الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

محنة الحرائق.. هل تغيّر خريطة التصويت؟

Author
نميري عز الدين 06 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبدأ الجزائر هذا الأحد 6 سبتمبر أولى مراحل المسار الانتخابي المؤدي إلى تجديد المجالس الشعبية البلدية والولائية، على أن يجري الاقتراع يوم 28 نوفمبر المقبل، في ظرف تسبق فيه الاستحقاق تداعيات مأساة الحرائق التي مست عددا من الولايات وخلفت خسائر وأضرارا وانشغالات واسعة لدى السكان. ويأتي هذا الظرف قبل أسابيع من موعد التصويت، ما يفتح المجال أمام حضور آثار الكارثة في النقاش المحلي، خاصة في المناطق التي عاش سكانها المحنة وتضررت ممتلكاتهم ومصادر رزقهم. وقد تدفع هذه التطورات الناخبين إلى منح أهمية أكبر لقدرة المسؤول المحلي على إدارة الأزمات والاستجابة لانشغالات المواطنين.

تفرض الكوارث الكبرى على المسؤول المحلي اختبارا يختلف عن الاختبارات التي تفرضها الإدارة في الظروف العادية، لأن الأزمة تحتاج إلى سرعة في القرار، ودقة في تقدير الموقف، وقدرة على تنسيق جهود الحماية المدنية والمصالح المحلية، إلى جانب التواصل المباشر مع السكان. وتتحول هذه القدرات إلى عناصر ملموسة يستطيع المواطن تقييمها من خلال ما يراه في محيطه، بعيدا عن الخطاب الانتخابي الذي يسبق الاقتراع. لذلك قد تدخل طريقة تعامل المسؤولين مع محنة الحرائق في الحسابات التي يبني عليها الناخب موقفه من المرشحين.

ولا تنتهي آثار المأساة بانحسار ألسنة النيران، لأن مرحلة ما بعد الكارثة تفرض بدورها مسؤوليات كبيرة على الإدارة المحلية، بدءا من إحصاء الخسائر وتقييم الأضرار وصولا إلى متابعة أوضاع المتضررين وتسريع التكفل بهم. ويستطيع المواطن خلال هذه المرحلة تكوين صورة أكثر وضوحا عن مستوى المتابعة وقدرة المسؤول على معالجة الملفات التي خلفتها الكارثة، خصوصا عندما ترتبط الأضرار بالمنازل والممتلكات ومصادر الدخل. وقد تصبح سرعة الاستجابة ودقة المتابعة جزءا من الذاكرة التي يحملها الناخب معه إلى موعد الاقتراع.

وفي هذا الإطار، يواصل الولاة في الولايات المتضررة زياراتهم الميدانية إلى المناطق التي مستها الحرائق، لمتابعة عمل اللجان المكلفة بإحصاء الأضرار وتقييمها، والوقوف على أوضاع المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم. وتأتي هذه التحركات تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون المتعلقة بالتكفل بالمتضررين وتعويضهم، ووفقا لتوجيهات وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل سعيد سعيود بشأن ضمان المتابعة الميدانية المباشرة لعمليات الإحصاء والتقييم.

وتحمل هذه المرحلة أهمية سياسية، لأن طريقة معالجة آثار الكارثة قد تؤثر في الصورة التي يحملها المواطن عن أداء الإدارة المحلية. المواطن الذي ينتظر معالجة ملفه أو تعويضا عن أضراره سيراقب مستوى المتابعة والسرعة في معالجة وضعه، وقد يقارن بين ما عاشه خلال المحنة وما سيقدمه المرشحون من برامج ووعود خلال الحملة الانتخابية. وتمنح هذه المقارنة الناخب معيارا عمليا لتقييم المسؤول، يرتبط بقدرته على إدارة الأوضاع الصعبة ومتابعة السكان بعد انتهاء حالة الطوارئ.

ومن هذه الزاوية، قد تدفع محنة الحرائق إلى إعادة ترتيب مفهوم الكفاءة لدى الناخب المحلي. فالمنتخب الذي تحتاج إليه البلدية أو الولاية لا يدير ملفات التنمية والخدمات اليومية فقط، بل يحتاج أيضا إلى القدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية، ومعرفة الصلاحيات المتاحة له، وسرعة التحرك ضمن القانون، وحسن التنسيق مع أجهزة الدولة المختلفة. وتزداد أهمية هذه القدرات في المناطق التي تعرضت للكوارث، حيث يصبح حضور المسؤول في الميدان جزءا من تقييم المواطنين لأدائه.

