الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

محللون لـ”الأيام نيوز”: تندوف عاصمة التصدير نحو غرب إفريقيا

Author
ربيعة خطاب 07 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في آخر يوم من شهر جانفي الماضي، شهدت ولاية تندوف محطّة تاريخية، مع انطلاق أول رحلة قطار تربطها بولاية بشار، في خطوة شكّلت بداية مرحلة جديدة لتعزيز البنية التحتية للنقل، وربط الجنوب بشبكات الحركة الاقتصادية الكبرى. وقد مهّدت هذه الرحلة الرمزية لتحوّل أوسع يرسّخ مكانة الولاية كمنصّة واعدة للتبادل التجاري مع دول غرب إفريقيا. وفي هذا السياق، تتّجه تندوف إلى خطوة جديدة من خلال التحضير لاحتضان معرض المنتجات والخدمات الجزائرية الموجّهة للتصدير، المرتقب تنظيمه من 24 إلى 27 من الشهر الجاري، تحت شعار “تندوف بوابة التصدير نحو دول إفريقيا الغربية”. ويُعدّ هذا الحدث، وفق محللين تحدّثوا لـ”الأيام نيوز”، تجسيدا عمليا لمسار تحويل الولاية، إلى مركز لوجستي وتجاري محوري، يربط المنتجين المحليين بالأسواق الإفريقية، ويعزّز شبكات الشراكة الاقتصادية مع دول غرب القارة.

 تعتزم وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، بالتنسيق مع ولاية تندوف، تنظيم معرض المنتجات والخدمات الجزائرية الموجهة للتصدير، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور المنتجات والخدمات الوطنية في الأسواق الإفريقية، وخصوصا في دول غرب القارة. ويأتي هذا المعرض، الذي تستضيفه تندوف، في إطار الاستراتيجية الوطنية لتعزيز موقع الجنوب الجزائري كبوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي، مستغلة الموقع الجغرافي المتميز للولاية الذي يتيح سهولة الوصول إلى أسواق محورية في المنطقة.

ويُعتبر المعرض منصة حيوية لعرض القدرات الإنتاجية الوطنية في مختلف القطاعات الصناعية والخدمية، كما يشكل فضاء لتعزيز الشراكات الاقتصادية وفتح آفاق جديدة للتصدير، بالإضافة إلى بناء شبكة علاقات تجارية متينة مع الأسواق الإفريقية. وتؤكد وزارة التجارة الخارجية حرصها على إشراك كافة الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين في هذه المبادرة، داعية الراغبين في المشاركة إلى التسجيل عبر الموقع الإلكتروني المخصص للعملية.

خثير شين

ويرى خثير شين، خبير اقتصادي وعميد كلية الاقتصاد باليزي، أن تنظيم المعرض “إشارة واضحة على بداية تشكّل رؤية اقتصادية جديدة، تقوم على استغلال الموقع الجغرافي للجنوب الجزائري كمنصة للتبادل التجاري مع العمق الإفريقي”. وأوضح شين أن اختيار تندوف يعكس توجها استراتيجيا لتحويل الولايات الحدودية إلى أقطاب اقتصادية نشطة، قادرة على لعب دور محوري في حركة الصادرات وتعزيز حضور الجزائر في الأسواق الإفريقية الغربية.

وأضاف شين، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن نجاح هذه المبادرة يتطلب أكثر من مجرد تنظيم معرض، إذ يحتاج المشروع إلى “رؤية متكاملة تشمل تحسين الربط الطرقي مع الدول المجاورة، وتطوير مناطق التخزين والخدمات الجمركية، وتشجيع إنشاء مناطق نشاطات اقتصادية موجهة للتصدير”، وهو ما يحوّل المعرض إلى أداة عملية لإنشاء شبكات تجارية جديدة وربط المتعاملين الجزائريين بنظرائهم الإفريقيين، بما يعزز فرص الشراكات الاقتصادية المستدامة.

