأضاف أن الإعلام يؤدي دورا مهما في تعزيز الوعي العام بأهمية المشاركة واحترام قواعد المنافسة السياسية.

وتحدث أيضا عن دور المجتمع المدني والملاحظين المعتمدين في مرافقة العملية الانتخابية من خلال متابعة سير الاقتراع ورصد مدى احترام الإجراءات القانونية، الأمر الذي يعزز الشفافية ويكرس ثقة المواطن في المؤسسات. وأكد أن ميثاق أخلاقيات العمل السياسي الذي وقعت عليه الأحزاب السياسية والقوائم الحرة ووسائل الإعلام لا يمثل وثيقة بروتوكولية، بل يعبر عن التزام أدبي وأخلاقي يرمي إلى ترسيخ المنافسة النزيهة والابتعاد عن خطاب الكراهية والتضليل وجميع الممارسات التي قد تؤثر في حرية اختيار الناخبين. وأشار إلى أن ترسيخ هذه القيم يشكل أحد الشروط الضرورية لتطوير الممارسة الديمقراطية وبناء مؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

المترشح في صدارة المسؤولية القانونية

وشدد بودهان على أن المسؤولية القانونية تبدأ منذ إعلان الترشح ولا تنحصر في يوم الاقتراع. وأوضح أن كل مترشح، سواء انتمى إلى حزب سياسي أو ترشح ضمن قائمة حرة، مطالب بالإحاطة بالدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات والقوانين المنظمة للأحزاب السياسية والنصوص ذات الصلة، حتى لا يقع في مخالفات قد ترتب مساءلته. وأشار إلى أن المعرفة الدقيقة بهذه النصوص تمكن المترشحين من إدارة حملاتهم الانتخابية ضمن الأطر القانونية وتجنب أي ممارسات قد تثير نزاعات أو طعونا لاحقة.

وأضاف أن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تؤدي دورها عبر إصدار البيانات والتعليمات والتذكير المستمر بضرورة احترام القانون، غير أن ذلك لا يعفي أي طرف من مسؤولياته القانونية والأخلاقية. ورأى أن احترام النصوص القانونية يجب أن ينبع من قناعة راسخة بأهمية حماية الإرادة الشعبية وصون مصداقية المؤسسات، وليس بدافع تجنب العقوبات فقط. ولفت إلى أن احترام القانون يعكس أيضا مستوى النضج السياسي والوعي الديمقراطي لدى مختلف الفاعلين.

وأكد المتحدث أن حماية نزاهة الانتخابات لا تقع على عاتق المؤسسات والفاعلين السياسيين وحدهم، وإنما تشمل أيضا المواطن بوصفه الركيزة الأساسية في العملية الديمقراطية. وأوضح أن المشاركة الواعية، ورفض أي محاولات للتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين، والتبليغ عن التجاوزات، تمثل ممارسات تعزز مصداقية الاقتراع، إلى جانب احترام التعليمات المنظمة للتصويت والمحافظة على الانضباط داخل مكاتب الاقتراع. وأضاف أن المواطن يشكل الحلقة الأساسية في حماية المسار الانتخابي وتعزيز شرعية نتائجه.

ويرى مختصون أن نجاح أي استحقاق انتخابي لا تحدده نسبة المشاركة أو وتيرة إعلان النتائج فقط، بل يرتبط أساسا بمدى اقتناع المواطن بأن صوته احتسب في إطار من الشفافية والحياد واحترام القانون. وتكتسب الدعوات المتكررة التي توجهها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى مختلف المتدخلين أهمية خاصة، لأنها تذكر الجميع بأن حماية العملية الانتخابية مسؤولية مشتركة تتوزع بين جميع الأطراف. ويؤدي هذا الوعي الجماعي دورا مهما في تدعيم الثقة العامة في المؤسسات المنتخبة.

وأكد الدكتور موسى بودهان أن المساس بالعملية الانتخابية لا يقتصر أثره على مخالفة نص قانوني، بل يطال صورة المؤسسات الديمقراطية ومستوى الثقة في آليات التمثيل الشعبي، وهو ما يفسر تشدد المشرع في تجريم الأفعال التي تستهدف التأثير في حرية الناخبين أو الإخلال بسير الاقتراع أو النيل من سلامة العملية الانتخابية. وأشار إلى أن حماية الانتخابات تعني أيضا حماية شرعية المؤسسات واستقرار الحياة العامة.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن تطور المنظومة القانونية يحتاج إلى ثقافة سياسية ترتكز على احترام القانون والمنافسة النزيهة والإيمان بأن صناديق الاقتراع تبقى الأداة الديمقراطية التي تحدد خيارات المواطنين. وتظل حماية نزاهة الانتخابات مسؤولية جماعية يشترك فيها المترشح والإعلام والمجتمع المدني والناخب، لأن التزام كل طرف بواجباته يعزز مصداقية المؤسسات المنتخبة ويكرس الثقة التي يقوم عليها الاستقرار الديمقراطي. وأضاف أن ترسيخ هذه الثقافة يحتاج إلى عمل متواصل وجهد تشاركي بين مختلف مكونات المجتمع.

وتفتح هذه المقاربة القانونية باب النقاش حول طبيعة البرلمان الجديد والمهام المنتظرة منه خلال المرحلة المقبلة. إذ لا تقف أهمية الانتخابات عند سلامة إجراءاتها وضمان نزاهتها، بل تمتد إلى قدرة المؤسسة التشريعية الجديدة على تجسيد الإرادة الشعبية وترجمة الثقة التي منحتها الهيئة الناخبة إلى أداء تشريعي ورقابي يواكب التحولات التي تعرفها البلاد ويستجيب لتطلعات المواطنين. وتبرز هنا أهمية الانتقال من شرعية الاقتراع إلى فعالية الأداء المؤسساتي.

وعاد المحلل السياسي أيوب عرفي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى التأكيد أن أحد أبرز المؤشرات القادرة على منح البرلمان المقبل مصداقية أكبر يتمثل في تنوع تركيبته السياسية والاجتماعية ووصول كفاءات تمتلك القدرة على مناقشة القوانين واقتراح البدائل ومراقبة أداء الحكومة بعيدا عن الحسابات الضيقة. وأوضح أن تعميق ارتباط النواب بانشغالات المواطنين وحضورهم الفاعل في النقاشات التشريعية من شأنه أن يعزز مكانة البرلمان بوصفه سلطة دستورية تمارس أدوارا حقيقية ومؤثرة. وأضاف أن التعدد داخل المجلس يشكل رصيدا مهما لإثراء النقاش العمومي وتوسيع دائرة التمثيل السياسي.

