“محمد الأخضر السائحي”.. شاعرٌ امتلك قلوب الجزائريين

ينفرد الشاعر “محمد الأخضر السائحي” بمكانة خاصة في المُدوّنة الأدبية الجزائرية، لأنه أشهَرَ قلمه من أجل الإصلاح والتربية وتأصيل القيم الإسلامية والوطنية، كما أن شعره يُعتبر ظاهرة متميّزة من حيث اللغة والبناء والموضوع، وينطلق من سجيّة لا تكلّف فيها. إضافة إلى إسهامات الشاعر الكبيرة في إثراء أدب الطفل، وتقديم الأعمال الإذاعية ذات النكهة الفكاهية والحافلة بالمرح والنكتة، ولكن لغايات تربوية وإصلاحية.. فقد كان جمهور الشاعر من مختلف الفئات المجتمعية، القارئة والأمية، الكبار والصغار، وربما لم يحصل لشاعر جزائريّ أن احتلّ مكانة في الوجدان الشعبي وقلوب الجزائريين، مثل شاعرنا “السائحي الكبير”.

شاعر القُطرين

يُوجزُ كتاب “تاريخ الجزائر الثقافي” للمؤرخ الجزائري “أبو القاسم سعد الله” تعريفا بالشاعر “محمد الأخضر السائحي”، قائلا: “وُلد في بلدة (العلية) نواحي تقرت سنة 1918 وفيها درس الابتدائي، ثم انتقل إلى القرارة، حيث درس سنتين على الشيخ إبراهيم بيوض مدير معهد الحياة وعالم المنطقة، ثم توجه إلى جامع الزيتونة بتونس سنة 1935 وتخرّج منها بعد أربع سنوات، وشارك في الصحافة التونسية والحياة الطلابية، ولما رجع إلى الجزائر تعاطى التعليم الحر ربما في مدرسة النجاح بتماسين، وقد عمل في القسم العربي بالإذاعة الفرنسية بالجزائر ابتداء من سنة 1952، وظل ينتج فيها إلى الاستقلال، كما عَلّم في الثانوي، وأسهم في تحرير مجلة (هنا الجزائر) التي كانت تصدرها الإذاعة المذكورة، نشر شعرا كثيرا في الوصف والدين والأخلاق، وبدأ النثر في الصحف التونسية، وكان هو وبوشوشي وأحمد الأكحل وعبد الكريم العقون، يمثلون تيار الشعر الوجداني في الجزائر، وشعره عمودي رفيع، من دواوينه همسات وصرخات، وجمر ورماد”. وقد أدّت مشاركته في الصحافة التونسية والحياة الطلابية إلى بروزه، فأُطلق عليه “شاعر القطرين” الجزائري والتونسي، وهذا يدلّ على تميّزه الشعري.

من رُوّاد الشعر الرومانسي

يرى “أبو القاسم سعد الله” بأن “السائحي الكبير” من روّاد الشعر الرومانسي في الجزائر، حيث يقول: “نشر السائحي قصيدةً بعنوان (العمياء)، وهي ربما تُعدُّ من الشعر الواقعي الجديد، كما ألقى قصيدة في الحفلة التي أعدّتها بلدية الجزائر لتكريم الممثل يوسف وهبي وفرقته بعنوان (تحية الجزائر لضيوفها)، وهي قصيدة جميلة معنى ولفظا، تحدّث فيها عن العلاقة بين الجزائر ومصر وعن الفن والأدب، كما نشر قصيدة حول العام الميلادي الجديد، وهي قصيدة جميلة تدعو إلى التأمل، ونشر أخرى عن ليلة المعراج”. ويضيف “سعد الله” قائلا: “ولكن الشعر الرومانسي لم يكن حكرا على بوشوشي والسائحي أو شعراء مجلة (هنا الجزائر)، فقد كانت تغلب على الشاعر عبد الكريم العقون النزعة الرومانسية، وبدأ عددٌ من الشعراء الشباب مسيرتهم في قطار الرومانسية مثل: عبد الرحمن الزناقي ومحمد الأخضر عبد القادر السائحي”.