وقد ينعكس هذا التحول المحتمل على طبيعة الخطاب الانتخابي نفسه، إذ يمكن أن تجد الأحزاب والقوائم المستقلة نفسها أمام ناخبين أكثر اهتماما بملفات الوقاية من الكوارث وإدارة المخاطر وسرعة الاستجابة، إلى جانب قضايا التنمية والخدمات المحلية. ويمنح ذلك الانتخابات مساحة أوسع للنقاش حول الحكامة المحلية، وقدرة المجالس المنتخبة على التعامل مع الظروف الطارئة، وآليات التنسيق بين مختلف المصالح عند وقوع الأزمات.

ويجري هذا النقاش في وقت تستعد فيه الجزائر لتطبيق خريطة إدارية جديدة، إذ ينص التنظيم الإقليمي الجديد للبلاد على 69 ولاية و1541 بلدية، وهو ما يترتب عنه توزيع جديد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد داخل المجالس الشعبية البلدية والولائية. وتحمل الولايات المستحدثة خصوصية إضافية، لأنها ستدخل هذا الاستحقاق ضمن هياكل إدارية جديدة وتوازنات محلية تحتاج إلى إعادة تشكيل، ما يمنح الانتخابات المقبلة أهمية سياسية تتجاوز اختيار أعضاء المجالس إلى بناء موازين محلية جديدة.

وتنطلق هذت الأحد المراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية وتستمر إلى غاية 17 سبتمبر، وفقا للمرسوم الرئاسي رقم 26-284 المؤرخ في 29 أوت 2026 والمتضمن استدعاء الهيئة الناخبة. وتشكل هذه العملية بداية المسار التنفيذي للاستحقاق، قبل استكمال إجراءات الترشح والحملة الانتخابية وباقي المراحل التي تتولى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تنظيمها والإشراف عليها.

ويحدد قانون الانتخابات شروط المنافسة على عضوية المجالس الشعبية البلدية والولائية، حيث ينتخب الأعضاء لعهدة مدتها خمس سنوات وفق الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي دون مزج. وتحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد عن طريق التنظيم، بينما يرتبط عدد أعضاء المجالس بعدد السكان وفقا لنتائج آخر إحصاء عام للسكان والإسكان.

وتفرض القواعد الخاصة بالقوائم تمثيل النساء بنسبة الثلث، وتخصص نصف الترشيحات على الأقل لمن تقل أعمارهم عن 40 سنة يوم الاقتراع، إلى جانب اشتراط مستوى تعليمي جامعي لثلث المترشحين على الأقل، مع استثناء البلديات التي يقل عدد سكانها عن 20 ألف نسمة من شرط تمثيل النساء.

وتمنح الأحكام الانتقالية المتعلقة بالولايات المستحدثة تسهيلات للقوائم التي ترعاها الأحزاب، وفق شروط ترتبط بنتائج الحزب أو مستوى تمثيله في الولاية الأم خلال الانتخابات الأخيرة. ويضيف هذا المعطى إلى الاستحقاق بعدا تنظيميا جديدا، في وقت تتنافس فيه القوى السياسية والقوائم المستقلة على مواقع داخل مجالس ستعمل ضمن خريطة إدارية مختلفة.

وسط هذه المعطيات، قد تحمل محنة الحرائق أثرا سياسيا يتجاوز حدود الولايات التي مستها النيران، لأن النقاش حول أداء المسؤول المحلي في مواجهة الكوارث يستطيع أن يوسع معايير الحكم على المنتخبين. الناخب الذي عاش المأساة أو تابع آثارها عن قرب سيحمل معه أسئلة حول سرعة التدخل، وفعالية المتابعة، ومستوى التكفل بالمتضررين، وقد تمنح هذه الأسئلة وزنا إضافيا للقدرة الميدانية عند اختيار المرشحين.

وتتجه أهمية انتخابات 28 نوفمبر، في هذا السياق، إلى ما هو أبعد من المنافسة التقليدية بين البرامج والقوائم، إذ قد يجد الناخب نفسه أمام تجربة قريبة تختبر من خلالها الإدارة المحلية قدرتها على مواجهة أزمة حقيقية. وإذا بقيت آثار المأساة حاضرة في الذاكرة العامة خلال الأسابيع المقبلة، فإن الحرائق قد تتحول إلى أحد العوامل المؤثرة في إعادة ترتيب الأولويات الانتخابية، وربما في رسم خريطة التصويت داخل عدد من الولايات، عبر منح الكفاءة والجاهزية والقدرة على إدارة الأزمات مكانة أكبر في قرار الناخب.

Author نميري عز الدين
أستاذ العلاقات الدولية
↑