وأشار عرفي إلى أن تعزيز الثقة في المسار الديمقراطي لا يتوقف عند انتهاء الاقتراع، بل يتطلب مواصلة الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، وترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية، وفتح فضاءات حقيقية للنقاش العمومي، حتى يلمس المواطن انعكاس مشاركته الانتخابية في السياسات والقرارات التي تمس حياته اليومية.

وأضاف أن هذا الاستحقاق يكتسب أيضا بعدا استراتيجيا في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والإعلامية المتزايدة، معتبرا أن وجود مؤسسات منتخبة قوية وتستند إلى شرعية شعبية يمثل أحد مقومات تعزيز الجبهة الداخلية. وأكد أن البرلمان، كلما عبر بصدق عن الإرادة الشعبية، ازدادت قدرته على الدفاع عن المصالح العليا للدولة ومرافقة الإصلاحات والتصدي للحملات الإعلامية والدعائية التي تستهدف مؤسسات البلاد.

ولفت إلى أن برلمانا يحظى بشرعية انتخابية واسعة سيكون أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى ومناقشة القوانين المتعلقة بالاستثمار والرقمنة والأمن الغذائي والانتقال الطاقوي، بما يحقق قدرا أكبر من الانسجام بين السياسات العمومية وانتظارات المجتمع، ويعزز قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات المتسارعة.

وأشار المتحدث إلى أن هذه المرحلة تضع النواب المنتخبين أمام مسؤولية مضاعفة، لأن الرأي العام سيقيس أداءهم بمدى وفائهم بالتزاماتهم الانتخابية، وحضورهم داخل اللجان البرلمانية، ومساهمتهم في التشريع والرقابة، ومدى قربهم من انشغالات المواطنين، ومدى قدرتهم على تقديم مبادرات عملية تستجيب لمطالب المجتمع.

وفي ختام تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أكد عرفي أن هذا الاستحقاق يمثل فرصة مهمة لترسيخ الثقة في المسار الديمقراطي إذا كرس فعليا مبدأ أن صوت المواطن يمثل الفيصل الوحيد في اختيار ممثليه، مضيفا أن البرلمان الجديد يقف أمام امتحان حقيقي لإثبات قدرته على تجسيد خيارات الناخبين والدفاع عن مصالحهم والمساهمة بفعالية في بناء جزائر أكثر استقرارا وقوة ومناعة.

مصداقية الانتخابات تعزز مسار ترسيخ الديمقراطية في الجزائر

من جهته، يرى المحلل السياسي العيد زغلامي أن الانتخابات التشريعية تندرج ضمن المسار الديمقراطي الذي انتهجته الجزائر والقائم على تكريس الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يعزز مكانة المجلس الشعبي الوطني بوصفه مؤسسة دستورية تعبر عن انشغالات المواطنين وتطلعاتهم لانبثاقها من الإرادة الشعبية، ويكرس حضور البرلمان باعتباره فضاء مؤسساتيا للتعبير عن الإرادة العامة ومناقشة القضايا الوطنية الكبرى.

العيد زغلامي، محلل سياسي

وأوضح العيد زغلامي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المجلس الشعبي الوطني لا ينبغي أن يكتفي بأدواره التقليدية في التشريع والرقابة، وإنما يقتضي الظرف الحالي أن يضطلع بمهام أكثر اتساعا وفاعلية، تشمل تنشيط الدبلوماسية البرلمانية، وتقديم المبادرات والمقترحات التشريعية، والانفتاح بصورة أكبر على انشغالات المواطنين وتطلعاتهم، بما يعزز حضور المؤسسة التشريعية في إدارة الشأن العام ويمنحها قدرة أكبر على مواكبة التحولات التي تشهدها البلاد، والتفاعل بصورة مستمرة مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تستأثر باهتمام الرأي العام.

وأشار المتحدث إلى أن التجربة الديمقراطية في الجزائر عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا على المستويات السياسية والاقتصادية والقانونية والحزبية والإعلامية، موضحا أن الإجراءات التي اعتمدتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أسهمت في تعزيز مصداقية الاستحقاقات الانتخابية من خلال فرض ضوابط تحد من تأثير المال الفاسد ومحاولات شراء الذمم وتوظيف النفوذ بطرق غير مشروعة، الأمر الذي ساعد على حماية أصوات الناخبين وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة داخل المسار الانتخابي، وتعزيز شروط التنافس السياسي على أسس قانونية أكثر انضباطا.

وأكد زغلامي أن قانون الانتخابات، إلى جانب الدور الذي تضطلع به السلطة القضائية، شكلا ركيزتين أساسيتين في دعم التجربة الديمقراطية وتحصينها، لافتا إلى أن النتائج الانتخابية باتت تعبر بدرجة أكبر عن اختيارات المواطنين وإرادتهم الحقيقية، حتى مع تسجيل مستويات مشاركة أقل مقارنة ببعض المحطات السابقة. واعتبر أن معيار النزاهة والصدقية يظل العنصر الأكثر أهمية في تقييم أي استحقاق انتخابي، لأن الثقة في العملية الانتخابية لا ترتبط بالأرقام وحدها، وإنما ترتبط أساسا بمدى اقتناع المواطن بأن صوته يعكس إرادته ويؤثر بصورة فعلية في تشكيل المؤسسات المنتخبة، ويمنحه شعورا أكبر بجدوى المشاركة السياسية.

وأضاف أن الجزائر انتقلت من مرحلة ارتبطت فيها الانتخابات بأرقام مشاركة مرتفعة أثارت الكثير من التساؤلات، إلى مرحلة أصبحت فيها النتائج تعبر بصورة أوضح عن خيارات الناخبين، معتبرا أن هذا التحول يعكس نضج المجتمع الجزائري وتطور ممارسته الديمقراطية وقدرته على التفاعل مع الإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، ويؤشر أيضا إلى ترسخ وعي سياسي أكثر ارتباطا بمصداقية العملية الانتخابية.