تندوف..  مستقبل منطقة التبادل الحر

ويتكامل هذا الطموح مع البنية التحتية الحديثة التي بدأت تشهدها المنطقة، وعلى رأسها خط السكة الحديدية المنجمي الغربي (بشار-بني عباس-تندوف-غارا جبيلات)، الممتد على مسافة 950 كلم، والذي يشكل محورا هيكليا للنقل يوفر وصولا سريعا وعمليا إلى الأسواق الإفريقية مرورا بتندوف. وكان يوسف غازي، رئيس مجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني، قد أشار – في وقت سابق – إلى أن هذا الخط يمثل “رافعة أساسية لتعزيز الحركة التجارية في الجنوب الغربي للبلاد وربطه بالموانئ ومركبات الصناعة والحديد والصلب في الشمال”.

ويتيح هذا الخط، الذي أشرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على تدشينه رسميا في الأول من فيفري، فتح منفذ جديد نحو غرب إفريقيا، من خلال توفير بنية تحتية للنقل السريع لفائدة المتعاملين الاقتصاديين العموميين والخواص، بما يسهل نقل البضائع الوطنية بتكاليف منخفضة إلى الحدود الجزائرية-الموريتانية وأسواق دول غرب إفريقيا. كما يساهم الخط في فك العزلة عن عدة مناطق في الجنوب الغربي للبلاد، ويعزز التنمية الجهوية والوطنية عبر ربطها بالشبكة الوطنية للنقل والموانئ، بما يمثل تقدّما تاريخيا لهذه المناطق.

ويعد هذا المشروع جزءا من التنمية المنسجمة لمنطقة التبادل الحر المستقبلية بتندوف، التي تم وضع حجر أساسها في فيفري 2024 من قبل رئيسي الجمهورية الجزائري والموريتاني، ما يهيئ بيئة ملائمة لتنمية التجارة البينية مع موريتانيا ودول غرب إفريقيا. وأوضح غازي أن المنطقة الاقتصادية المرتبطة بالطريق الجاري إنجازه بين تندوف والزويرات الموريتانية، والذي يمتد لأكثر من 800 كلم، ستعزز تصدير المنتجات الجزائرية وتشجع الاستثمار الذي يعود بالنفع على البلدين وشعبيهما، فضلا عن تنشيط العلاقات التجارية مع دول غرب إفريقيا. كما أوضح غازي أن قرب هذا الخط من الحدود الموريتانية سيضخ حركية تجارية إضافية، ويوسع نطاق الشراكات الاقتصادية في المنطقة بشكل ملموس، بما يعكس رؤية استراتيجية للتنمية الاقتصادية المتوازنة في الجنوب الجزائري.

وتؤكد الإحصاءات الأولية على أن خط السكة الحديدية المنجمي الغربي بدأ يحقق أثره الفعلي في تسهيل حركة الأشخاص والبضائع، إذ انطلقت أول رحلة لقطار نقل المسافرين من محطة تندوف نحو ولاية بشار في 31 فيفري الماضي، وحتى 24 مارس تم نقل نحو 6 آلاف مسافر ذهابا وإيابا منذ دخوله حيز الخدمة في 2 فيفري. ووفقا لكمال عثماني، مسؤول في الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية، استعمل نحو 296 مسافرا الخط خلال أيام عيد الفطر، مع توفير عربات للنوم والمسافرين، كما يوفر القطار رحلتين يوميا، ومن المتوقع أن يشهد العدد ارتفاعا ملحوظا خلال موسم الاصطياف المقبل.

ويتيح الخط أيضا الوصول إلى مناطق متعددة على امتداد مساره، بما في ذلك العبادلة والحماكير (بشار)، تبلبالة (بني عباس)، وأم العسل وتندوف، كما يساهم في ربط هذه المناطق بولايات شمال البلاد من خلال خدمات النقل اليومية بين بشار وسيدي بلعباس ووهران. كما يُخصص الخط لنقل خام الحديد من منجم غارا جبيلات بتندوف إلى مصانع المعالجة في وهران، ما يعكس دور البنية التحتية الجديدة في دعم قطاع الصناعات الثقيلة وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الوطنية والدولية.