مجلة الإذاعة.. “هنا الجزائر”

“هنا الجزائر” هي مجلة كانت تصدرها الإذاعة الفرنسية باللغتين الفرنسية والعربية تحت سلطة الاستعمار الفرنسي، وكانت تحتوي موضوعات في الأدب والفن والمسرح. يقول “أبو القاسم سعد الله” في كتابه تاريخ الجزائر “ومن المجلات المزدوجة التي ظهرت بعد الحرب الثانية، (هنا الجزائر)، وكانت تصدر منذ 1952 عن محطة الإذاعة. أما رئيس تحريرها فقد كان الشاعر الرقيق الطاهر البوشوشي. وكانت تحتوي بالإضافة إلى البرامج الإذاعية، بعض المقالات والقصص والأخبار والصور. وقد شارك فيها عدد من الجزائريين بالكتابة مثل: مولود الطياب وأحمد بن ذياب وأحمد الأكحل ونور الدين عبد القادر ومحمد الطاهر فضلاء. وكنا قد اطلعنا على مجموعة منها في الجزائر. وهي مجلة مُوجّهة وتساير التطور الفني والمسرحي والأدبي في أوروبا (فرنسا) وتسوق بعض أخبار التمثيل والموسيقى في الجزائر والشرق. وكانت (هنا الجزائر) تهتم أيضا بأدب المشرق الحديث، وإيراد الطرائف والأخبار وفيها بعض الأسماء النكرة مثل: ابن السبيل وابن غالب. وكانت ذات إخراج جيد وأوراقها صقيلة. وقد ضم العدد الخامس والخمسين (مايو – يونيو 1957)، هذه العناوين: زعماء الأدب العربي (جرجي زيدان، وأحمد شوقي، ولطفي المنفلوطي، وخليل جبران)، والأدب العربي (مع الجواري في عصورهن)، والأدب الإفريقي. وهناك موضوع تحت عنوان (التاريخ)، وهو مترجم، وأجوبة على أسئلة السامعين، والموسيقى لغة فن وعلم، ومن رياض الشعر (مختارات من الشعر تبتدئ من الإمام الشافعي وصفي الدين الحلي وتنتهي بشوقي والعقاد) وقد ضم العدد أيضا قصة، وحديث الكتب والمجلات والبرامج الإذاعية. وفي العدد قسمٌ بالفرنسية أيضا، غير أن القسم العربي أكبر حجما”.

الهويّة الشّعرية

توزّعت موضوعات الأعمال الشعرية للشاعر “السائحي الكبير” على أغراض عديدةٌ منها: الوطنية والدينية والاجتماعية والتغنّي بالطبيعة، بالإضافة إلى الأناشيد التربوية المُوجّهة في كثير منها إلى الأطفال. وهو ينطلق من رؤيته للشاعر ورسالته، فيقول في إحدى قصائده كأنّما يقدّم هويته الشعرية بلغة فيها عذوبة رومانسية عميقة:

ذاهــــــــــــــــلٌ كالحالم في الأفق البعيد

وادعُ النظرة كالبسمـــــــة كالطفل العنيد

في مُحيّاه ســــــــُهومٌ أو ظلال أو رعود

وعلـــــــى عينيه نجوى وابتهال وسُجود

سكن الكون وأغفى كل شيء في الوجود

وهــــو سهرانٌ وحيدٌ يرقب النجم الوحيد

الرؤية الناقدة

ونلامس روحه الناقدة بلغة تكتنز فيضًا من الجمال الذي ينفذ إلى قلب المُستمع، في هذه القصيدة التي ألقاها في ملتقى الفكر الإسلامي عام 1982 في تلمسان، وضمّنها رسالته الداعية إلى التسامح ونبذ الخلافات الدينية وتمثّل الماضي بإشراقاته التي تُحيي القلوب على المسلك الصحيح، حيث يقول:

أرى الشعر ينأى إن دنوت ويهرب

يشـــــــــرق في أغراضه ويغرب

ولا يستبيـــــــــه في تلمسان منظر

وإن كــان يستبي الناظرين ويسلب

فمعـــــــــذرة يا ملتقى الفكر ما أنا

أغنّي ولــــــــكن في الحقيقة أندب

عجبت لأرض فوقـــــها قبر خالد

وألـــــف عظيم تحتها ليس تنجب

مــــــــــذاهبهم في الخلاف كثيرة

وليس لهم في وحدة الرأي مذهب

إذا لم نصنع جيلا جديدا على التقى

ونبنيه مــــن أعماقه سوف نخرب

وعـــودوا إلى الماضي البعيد فإنه

إلـــــى أبعد الغايات أدنى وأقرب

شاعرُ الطفولة والتربية الأخلاقية

الكتابة للطفل تستدعي أن يكون المُبدع كاتبا لـ “الكبار” أولاً، ويمتلك أدواته التعبيرية والإبداعية المتمكّنة، ثم يكتب للأطفال. وقد خصّ الشاعر “السائحي الكبير” بعض أعماله لأدب الطفل، وجعلها لغايات تربوية تعليمية مرتبطة بالقيم والأخلاق الإسلامية، فأنتج الكثير من الأناشيد والأغاني، إضافة إلى عمل شعري بعنوان “ديوان الأطفال”. ومن أمثلة أناشيد الأطفال، هذه الأنشودة التي تتحدّث فيها تلميذةٌ عن مُعلّمها ومدرستها..

يــُحبني معلمي

يــــحبني لأنني

تلـــــميذة نجيبة

وطــــفلة مهذبة

فهـــذه كراستي

نــــظيفة مرتبة

حروفها مقروءة

رسومها محببة

وواجباتي دائما

في وقتها تهمني

ونقرأ للشاعر أنشودة أخرى، يخاطب فيها ابنٌ أباه، مُعبّرا عن محبته وامتنانه ووعيه بتضحياته الكبيرة. يقول الشاعر:

أبي يـــــــــــا وقاك الله شرّ النوائب

لأننـــــــي أحق الناس بالمدح يا أبي

تعهـــــــــــدتني طفلا ولا زلت عاكفا

على العطف ترعني وترعى مطالبي

تعــــــــــــاني هموما قاتلات ويبتني

خيــــــــــــــالك مجدا رفيع المراتب

إذا مــــــا نابني حزن حزنت لأجله

وقارعت حتى ينجلي عن مصائبي

ألوان.. في ذاكرة المُستمعين

لعلّ ذكر اسم “محمد الأخضر السائحي” يستحضر في مسامع كثير من الجزائريين ذلك الصوت الجهوري في الإذاعة الوطنية، وهو يقدّم برنامج “ألوان” الذي جمع فيه بين النكتة والتسلية والمتعة والمعلومة المُستخلصة من بطون كتب التراث والأدب، لغايات ثقافية وتربوية ترتقي بالفضيلة والقيم الأخلاقية والوطنية. وما خلّفه “السائحي الكبير” من أعمال إذاعية جديرٌ أن يُعاد إحياؤها وبثّها لقيمتها التي لا “تنتهي صلاحيتها”.

عناوين من حصاد العمر

في الحادي عشر من شهر جويلية 2005 فاضت روح الشاعر “محمد الأخضر السائحي”، وقد خلّف أعمالا مطبوعة كثيرة، منها: همسات وصرخات، جمر ورماد، أناشيد النصر، ألوان بلا تلوين، إسلاميات، تشطير بردة البصيري، الراعي وحكاية الثورة، بقايا وأوشال، لحن الوفاء، ديوان الأطفال.