وختم زغلامي بالتأكيد على أن هذا المسار يفرض مواصلة تجسيد الإصلاحات الديمقراطية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مشيرا إلى أن الجزائر حققت خلال السنوات الماضية مكاسب مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، سواء عبر تعزيز حضورها الدبلوماسي أو من خلال تدعيم الجبهة الداخلية والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، إلى جانب دعم استقرار مؤسساتها ومواصلة مسارها الإصلاحي.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى تشريع اقتصادي أكثر مواكبة للإصلاحات

ولا تتوقف رهانات المجلس الشعبي الوطني الجديد عند ترسيخ المكاسب الديمقراطية وتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة، إذ تضع التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر البرلمان المقبل أمام مسؤوليات إضافية ترتبط بطبيعة المرحلة التنموية التي تمر بها البلاد. فالمؤسسة التشريعية تجد نفسها اليوم أمام تحديات تتجاوز الوظائف الدستورية التقليدية، لتشمل المساهمة في بناء بيئة قانونية أكثر استقرارا ونجاعة، قادرة على مرافقة الإصلاحات الاقتصادية وتوفير شروط أفضل للاستثمار والإنتاج وخلق الثروة.

وتزداد أهمية هذه الأدوار في ظل التوجه نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعا وأقل ارتباطا بعائدات المحروقات، وهو مسار يحتاج إلى تشريعات حديثة ومتكاملة، وإلى رقابة برلمانية فعالة تضمن حسن تنفيذ السياسات العمومية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذه الزاوية، تتجه الأنظار إلى المجلس الجديد بوصفه شريكا أساسيا في استكمال البناء المؤسساتي والاقتصادي للدولة، بالنظر إلى ما يمتلكه من صلاحيات تخوله الإسهام في تهيئة الإطار التشريعي الذي تحتاجه الجزائر لتعزيز تنافسية اقتصادها الوطني ومواجهة مختلف التحديات.

فارس هباش، خبير في الاقتصاد الدولي

وفي هذا الإطار، أكد الخبير في الاقتصاد الدولي فارس هباش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المرحلة المقبلة تفرض على النواب الجدد الانتقال نحو تشريع يواكب الإصلاحات الاقتصادية ويعزز بيئة الاستثمار، بما يدعم هدف بناء اقتصاد وطني متنوع وقادر على الصمود أمام التحولات الاقتصادية الدولية.

وأوضح المتحدث أن الجزائر تشهد منذ سنوات مسارا اقتصاديا متدرجا يهدف إلى تنويع القاعدة الإنتاجية الوطنية وتقليص الاعتماد على المحروقات، في إطار إصلاحات شملت مجالات الاستثمار والمالية العمومية وتحديث الإطار القانوني وتحسين مناخ الأعمال. وأشار إلى أن هذا التحول لا يمثل مرحلة قصيرة، وإنما يندرج ضمن عملية إعادة هيكلة طويلة المدى تحتاج إلى استمرارية مؤسساتية وتكامل بين التشريع والرقابة والسياسات العمومية.

وأكد هباش أن البرلمان الجديد يواجه مسؤوليات تتجاوز الوظيفة التشريعية التقليدية، إذ ينتظر منه الإسهام في تقييم الأثر الاقتصادي للقرارات العمومية ومرافقة الإصلاحات الجارية وضمان استقرارها، حتى تتمكن من تحقيق أهدافها التنموية على المدى المتوسط والبعيد.

وأشار إلى أن من أبرز التحديات المطروحة أمام النواب الجدد تعزيز استقرار الإطار القانوني للاستثمار، باعتباره أحد العوامل الأساسية التي تكرس الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب. وأوضح أن تحسين جاذبية السوق الجزائرية يقتضي سن تشريعات واضحة ومستقرة تحد من التعديلات المتكررة التي قد تؤثر في القرارات الاستثمارية طويلة الأمد.

وأضاف أن مسار تنويع الاقتصاد يفرض تحديا تشريعيا آخر يتمثل في ترشيد الحوافز الاقتصادية وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة، داعيا إلى الانتقال من منطق الدعم العام إلى دعم سلاسل القيمة الصناعية والفلاحية والخدماتية، بما يعزز الإنتاج الوطني ويرفع مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو الاقتصادي.

وأبرز الخبير في الاقتصاد الدولي أن المرحلة الراهنة تقتضي مواصلة تحديث المنظومة الجبائية وتطوير آليات تعبئة الموارد المالية، بما يحقق التوازن بين العدالة الضريبية والنجاعة الاقتصادية. ولفت إلى أن البرلمان مطالب بضبط تشريعات تسهم في توسيع الوعاء الضريبي والحفاظ في الوقت نفسه على جاذبية الاستثمار وضمان موارد مستدامة للدولة.

واعتبر أن إصلاح المنظومة البنكية والمالية يشكل أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح مسار التنويع الاقتصادي، موضحا أن تمويل المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، يتطلب تطوير أدوات مالية أكثر مرونة وفعالية تسمح بتحويل الادخار إلى استثمار منتج، وهو ما يستدعي مرافقة تشريعية تدعم تحديث القطاع البنكي وتوسيع أدوات التمويل البديلة.

وأبرز هباش أن إدماج الاقتصاد غير الرسمي في الدورة الاقتصادية المنظمة يمثل بدوره أحد الملفات المهمة خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن هذا المسار ينبغي أن يقوم على التبسيط الإداري والتحفيز وتوسيع استخدام الوسائل الرقمية، بما يرفع مستويات الشفافية ويزيد من فعالية المنظومة الاقتصادية.

وأكد المتحدث أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية لا يرتبط بجودة النصوص القانونية فقط، وإنما يتوقف أيضا على قدرة المؤسسات على تنفيذها وتحويلها إلى نتائج ملموسة، مشددا على أهمية تعزيز آليات التقييم والمتابعة البرلمانية وفق مقاربة تقوم على الأداء والنتائج وتسمح بقياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية على النمو والتشغيل والاستثمار.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد فارس هباش أن البرلمان الجديد مطالب بالانتقال من التشريع التقليدي إلى التشريع التوجيهي الذي يواكب التحولات الاقتصادية ويسهم في تعميق الإصلاحات وتعزيز استقرارها وفعاليتها، بما يخدم هدف بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام وقادر على مواجهة مختلف التحديات.