سامبو سيسوكو

خلق أقطاب تنموية جديدة خارج الشريط الساحلي

من جانبه، يرى سامبو سيسوكو، محلل سياسي من مالي، أن المبادرة الجزائرية تعكس طموحا يتجاوز مسألة الترويج الاقتصادي المحلي، إذ تهدف إلى “تحويل تندوف إلى محور استراتيجي ومنصة حقيقية لاختراق الأسواق الإفريقية وإعادة رسم خريطة التبادل التجاري في غرب إفريقيا”. وأشار سيسوكو – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – إلى أن هذا الطموح يتطلب بنية تحتية قوية وربطا فعليا بشبكات النقل، إضافة إلى تسهيلات جمركية حاسمة. وختم بالقول إن المعرض يشكل “إشارة انطلاق قوية”، لكنه يحذر من أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المبادرة إلى مشروع دائم يفرض نفسه على أرض الواقع، وليس حدثا ظرفيا محدودا في لحظته.

محمد جمال صالح

ومن جانبه، أكد محمد جمال صالح – وهوباحث سياسي – أن تنظيم المعرض يشكّل مؤشرا مهما على وجود توجه استراتيجي تدريجي لترسيخ مكانة تندوف كمنصة محورية للتصدير نحو دول غرب إفريقيا، معتبرا أن هذا التحول يندرج ضمن ديناميكية تهدف إلى جعل تندوف “عاصمة فعلية” للتصدير. وأوضح أن اختيار تندوف ليس اعتباطيا، بل يرتبط بموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعلها نقطة اتصال مباشرة مع العمق الإفريقي، وخصوصا فضاء الساحل وغرب إفريقيا، ما يمنحها إمكانيات لوجستية متعددة تشمل تقليص تكاليف النقل وتسريع زمن التبادل التجاري وتسهيل حركة السلع والخدمات.

وأضاف صالح – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن المعرض يعد أداة عملية لتفعيل “الدبلوماسية الاقتصادية”، إذ يوفر فضاء لعرض القدرات الإنتاجية الوطنية في مختلف القطاعات، الصناعية والفلاحية والخدماتية، ويتيح للمتعاملين الجزائريين بناء شراكات مباشرة مع نظرائهم في الدول الإفريقية. وأوضح أن هذه التفاعلات لا تقتصر على التبادل التجاري اللحظي، بل تساهم في تكوين شبكات ثقة وعلاقات طويلة الأمد، وهو ما يعد عنصرا حاسما لنجاح أي استراتيجية تصديرية مستدامة.

كما اعتبر صالح أن الحدث يعكس توجها أوسع لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي وخلق أقطاب تنموية جديدة خارج الشريط الساحلي التقليدي، مؤكدا أن إعطاء دور اقتصادي لتندوف يعزز مكانة الجنوب في المنظومة الوطنية ويسهم في تحقيق تنمية إقليمية أكثر توازنا. وأضاف أن استمرار هذا التوجه سيؤدي مستقبلا إلى إنشاء مناطق لوجستية ومخازن للتصدير وحتى مناطق تبادل حر، ما يعزز من جاذبية الولاية كمركز تجاري إقليمي.

وأشار صالح إلى أن المعرض يعكس أيضا إرادة سياسية واضحة لتجسيد العمق الإفريقي للجزائر، خصوصا في ظل التنافس الدولي المتزايد على الأسواق القارية، مشيرا إلى أن الجزائر تسعى لتثبيت حضورها كشريك موثوق في إفريقيا عبر أدوات اقتصادية ملموسة وليس فقط من خلال الخطاب السياسي. وخلص صالح إلى القول إن المعرض يشكل “لبنة تأسيسية ضمن استراتيجية أشمل” قد تفضي تدريجيا إلى بروز تندوف كقطب تصديري فعلي نحو غرب إفريقيا، من خلال مواكبة هذا المسار باستثمارات مستدامة في البنية التحتية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتبسيط الإجراءات التجارية، وتعزيز الربط الطرقي والمالي مع دول الجوار الإفريقي.

رابط دائم
https://elayem.news/hd9ix