البرلمان القادم مطالب بإزالة العوائق التشريعية أمام المستثمر

من جانبه، يرى الخبير في الاقتصاد هواري تيغرسي أن انتخاب مجلس شعبي وطني جديد يفتح أمام الجزائر مرحلة مفصلية، تتجاوز فيها معايير نجاح البرلمان عدد القوانين التي يصادق عليها، لتتجه نحو معيار أكثر ارتباطا بقدرته على إنتاج تشريعات اقتصادية حديثة تواكب التحولات العالمية وتنسجم مع التوجهات الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على الاستثمار والإنتاج وخلق الثروة خارج قطاع المحروقات، وقادر على تعزيز الاندماج في التحولات الاقتصادية الدولية.

هواري تيغيرسي، خبير اقتصادي

وأوضح تيغرسي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على سن قوانين تقليدية، وإنما يرتبط ببناء برلمان اقتصادي يواكب الإصلاحات ويقترح الحلول ويمارس رقابة فعالة على تنفيذ السياسات العمومية، ويحول التشريع إلى أداة لتحسين مناخ الأعمال ودعم التنمية الاقتصادية، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للمبادرات الاستثمارية المنتجة.

وأشار إلى أن النواب الجدد سيكونون أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في استكمال المنظومة القانونية للإصلاح الاقتصادي، خاصة أن الجزائر قطعت خلال السنوات الأخيرة أشواطا معتبرة في إصلاح قانون الاستثمار وإعادة تنظيم العقار الاقتصادي وإطلاق الشباك الوحيد ورقمنة الإدارة وإصلاح المنظومة البنكية والمالية، وهي خطوات تحتاج إلى نصوص مكملة وإلى رقابة دقيقة تضمن تطبيقها ميدانيا، وتساعد على تحقيق الأهداف التي وضعتها الدولة في مجال التنويع الاقتصادي.

وأبرز المتحدث أن من أهم التحديات التشريعية المنتظرة مراجعة مختلف القوانين التي لا تزال تشكل عبئا على المستثمر بسبب تعقيد الإجراءات أو تعدد الهيئات أو تضارب النصوص، مؤكدا أن المستثمر يبحث عن وضوح الرؤية واستقرار التشريع وسرعة الفصل في الملفات وضمان حماية حقوقه بالدرجة نفسها التي يبحث فيها عن الامتيازات الجبائية، وعن مناخ مؤسساتي يمنحه القدرة على التخطيط طويل المدى.

وأضاف أن البرلمان الجديد مطالب أيضا بمواكبة التحول نحو اقتصاد المعرفة عبر سن تشريعات تشجع المؤسسات الناشئة والابتكار والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعة التكنولوجية والاقتصاد الأخضر، بما يسمح باستقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة عالية، ويفتح آفاقا أوسع أمام الكفاءات الوطنية والشباب حاملي المشاريع.

واعتبر تيغرسي أن النواب الجدد سيكونون مطالبين أيضا بإثراء الإطار التشريعي الداعم للقطاعات الاقتصادية البديلة، وعلى رأسها الصناعة التحويلية والفلاحة الحديثة والمناجم والطاقات المتجددة والسياحة والاقتصاد البحري والخدمات اللوجستية، مؤكدا أن تحقيق الأمن الاقتصادي يبدأ بتنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو.

وأكد أن الرقابة البرلمانية تكتسي أهمية كبيرة في مسار الإصلاح الاقتصادي، موضحا أن نجاح الإصلاحات لا يقاس بجودة القوانين فقط، وإنما بمدى احترامها وتنفيذها ميدانيا، الأمر الذي يقتضي تفعيل أدوات الرقابة الدستورية عبر الأسئلة الشفوية والكتابية ولجان التحقيق وتقييم أداء البرامج الحكومية، حتى تتحول المشاريع المعلنة إلى إنجازات ملموسة يستفيد منها المواطن والمستثمر، وتنعكس بصورة إيجابية على مؤشرات التنمية.

وأشار أيضا إلى ضرورة أن يتحول البرلمان إلى فضاء للحوار الاقتصادي عبر الاستماع إلى رجال الأعمال والجامعيين والخبراء ومنظمات أرباب العمل ومختلف فعاليات المجتمع المدني، بما يسهم في إعداد تشريعات أكثر ارتباطا بواقع الاقتصاد الوطني واحتياجات السوق، ويعزز الطابع التشاركي في صياغة الخيارات الاقتصادية.

وشدد تيغرسي على أن تحسين بيئة الاستثمار أصبح شرطا أساسيا لرفع تنافسية الاقتصاد الجزائري، وهو ما يقتضي سن تشريعات تضمن تبسيط الإجراءات واستقرار المنظومة الجبائية وتسريع الفصل في النزاعات التجارية وتطوير آليات التحكيم الاقتصادي وحماية المستثمر الوطني والأجنبي وتعزيز الشفافية ومحاربة البيروقراطية وتوسيع الرقمنة، إلى جانب ترسيخ قواعد الحوكمة الاقتصادية الرشيدة.

وختم المتحدث بالتأكيد على أن البرلمان القادم يواجه اختبارا اقتصاديا حقيقيا ستكون نتائجه حاسمة في رسم ملامح الاقتصاد الجزائري خلال السنوات المقبلة، مشددا على أن كل قانون يزيل عقبة أمام المستثمر، وكل رقابة تصحح اختلالا في تنفيذ السياسات العمومية، وكل مبادرة تشريعية تعزز الشفافية والحوكمة، تمثل خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على تحقيق النمو المستدام، وعلى استقطاب الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة.

النتائج النهائية بوابة الانطلاق الفعلي للمؤسسة التشريعية

بعد استعراض التحديات الاقتصادية المطروحة أمام المجلس الشعبي الوطني الجديد، يفرض مسار تشكل المؤسسة البرلمانية نفسه بوصفه ملفا لا يقل أهمية عن الملفات المنتظرة على جدول أعمالها. إذ لا يبدأ الدور التشريعي والرقابي للبرلمان لحظة إعلان النتائج، ولا يباشر النواب مهامهم بمجرد انتهاء التنافس الانتخابي، لأن النظام الدستوري يحيط هذه المرحلة بسلسلة من الإجراءات والقواعد التي تنظم انتقال المؤسسة من مرحلة الاستحقاق الانتخابي إلى مرحلة مباشرة اختصاصاتها، وتحدد بدقة المراحل التي تسبق الانطلاق الفعلي في أداء المهام النيابية.

وتكتسي هذه المحطة قيمة خاصة في البناء المؤسساتي للدولة، لأنها تمثل الجسر الذي يصل بين الإرادة الشعبية التي عبرت عنها صناديق الاقتراع وبين انطلاق العمل البرلماني داخل الأطر الدستورية والقانونية. ويترتب عن ذلك أن تنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد لا يشكل إجراء تنظيميا عابرا، بل يندرج ضمن مسار متكامل يهدف إلى إرساء الشرعية القانونية للمؤسسة التشريعية وتوفير الظروف التي تسمح لها بالاضطلاع بأدوارها في التشريع والرقابة ومرافقة السياسات العمومية، وضمان انطلاق عهدة نيابية جديدة وفق قواعد مؤسساتية مضبوطة.

ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار إلى المراحل التي تعقب إقرار النتائج النهائية وما تتضمنه من ترتيبات دستورية وتنظيمية تسبق مباشرة النواب لمهامهم. وتزداد أهمية هذه الإجراءات بالنظر إلى أن فعالية البرلمان في مرافقة التحولات السياسية والاقتصادية ترتبط أيضا بسلامة مسار تأسيسه واحترام الضوابط التي تحكم انتقاله إلى مرحلة العمل المؤسساتي، بما يضمن انتظام عمل المؤسسة التشريعية منذ بداية عهدتها.

وفي قراءة قانونية لهذا المسار، يعود الخبير في القانون الدستوري، الدكتور موسى بودهان، موضحا أن الفترة التي تعقب إعلان النتائج الانتخابية تعد من أكثر المراحل حساسية في الحياة الدستورية للدولة، لأنها تشكل نقطة انتقال بين مرحلتين مختلفتين؛ الأولى عبر فيها المواطنون عن اختياراتهم السياسية من خلال الاقتراع، والثانية تبدأ فيها المؤسسة التشريعية ممارسة صلاحياتها داخل هرم الدولة، بما يترتب عنها من مسؤوليات دستورية وسياسية ترتبط بمسار تسيير الشأن العام.

ويؤكد، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن جزءا كبيرا من النقاشات التي ترافق كل استحقاق تشريعي ينصرف عادة إلى عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب والقوائم المستقلة وإلى التوازنات السياسية التي أفرزتها النتائج، بينما يتراجع الاهتمام بالمسار القانوني الذي يحدد الكيفية التي ينتقل بها المترشح الفائز من صفة منتخب إلى نائب يمارس صلاحياته داخل المجلس الشعبي الوطني. ويضيف أن الأمر يتعلق بمنظومة دستورية وقانونية متكاملة تهدف إلى ضمان استمرارية المؤسسات واحترام مبدأ الشرعية وتنظيم انتقال السلطة داخل الأطر التي يحددها الدستور والقانون، مع تأمين الانتقال السليم نحو مرحلة مباشرة المهام البرلمانية.

ويشير الدكتور بودهان إلى أن أحد التصورات الأكثر شيوعا لدى الرأي العام يتمثل في الاعتقاد بأن إعلان النتائج الأولية يمنح الفائز مباشرة صفته النيابية. غير أن هذا التصور، بحسبه، لا ينسجم مع القراءة القانونية الدقيقة، لأن النتائج الأولية تمثل حلقة ضمن مسار أوسع يخضع لجملة من الإجراءات والضمانات التي تسبق اكتساب الصفة النيابية بصورة كاملة، وتكفل احترام المقتضيات الدستورية المرتبطة بتشكيل المؤسسة التشريعية.

ويبرز المتحدث وجود فارق واضح بين الإعلان عن النتائج الانتخابية وبين اكتساب الصفة القانونية للنائب، لأن المترشح الفائز يمر بمرحلة انتقالية تمتد إلى غاية استكمال الشروط والإجراءات التي ينص عليها الإطار الدستوري والقانوني المنظم للعملية الانتخابية. ويعكس هذا المسار، بحسبه، فلسفة دستورية تقوم على الجمع بين الإرادة الشعبية والضمانات القانونية التي تؤطرها وتحميها، وتمنح المؤسسة البرلمانية أسسا قانونية متينة منذ بداية تشكيلها.

ويرى الخبير في القانون الدستوري أن مرحلة إقرار النتائج النهائية تمثل الحلقة المركزية في كامل المسار الانتخابي، لأنها تنقل النتائج من وضعية المعطى الانتخابي إلى وضعية النتيجة التي تكتسب حجيتها القانونية والدستورية. ومن ثم، لا تنتهي العملية الانتخابية عند غلق مكاتب التصويت أو الإعلان عن النتائج الأولية، بل تستمر إلى غاية استكمال جميع الإجراءات المتعلقة بالطعون والاعتراضات ومختلف المراجعات القانونية المرتبطة بالاستحقاق، بما يضمن استقرار الوضع القانوني للمجلس المنتخب.

ويؤكد أن هذا المسار يرمي بالدرجة الأولى إلى حماية مصداقية الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات، لأن الديمقراطية لا تقاس بتنظيم الانتخابات فقط، بل تقاس أيضا بسلامة المسار القانوني الذي يضمن احترام نتائجها وترجمتها داخل المؤسسات الدستورية. ويضيف أن تثبيت النتائج النهائية يضع المؤسسة البرلمانية على أرضية قانونية صلبة تسمح لها بمباشرة وظائفها بعيدا عن أي نزاعات أو إشكالات قد تؤثر في مشروعيتها، وتمنحها في الوقت نفسه شروطا أوفر للانطلاق في أداء مهامها الدستورية بكفاءة وانتظام.

البرلمان الجديد.. شرعية الصناديق تمر عبر بوابة الدستور

وعن دور المحكمة الدستورية، يوضح الدكتور بودهان أن هذه الهيئة تضطلع بمهمة محورية في حماية الشرعية الانتخابية. فوظيفتها لا تنحصر في جانب إجرائي أو بروتوكولي، بل تتصل بجوهر الضمانات الدستورية المرتبطة بالعملية الانتخابية. وتتولى المحكمة التأكد من احترام القواعد المنظمة للاستحقاق والفصل في الطعون والاعتراضات المقدمة بشأن النتائج أو الإجراءات الانتخابية، بما يضمن خضوع جميع مراحل الاقتراع للرقابة الدستورية واحترام المقتضيات القانونية التي تحكم العملية برمتها. ويشير إلى أن هذه الرقابة تسهم أيضا في معالجة أي إشكال قانوني قد يطرأ خلال المسار الانتخابي وتدعم استقرار المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع.

ويضيف أن تدخل المحكمة الدستورية يشكل آلية دستورية لحماية الإرادة الشعبية وصون شرعية النتائج، لأن القرارات التي تصدرها تمنح المؤسسة البرلمانية سندها القانوني النهائي وتؤمن انتقالا سليما من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة مباشرة العمل البرلماني. وتؤدي هذه الوظيفة دورا مهما في تكريس الثقة العامة في المسار الانتخابي وفي المؤسسات المنبثقة عنه. وتساعد أيضا على ترسيخ قناعة لدى المواطنين بأن القانون يشكل المرجعية الحاكمة لمختلف مراحل الاستحقاق الانتخابي.

ويؤكد الدكتور بودهان أن المنتخب لا يكتسب كامل صفته البرلمانية بمجرد إعلان النتائج، وإنما يرتبط الأمر باستكمال إجراءات التنصيب الرسمي داخل المجلس الشعبي الوطني. ويخضع اكتساب الصفة القانونية الكاملة للنائب لجملة من الخطوات التي تسبق مباشرة المهام التشريعية والرقابية، وتحدد الإطار المؤسساتي الذي يمارس من خلاله المنتخب مسؤولياته الدستورية. وتضمن هذه المراحل الانتقال المنظم من صفة المترشح الفائز إلى صفة النائب الذي يمارس مهامه داخل المؤسسة التشريعية.

وبعد تثبيت النتائج النهائية، تبدأ التحضيرات الخاصة بعقد أول جلسة للمجلس الشعبي الوطني، والتي تشكل الانطلاقة الفعلية للعهدة البرلمانية الجديدة. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تعلن الانتقال من مرحلة المنافسة السياسية إلى مرحلة العمل المؤسساتي المنظم، وتضع الأسس العملية لانطلاق النشاط البرلماني في مختلف مجالاته. وتشمل هذه التحضيرات استكمال الجوانب التنظيمية والإجرائية التي تهيئ المجلس للشروع في أداء مهامه الدستورية.

ويبرز المتحدث أن الجلسة الأولى للمجلس الشعبي الوطني تحمل دلالات دستورية وسياسية كبيرة. ولا تقتصر وظيفتها على استكمال بعض الإجراءات التنظيمية، بل تؤسس فعليا لانطلاق الحياة البرلمانية الجديدة، وتفتح الباب أمام بناء المؤسسة التشريعية وهيكلتها الداخلية وتوزيع المسؤوليات داخلها، بما يسمح بتحديد آليات العمل والتنسيق بين مختلف مكونات المجلس. وتمنح هذه الجلسة أيضا أول صورة عملية عن كيفية انتظام المؤسسة الجديدة وتسيير شؤونها الداخلية.

وبخصوص الجهة التي تتولى إدارة الجلسة الأولى، يوضح الدكتور بودهان أن التنظيمات والأعراف البرلمانية تنص على تشكيل مكتب مؤقت يدير الجلسة إلى غاية انتخاب رئيس المجلس الشعبي الوطني. ويتكون هذا المكتب عادة من أكبر النواب سنا بمساعدة أصغر الأعضاء سنا، في صيغة ترمي إلى تأمين انطلاق الجلسة في ظروف تنظيمية واضحة، وتضمن السير المنتظم للإجراءات الأولى التي تسبق استكمال بناء هياكل المجلس.

انتخاب رئيس المجلس يكشف مبكرا خريطة التوازنات السياسية

ويؤدي هذا الإجراء دورا أساسيا في ضمان استمرارية المؤسسة خلال المرحلة الانتقالية وتفادي أي فراغ تنظيمي قد يؤثر في السير العادي للمجلس. ويظل دور المكتب المؤقت محصورا في تسيير الإجراءات المرتبطة بالتنصيب واستكمال المتطلبات التنظيمية اللازمة لانطلاق عمل المجلس، إلى غاية استكمال انتخاب الهيئات المسيرة للمؤسسة. ويحرص المكتب المؤقت أيضا على توفير الظروف التنظيمية التي تسمح بانتقال منظم نحو استكمال البناء الداخلي للمجلس.

ويشير الدكتور بودهان إلى أن انتخاب رئيس المجلس الشعبي الوطني يشكل محطة سياسية ودستورية بالغة الأهمية، لأنه يكشف مبكرا طبيعة التوازنات التي ستحكم الحياة البرلمانية خلال العهدة الجديدة. ولا يقتصر هذا المنصب على الجانب الإداري، بل يمثل موقعا دستوريا محوريا يتولى صاحبه قيادة النشاط البرلماني والإشراف على تنظيم أشغال المجلس وتمثيله أمام مختلف المؤسسات، فضلا عن السهر على حسن سير أعماله واحترام نظامه الداخلي. ويمنح هذا الموقع لصاحبه مسؤولية تنسيق العمل بين مختلف هياكل المجلس ومتابعة انتظام نشاطه التشريعي والرقابي.

وتسبق عملية الانتخاب عادة مشاورات واتصالات بين الأحزاب والكتل البرلمانية، خاصة في ظل وجود تعددية سياسية تستدعي بناء تفاهمات تسمح بتشكيل أغلبية قادرة على ضمان السير المنتظم للمؤسسة التشريعية، وتيسير عمل هياكلها خلال السنوات اللاحقة. وتسعى هذه المشاورات إلى تحقيق قدر من الانسجام السياسي الذي يساعد المجلس على أداء مهامه في ظروف أكثر استقرارا.

وعقب انتخاب رئيس المجلس، تنطلق مرحلة استكمال بناء الهياكل الداخلية للمؤسسة البرلمانية، بما يشمل انتخاب نواب الرئيس وتشكيل اللجان البرلمانية الدائمة. ويؤكد الدكتور بودهان أن هذه اللجان تشكل المحرك الأساسي للعمل التشريعي والرقابي، لأن أغلب مشاريع القوانين والملفات الوطنية تمر عبرها قبل عرضها على الجلسات العامة. وتوفر اللجان البرلمانية فضاءات للنقاش والدراسة والتحليل وإعداد التقارير ومتابعة القضايا الوطنية المختلفة، الأمر الذي يمنحها دورا مركزيا في رفع جودة التشريع وتعزيز فعالية الرقابة البرلمانية، ويعزز قدرة المجلس على معالجة الملفات المتخصصة بكفاءة أكبر. وتسمح طبيعة هذه اللجان بتوزيع العمل البرلماني وفق مجالات اختصاص دقيقة تستجيب لتعدد الملفات المطروحة على المؤسسة التشريعية.

ويخلص الدكتور موسى بودهان إلى أن تنصيب النواب الجدد لا يمكن حصره في إعلان أسماء الفائزين أو توزيع المقاعد داخل المجلس الشعبي الوطني، بل يندرج ضمن مسار دستوري متكامل يهدف إلى ترسيخ الشرعية القانونية والمؤسساتية للمؤسسة التشريعية. ويؤسس هذا المسار لانطلاقة مؤسساتية تقوم على احترام الإجراءات والضوابط التي يحددها النظام الدستوري.

هل الانتخابات تصويت فقط أم ثقافة مجتمعية؟

في كل محطة انتخابية بالجزائر، لا تقتصر المشاهد المألوفة داخل مكاتب الاقتراع على طوابير الناخبين وأجواء التصويت فقط، بل تتكرر أيضا صور لافتة لأولياء يرافقون أبناءهم الصغار إلى مراكز الانتخاب، حيث يظهر الأطفال إلى جانب آبائهم وأمهاتهم وهم يراقبون تفاصيل العملية الانتخابية أو يرافقونهم حتى لحظة الإدلاء بالصوت. وتستقطب هذه المشاهد انتباه الملاحظين في كل موعد انتخابي، لأنها تعكس حضورا متزايدا للأطفال داخل الفضاءات المرتبطة بالحياة المدنية والشأن العام.

ورغم أن المشهد يبدو في ظاهره تصرفا عائليا عفويا، إلا أنه أصبح يشكل ظاهرة اجتماعية تستدعي التوقف عند أبعادها ودلالاتها، خاصة مع تنامي الاهتمام بترسيخ ثقافة المواطنة والمشاركة المدنية لدى الأجيال الناشئة. وتبرز هذه الظاهرة بشكل لافت خلال المواعيد الانتخابية المختلفة في الجزائر، سواء تعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو المحلية، حيث ينظر بعض الأولياء إلى اصطحاب أبنائهم على أنه فرصة عملية لتعريفهم مبكرا بآليات المشاركة في الحياة العامة، في حين يرى آخرون أنها مرافقة عائلية فرضتها ظروف يومية عادية. وتكشف هذه الممارسات عن رغبة لدى بعض الأسر في تقريب الأبناء من القضايا العامة وإطلاعهم على صور المشاركة المدنية منذ سنواتهم الأولى.

الدكتور فاروق طيفور، محلل سياسي

وفي الموضوع يرى المحلل السياسي، فاروق طيفور، أن ظاهرة مرافقة بعض المنتخبين أو الناخبين لأطفالهم الصغار إلى مكاتب الاقتراع لم تعد سلوكا عفويا مرتبطا بظروف عائلية أو اجتماعية، بل أصبحت تحمل أبعادا رمزية وتربوية وسياسية متعددة، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المجتمعات الحديثة في طرق غرس ثقافة المواطنة والمشاركة في الشأن العام. وأشار إلى أن العديد من الأسر أصبحت تتعامل مع هذه المرافقة بوصفها مناسبة تتيح للأطفال الاحتكاك المبكر بالممارسات المرتبطة بالحياة المدنية.

وأضاف أن ما يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة هو تكرار هذه الصور خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية، حيث يظهر الأطفال برفقة أوليائهم داخل محيط مكاتب التصويت، في مشهد يتجاوز في دلالاته الجانب العائلي البسيط. وأوضح طيفور أن العملية الانتخابية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إجراء تقنيا يقتصر على وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، بل هي ممارسة مجتمعية وثقافة وسلوك يومي يعكس علاقة الفرد بمؤسسات الدولة ومشاركته في صناعة القرار العام. وأشار إلى أن الطفل يلتقط في مثل هذه الأجواء إشارات أولية حول معنى الانتماء والمشاركة في الحياة الجماعية، ويتعرف بصورة مبكرة على وجود مؤسسات وقواعد تنظم الحياة العامة.

وأشار إلى أن الانتخابات في جوهرها تمثل أحد أشكال ممارسة المواطنة الفعلية، ولذلك فإن حضور الأطفال لمثل هذه اللحظات قد يحمل رسائل غير مباشرة أعمق من الحضور الشكلي. فالطفل عندما يشاهد والديه وهما يشاركان في حدث وطني، يبدأ تدريجيا في إدراك أن الانتماء إلى المجتمع لا يقتصر على الحقوق فقط، وإنما يرتبط كذلك بالواجبات والمسؤوليات. وقد يسهم هذا الاحتكاك المبكر في ترسيخ صورة إيجابية عن أهمية المشاركة والالتزام بالشأن العام، ويغرس لديه شعورا أوليا بأهمية الإسهام في حياة الجماعة التي ينتمي إليها.

وأضاف أن الكثير من الأولياء ينظرون إلى اصطحاب أبنائهم باعتباره نوعا من التربية الميدانية العملية، حيث يعتقدون أن بعض القيم يصعب ترسيخها عبر الخطاب النظري فقط، بينما تصبح أكثر تأثيرا عندما تتحول إلى سلوك يومي وممارسة واقعية يراها الطفل أمامه. ويعتقد هؤلاء أن التجارب المباشرة تترك أثرا أعمق في وجدان الطفل وتسهم في تقريب المفاهيم المدنية إليه.

وأكد أن بعض الناخبين يحرصون على مرافقة أطفالهم الصغار إلى مكاتب الاقتراع انطلاقا من قناعة مفادها أن التنشئة السياسية لا تبدأ عند بلوغ الفرد السن القانونية للتصويت، وإنما تنطلق من المراحل الأولى من العمر. وأوضح أن الطفل الذي يشاهد والده أو والدته وهي تمارس حقها الانتخابي، قد يكوّن في وعيه المبكر صورة إيجابية حول معنى المشاركة في الحياة العامة، وقيمة المؤسسات، وآليات الاختيار الديمقراطي. وقد يدفعه ذلك إلى إبداء اهتمام أكبر بالشؤون العامة كلما تقدم في العمر.

وأشار إلى أن التنشئة السياسية ليست عملية فجائية تبدأ في مرحلة الشباب، بل هي مسار تراكمي طويل يبدأ داخل الأسرة ثم يمتد إلى المدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي ووسائل الإعلام، ولذلك فإن كل تجربة صغيرة يعيشها الطفل يمكن أن تتحول إلى لبنة ضمن بناء وعيه المستقبلي.

وأضاف أن الدول التي نجحت في ترسيخ ثقافة المشاركة السياسية لم تحقق ذلك عبر حملات ظرفية أو مناسبات مؤقتة، بل من خلال تراكمات اجتماعية طويلة جعلت من المشاركة سلوكا يوميا وقيمة راسخة في المجتمع. ورأى أن بناء هذا الوعي يحتاج إلى تدرج زمني طويل تتكامل فيه الأدوار التربوية والاجتماعية والثقافية، وتشارك فيه الأسرة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام في ترسيخ قيم المواطنة والمشاركة.

ما الأثر النفسي والتربوي لاصطحاب الأطفال إلى محطات انتخابية؟

وفي شأن الأثر النفسي والتربوي لهذه الظاهرة، أوضح المتحدث فاروق طيفور أن الطفل يتعلم بدرجة كبيرة من خلال الملاحظة والمحاكاة، أكثر مما يتعلم عبر الخطاب النظري المباشر. وأضاف أن المواقف التي يعيشها الطفل في سن مبكرة تبقى راسخة في ذاكرته لفترات طويلة، وقد تتحول لاحقا إلى مرجعيات سلوكية في حياته.

وتابع أن الطفل عندما يرى والده أو والدته تقف في طابور الناخبين، وتحترم القوانين والإجراءات التنظيمية، فإنه يتلقى بصورة غير مباشرة رسائل تربوية متعددة تتعلق بالانضباط والمسؤولية واحترام النظام والالتزام بالمصلحة العامة. وأشار إلى أن هذه الخبرات المبكرة تسهم في تكوين أنماط أولية من السلوك المدني قد ترافق الطفل في مراحل عمرية لاحقة، وتدفعه إلى إدراك أهمية احترام القواعد المنظمة للحياة الجماعية وأهمية الالتزام بالسلوك المسؤول داخل المجتمع.

وأضاف أن الأثر النفسي لا يرتبط فقط بالمشهد الانتخابي ذاته، بل بالشعور الذي يتولد لدى الطفل عندما يدرك أنه حاضر في حدث يخص المجتمع والدولة، فهذا الإحساس قد يعزز لديه الانتماء ويزرع داخله شعورا بأنه جزء من محيط اجتماعي أكبر. وأشار أيضا إلى أن الطفل عندما يطرح أسئلة مثل: لماذا ننتخب؟ ومن نختار؟ وما دور النواب أو المسؤولين؟ فإن هذه الأسئلة تمثل بداية تشكل فضول معرفي ومدني يمكن أن يتطور لاحقا إلى وعي سياسي ناضج. ويعد هذا الفضول مؤشرا على تفاعل الطفل مع محيطه ومحاولته فهم طبيعة الأدوار التي تؤديها مؤسسات المجتمع، وقد يفتح أمامه باب الاهتمام المبكر بالقضايا العامة والشؤون التي تمس حياته اليومية ومستقبل مجتمعه.

واعتبر طيفور أن هذه الممارسة يمكن بالفعل أن تندرج ضمن وسائل تعزيز الوعي المدني والانتماء الوطني إذا تمت في إطارها الطبيعي والتربوي الصحيح. وأوضح أن المسألة لا ترتبط باصطحاب الطفل جسديا إلى مركز الاقتراع، وإنما بالرسائل والقيم التي ترافق هذه الممارسة. فإذا تحول الأمر إلى فرصة لشرح مفاهيم المواطنة واحترام الرأي الآخر وأهمية المشاركة وتحمل المسؤولية، فإنها قد تصبح وسيلة تربوية فعالة في صناعة جيل أكثر ارتباطا بالشأن العام. وتزداد فاعلية هذا التوجه حين يربط الأولياء بين الحدث الانتخابي وقيم الحوار والاحترام والتعاون داخل الأسرة، ويحرصون على تقديم إجابات مبسطة تساعد الطفل على استيعاب أهمية المشاركة في الحياة العامة.

وأضاف أن بناء الانتماء الوطني لا يتحقق بالشعارات فقط، وإنما يحتاج إلى ممارسات يومية تجعل الفرد يشعر بأنه جزء من المجتمع ومشارك في مساره وتطوره. وتشكل التجارب الصغيرة التي يعيشها الطفل في محيطه الأسري والاجتماعي أحد المنافذ التي تعزز هذا الشعور بصورة تدريجية، وتمنحه فرصة ربط القيم الوطنية بسلوكيات عملية يلاحظها ويعيشها بصورة مباشرة.

وأكد طيفور أن بناء المواطن الواعي لا يبدأ يوم يصبح شابا أو يبلغ السن القانونية للانتخاب، بل يبدأ منذ سنوات الطفولة الأولى، لأن الديمقراطية في جوهرها ليست صندوق اقتراع أو موعدا انتخابيا دوريا، وإنما هي ثقافة يومية وسلوك اجتماعي يتشكل تدريجيا داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، ويتحول مع مرور الوقت إلى وعي ومسؤولية وممارسة مستدامة. وتحتاج هذه الثقافة إلى بيئة تربوية تشجع الطفل على طرح الأسئلة والمشاركة والتعبير عن اهتمامه بالشأن العام، وتغرس لديه الإحساس بأن له دورا مستقبليا في خدمة مجتمعه والمساهمة في تطويره.